تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة أبو عمر

الأسهم المختلطة

المقدمة

حُوّلت من نسخة مصورةالصفحات 7-20 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 19 دقيقة

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابالأسهم المختلطة

طوال تاريخ التراث لم يواجه الفقه الإسلامي تحدياً كالذي يواجه اليوم أمام أسواق المال وأعمال المصارف وأنماط التمويل ومشتقات الائتمان وأنظمة النقد وصيغ الاستثمار ونحوها من أشكال الحداثة الاقتصادية المعقدة، ولقد شاع بين كثير من الباحثين المعاصرين استعمال مصطلح (النوازل) في التعبير عن هذه المتغيرات.

وفي تقديري أن إسقاط مصطلح النوازل على هذه الحالة الجديدة يعتبر توظيفاً غير دقيق، ذلك أنه لا يعكس حجم وطبيعة هذه المعطيات الجديدة، فالأفق الدلالي لمصطلح النوازل يوحي بمجرد وقائع حادثة تقفز بين فينة وأخرى على هوامش الكتلة الفقهية الفروعية الراسخة والمستقرة، كما هو المعهود في تاريخ التراث الإسلامي المديد، أما في واقع اليوم فالشأن قد اختلف تماماً، ذلك أننا لسنا أمام مجموعة فروع حادثة تزور طاولة الفقيه غباً بقدر ما إننا أمام منظومة اقتصادية جديدة ذات منتجات متدفقة وتبدلات متسارعة وتحولات محمومة وعلاقات مركبة بحيث أصبح الجديد هو الأصل والتقليدي هو الاستثناء.

ومهما شعر المتابع بتعقيد الصورة الاقتصادية المعاصرة في مقابل أزمة (الهدر الفقهي) في البرامج التقليدية للعلوم الشرعية، فإنه لا يمكن أن يتجاهل جهود بعض الرواد من الفقهاء المعاصرين الذين أصروا على خوض غمار هذه المعطيات الجديدة، والاجتهاد في محاولة تقديم أدق تصور شرعي يحقق المراد الإلهي، عبر المشاركة الجادة والمتواصلة في ندوات المصرفية الإسلامية، والمجامع الفقهية، واللجان الشرعية لأعمال

المصارف، والمجلات العلمية المتخصصة، والأطروحات الفقهية، والرسائل الأكاديمية المتميزة، وغيرها من القنوات المعنية بالمشكلات الفعلية في حياة المجتمع المسلم، فإلى أولئك وحدهم يعود الفضل الأساسي - بعد الله - في تنمية فقه المعاملات المالية والدأب على تطويره.

ومهما تطرحنا من نقد حول واقع فقه المعاملات المالية المعاصرة فإن ذلك ينبغي أن لا ينسينا واجبات الوفاء لأولئك الآباء المؤسسين الذين ضحوا براحتهم الشخصية وقاوموا كثيراً من ارتباطاتهم الاجتماعية وضغوطات الحياة المادية من أجل أن يقدموا للمجتمع المسلم منظوراً يبني إمكانياته الاقتصادية والاستثمارية في ظل الاطمئنان الشرعي. ومع ذلك كله لا تزال في طريق علم (فقه المعاملات المالية) الكثير من الخطوات والمهام الضرورية لاستكمال مسيرة التنمية الفقهية، فبادئ ذي بدء لقد حان الوقت لكي يقرر هذا الفرع الفقهي أن يستقل عن الشجرة الفقهية العامة كما استقل من قبله علم الفرائض وعلم القضاء وعلم السياسة الشرعية وغيرها من الفروع التي احتلفت باستقلالها المبكر في تاريخ الفقه الإسلامي احتراماً لخصوصيتها وحاجتها للمعالجة المتخصصة.

فقد أصبحت خصوصية فقه المعاملات المالية النابعة من تعقد علاقاته بالعلوم الأخرى كالاقتصاد والمحاسبة والقانون التجاري والإدارة وغيرها من العلوم ذات الصلة أكبر من أن تحتملها فصول معدودة في مدونة الفقه الإسلامي، ويستحيل على الفقيه المعاصر أن يكون مبدعاً في فقه المعاملات المالية طالما أن دراسته لهذا الفرع لا تزال تقتصر على بضع محطات متواضعة في رحلته الفقهية الشاسعة والمنهكة والممتدة من (باب المياه) إلى (باب الإقرار).

لقد آن الوقت - إن لم يكن قد تأخر كثيراً - لكي يصبح فقه المعاملات المالية تخصصاً مستقلاً يزود المتدرب فيه بكامل التقنيات المعرفية التي يحتاجها من العلوم الإنسانية الحديثة، وبشكل خاص المفاهيم الأساسية في الاقتصاد والمحاسبة والقانون التجاري والإدارة بالإضافة إلى الكليات الفقهية والقواعد الأصولية والمبادئ المقاصدية وتاريخ

التشريع ذات المساس المباشر بهذا العلم، بحيث تصبح هذه الوحدة الفقهية مجهزة بكامل المعدات العلمية اللازمة بشكل منظم.

كم هو مؤلم أن تكون كثير من كليات الشريعة والتي من المفترض أن يكون تخصصها الدقيق هو الفقه الإسلامي لا تزود طلابها بمنهج مستقل للمعاملات المالية المعاصرة، فيصطدم الطالب غير المؤهل بنظام الحياة الاقتصادية المعقدة غير قادر على الربط بين النماذج التراثية التي تعلمها والصيغ الحديثة التي يواجهها إلا من خلال جهود شخصية خارج البرنامج الرسمي كثيراً ما تكون متعثرة وغير منظمة.

وإذا اتفقنا أن أزمة الهدر الفقهي لا تعود إلى عامل واحد بل ترتبط بشبكة من العوامل الاجتماعية والسياسية والمعرفية، فإنه لا شك أن من أهم المشكلات التي ساهمت في تكريس أزمة الهدر الفقهي مشكلة (تكلف المغايرة) النابعة من القلق غير الطبيعي من توافق بعض الأحكام الشرعية مع صيغ الاقتصاد الغربي، فبدلاً من تركيز الجهد الفقهي في تحليل الخيارات الشرعية الممكنة والمتاحة في ضوء واقعنا ونسيجنا الفقهي الخاص، ينجرف كثير من الباحثين في تصوير الفقه الإسلامي كنقيض للاقتصاد الحديث توهماً أن هذا المسلك هو السبيل الأساسي للبرهنة على وجود (اقتصاد إسلامي)، والواقع أنه ليس من معايير الحقائق الشرعية تناقضها مع الخبرة البشرية، بل على العكس من ذلك فإن من القرائن الدالة على رجحان الاجتهاد الفقهي تأييده واعتضاده بنتائج الخبرة البشرية.

ومن جانب آخر فإن عدم قدرة الفقهاء المعاصرين على إنشاء قاعدة بيانات فقهية كان أحد أهم مصادر الهدر الفقهي، حيث افتقد البحث الفقهي القنوات الخاصة التي تضمن تدفق النتائج الفقهية إلى أوعية منظمة بما يمكنها من تحقيق عنصر التراكم، وانعكاساً لهذا الغياب تستمر أزمة تكرار الجهود والدوران في حلقة مفرغة بما يحرم فقه المعاملات المالية من أحد أهم شروط نمو المعرفة.

كم يعاني الفقيه اليوم من غياب الإمكانيات التي تتيح له التعرف على الدراسات السابقة في الإشكالية محل اهتمامه، وكم هو محزن

حين يبذل الفقيه جهداً في استيعاب الدراسات الفقهية في الموضوع محل اهتمامه ثم يتفاجأ بأنها جميعاً أعادت بحث الموضوع من خط البداية الأول، ولم يحاول أحد منها أن يواصل شوط البحث من حيث توقف الآخرون، يا ترى كيف سيكون حال الخبرة الفقهية لو أتيح لنتائج الباحث الأول أن يناقشها ويعمقها الباحث الثاني وهكذا دواليك؟.

كما أن من أهم مصادر أزمة الهدر الفقهي استنفاد جهود المجامع المتخصصة في دراسة التطبيقات الجزئية الصغيرة عبر التعسف في تعليب المعاملات المستجدة داخل الأوعية الفقهية التقليدية وقسرها على تقمص أشكال العقود التراثية فتخرج كثير من البحوث بصورة كسيحة تشي بحجم التكلف الهش، في مقابل إهمال بناء (منظومة القواعد المرجعية) الحاكمة لهذا العلم.

إن المجامع المتخصصة بحاجة - أكثر من أي وقت مضى - إلى أن تبلور للشريحة المستهدفة من مصرفيين ومستثمرين ونحوهم دليل إجراءات منظم لا ينجرف في ملاحقة الجزئيات وخلافياتها، بل يكرس بشكل أساسي لتنظيم (معايير المعاملات الشرعية) بحيث يحتوي هذا الدليل القياسي على أسس مفاتيح البطلان وقواعد تنظيم الحقوق والالتزامات والمبادئ الأساسية للآثار العقدية، وبمعنى آخر الإجابة على الأسئلة الثلاثة التالية: ما موانع صحة المعاملة؟ وما هي حقوقك؟ وما هي واجباتك؟ دون إغراق في تفصيلات الخلاف الفقهي، بحيث يتمكن الفرد غير المتخصص من استيعاب القواعد الفقهية العامة التي تمنحه الاطمئنان الشرعي في إدارة استثماراته الشخصية ومشاريعه الخاصة، ويكون اعتماد هذا الدليل من المجامع المتخصصة مادة متاحة لبرامج التدريب الشرعي.

وفي خصوص هذا السياق، أعني سياق المعايير والقواعد الفقهية فإن الدارس لتاريخ التراث الفقهي لا تخطئ عينه إشكالية غياب التوازي في معالجة حقول الفقه، فقد قدم فقهاء الإسلام ابداعاً معرفياً غير مسبوق في الحضارات الماضية ولا تنقضي منه الدهشة العلمية في العناية بحقلين أساسيين أمطرهما الفقهاء بوابل من المعالجات المستديمة، وأمواج من التحليلات المقارنة المتدفقة، حتى غدت

موسوعاتها محيطات متلاطمة من الأقوال والتخريجات والتقعيدات والتقسيمات والاستدلالات والتعليلات والاعتراضات والأجوبة، وهما:

  • حقل الفروع الفقهية.

  • حقل أصول الفقه.

ولكن الحقلان الآخران كانا يعانيان من الجفاف المتقطع فينتعشان تارة ويذبلان تارة أخرى وهما:

  • حقل القواعد الفقهية.

  • حقل مقاصد الشريعة.

والواقع أن المسافة المعرفية بينهما مسافة فلكية غير قصيرة، وقد أثر هذا العطب الذي لحق بهاتين العجلتين على السير الطبيعي للعربية الفقهية بشكل عام وأصابها بنوع من العرج النظري.

فأما حقل القواعد الفقهية -وهو الموضوع الذي يعيننا الإشارة إليه هنا بشكل خاص- فإن أزمته الأساسية أن الفقهاء اقتصروا على معالجته من خلال (أساس كمي) ولم يضيفوا إلى ذلك دراسته على (أساس موضوعي) بمعنى أن الفقهاء نظموا علم القواعد الفقهية بشكل هرمي، فرتبوا القواعد حسب كثرة الفروع المدرجة في كل قاعدة، ولذلك بدؤوا بالخمس الكبرى ثم بالكليات العامة ثم بالضوابط، وحين يحلل الدارس مثلاً أسس هذه القواعد الخمس الكبرى كقاعدة اعتبار القصد ورفع الضرر واعتبار العرف ورفع الحرج فإنه يتفاجأ أنه لا يوجد أية وحدة موضوعية بينها، وإنما الرابط الوحيد الذي يحبك أصرتها هو رابط كمي، وهو كما يعبر الفقهاء (كثرة الفروع المدرجة)، ولذلك كانوا يسمونها أحياناً (علم الأشباه والنظائر)، أو كما تراهم يقولون: هذه القاعدة تدخل في كل باب من أبواب الفقه، أو يقولون: هذه القاعدة نصف الدين، أو يقولون: تدور الشريعة على خمسة قواعد، ونحو هذه العبارات التي توحي بمدخل التفكير الكمي الذي دخلوا من خلاله إلى هذا العلم.

وبالتالي فقد أصبحت هذه القواعد في جوهرها تشكل أسس العقل الفقهي العام أو قوانين المنطق الفقهي العام لأنها تحكم الإجراءات

التي يسير عليها التفكير الفقهي بشكل غير محدود بموضوع فقهي معين، وبسبب خروج دالة التحليل عن التحليل داخل المجال الفقهي الخاص فقد أصبحت كثير من قواعد الفقه قواعد عقلية عامة أكثر من كونها قواعد حقوقية خاصة، وهو ما يفسر تداخلها وصلاحياتها للاستخدام في قواعد العلوم الأخرى لعدم اختصاصها بالفقه كما في قاعدة (المشغول لا يشغل) أو قاعدة (إعمال الكلام أولى من إهماله) أو قاعدة (يصح تبعاً ما لا يصح استقلالاً) أو قاعدة (الدفع أقوى من الرفع) أو قاعدة (لا ينسب لساكت قول) ونحوها فقد استعمل أمثال هذه القواعد المحدثون والنحاة والبلاغيون وغيرهم، وهذا المدخل في دراسة القواعد الفقهية لا يمكن أن نشكك في أهميته، بل هو مدخل ثري ومبدع.

ولكن المدخل الموضوعي الذي عانى من التهميش هو أيضاً مدخل هام، وأخطر نتيجة لغيابه هبوط إمكانية الفقه الإسلامي في المنافسة الحضارية، وخلاصة هذا المدخل الموضوعي هو استخلاص وبناء منظومة القواعد الفقهية الحاكمة لقطاع فقهي معين، كقطاع فقه المعاملات المدنية، أو قطاع الفقه الجنائي، أو قطاع فقه الأحوال الشخصية، ونحوها من أقسام الفقه.

وهذا المدخل استطاع الفقه الغربي الحديث أن يواصل تطويره بجهود نظرية مستمرة حتى ظهرت ما يسمى بـ(النظريات الفقهية) مثل: نظرية الالتزام، ونظرية العقد، ونظرية الملكية، ونظرية الأهلية، ونحوها من النظريات التي تنظم قطاعاً فقهياً معيناً، مثل أن يدرس في نظرية العقد المبادئ المشتركة التي تحكم كافة العقود الشرعية، وليست أحكام عقد مسمى بعينه كعقد البيع أو الإجارة أو الرهن ونحوه، وقد استطاعت هذه النظريات التي تمكن الفقه الغربي من تطويرها أن تبهر بفعاليتها المعرفية وتقنياتها النظرية كثيراً من المجتمعات المعاصرة فأصبحت عالة في دراسة الفقه والتشريع على منجزاته.

والحقيقة أن هذا المدخل الموضوعي في دراسة الفقه يوجد له في التراث الإسلامي جذور من الملاحظات المتناثرة التي سجلها بعض

الفقهاء المبدعين وخصوصاً الإمام ابن تيمية، وأهم دراسات الإمام ابن تيمية التي برزت فيها هذه الملاحظات النظرية المقارنة رسالتيه (صحة أصول أهل المدينة) و (بيان الدليل على بطلان التحليل)، حيث يعرض الإمام ابن تيمية مقارنات متعددة حول الفرق بين مدرسة الحديث ومدرسة الرأي أو بين المذاهب الأربعة، ليس من خلال عرض تفاصيل الخلاف في المسائل كما هو في علم الفروع، وليس من خلال القواعد الكمية كما هو في علم القواعد الفقهية والأشباه والنظائر، وليس من خلال آليات الاستنباط كما هو في علم أصول الفقه، وليس من خلال غايات التشريع كما هو في علم مقاصد الشريعة، وإنما من خلال النظريات العامة التي تحكم كل مدرسة فقهية في تعاملها مع قطاعات الفقه الإسلامي كالعقود والأشربة والأطعمة والجنايات والأنكحة وغيرها، وخذ مثلاً هذه المقارنات الموضوعية بين نظريات المذاهب والتي يقول فيها الإمام ابن تيمية:

(ومعلوم أن مذهب أهل المدينة في الأشربة أشد من مذهب الكوفيين… وأما الأطعمة فأهل الكوفة أشد فيها من أهل المدينة… وأما العقوبات والأحكام فمذهب أهل المدينة أرجح من مذهب أهل الكوفة… ففي الجملة أهل المدينة وفقهاء الحديث مانعون من أنواع الربا منعاً محكماً… وأما الغرر فأشد الناس فيه قولاً أبو حنيفة والشافعي رضي الله عنهما أما الشافعي فإنه يدخل في هذا الاسم من الأنواع ما لا يدخله غيره من الفقهاء… لكن أصول الشافعي المحرمة أكثر من أصول أبي حنيفة في ذلك…)1.

ولو استطاعت المسيرة الفقهية أن تواصل بلورة هذه الملاحظات الفقهية التي سجلها فقهاء التراث المبدعون ودفعها حتى نهاية الشوط لقدمت للفقه الإسلامي منجزاً تشريعياً مذهلاً يُمكن الفقيه من التحكم في الفروع والسيطرة على التفاصيل، والأهم من ذلك كله: تصدير الفقه الإسلامي للأمم المعاصرة، بما يحقق الغاية الإلهية الشريفة وهي حمل رسالة الله للناس كافة وإظهار الهدى ودين الحق على الدين كله، ولكن وبالشديد

الأسف فقد حرمت هذه الملاحظات ممن يتعاهدها بالسقي والعناية والتقليم فلم يكتب لها النمو والاستمرارية والتراكم لتتحول إلى (علم منظم) فبقيت مجرد ملاحظات مشتتة على هامش موسوعات الفقه المقارن.

ولا يشك من يعنيه أمر الفقه الإسلامي أن من أهم المخاطر التي تهدد عملية التنمية الفقهية ظاهرة الإعراض عن البحث الفقهي الجاد بما يقتضيه من ولع بتفحص النصوص والتنقيب في مدونات التراث واستقراء للاتجاهات وتحليل للمستندات وتداول للنتائج والاستعاضة عن ذلك كله بالركون إلى إصدار الفتاوى بادي الرأي في القنوات الفضائية والمجلات الإلكترونية بحسب ما تمليه خواطر الوهلة الأولى، وحقيقة الأمر أن الفقه لا تبنيه ألسنة الفتاوى المرسلة وإنما تبنيه سواعد البحث المضيء.

ويعود جزء من الهشاشة الفقهية في بعض المعالجات الفقهية المعاصرة المطروحة اليوم في القنوات الفضائية والمجلات الإلكترونية إلى إشكالية معرفية في قلب منهج الاستدلال الفقهي، حيث يفتي كثير من المتصدرين للفتيا في المسائل المعروضة عليهم بناء على مفاهيم إجمالية مطمورة استقرت في أذهانهم حول القواعد العامة للمعاملات كقاعدة الربا أو قاعدة الغرر أو قاعدة الضمان ونحوها، وهذه المفاهيم الإجمالية مأخوذة من الفهم المدرسي المباشر للنصوص الشرعية العامة دون استيعاب تحليلي لتصرفات الشارع التطبيقية في التعامل مع هذه القواعد العامة، ودون استخلاص لكافة القرائن العملية من مجمل السياق التشريعي في عصر النبوة، كما يقول الإمام ابن تيمية (ومن طرد القياس الذي انعقد في نفسه، غير ناظر إلى ما يعارض علته من المانع الراجح، أفسد كثيرا من أمر الدين وضاق عليه عقله ودينه)2.

ولنضرب على ذلك مثلا: فحين يأتي النص العام بالنهي عن الميسر، وأنه قد (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الغرر) والغرر هو مجهول الحال أو المال، فإن كثيرا من المتعاطين لفقه المعاملات اليوم كلما رأى مخاطرة

في عقد مستجد ناشئة من جهالة الحال أو المال هجم عليها بإسقاط النصوص العامة في حظر الغرر والميسر.

يبدو أن دراسة التعامل النبوي التطبيقي مع عنصر الجهالة والمخاطرة يكشف أن هذا الفهم المجمل لمفهوم الغرر يتعارض مع مراد الشارع، فلم يرد الشارع بحال أن يحسم كل أنواع الغرر والجهالة بهذا الإطلاق الموهوم، فسيرته العملية والتطبيقية تكشفت عن تشريع أربعة مستويات مختلفة من الغرر، حيث أجاز الشارع الغرر في غير عقود المعاوضات كما في هبة المجهول، وأجاز الشارع الغرر اليسير كما في بيع أساسات الدار، وأجاز الشارع الغرر التبعي كما في بيع الثمرة التي لم يبد صلاحها مضمومة إلى الأصل، وأجاز الشارع الغرر المحتاج إليه كما في بيع المغيبات.

وتكمن خطورة هذا المنهج المعتمد على عمومات النصوص دون استيعاب لتصرفات الشارع التطبيقية في أنه يندرج تحت آفة من آفات أحبار اليهود التي نهى الله فقهاء المسلمين عن سلوكها وهي آفة (تبعية الكتاب) عبر أخذ بعض نصوصه وترك بعضها الآخر كما قال تعالى في سورة البقرة (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ).

وعلى صعيد آخر.. يخطئ كثيراً أولئك المتفوقون المأخوذون بالسياقات الفكرية والفلسفية ممن يستهترون بعلم الفقه الإسلامي وأن الأمر لا يحتاج كل هذه الجهود باعتبار أن الدين واضح ميسر لا يحتمل كل هذا التعقيد الذي يتحدث عنه، وفي تقديري أن هناك خلطاً لمصدر التعقيد نشأ بسبب الفهم المجمل الذي يعوزه التفصيل لمكونات الإجابة الفقهية، فالواقع أن أية إجابة فقهية هي مزيج من عنصرين أساسيين هما: قاعدة وواقعة، فأما القواعد الشرعية فهي ميسرة بينة محكمة بمقتضى النص القطعي (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مذكر) وأما الوقائع فهي تزداد تعقيداً مع التطور المذهل في الحياة الإنسانية، وهذا يعني أن فقه المعاملات المالية ليس علماً شائكاً بسبب وعورة قواعد الوحي الإلهي -حاشا وكلا- ولكن بسبب حجم وطبيعة المعطيات والوقائع الاستثمارية الحديثة، فالتعقيد في الوقائع لا في القواعد. وفي إطار محاولات الفقهاء الرواد في التواصل مع العلوم الحديثة ذات الصلة

بفقه المعاملات المالية بخصوص تصوير العقود والوقائع المستجدة وتوضيح صيغ علاقاتها المؤثرة على الحكم الشرعي يلاحظ المتابع موقفاً مترعاً بالمفارقة في تحديد وزن العلوم الحديثة التي يمكن الاستفادة منها في هذا المجال.

فقد تم في هذا السياق بناء تواصل إيجابي معقول مع الاقتصاد الحديث وتبادل للخبرات مع رجالات الاقتصاد من خلال استكتابهم في المجامع الفقهية والاستناد إلى نتائجهم العلمية وترجمة دراستهم الأجنبية في تمام مستمر وملحوظ لمراجعة الاقتصاديين في الوعي الفقهي المعاصر، في مقابل القطيعة والنفور المذهل مع خبراء التشريعات التجارية والمالية الحديثة، على الرغم من أن خبراء التشريع من شراح القانون ونحوهم في المجتمعات المتقدمة هم الوجه الحقيقي المقابل للفقهاء في المجتمع المسلم. بما يعني أن إمكانية استفادة الفقيه في تصوير العقود والمعاملات المعاصرة من خبراء القانون التجاري الحديث أكبر بكثير من إمكانية الاستفادة من خبراء الاقتصاد الحديث بسبب وحدة الوظيفة والهموم المشتركة بين علمي الفقه والقانون في مقابل التفاوت الواسع بين وظيفة الفقه ووظيفة الاقتصاد، فوظيفة علم القانون دراسة تنظيم العلاقات الحقوقية بين أفراد المجتمع، أما وظيفة علم الاقتصاد فهي دراسة سلوك الإنسان في إدارة الموارد النادرة لإشباع حاجاته.

ولنضرب على ذلك مثلاً: فحين يدرس علم الاقتصاد موضوع (العمليات البنكية) من خلال مادة النقود والبنوك فإنه يدرسها بهدف تحقيق أكبر معدل تنافسي للعائد باعتبارها أحد موارد التمويل وتوزيع الائتمان، أما علم القانون فحين يدرس هذه (العمليات البنكية) من خلال مادة القانون التجاري فليس معنياً بالبحث عن أنجع الوسائل لتعظيم الربح ولكنه معني بدراسة الالتزامات والآثار الحقوقية الناشئة عن هذه العمليات عبر تحليل عناصر العقود والعلاقات بين العاقدين.

ويبرز أثر هذا الاختلاف جلياً في سائر الموضوعات المدروسة في العمليات البنكية بين العلمين، فمثلاً يدرس علم الاقتصاد عقد (الخزانة الحديدية) باعتبارها أحد آليات تحقيق الأمان للعميل بما يستقطب المزيد من الأصول، بينما في دراسة فقهاء القانون لهذا العقد يذهب

الجهد الأساسي لمناقشة تكييف هذا العقد: هل هو عقد ودية باعتبار عنصر الحفظ؟ أم هو عقد إيجار باعتبار شراء المنفعة؟ أم هو عقد قرض باعتبار حرية التصرف؟

ويتضح للفقيه أن المدخل الذي يتناول علم القانون موضوعاته من خلاله أقرب إلى علم الفقه وأشبه ببنيته المعرفية من المدخل الذي يسلكه علم الاقتصاد، بسبب تركيز علم القانون وإبرازه لذات العناصر والعلاقات التي يستهدفها علم الفقه، ولذا فهو أجدى وأكثر عائدة في تصوير العقود والوقائع المستجدة.

فالمفترض في فقهاء المعاملات المالية المعاصرة اليوم أن يتجاوزوا تلك الحساسيات التاريخية مع علم القانون والتي نشأت في ظل مناخ من التوترات السياسية أججتها حالة الاحتجاج الشعبي ضد القسر الإمبريالي في تقريب التشريعات.

بمعنى أنه يجب على الفقهاء المعاصرين أن يعيدوا علم القانون إلى صورته الطبيعية المتوازنة من حيث كونه علم وضعي فيه ما يخدم الفقه الإسلامي وفيه ما يتعارض معه، فما الذي يجعل علم الاقتصاد الوضعي ذي الصبغة الرأسمالية والمنشأ الغربي يجوز التواصل النقدي معه والتفاعل الإيجابي مع المختصين فيه، بينما يحرم هذا التواصل النقدي والتفاعل الإيجابي مع علم القانون الحديث؟ فواقع الأمر أن كلا هذين العلمين من حيث التصور الشرعي الطبيعي يقفان في ذات الخانة، وهي خانة (العلوم الوضعية) المرتبطة بالخبرة البشرية، والخاصة للفحص الشرعي، فيؤخذ منها ويرد طبقاً للقاعدة العامة في الموقف من العلوم الوضعية، أي بحسب التوافق والتعارض مع أصول الشريعة.

وفي هذا السياق يجب أن نعرف وبمرارة أن علم (الاقتصاد الإسلامي) ابتعد كثيراً عن وظيفته الحقيقية، فبدلاً من أن يكون رجل الاقتصاد الإسلامي مشغولاً بالإبداع في دراسة وتحليل وتفسير ومعالجة علاقات الناتج القومي والإنفاق الحكومي والسياسات النقدية ومعدلات التضخم واستراتيجيات إدارة الطلب وقواعد التجارة الدولية واختلافات الائتمان الإسلامي والحلول التمويلية وسائر عناصر الظاهرة الاقتصادية في

ظل الإطار الإسلامي، تحول كثير من الاقتصاديين الإسلاميين عن المشاركة الفعلية في جوهر علم الاقتصاد وانشغلوا بدور فقهي يختلف تماماً عن دورهم الأساسي وهو التصدر (فتاوى المعاملات) مع تقديم خلاصات اقتصادية يسيرة على هامش فتاواهم يتم اختصارها من المصادر المدرسية الغربية.

وما لم يتم تدارك الأمر وفرز الحدود الفاصلة بين العلوم الإسلامية والتفريق الواضح بين الدور الاقتصادي والفقهي والقانوني فإن المجتمع المسلم سيظل يعاني من علاقة التبعية بالإبداع الاقتصادي الغربي، ومن أخطر انعكاسات هذه الصيغة من صيغ العلاقة الثقافية بالآخر تسلل الشلل الفكري إلى إمكانيات الإنتاج، والإصابة بعقم الإبداع، نتيجة الاعتماد على جاهزية المنتجات الغربية، وترسيخ عاهات الإنقسام النفسي في قلب الثقافة الاجتماعية.

وعلى أية حال.. فإن استقلال الإبداع لا يعني التوتر مع منتجات الحداثة الاقتصادية المعاصرة، ولا يعني أن يكون الفقيه مهووساً بحمل النصوص والتعسف في تصويرها كقيض للاقتصاد الغربي، ذلك أن القيام بأمانة البيان للناس وحمل رسالة الفقه الإسلامي النبيلة ليس مرتبطاً بمخالفة خبرات الإنسان، بل مرتبط بشكل أساسي بتقديم أدق منظور فقهي يستوعب مراد الشارع ومقاصده العامة التي يحبها الله ويرضاها ويتغياها في أحكامه كالعادل والقيام بالقسط ورعاية المصالح ورفع الحرج وإزالة الضرر واعتبار العرف وإظهار الدين ونحوها من الغايات الإلهية الشريفة.

وفي سياق هذه الخواطر السابقة حول واقع فقه المعاملات المالية المعاصرة وطموحات تطويره يظل موضوع (فقه الأسهم) بشكل ملح باعتباره أحد المساحات الموات الجرداء التي لم يتم إحياؤها بالبحوث التحليلية المنظمة والمتوازية مع عمقها وتجديدها، وهناك على قائمة الانتظار العديد من الإشكاليات التي لم تحظ بالدراسة التحليلية مثل:

1- تحقيق نظرية الأسهم النقية.

2- حكم الأسهم المختلطة.

  • ٣- حد اليسير المغتفر هل هو ٥% أم ١٠% أم الربع أم الثلث أم ما دون النصف؟

  • ٤- الأساس النسبي لاحتساب اليسير دفترياً أم سوقياً؟

  • ٥- حكم عقود الخيارات.

  • ٦- حكم عقود المستقبلات.

  • ٧- بيع حق الاكتتاب.

  • ٨- أحكام التداول الإلكتروني.

  • ٩- تقسيط الأسهم.

  • ١٠- البيع قبل التداول.

  • ١١- أسهم الامتياز.

  • ١٢- أحكام التخلص من اليسير المغتفر.

وغيرها من الإشكاليات التي تحتاج إلى استيعابها وتنظيمها في وعاء مستقل تمهيداً لتحليلها فقهياً وتقديمها للمستهلك النهائي في صورة ميسرة.

وقد حاولت في هذه الرسالة أن أشارك الفقهاء المعاصرين بتحليل إشكاليتين أساسيتين وهما تحقيق (نظرية الأسهم النقية) و (حكم الأسهم المختلطة) متوخياً تجاوز الشكليات الأكاديمية التي تعرق انسياب وحرية التحليل الفقهي وتمتص الجهود في هوامش البحث ومظاهره الخارجية، وكل أمل أن أتمكن من تقديم معالجات فقهية تحليلية للإشكاليات الأخرى في رسائل قادمة.

والشكر موصول لكل الزملاء الأوفياء الذين تفضلوا بقراءة مسودة الدراسة وأناروا الباحث تجاه عدد من الزلات ومواطن القصور وساعده بكيفية تجاوزها، وما ند عنه الخاطر فيتبقى من مسؤولية الباحث وحده.

والله الموفق.

ابراهيم السكران

iosakran@yahoo.com

Footnotes

  1. انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية ( 20/224-281 ) و ( 29/20-22 ) ↩

  2. مجموع الفتاوى لابن تيمية (٥١/٢٩) ↩

بطاقة الاقتباس

حد البطاقة 340 حرفًا، بما فيها المسافات. يُختصر التحديد تلقائيًا عند فتح المعاينة.

حرفًا

المعاينة ستظهر هنا

أبلغ عن خطأ