الأسهم المختلطة
حكم الأسهم المختلطة
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
تعرضنا في الفقرة السابقة إلى نظرية الأسهم النقية، وتوصلنا إلى القصور في دقة هذا المفهوم، ونزعته النظرية الذهنية في قراءة الواقع، وأشرنا إلى بعض الشواهد والوقائع من معاملات وعقود الشركات المساهمة التي تؤكد اشتراك كافة هذه الشركات المساهمة اليوم -سواء المدرجة في القائمة النقية أو التي لم تدرج- في مفهوم (المال المختلط) وسنحاول في هذه الفقرة أن نتناول الحكم الشرعي لهذه الأسهم المختلطة.
الواقع أن هناك اتجاهان أساسيان للفقهاء المعاصرين في التعامل مع هذه الشركات المساهمة المختلطة، وهي -كما سبق تعريفها- الشركات التي أصل نشاطها وتمويلاتها مباحة، لكنه خالطها محرم يسير إما من قروض تقليدية، أو فوائد على الإيداعات، أو عقود غريبة، أو أي نشاط آخر غير مشروع.
ولن نتعرض هاهنا لتفاصيل هذه الأقوال المعاصرة، بقدر ما سنشير إلى الاتجاهات العريضة، فالاتجاه الأول الذي ذهب إليه بعض الفقهاء المعاصرين يرى التفريق في التعامل مع هذه الشركات المختلطة بين عموم المعاملة وخصوص المشاركة، حيث يرى جواز مطلق معاملة هذه الشركات المساهمة بيعا وشراء وإجارة وإقراضاً ووكالة وهبة، بمعنى أنه يجوز العمل فيها، والأكل من رواتبها، وقبول هباتها، واستئجار خدماتها، والتمثيل عنها بالوكالة في معاملاتها أمام الدوائر، ومرافعاتها أمام المحاكم، وتأجيرها المنشآت والعقارات، ولكنه يحرم
المشاركة في أسهمها وحصصها فقط.
ويضرب بعض ممثلي هذا الاتجاه مثلاً لذلك بشركة الاتصالات، فيرى أنه يجوز استئجار خدماتها، ودفع الفواتير لها، والعمل فيها سواء كان عملاً إدارياً أم خدمياً، أم العمل على حراسة أمنها، والمراقبة القضائية عنها، واستلام رواتبها، ومعاشاتها التقاعدية، وتأجيرها المرافق التي تحتاجها، وقبول هداياها الرمزية التي توزعها على الجمهور، لكنه يحرم على الإنسان المشاركة في أسهمها أو حصصها، حتى لو تخلص المساهم فيها من العنصر المحرم في أرباحها، لئلا يكون معيناً لها على أكل الحرام، وقد مال إلى هذا الاتجاه اللجنة الدائمة للإفتاء، وبعض الباحثين المعاصرين.
حيث نصت فتوى اللجنة الدائمة على أن (المساهمة في البنوك أو الشركات التي تتعامل بالربا لا تجوز، وإذا أراد المكتتب أن يتخلص من مساهمته الربوية فيبيع أسهمه بما تساوي في السوق، ويأخذ رأس ماله الأصلي فقط، والباقي ينفقه في وجوه البر)1.
أما المجمع الفقهي فقد عقد لبحث هذه الإشكالية ثلاث دورات فقهية، ففي الدورة الأولى عام ١٤١٢هـ أصدر قراراً مبدئياً غير نهائي بالمنع، كما جاء في صيغة القرار (الأصل حرمة الإسهام في شركات تتعامل أحياناً بالمحرمات، كالربا ونحوه، بالرغم من أن أنشطتها الأساسية مشروعة)2.
ثم في الدورة الثانية عام ١٤١٤هـ أعلن المجمع عدم كفاية البحوث المقدمة وأوصى باستكتاب المزيد من البحوث، ثم في الدورة الثالثة بعد تعميق المجمع البحث في هذه القضية عبر تكثيف الدراسات ومواصلة استكتاب البحوث فيها، أصدر المجمع قراره الجديد عام ١٤١٥هـ بالتوقف في المسألة وتعليق البت فيها، كما جاء في نص القرار:
(تبين أن الموضوع تضمن بين عناصره مسألة شراء أسهم الشركات التي غرضها وأنشطتها الأساسية مشروعة، لكنها تقترض أو تودع أموالها بالفائدة، وهي لم
يقع البت في أمرها، بالرغم من عقد ندوتين لبحثها، وصدر قرار مبدي فيها للمجمع في دورته السابعة، ثم قرار لاحق في دورته الثامنة بأن تقوم الأمانة العامة باستكتاب المزيد من البحوث في هذا الموضوع… وبعد الشروع في المناقشات التي دارت حوله، تبين أن الموضوع يحتاج إلى الدراسات المتعددة المعقدة، لوضع الضوابط المتعلقة بهذا النوع من الشركات الذي هو الأكثر وقوعاً داخل البلاد الإسلامية وخارجها3.
أما الاتجاه الثاني للفقهاء المعاصرين فذهب إلى مشروعية المشاركة كما جاز عموم المعاملة من حيث الأصل في أسهم الشركات المساهمة المختلطة، إذا كان المخالط المحرم يسيراً ليس بكثير وتبع ليس بمستقل، وذلك بالنسبة إلى الأصل العام في نشاط الشركة المباح.
لكن أصحاب هذا الاتجاه اختلفوا في بعض الضوابط التفصيلية للمشاركة وآثارها، كتعيين الحد الفاصل لليسير المغتفر من قروض أو إيرادات أو عناصر محرمة، وتحديد الأساس النسبي لاحتساب اليسير دفترياً أم سوقياً، وقواعد التخلص من الإيراد المحرم، وغيرها من الضوابط التفصيلية، وقد مال إلى هذا الاتجاه الفقيه الراحل الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله، وفضيلة الشيخ عبدالله بن منيع، وفضيلة الشيخ عبدالله بن عقيل، وفضيلة الشيخ عبدالله المطلق، ومعظم اللجان الشرعية المشرفة على أعمال المصارف، وبعض الباحثين المعاصرين، ويعبر فضيلة الشيخ ابن عثيمين عن هذا الاتجاه فيقول: (إذا كان الإنسان قد ساهم، أو كان يريد المساهمة، دون أن يسلك طريق الورع… فإننا نقول: الحل في هذه الحالة أنه إذا قدمت الأرباح وكان فيها قائمة تبين مصادر هذه الأرباح، فما كان مصدره حلالاً فهو حلال، وما كان مصدره حراماً فهو حرام، مثل أن يصرحوا بأن هذه من الفوائد البنكية، فإنه يجب على الإنسان أن يتخلص منها بالصدقة بها، لا تقرباً إلى الله، ولكن تخلصاً من إثمها4).
ويؤكد الشيخ عبدالله بن منيع هذه النتيجة فيقول (إن كانت هذه الأسهم
ممزوجة بشيء يسير من الحرام وغالبها حلال، فإن الحاجة العامة لتداول هذه الأسهم قائمة وملحة، وهي تقتضي اغتفار هذا اليسير المحرم في حجم السهم، وعدم تأثيره على جواز تداوله5
وفي تقديري أن إشكالية المساهمة في الشركات المساهمة المختلطة لا يمكن تحقيق الاجتهاد الصواب فيها إلا بتحرير صورتها، وفرزها عن الصور المتبسة بها، فهذه المسألة مرتبطة بأصل شرعي وهو العلاقة بأصحاب (الأموال المختلطة) مثل التاجر الكافر، والمسلم المقصر الذي لا يتحرز عن الربا ونحوه من المعاملات غير المشروعة، مثل أكلة الربا، والسلاطين الظلمة، وأصحاب الحانات، وأرباب القمار، وتجار المجون، ونحوهم.
والحقيقة أن العلاقة بأصحاب (الأموال المختلطة) حصل فيها الخلط بين ثلاثة مراتب متفاوتة الأحكام والآثار ودرجة الاختلاف الفقهي، وهي مرتبة (عموم المعاملة) ومرتبة (المشاركة بالحصة) ومرتبة (المشاركة بالتصرف)، وكان من نتيجة هذا الخلط أن أصبح كل فريق في السجال حول الشركات المساهمة المختلطة يحتج على الآخر بما لا يخالفه فيه أصلاً، وأصبحت الإجابات غير ملاقية لحل الاعتراض في كثير من الأحيان، وسنشير إلى هذه المراتب الثلاثة فيما يلي:
١- مرتبة عموم المعاملة: بمعنى المعاملات القائمة على المبادلة المحضة لأموال مختلطة سالفة لا مستأنفة، كعقود المعاوضات أو التبرعات أو غيرها، بمعنى حكم البيع والشراء وقبول الهدية ونحوها من صاحب مال مختلط حلاله بحرامه، فبعضه اكتسبه بطرق شرعية، وبعضه اكتسبه بطرق محظورة كالربا والميسر والرشوة وثمن مواد محرمة ونحو ذلك، فهذه المرتبة تتلخص أحكامها في القسمين التاليين: ١- أن يتيقن نوع المال: بمعنى أن يعلم عن طبيعة المال الذي قدم إليه، هل هو من عين المال المباح أم من عين المال المحرم، فهنا ذهب جمهور
الفقهاء إلى أن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فإن تيقن أنه أعطاه من مال حلال، جازت معاملته، وإن تيقن أنه أعطاه من مال حرام، كأن يكون قد استولى عليه بطريق العدوان والبغي، كعقارات مغصوبة أو حلي مسروقة أو أمانة مصونة ونحوها، فهذه الأموال لا يجوز قبضها لا كثمن مبيع، ولا غلة إيجار، ولا عمولة وكالة، ولا قبولها كهدية، ونحو ذلك، إذا كان على وجه الكسب لا على وجه الافتكاك، كما قال العلامة ابن قدامة (فصل: وإذا اشترى ممن في ماله حرام وحلال، كالسلطان الظالم، والمرابي: فإن علم أن المبيع من حلال ماله فهو حلال، وإن علم أنه حرام فهو حرام)6
٢- أن يكون المال المختلط مستوراً: بمعنى أن يكون المال المختلط الذي أعطاه منه ممزوجاً غير مفرز لا يعلم عين المال المحرم منه من عين المال المباح، فهنا ذهب جماهير الفقهاء إلى أنه ينظر إلى الغالب، هل الحلال هو الغالب أم الحرام هو الغالب؟
فإن كان الغالب على ماله الحلال، أما الحرام عنده فمال يسير، فإنه تجوز معاملته، بل لقد نقل الإمام ابن تيمية الاتفاق على مشروعية هذه المعاملة، أعني معاملة صاحب الحلال الغالب، وسنشير إلى طرف من نصوص المذاهب الفقهية في ذلك:
قال الكاساني الحنفي (كل شيء أفسده الحرام، والغالب عليه الحلال، فلا بأس ببيعه)7.
وقال القرافي المالكي (اعلم أن الأصل اعتبار الغالب، وتقديمه على النادر، وهو شأن الشريعة، كما يقدم الغالب في طهارة المياه، وعقود المسلمين)8.
وقال العز بن عبد السلام الشافعي (وإن غلب الحلال، بأن اختلط درهم حرام بألف درهم حلال، جازت المعاملة)9.
وقال ابن رجب الحنبلي (قال أحمد في رواية حرب: إذا كان أكثر ماله النهب والربا ونحو ذلك، فكأنه ينبغي له أن يتنزه عنه، إلا أن يكون شيئا يسيرا، أو شيئا لا يعرف)10.
وقد نقل الإمام ابن تيمية الاتفاق على هذه الصورة، وهي جواز معاملة من غالب ماله حلال، حيث يقول: (فإن كثيرا من الناس يتوهم أن الدراهم المحرمة إذا اختلطت بالدراهم الحلال حرم الجميع، فهذا خطأ، وإنما تورع بعض العلماء فيما إذا كانت قليلة، وأما مع الكثرة -أي كثرة الحلال- فما أعلم فيه نزاعا)11.
أما إن كان الغالب على ممتلكاته المال الحرام، بينما المال الحلال عنده مال يسير، فهذا قد تعددت فيه اتجاهات الفقهاء إلى اتجاهين:
الاتجاه الأول ذهب إلى تحريم معاملة من غالب ماله حرام، وهذا مذهب الحنفية، ومذهب المالكية، ووجه عند الشافعية اختاره الغزالي والعز بن عبد السلام، ورواية عند الحنابلة اختارها ابن الجوزي. قال الكاساني الحنفي (ما كان الغالب عليه الحرام لم يجز بيعه، ولا هبته)12. قال الغزالي الشافعي (الأعدل أنه إن كان الأكثر حراما حرم)13.
وقال العز بن عبد السلام الشافعي (إن غلب الحرام عليه بحيث يندر الخلاص منه لم تجز معاملته)14.
وقال ابن مفلح الحنبلي (الثالث: إن كان الأكثر الحرام حرم، وإلا فلا، قطع به ابن الجوزي)15.
أما الاتجاه الثاني فقد ذهب إلى جواز معاملة من غالب ماله حرام مع الكراهة، وهذا مذهب الشافعية، ورواية عند الحنابلة اختارها
العلامة ابن قدامة.
قال الهيثمي الشافعي (فمعتمد مذهبنا أن معاملة من أكثر أمواله حرام مكروهة لا محرمة) 16.
وقال ابن مفلح الحنبلي (والرابع: عدم التحريم مطلقاً، قل الحرام أو كثر، لكن يكره، وتقوى الكراهة وتضعف بحسب كثرة الحرام وقتله، وجزم به في المغني) 17
وقال ابن قدامة الحنبلي (فإن لم يعلم من أيهما هو، كرهناه لاحتمال التحريم فيه، ولم يبطل البيع؛ لإمكان الحلال، قل الحرام أو كثر) 18
وفي استفتاء محدد ورد إلى الإمام ابن تيمية عن معاملة أصحاب الأموال المختلطة، قدم الإمام ابن تيمية في جوابه تلخيصاً مركزاً لهذه الحالات الأربع السابقة، وأشار ضمنياً إلى موقف الفقهاء منها وهي:
١- أن يتيقن أنه أعطاه من عين المال الحلال.
٢- أن يتيقن أنه أعطاه من عين المال الحرام.
٣- أن يكون المال المختلط مستوراً لكن غالب ماله حلال.
٤- أن يكون المال المختلط مستوراً لكن غالب ماله حرام.
وصورة الاستفتاء وجوابه كالتالي:
(وسئل رحمه الله: عن الذين غالب أموالهم حرام، مثل المكاسين، و أكلة الربا، و أشباههم، و مثل أصحاب الحرف المحرمة، كصوري الصور، و المنجمين، و مثل أعوان الولاة، فهل يحل أخذ طعامهم بالمعاملة أم لا؟)
فأجاب: الحمد لله، إذا كان في أموالهم حلال و حرام، ففي معاملتهم شبهة، لا يحكم بالتحريم إلا إذا عرف أنه يعطيه ما يحرم إعطاؤه، ولا يحكم بالتحليل إلا إذا عرف أنه أعطاه من الحلال، فإن كان الحلال هو الأغلب لم يحكم بتحريم المعاملة، و إن كان الحرام هو الأغلب قيل بحل المعاملة، وقيل بل هي محرمة) 19.
والواقع أن تحقيق هذا الباب، وهو مرتبة عموم المعاملة عائد إلى قاعدة (المحرم لعينه والمحرم لكسبه)، فالصواب -والله أعلم- أن الأموال المحظورة
في الشريعة تختلف أحكامها وطرق التعامل معها بحسب اختلاف السبب الموجب لتحريمها، حيث ينقسم المال المحرم إلى نوعين، فأما النوع الأول فهو (المحرم لعينه) وهو المال المحرم لوصف يتعلق بذات المال، كالخمر والميتة ولحم الخنزير والتبغ ونحوها من الأعيان الفاسدة.
وأما النوع الثاني فهو (المحرم لكسبه) وهو المال المحرم لوصف يتعلق بفعل المالك، مثل الربا والقمار والرشوة والمكوس والغلول وحلوان الكاهن ومهر البغي ونحوها من الأثمان المأخوذة بعقود فاسدة.
وتصرفات الشارع في التعامل مع هذين النوعين نابعة من قاعدة الشريعة المستقرة وهي أن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما، ذلك أن المحرم لعينه لا يباح حتى تطهر عينه، فإذا استحالت الخمر بذاتها خلا طهرت بالاتفاق، أما المحرم لكسبه فلا يباح حتى ينتقل إلى مالك آخر بسبب شرعي صحيح، فيصبح مباحا لمن أخذه بعقد شرعي، وإن كان المالك الأول يبقى أثما بأخذه، فالمحرم لعينه يشترط لإباحته أن يتغير الوصف المتعلق بعين المال، لأنه هو العلة الموجبة لتحريمه، فإذا عدمت العلة عدم الحكم، أما المحرم لكسبه فيشترط لإباحته أن يتغير الوصف المتعلق بفعل مالكه، لأنه هو العلة الموجبة لتحريمه، فإذا عدمت العلة عدم الحكم.
وهذا التفريق بين المحرم لعينه والمحرم لكسبه معلوم بالضرورة من معاملات النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته مع سائر المتعاملين كما سيأتي، فقد كان مثلا يفرق في أموال غير المسلمين وأطعمتهم بين المحرم لعينه كالخمر والميتة فلم يكن يقربها، أما أموالهم وأطعمتهم المحرمة لكسبها فقد كان يقبلها إذا انتقلت إليه بطريق صحيح كشراء أو إجارة أو قرض أو هبة أو وليمة أو غنيمة أو فن ونحو ذلك.
وعليه فإن الصواب المجزوم به -والله أعلم- في معاملة المال المختلط المستور إذا كان محرما لكسبه الجواز والمشروعية دون كراهة، وبلا تفريق في نسبة الحلال والحرام أصلا، هل هو حلال غالب أم حرام غالب، ذلك أنه من المعلوم بالضرورة من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وعامة أصحابه أنهم عاملوا اليهود والنصارى والمجوس والمشركين
والمنافقين ممن ليسوا مقتصرين على التهوك في الربا إقراضاً واقتراضاً فقط، بل لا يلتزمون بكافة ضوابط الشريعة في المعاملات والعقود أصلاً، وقد عاملهم النبي وأصحابه دون تفريق في نسبة المحرم إلى أموالهم هل هو محرم غالب أم محرم يسير؟
ثم إن المعاملة مع هذا الصنف من الناس أمر تعم به البلوى في أسواق المدينة ومكة والطائف وكافة الأمصار التي بلغها المسلمين في عهد النبوة، فلو كان التفريق واجباً لبينه الشارع، ولأوضحه النبي لأصحابه، وليشتهر نقله عن الصحابة في بياعاتهم وتعاملاتهم، وسنشير إلى طرف من هذه التعاملات المجملة التي لم ينقل فيها عن الشارع ولا عن الصدر الأول تفريق في الأموال المحرمة لكسبها بين الحرام الغالب والحلال الغالب، بل كانوا يتعاملون معهم دون تفريق، ومن ذلك:
١- أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى لأهله من اليهودي أبي الشحم طعاماً بسداد مؤجل، وكان الطعام شعيراً قدره ثلاثون صاعاً، ورهن النبي صلى الله عليه وسلم درعه عند اليهودي توثقة للدين، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قاس نسبة المال المحرم في أموال أبي الشحم، ولم يقل لأصحابه أنظروا كم يأخذ من المال المحرم؟ بل أخذ على سبيل الإجمال دون تفريق، كما روى الشيخان عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (اشترى من يهودي طعاماً إلى أجل، ورهنه درعاً له من حديد)20.
٢- أن النبي صلى الله عليه وسلم احتاج إلى بعض الثياب فعرض على أحد تجار اليهود أن يشتري منه ثياباً بسداد مؤجل، كما روى بعض أهل السنن بسند جيد أن عائشة قالت (يا رسول الله ثوباك غليظان، فلو نزعتهما وبعثت إلى فلان التاجر اليهودي فأرسل إليك ثوبين إلى الميسرة، قال فأرسل إليه ابعث إلى ثوبين إلى الميسرة، فأبى)21.
٣- أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل الدعوة إلى ولائم اليهود، ويأكل من طعامهم الذي يقدمونه للضيافة، دون أن يفرق في الداعي بين أن يكون غالب ماله حلال أم غالبه حرام، كما في الحديث الصحيح الذي يرويه أنس بن مالك (أن خياطاً يهودياً بالمدينة دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خبز شعير، وإهالة سنخة، فأجابه)22.
٤- أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل هدايا وهبات المشركين، ويقسم لأصحابه منها، دون تفريق في أموالهم، ولو كانت هدايا الكفار محرمة أو مكروهة لردّها كما كان يرد صدقات المسلمين، كما في الصحيحين عن ابن أبي مليكة (أن النبي صلى الله عليه وسلم أهديت له أقبية من ديباج مزرعة بالذهب، فقسمها في ناس من أصحابه، وعزل منها واحداً لمخرمة بن نوفل، فجاء ومعه ابنه المسور بن مخرمة، فقام على الباب فقال ادعه لي، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم صوته، فأخذ قباءً فتلقاه به، واستقبله بأزرارهم، فقال: يا أبا المسور خبأت هذا لك، يا أبا المسور خبأت هذا لك)23.
٥- أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل هدايا المشركين من المراكب، بل وانتفع بها في حروبه، كما انتفع بهدية فروة الجذامي فيما رواه مسلم في صحيحه من حديث العباس بن عبدالمطلب أنه قال (شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم تفرقه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة له بيضاء، أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي)24.
٦- بل إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل هدايا وهبات (ملوك الكفار) بالرغم من أنهم جمعوا بين ذريعتين غالبتين للمال الحرام، وهما ذريعة الكفر، وذريعة الملك، ذلك أن عموم الكفار لا يتوخون ضوابط الشريعة للمعاملات كما قال تعالى في سورة محمد (والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام)، أما السلاطين والملوك فتكثر فيهم المظالم وأكل أموال الناس بالباطل، كما قال تعالى في سورة النمل (إن الملوك إذا دخلوا
قرية أفسدوها)، وقال تعالى في سورة الكهف (وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً)، ولذلك قال الإمام الغزالي (والحلال في أيدي سلاطين هذه الأزمان عزيز أو معدوم)25، وقال الإمام ابن تيمية (قد اختلط في هذه الأموال المرتبة السلطانية الحق والباطل، فأقوام كثيرون من ذوي الحاجات والدين والعلم لا يعطي أحدهم كفايته، ويتمزق جوعاً وهو لا يسأل! ومن يعرفه فليس عنده ما يعطيه، وأقوام كثيرون يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله، وقوم لهم رواتب أضعاف حاجاتهم، وقوم لهم رواتب مع غنائهم وعدم حاجاتهم)26.
ومع ذلك كله، أي مع أن (ملوك الكفار) جمعوا بين هاتين الذريعتين الغالبتين للمال الحرام، وهما ذريعة الكفر، وذريعة الملك، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل هداياهم وهباتهم، كما قبل هدية أكيدر بن عبد الملك النصراني ملك دومة الجندل، كما روى الشيخان عن أنس أن (أكيدر دومة أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم جبة سندس)27.
بل إن النبي صلى الله عليه وسلم تبادل الهدايا مع ملوك الدول الكافرة، كما تبادل الهدايا مع ملك أيلة، كما روى الشيخان عن أبي حميد الساعدي قال (أهدى ملك أيلة للنبي صلى الله عليه وسلم بغلة بيضاء، فكساه النبي صلى الله عليه وسلم بُرْداً، وكتب له ببحرهم)28.
٧- من المعروف في سيرته صلى الله عليه وسلم أنه فرق في أموال الكفار المحاربين التي حصل عليها بطريق المغانم والفن والجزية بين المحرم لعينه كالخمور، وبين المحرم لكسبه كأموالهم التي كسبوها بطريق السحت، فلم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم في كل غزواته ومغانمه أنه تملك في الغنيمة أموالاً محرمة لعينها كالخمور ونحوها، حيث لم يعتبر الغنيمة سبباً مبيحاً ومطهراً لها، لكنه بالمقابل تملك جميع أموالهم المحرمة لكسبها، لأنها انتقلت إليه بطريق شرعي صحيح وهي الغنيمة والفن واعتبرها الشارع أموالاً مباحة، فلم يستبعد أموالهم
التي كسبوها بالربا والسحت والقمار كما استبعد الخمر ونحوها، بل إن الله تعالى سماها أموالاً طيبة كما قال تعالى في سورة الأنفال (فكلو مما غنمتم حلالاً طيباً) ذلك أن الكسب الشرعي يظهر المحرم لكسبه.
٨- أن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب لما أرسل عماله ليأخذوا الجزية من أهل الذمة، لم يجد عماله عند بعض الذميين إلا خموراً، فاستلموها منهم ثم باعوها على غير المسلمين واحتسبوا ثمنها جزية، فلما بلغ عمر ما فعله عماله نهاهم عن ذلك وأمرهم أن لا يتولى المسلم بيع المواد المحرمة لعينها، بل يولوها أهل الذمة ثم يقبضون هم الثمن، لأنه محرم لكسبه انتقل إليهم بطريق شرعي صحيح، ولم يقل عمر لأهل الذمة: لا تقبض منكم إلا مالاً اكتسبتموه بطريق مشروع، بل ولم يأخذ ثمناً يغلب عليه الكسب الحرام فقط، وإنما المال الذي أخذه كله هو مما يعلم أنه عين عوض خالص عن ثمن مواد محرمة أصلاً، بل وتم البيع بأمره، كما روى سويد بن غفلة قال (بلغ عمر أن عماله يأخذون الخمر في الجزية، فقال: لا تفعلوا، ولكن ولوهم بيعها، وخذوا أنتم من الثمن)29.
٩- أن الصحابي الجليل علي بن أبي طالب أجر نفسه من يهودي، حيث تعاقد معه على أن يستخرج لليهودي ماء البئر مقابل عدد الدلاء من التمر، وشاركه النبي صلى الله عليه وسلم في تناول غلة التمر التي اكتسبها من هذه الإجارة، دون تفريق في مال اليهودي بين حلال غالب وحرام غالب، لأنه محرم لكسبه انتقل بطريق شرعي صحيح، كما روى بعض أهل السنن عن ابن عباس قال (أصاب نبي الله صلى الله عليه وسلم خصاصة، فبلغ ذلك علياً رضي الله عنه، فخرج يلتمس عملاً يصيب فيه شيئاً، ليغيب به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتى بستاناً لرجل من اليهود، فاستقى له سبعة عشر دلوًا، كل دلو بتمرة، ثم جاء بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم)30.
وبالجملة فإن (المحرمات العينية) كالخمور والميتات والخنزير والتبغ
ونحوها يتعلق التحريم بأعيانها، ولذا ينتقل معها وصف الحرمة حيثما انتقلت بالتداول بين أيدي العاقدين، أما (المحرمات الكسبية) كفوائد الربا وصفقات القمار وثمن الرشوة وحلوان الكاهن وهدايا العمال ونحوها فإنما يتعلق التحريم بملكها لا بأعيان هذه الأموال، ولذا لا ينتقل وصف الحرمة مع هذه الأموال بالتداول، بل يبقى الوصف متعلقاً بالملك الأصلي، وتسبب لكل مالك بحسب مشروعية عقده الذي وصلت إليه من خلاله، وهذا هو ما جعل النبي صلى الله عليه وسلم يفرق في أموال الكفار بين المحرم لعينه والمحرم لكسبه.
ومصدر الخلل في هذا الباب أن بعض الفقهاء لما رأى النبي تعامل بأموال الكفار توهم أن علة هذا هو كونها مما يستبيحونه في دينهم وهذا مناط فاسد سيأتي بيان ضعفه، وإنما الصواب-والله أعلم- أن الشارع تعامل معهم باعتبار التفريق بين المحرم لعينه والمحرم لكسبه. وزبدة القول في هذه المرتبة أن صاحب المال المختلط إذا لم يعلم أنه أعطاه من عين المال الحرام المأخوذ بعدوان وبقي كعقارات مغصوبة أو حلي مسروقة أو أمانة مصونة، فإنه تجوز معاملته ومعارضته في أمواله المحرمة لكسبها دون كراهة، وبلا تفريق ولا تفتيش ولا تنقير بين نسبة المحرم في أمواله أصلاً، فقد كان هذا هو الهدي العام لرسول صلى الله عليه وسلم وعامة أصحابه من بعده.
وبديهي أن شركة المساهمة المختلطة وإن كان لها نوع صلة عامة بهذه المرتبة، التي هي مرتبة (عموم المعاملة)، إلا أنها لا تنتمي لهذه المرتبة بشكل دقيق، ولذلك اقتضينا عرض التفاصيل الفقهية فيها، وكان هدفنا ينصب على محاولة فرز هذه المرتبة عن الإشكالية محل بحثنا، وتجاوز الخلط الذي وقع فيه بعض الباحثين.
٢- مرتبة المشاركة بالحصّة: بمعنى أن يقدم الشريك صاحب المال المختلط -سواء كان شريكاً كافراً أو مسلماً مقصراً لا يتحرز عن المعاملات المحظورة- لرأس مال الشركة حصة مختلطة بمال حرام، ولكن سلطة التصرف في إدارة الشركة بيد الشريك المسلم المتحرز.
بما يترتب عليه أمرين، أولهما: شيوع ملكية الشركاء في هذه الحصة المالية المختلطة، وثانيهما: ترتب جزء من إيرادات الشركة وانبثائه على هذه الحصة المالية المختلطة.
والحقيقة أن استقلال التصرف عن الحصص قد أثر على نظرة كثير من الفقهاء إلى مسألة حكم مشاركة الكافر والمسلم المقصر، وبالتالي فإن هذا الاعتبار المؤثر الذي راعوه في أحكامهم، ولاحظوه في تحليلهم لهذه الإشكالية، هو الذي دعانا إلى تمييز المشاركة بالحصة عن المشاركة بالتصرف، والخلط بينهما قد تسبب في إسقاط نصوص الفقهاء إما على حالات لا تشملها نصوصهم، أو القصور بها عن إطار مذاهبهم.
والواقع أن هذه المرتبة من المشاركة، ألا وهي المشاركة بالحصة دون التصرف، قد اتفقت المذاهب الفقهية على صحتها من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية:
قال الكاساني الحنفي (كره توكيل المسلم الذمي، ولو شاركه شركة عنان جاز، كما لو وكله)31
وقال الزرقاني المالكي (وأما شركة مسلم لكافر، يتجر بحضور مسلم، فجائزة وصحيحة قطعا)32
وقال القليوبي الشافعي (وتصح الشركة وإن كرهت، كشركة ذمي، وأكل الربا، ومن أكثر ماله حرام)33
قال البهوتي الحنبلي (ولا تكره الشركة مع كتابي لا يلي التصرف، بل يليه المسلم)34
فقد تعرضوا لثلاث حالات وهي حالة (الذمي) و(الوثني) و(المسلم المقصر) — انظر: المحلى لابن حزم (٦/٤١٦). فأما الذمي فلهم فيها روايتان الجواز والكراهة والمذهب هو الجواز دون كراهة، وأما الوثني كالمجوسي فالمذهب هو الجواز مع الكراهة، وأما المسلم المقصر فلهم فيه أربع روايات: الرواية الأولى الجواز مع الكراهة وهي المذهب المعتمد عندهم، والثانية التحريم مطلقا، والثالثة أن المعيار هو غلبة الحرام فإن غلب حرم وإن لم يغلب كره، والرواية الرابعة أن المعيار هو الثلث فإن بلغ الحرام الثلث حرم، وإن لم يبلغها كره، ويلخص العلامة المرداوي في
وقال ابن حزم الظاهري (ومشاركة المسلم للذمي جائزة)35.
والحقيقة أن علاقة الشركات المساهمة المختلطة بهذه المرتبة أكثر صلة منها بمرتبة عموم المعاملة، ذلك أن جزءاً من الانتقادات الثانوية الموجهة لهذه الشركات كان يدور حول تدفقات الحصص المختلطة المقدمة للشركة، ولكن يبقى أن جوهر الاعتراضات الموجهة أساساً للشركات المساهمة المختلطة يدور بشكل محوري حول إشكالية (المشاركة بالتصرف).
ولذلك فالقول بالجواز في مرتبة (عموم المعاملة) أو مرتبة (المشاركة بالحصة) مع صاحب المال المختلط، لا يلزم عليه من جميع الوجوه القول بجواز المساهمة في الشركات المساهمة المختلطة، لأن مركز مناطات الفريق الذي يرى التحريم مرتبط أساساً بمرتبة (المشاركة بالتصرف)، وليس المشاركة بالحصة، ولا عموم المعاملة.
ويلاحظ القارئ لكثير من أدلة ومستندات الفريق الذي يرى إباحة المساهمة في الشركات المساهمة المختلطة أنها معنية ببرهنة مرتبة (عموم المعاملة) بشكل مكثف، أو مرتبة (المشاركة بالحصة) بشكل مشوش، أما التركيز على معالجة إشكالية (المشاركة بالتصرف) التي تتبع منها اعتراضات الفريق الذي يرى التحريم، فتكاد تكون منطقة معتمة محرومة من إشرافات البحث الفقهي.
وتبعاً لهذه الاعتبارات أشرنا للتصور الفقهي للمرتبتين السابقتين بإيجاز، إذ كان الغرض كما قدمنا إضافة الفواصل الفقهية بين الإشكالية محل البحث وما يلتبس بها من الصور، أو ما يقاربها من مراتب العقود، دون أن يكون هو جوهر المسألة ومتعلقها المؤثر.
في «الإنصاف» هذه الحالات والروايات الواردة فيها حيث يقول (الثانية لا تكره مشاركة الكتابي إذا ولي المسلم التصرف على الصحيح من المذهب، نص عليه، وقطع به الأكثر، وكرهها الأزجي، وقيل تكره مشاركته إذا كان غير ذمي، الثالثة تكره مشاركة الجوسي، نص عليه، ويلحق به الوثني ومن في معناه، الرابعة تكره مشاركة من في ماله حلال وحرام على الصحيح من المذهب، اختاره جماعة وقدمه في الفروع، وعنه تحرم، جزم به في المنتخب وجعله الأزجي قياس المذهب، ونقل جماعة: إن غلب الحرام حرمت معاملته وإلا كرهت، وقيل إن جاوز الحرام الثلث حرمت معاملته وإلا كرهت) الإنصاف للمرداوي (٥/٤٠٧)
٣- مرتبة المشاركة بالتصرف: بمعنى أن يكون الشريك صاحب المال والتصرف المختلط -سواء كان شريكاً كافراً أو مسلماً مقصراً لا يتحرز- يملك سلطة التصرف بأموال الشركة، وله سيادة على تعاملاتها، فهذه المرتبة قد تعددت اتجاهات المذاهب الفقهية فيها إلى ثلاثة اتجاهات:
- الاتجاه الأول: ذهب إلى جواز هذه الشركة مع الكراهة، وهذا مذهب الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة، وغيرهم.
قال الكاساني الحنفي (تصح المضاربة بين أهل الذمة، وبين المسلم، والذمي، والحربي المستأمن، حتى لو دخل حربي دار الإسلام بأمان، فدفع ماله إلى مسلم مضاربة، أو دفع إليه مسلم ماله مضاربة، فهو جائز)36.
وقال العلامة زكريا الأنصاري الشافعي (وتكره مشاركة ذمي، ومن لا يحترز من الربا ونحوه، وإن كان المتصرف مشاركتهما)37.
وقال ابن قدامة الحنبلي (فأما المجوسي فإن أحمد كره مشاركته ومعاملته…، وهذا والله أعلم على سبيل الاستحباب لترك معاملته والكراهة لمشاركته، وإن فعل صح، لأن تصرفه صحيح)38.
- الاتجاه الثاني: وأما الاتجاه الثاني فذهب إلى المنع من هذه الشركة ابتداء وكراهتها إذا وقعت، وهذا مذهب المالكية.
قال العلامة الحطاب الرعيني المالكي (وأما مشاركة الذمي فالظاهر من كلامه في المدونة أنها صحيحة، وإن كانت لا تصح ابتداء)39.
وينقل الحطاب بعض التفصيلات كذلك فيقول: (وإن علم سلامته من عمل الربا وتجر الخمر فلا شيء عليه…، والظاهر أن حكم مشاركة المسلم الذي لا يحافظ على دينه في التصديق بالربح كذلك، وانظر إذا تحقق عمله بالربا، أو في
الخمر ما الحكم هل يجب التصديق أو يستحب أيضاً؟ والظاهر الوجوب40 قال العلامة عليش (وكرهت مشاركة ذمي، ومتهم في دينه، إن تولى البيع والشراء، وإلا جازت)41
وأما الاتجاه الثالث فذهب إلى إباحة هذه الشركة مطلقاً دون كراهة وهذا مذهب الظاهرية، ورواية عند الحنابلة.
وقال حرب الكرماني (قلت لأحمد: رجل يدفع ماله مضاربة إلى الذمي تكرهه؟ قال: لا)42.
وقال الإمام أبو محمد ابن حزم الظاهري (من عجائب الدنيا تجويز أبي حنيفة ومالك معاملة اليهود والنصارى وإن أعطوه دراهم الخمر والربا، ثم يكرهون مشاركته حيث لا يوقن بأنهم يعملون بما لا يحل، وهذا عجب جداً، وأما نحن فإننا ندري أنهم يستحلون الحرام، كما أن في المسلمين من لا يبالي من أين أخذ المال، إلا أن معاملة الجميع جائزة ما لم يوقن حراماً، فإذا أيقناه حرم أخذه من كافر أو مسلم)43.
وظهر من سياق هذه الاتجاهات الفقهية وعرض معالجات الفقهاء لهذه الحالات والمراتب أن الفقهاء يفرقون بشكل جلي بين شركة أصل نشاطها وتجارتها محرم، وبين شركة أصل نشاطها مباح لكن الشريك قد لا يتحرز عن المعاملات المحظورة، فالأولى محرمة قطعاً، والثانية فيها خلاف فقهي يدور بين الإباحة والكراهة والمنع الابتدائي.
ويظهر للمتأمل أن الشركات المساهمة المختلطة تنتمي بشكل دقيق إلى هذه المرتبة، ذلك أن هذه الشركات المساهمة المختلطة التي اختلف فيها هي في التصور المطروح اليوم تلك الشركات التي أصل نشاطها وتمويلاتها واستثماراتها مباحة، ولا ينص عقدها التأسيسي على ممارسة أي أعمال محرمة، وإنما غاية ما هنالك أن إدارة الشركة لا تتحرز عن بعض التعاملات اليسيرة غير المشروعة.
ويلاحظ المتابع لبعض الدراسات الفقهية في هذا الموضوع أنها تسوق أدلة القول الذي رأى الإباحة والقواعد الفقهية التي اتكأ عليها ثم تناقشها وتسهب في عرض ثغراتها والإيرادات الفقهية عليها، وتصل في نهاية الأمر إلى أنه لا يوجد دليل صحيح سالم من الاعتراضات يدل على الإباحة.
وفي تقديري أن المفترض المنهجي كان يجب أن يكون عكس ذلك تماماً، بمعنى أن تكون المناقشة أساساً لأدلة الفريق الذي رأى المنع، فإذا صحت أدلته ثبت التحريم، وإن ضعفت أدلته بقيت الإباحة على ما كانت عليه لعدم وجود الدليل الذي يطبق رفعها عن الأصل.
والمستند الجوهري الذي تنطلق منه هذه الرؤية المنهجية هي أن الأصل في المعاملات الحل والإباحة، وهذا يعني أن من رأى إباحة معاملة من المعاملات فإنه لا يطالب بالدليل لأنه باق على الأصل، وإنما يطالب فقط بالإجابة الصحيحة على أدلة التحريم لأنها الناقلة عن الأصل، وهذا الإجراء المنهجي جزء من المبدأ الإسلامي العام لنظرية المعرفة التي تحكم الشعائر والمعاملات، وهو أنه (يقع عبء الإثبات في العبادات على المبيح وفي المعاملات على المنع).
وبما أن عبء الإثبات في تحريم المعاملات يقع على الاتجاه المانع الذي يرى التحريم فإننا لن نقوم باستعراض أدلة الإباحة باعتبارها هي الأصل، وإنما سنقوم بدراسة وتحليل اعتراضات الفريق الأول من الفقهاء والباحثين الفضلاء الذي رأوا التحريم المطلق للمساهمة في هذه الشركات المختلطة، فإن وجدنا دليلاً مستقيماً يفيد التحريم انتقل حكم هذه المعاملة من الإباحة إلى الحظر، وإن كانت أدلة التحريم ضعيفة بقيت المعاملة على الأصل القطعي وهو الإباحة.
والواقع أن هذا الفريق الذي رأى التحريم تعددت مأخذه وتفاوتت اعتباراته، بحسب تنوع مشاريعه واختلاف منطلقاته، ولكن مع ذلك يمكننا تركيز وتلخيص اعتراضاتهم في عشرة اعتراضات وهي:
١- الاعتراض الأول: أنه تجوز المعاملة دون المشاركة، لأن المشاركة من الإعانة على الإثم، أما عموم المعاملة كالمبايعة والمؤاجرة والمهادة فليس
فيها إعانة على الإثم والعدوان.
٢- الاعتراض الثاني: أن مدراء الشركة المختلطة قد ثبت أنهم ممن لا يتحرز عن المعاملات المحرمة تمويلاً أو استثماراً أو نشاطاً، وعليه فلا يجوز مشاركتهم طالما كانوا بهذه الصفة، لأن مشاركتهم ذريعة غالبية للمال المحرم.
٣- الاعتراض الثالث: أنه حتى لو قلنا بمشروعية مشاركة غير المسلمين، فإن ذلك عائد إلى أن المعاملات المحظورة التي يمارسونها هي مما يجوز لهم في شرعهم، ولذلك فلا بأس بمشاركتهم فيها، كما أباح لنا الشارع ذبائح أهل الكتاب بالرغم من أنه يغلب عليهم ترك التسمية الشرعية، ولذلك فلا يجوز قياس المسلم المقصر على الكتابي.
٤- الاعتراض الرابع: أن المساهم شريك، وعليه فإنه يكون موكلاً وتكون إدارة الشركة وكيلاً عنه لأن مبنى المشاركة على الوكالة، وبالتالي فإن الأموال المحظورة اليسيرة التي تسربت إلى الشركة تنسب شرعاً وفقهاً إلى المساهم ويعتبر مقراً لها وراضياً بها، لأنها من تصرفات وكيله، حتى ولو تخلص من نسبتها.
٥- الاعتراض الخامس: أن الشريعة لا تفرق في المال الحرام بين الكثير والقليل، ولا بين المستقل والتابع، بل إذا اختلط الحلال بالحرام فإنه يجب اجتنابه كله، كما في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه)44.
٦- الاعتراض السادس: أن النصوص المنقولة عن الفقهاء في التفريق بين الكثير والقليل، أو بين المستقل والتابع، إنما يعنون بها ما مضى
من الأموال السابقة لا فيما يستقبل منها، أو بمعنى آخر: إنما يفرق الفقهاء بين الكثير والقليل في (المعاملات السابقة) وليس (المعاملات المستأنفة).
٧- الاعتراض السابع: أن المال الحرام غالب على قيمة السهم، لأن قيمة السهم تعتمد بشكل أساسي على إيراداته، وإيراداته تعتمد بشكل أساسي على التمويلات الربوية، وعليه فإن قيمة السهم مرتبطة ارتباطاً تاماً بالمال المحرم، ومنعكسة عنه وصادرة منه.
٨- الاعتراض الثامن: أن الأرباح المحرمة شائعة في أموال الشركة، وعلى ذلك فلا يستطيع الإنسان أن يتخلص من العنصر المحرم في الإيرادات أصلاً، إذ لا يمكن إخراج نظيرها من كل وجه.
٩- الاعتراض التاسع: أنه حتى لو تخلص الإنسان من النسبة اليسيرة المحرمة في آخر قائمة مالية، فإنه لا يستطيع أن يتخلص من النسبة المحرمة في القوائم المالية السابقة.
١٠- الاعتراض العاشر: أن المصلحة المفترضة في المشاركة في هذه الشركات المساهمة هي مصلحة ملغاة وغير مرعية، لأنه لم يشهد الشارع لجنسها بالاعتبار، فلم يعهد من الشارع أن تسامح في يسير المال الحرام رعاية لمصلحة أخرى.
وسنحاول فيما يلي تحليل ومناقشة هذه الاعتراضات العشرة:
مناقشة الاعتراض الأول:
هذا الاعتراض الذي مضمونه التفريق بين المعاملة والمشاركة، بحيث يجوز مثلاً معاوضة صاحب المال المختلط بثمن البيع، وأجرة المنفعة، وعمولة الوكالة، أو قبول الهدايا والهبات، دون مشاركته في مال الشركة
لأنه من الإعانة على الإثم والمساعدة على المعصية، في تقديري أنه اجتهاد غير دقيق لعدم اطراد مناطه، ذلك أن مطلق المعاملة يتضمن معنى المعونة أيضاً، فالمعاوضات والمبادلات شكل من أشكال التعاون بين الناس، كما قال الإمام ابن تيمية (والمعاوضة الظاهرة كالمبايعة والمؤاجرة فيها أيضاً معنى المشاركة، فإن التجار والصناع هم مشاركون للناس في مصالح دنياهم متعاونون عليها، إذ كان الإنسان مدنياً بالطبع، لا تتم مصلحته إلا ببني جنسه، يعاونونه على جلب المنفعة ودفع المضررة، والمعاوضة بينهم هي التي تبعث على المعونة)45.
بل إن بعض صور المعاوضة أشد إعانة من المشاركة، فكيف يجعل المساهم المضارب الذي تداول أسهم الشركة لأيام أو ساعات يسيرة ثم باعها بفروق الأسعار السوقية ولم يستلم أي درهم من إيرادات الشركة معيناً لها على المعاملات المحظورة، بينما الموظف في إدارة أعمال الشركة الحريص على نجاحها، وموظف الأمن الساهر على سلامتها، والعقاري الذي قام بتهيئة المرافق والإنشاءات وتأجيرها عليها، والمحامي الذي يدافع عن أموالها، والمحاسب المعني بضبط قوائمها، لا يعتبر معيناً لها على ذلك؟ ومعلوم أن هؤلاء كلهم وإن كانت عقودهم عقود معاوضة إلا أنها داخلة في معنى المعونة كما قال الفقيه ابن القيم (وفي معنى هذا كل بيع أو إجارة أو معاوضة تعين على معصية الله… مثل «إجارة داره أو حانوته أو خانه لمن يقيم فيها سوق المعصية»)46.
بمعنى أنه كيف يجعل المساهم لوحده بجميع أحواله هو المعين للشركة المساهمة والمساعد على بقائها، دون هؤلاء الموظفين المتعاونين كلهم؟ فهؤلاء كلهم مشتركون في مناط الإعانة، فإما أن ينسحب الحكم على جميعهم إباحة وحظراً، وإما أن يفرق بينهم في الحكم لوصف فارق مؤثر حقيقة غير مناط الإعانة.
ذلك أن هذه الشركات لا تخلو من وصفين: إما أن يكون الأصل في أموالها وأعمالها التحريم، فهنا لا يجوز العمل فيها ولا مشاركتها، وإما أن يكون الأصل في أموالها وأعمالها الإباحة فهنا يجوز العمل فيها ومشاركتها.
ولكن حديثنا بشكل أكثر تحديداً وواقعية وصراحة فنقول:
إن كان هذا الفريق يرى أن أموال هذه الشركات وأرباحها مثل شركة سابك والاتصالات والكهرباء هي أموال وأرباح محرمة فكيف يسوغ له أن يفتي بجواز العمل في هذه الشركات ودعمها وإنجاحها، فإن هذا إعانة للشركة على مقصدها وهو أكل المال الحرام؟ وإن كان هذا الفريق يرى أن الأصل العام في أموال هذه الشركات وأرباحها الإباحة فكيف يحرم المشاركة والمساهمة فيها؟
بما يعني أن التفريق بين العمل والمشاركة من جهة الإعانة تفريق بلا فارق مؤثر معتبر، فتبين أن هذا القول رأي قاصر متناقض غير مطرد في مناطه، بل مخالف للأدلة الشرعية كما سيأتي.
مناقشة الاعتراض الثاني:
أما الاعتراض الثاني الذي مضمونه أن مدراء الشركة لا يتحرزون عن المعاملات المحرمة وعليه فإنه لا يجوز مشاركتهم، فهو اعتراض غير دقيق، ذلك أنه من المستقر في نصوص الشريعة أن اليهود من أكثر الناس استحلالاً للربا وأكل المال بغير طرقه الشرعية كالقمار والخمور والرشوة والغش والاحتيال وغيرها، ولذلك يقول تعالى عنهم في سورة المائدة (أكلون للسحت)، ويقول عنهم في سورة المائدة أيضاً (لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الأثم وأكلهم السحت)، ويقول تعالى عنهم في سورة التوبة (إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل).
ومع أن أموال اليهود بهذه الصفة التي تصورها النصوص الشرعية من مخالطتها للكسب المحرم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يقتصروا على معاملة اليهود ومعاوضتهم ومؤاجرتهم في الأسواق والزروع والحلي وقبول الهدايا والولائم فقط، بل تشارك النبي مع
اليهود في إنشاء شركة زراعية في منطقة خيبر، فقدم النبي إليهم الأصول الثابتة من أرض وآبار، وقدم اليهود أموالهم وخبرتهم لإدارة الأرض، واتفقوا على اقتسام الغلة والربح بنسبة ٥٠٪ لكل طرف، كما روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (دفع إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها، على أن يعتلوها من أموالهم، ولرسول الله صلى الله عليه وسلم شطر ثمرها)47.
وكانت هذه الشركة تدر أرباحاً عالية، كما روى مسلم عن ابن عمر قال (أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع، فكان يعطي أزواجه كل سنة مائة وسق وثمانين وسقا من ثمر، وعشرين وسقا من شعير)48، وقد لاحظ الصحابة الفارق في مستوى المعيشة والرفاه والدخل العام بعد تدفق إيرادات هذه الشركة الناجحة، كما قالت عائشة رضي الله عنها (لما فتحت خيبر قلنا الآن نشبع من الثمر)49، وقال ابن عمر رضي الله عنهما (ما شبعنا حتى فتحنا خيبر)50.
وقد بوّب البخاري على هذا الحديث في صحيحه فقال (باب مشاركة الذمي والمشركين في المزارعة)، وكان مقصود البخاري من هذا العنوان الرد على بعض الفقهاء الذين منعوا من مشاركة غير المسلمين بحجة التورع عن مشاركتهم في أموالهم المختلطة بالحرام، ويصور الحافظ ابن حجر في شرحه لهذا الحديث رأي هذا الفريق الذي يرى التحريم ورد البخاري عليه فيقول في كتابه فتح الباري:
(وحجتهم خشية أن يدخل في مال المسلم ما لا يحل، كالربا وثمن الخمر والخنزير، واحتج الجمهور بمعاملة النبي صلى الله عليه وسلم يهود خيبر، وإذا جاز في المزارعة، جاز في غيرها، وبمشروعية أخذ الجزية منهم مع أن في أموالهم ما فيها)51.
ويشير الإمام أبو محمد ابن حزم إلى موارد هذه المشاركة، أو العناصر
التي وقعت عليها المشاركة، فيقول في كتابه المحلى (وقد عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر - وهم يهود - ينصف ما يخرج منها، على أن يعملوها بأموالهم وأنفسهم، فهذه شركة في الثمن، والزرع، والغرس)52
ثم يتحدث الإمام ابن حزم عن شيء من تاريخ وتطورات هذه الشركة الزراعية التي تشارك المسلمون فيها مع اليهود، فيقول (وبالضرورة يدري كل ذي تمييز، أن خيبر وفيها نحو ألفي عامل، ويصاب فيها نحو ثمانين ألف وسق تمر، وبقيت بأيديهم أزيد من خمسة عشر عاما، أربعة أعوام من حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وعامين ونصف عام مدة أبي بكر، وعشرة أعوام من خلافة عمر رضي الله عنهما، حتى أجلاهم في آخر عام من خلافته، فلا بد أن فيهم من غرس فيما بيده من الأرض، فكان بينهم وبين أصحاب الأصول من المسلمين بلا شك)53.
ويستعرض الإمام ابن تيمية بعض الحصص المالية التي قدمها اليهود بالإضافة إلى إدارتهم فيقول (فإن النبي عامل أهل خيبر يشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع، على أن يعمروها من أموالهم، فكان البذر من عندهم)54
ويؤكد الفقيه ابن القيم وجاهة هذا الاستدلال في كتابه المشهور الذي كرسه لأحكام الكتابيين المتعاقدين مع الدولة المسلمة بعنوان (أحكام أهل الذمة)، حيث عقد فيه فصلا مستقلا قال في مطلعه (فصل في شركتهم ومضاربيتهم: قد تقدم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شاركهم في زرع خيبر وثمرها)55.
فقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم في قصة يهود خيبر بين المشاركة بالحصة والمشاركة بالتصرف مع أصحاب الأموال والتصرفات المختلطة، حيث ساهم الشركاء اليهود بحصة مالية ولم يرفض النبي صلى الله عليه وسلم أموالهم التي قدموها بحجة اختلاطها، كما أوكل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم سلطة التصرف في إدارتها ولم يشرف صلى الله عليه وسلم على التصرفات والعقود التي يبرمها اليهود
في زراعتها وسقائها وغرسها وحرثها ورعايتها بل أوكل الأمر إليهم وولاهم التصرف، بالرغم من أنهم معروفون بالتهوك في المال الحرام كما دلت على ذلك القرائن الشرعية في نصوص الوحي، والقرائن الواقعية في التعامل معهم.
ولذلك لما كان النبي صلى الله عليه وسلم يرسل عبدالله بن رواحة في نهاية الموسم ليخرص حجم الغلة تمهيداً لاقتسامها أراد يهود خيبر أن يرشوه بالمجوهرات الثمينة من أجل أن يحابيهم في توزيع الأرباح كما جاء في الأثر (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعث عبد الله بن رواحة إلى خيبر فيخرص بينه وبين يهود خيبر، قال فجمعوا له حلياً من حلي نسائهم فقالوا له: هذا لك وخفف عنا وتجاوز في القسم، فقال عبد الله بن رواحة: يا معشر اليهود والله إنكم لمن أبغض خلق الله إليّ، وما ذلك بحاملي على أن أحيف عليكم، فأما ما عرضتم من الرشوة فإنها سحت وإنا لا نأكلها)56
وحصيلة هذه القاعدة الشرعية هي أنه لو كانت معاملة ومشاركة أصحاب الأموال والتصرفات المختلطة محرمة أو غير مشروعة، لكان أول من ينتزه عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن الله تعالى أمره أن يأكل من الحلال الطيب كما قال تعالى في سورة المؤمنون (يا أيها الرسل كلو من الطيبات)، فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد شارك أصحاب الأموال والتصرفات المختلطة، وأكل من أرباح هذه الشركة، وأطعم أزواجه منها، وقسم لأصحابه المجاهدين منها، وسار على ذلك صاحبه من بعده، فقد تبين أن هذه المشاركة ليست من موارد المناهي الشرعية أصلاً، ومن جعل هذه الصورة الواردة من صور المشاركات باباً من أبواب المال الحرام فقد أزرى برسول الله وصاحبه من بعده.
مناقشة الاعتراض الثالث:
أما الاعتراض الثالث الذي مضمونه أنه إنما جازت مشاركة اليهودي لأنه يستحل هذه الأموال المحرمة ويتأول جوازها، فالشريك اليهودي
يرى أن أموال الربا والقمار ونحوها أموال مباحة، وهذا بخلاف الشريك المسلم المنتهك لهذه الأموال لأنه يعتبرها حراماً، وعليه فلا يجوز قياس الشريك المسلم المرابي المحرم عليه الربا، على الشريك اليهودي المرابي الذي يستبيح الربا، ففي تقديري أن هذا اعتراض فاسد من وجوه ثلاثة:
الوجه الأول: أن الربا لم يبح لليهود أصلاً بل هم منهيون عنه، كما قال تعالى في سورة النساء (وأخذهم الربا وقد نهو عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل)، فضلاً عن أن أكل أموال الناس بالباطل لم يبح بشريعة من الشرائع أصلاً، لأنه ظلم، وقد حرم الله الظلم على نفسه وعلى عباده، كما روى مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى يقول (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا)57، وعليه فقد استوى الشريك المسلم والكتابي في أصل تحريم جنس الأموال المحظورة.
الوجه الثاني: أنه إن كان قد جاز التسامح مع الشريك الكتابي لأنه يتأول في دينه جواز فوائد الربا وإيرادات الخمر وصفقات القمار وأثمان الخنازير، فإنه من باب أولى أن يجوز التسامح مع المسلمين المتأولين للأموال المحظورة، مثل بعض مؤسسات المسلمين الربوية لأن كثيراً من روادها يتأول جواز الفوائد البنكية أصلاً باعتبار التفريق بين الربا الإنتاجي والربا الاستهلاكي، وأن ربا القرآن القطعي هو ربا الديون لا ربا القروض، وأن فوائد القروض هي كربع الأرض أو قيمة للزمن كما في الزيادة في بيع التقسيط مقابل تأجيل السداد، وغير ذلك من نظريات تبرير الفائدة، ويتكئ أصحاب هذا الاتجاه على كثير من الفتاوى والبحوث الفقهية المعاصرة التي تدفع بهذا الاتجاه وتدافع عنه.
كما يلزم عليه أيضاً أنه يجوز المشاركة في شركات التبغ التي يملكها مسلمون باعتبارهم متأولون في جوازها بتفريقهم بين التناول المعتدل والتناول المسرف، وقياسهم التدخين على سائر المنبهات، ويتكئ أيضاً على عدد من الفتاوى الفقهية والدراسات الطبية المعاصرة التي تدفع بهذا الاتجاه.
كما يلزم عليه أيضاً أنه يجوز المشاركة في الشركات الفنية الهابطة باعتبار أن أربابها يرون أنه حتى الفن غير الملتزم بالقيم الإسلامية يعتبر رسالة نبيلة أصلاً!
وبالجملة فلا يكاد يوجد مال محظور في الشريعة إلا وفي أهل القبلة من تأول جواز جنسه، أو تأول جواز بعض أفراده، فانهار الفارق الفعلي الذي أقامه المعترض بين التاجر الكتابي والمسلم المقصر.
بل إن هذا الفارق المفترض لم يتحول إلى (مانع) عن أصل القياس، بقدر ما تحول إلى (مقتضى) تجاه أعلى مراتب القياس وهو قياس الأولى، ذلك أنه لو كان المناط الذي أجاز معاملة أصناف الكفار هو مناط (التأول)، لكان هذا المناط ليس وصفاً مانعاً من قياس المسلم المقصر على الكافر (قياس مساواة) بل لكان في الحقيقة وصفاً موجباً لقياس المسلم المقصر على الكافر (قياس أولى).
الوجه الثالث: أن النظر والاعتبار في مآلات هذا القول يكشف ما يرد عليه من اللوازم الفاسدة، وما يترتب عليه من النتائج الوخيمة، ذلك أنه لو كان يجوز المشاركة مع الشريك الكتابي حتى ولو تعامل بالأموال المحرمة لأنه يستبيحها ويتأولها، بينما لا يجوز المشاركة مع الشريك المسلم المتعامل بيسر الأموال المحرمة لأنها محرمة عليه، لأن الأمر إلى أنه لا يجوز المساهمة إلا في الشركات الأجنبية التي يملكها غير المسلمين، أما شركات المسلمين فلا يجوز المساهمة فيها!
وبالتالي تنمية الشركات الأجنبية وانهيار شركات المسلمين، وهذا مآل خطير يكشف فساد هذا القول، فلا شك أن مصلحة معاملة المسلم المتأول أعظم وأحب إلى الله من مصلحة معاملة الكافر المتأول، ولذلك فإنه لما سلك بعض الزهاد هذا المسلك آل بهم الأمر فعلاً إلى أن
يتورطوا بمثل هذه النتيجة الخطيرة، كما يقول الإمام ابن تيمية: (ولما ضيق بعض الفقهاء هذا على بعض أهل الورع، اتجه إلى أن يعامل الكفار ويترك معاملة المسلمين، ومعلوم أن الله ورسوله لا يأمر المسلم أن يأكل من أموال الكفار ويدع أموال المسلمين، بل المسلمون أولى بكل خير، والكفار أولى بكل شر) 58
مناقشة الاعتراض الرابع:
أما الاعتراض الرابع الذي مضمونه أن المساهم شريك وبالتالي فإن العلاقة بين (المساهم) و (مجلس الإدارة) هي (علاقة نيابة) لأن مبنى الشركة على الوكالة والنيابة كما نص الفقهاء، وعليه فإن القروض والاستثمارات الربوية التي يتخذها مجلس الإدارة تنسب شرعاً للمساهم لأنها تصرفات وكيله ونائبه.
فالحقيقة أن هذا الاعتراض مبني على ركيزتين أو مبدأين فقهيين بحيث لا يمكن استخلاص الجواب عنه إلا من خلال تحليلهما بشكل منفرد وهما:
المبدأ الأول: كل نيابة فإن المنوب عنه يكون مسؤولاً فيها عن تصرفات نائبه.
المبدأ الثاني: أن المساهم شريك تام في الشركات المساهمة.
وسنحاول فيما يلي مناقشة هذين المبدأين الذين يتكون من مجموعهما هذا الاعتراض، فأما المبدأ الأول القائل بأن كل نيابة فإن المنوب عنه يكون مسؤولاً فيها عن تصرفات نائبه فإنه مبدأ غير دقيق ولا يعكس القواعد العامة التي تحكم نظرية النيابة، ذلك أن دراسة عقود النيابة والتفويضات في الفقه الإسلامي كعقود الوكالة والولاية والنظارة والوصاية والإمامة والمقارضة ونحوها تكشف أن هناك مرتبتين للنيابة:
فأما المرتبة الأولى فهي مرتبة (النيابة المحضة) أو التامة، وهي: كل نيابة خالصة من كل مانع يمنع من ترتب الآثار الأصلية أو التقليدية للنيابة.
ومن هذه الآثار الأصلية أو التقليدية للنيابة في الفقه الإسلامي:
(تبعة التصرف) بأن تسري إلى المنوب عنه آثار تصرفات نائبه ويكون مسؤولاً عنها تكليفاً ووضعاً، و (عدم الاستقلال بالتصرف) حيث لا يستقل النائب بسلطة التصرف بل تبقى بيد المنوب عنه، و (منع التوكيل الفرعي) حيث لا يملك الوكيل أن يعهد بأعباء مهمته لغيره بأن يقوم بتوكيل وكيل آخر فيما يتولى مثله بنفسه إلا بتفويض خاص من الموكل الأصلي فلا يغني فيها التفويض العام، و (منع التعاقد الذاتي) حيث لا يملك الوكيل أن يشتري لنفسه ما وكل في بيعه إلا بتفويض خاص، و (منع الخروج عن ظواهر التوكيل) حيث لا يملك النائب سلطة الخروج عن الظاهر الذي ينصرف إليه اللفظ في تنفيذ العقد الموكل فيه، كالبيع بالنسبة أو بغير ثمن المثل أو إسقاط الخيار أو مصارفة المدين أو البيع بغير نقد البلد، ونحوها من الآثار.
وأما المرتبة الثانية فهي مرتبة (النيابة المشوبة) أو القاصرة، وهي: كل نيابة قام بها مانع يمنع من ترتب آثار النيابة الأصلية عليها، ونتيجة لقيام هذا المانع فإن المنوب عنه قد يعفى من سراية تبعة التصرفات، أو يملك حق الاستقلال بالتصرف، أو حق التوكيل الفرعي، أو حق التعاقد الذاتي، أو حق الخروج عن ظواهر التوكيل، ونحوها من الآثار التقليدية للنيابة.
وسنحاول أن نشير إلى بعض نماذج النيابة المشوبة أو النيابة القاصرة التي تخلفت عنها الآثار الأصلية أو التقليدية للنيابة بسبب قيام أحد الموانع الشرعية بها:
فمن ذلك عقد (الإمامة العامة) فمن المعلوم أن العلاقة بين (ولي الأمر) و (عموم المسلمين) هي علاقة نيابة وتفويض، كما قال الفقهاء (الإمام نائب عن المسلمين ووكيلهم)59، ومع ذلك فإن الأفراد المنوب عنهم لا يؤاخذون بالتصرفات غير الشرعية لولي الأمر بالرغم من أنه نائبهم ووكيلهم، بسبب قيام المانع الذي يمنع سراية التصرف وهو أن الشارع منع
الفسخ الفردي لعقد الإمامة باعتبار أن درء المفسدة الأمنية في الخروج السياسي مقدمة على مصلحة تبرئة الذمة من تصرفات الإمام.
ونموذج آخر لذلك نجده في صورة (ولاة الأقاليم) فإن الأفراد المولى عليهم لا تلحقهم تبعات تصرفات الوالي الخارجة عن إرادتهم وقدرتهم، إضافة إلى أن الشارع لم يوجب على المكلف الهجرة عن الإقليم الذي يتلبس واليه ببعض الانحرافات الشرعية في تصريف شؤونه، أو الهجرة إلى الإقليم الذي يكون واليه أقل انحرافات شرعية، وذلك لقيام المانع وهو أن مصلحة مخالطة المسلمين وانتشارهم في أصقاع بلاد الإسلام مقدمة على مصلحة العزلة والخلاص الفردي.
ومن ذلك أيضاً صورة (وصي اليتيم) فبالرغم من أن العلاقة بين الوصي والموصى عنه هي علاقة نيابة كما قال الفقهاء (الوصي نائب عن اليتيم) (١) إلا أن المنوب عنه لا تسري إليه كافة التبعات من تصرفات الوصي، وذلك لقيام المانع وهو أن عقد الوصاية ليس عقد نيابة محض، بل فيه قدر زائد على مجرد التفويض وهو عنصر الولاية بحيث يسلب الموصى عنه سلطة التصرف.
ومن ذلك (ناظر الوقف) فبالرغم من أن العلاقة بين الواقف والناظر هي علاقة نيابة إلا أن جمعاً من المحققين رأى جواز خروج الناظر عن نص الواقف إذا رأى المصلحة في ذلك، وبالتالي فإن المسؤولية التكليفية عن هذه القرارات تقع على كاهل الناظر ذاته.
وقد عالج كثير من الفقهاء هذه النظرية العامة للنيابة في الفقه الإسلامي من زوايا متعددة، حيث يشير الإمام ابن رجب إلى الفارق بين النيابة المحضة والنيابة التي شابتها الولاية فأصبح مانعاً يقتضي تخلف بعض آثار النيابة فيقول:
(وأما المتصرف تصرفاً خاصاً بتفويض من ليس له ولاية عامة فنوعان: أحدهما: أن يكون المفوض له ولاية على ما يتصرف فيه كولي اليتيم وناظر الوقف… والثاني:
من يفوض حقوق نفسه فهذه وكالة محضة60.
ويطلق بعض الفقهاء على هذه المرتبة من الوكالة وهي الوكالة المشوبة بولاية أو التي قام بها مانع الولاية مصطلح (الوكالة المطلقة) كما يقول الإمام ابن تيمية:
(ومن تصرف لغيره بولاية: كناظر الوقف، ووصي اليتيم، والوكيل المطلق)61.
بينما يطلق بعض الفقهاء على الوكالة الخالصة من هذا المانع مصطلح (الوكالة المحضة)
كما يقول العلامة المرداوي:
(قوله: وكذلك الوصي والحاكم: يعني أنه إذا أوصى إليهم في شيء، هل له أن يوكل من يعمله؟ وهل للحاكم أن يستنيب غيره فيما يتولى مثله؟ فقطع المصنف أن الوصي في جواز التوكيل وعدمه كالوكيل، وهو إحدى الطريقتين، والطريقة الثانية: يجوز للوصي التوكيل وإن منعناه في الوكيل. قلت: وهو الصواب، لأنه متصرف بالولاية وليس توكيلاً محضاً)62.
وفي تفريق للزركشي مبني على قواعد السادة الشافعية يطرح تقسيماً للتصرف عن الغير يجعله ثلاثة أقسام وهي:
(تصرف الإنسان عن غيره ستة أقسام: الأول: تصرف بالولاية المحضة، وهو الأب والجد والحاكم. ثانيها: تصرف بالنيابة المحضة، إما بتسليط المالك وهو الوكيل، أو الشرع كالحاكم في مال الغائب إذا خيف عليه. ثالثها: تصرف بنيابة مشوبة بولاية، أو ولاية مشوبة بنيابة، وهو الوصي…)63.
ويربط العلامة سعد الدين التفتازاني سراية المسؤولية بمانع الجبر فيقول:
(فعل النائب في النيابة الاختيارية ينتقل إلى المنوب عنه… بخلاف النيابة الجبرية كنيابة الولي)64.
وخلاصة مناقشة المبدأ الأول: أنه ليس كل علاقة نيابة أو وكالة يكون
المنوب عنه فيها مسؤولاً عن تصرفات نائبه، بل قد يشوب النيابة مانع يترتب عليه تخلف بعض الآثار التقليدية للنيابة.
والاعتبار الذي بُني عليه عدم سراية المسؤولية التكليفية إلى الموكلين والموصى عنهم والأفراد المحكومين عند قيام المانع هو أن المستقر في قواعد الشريعة أن (الالتزامات فرع عن الحقوق) وأن (المسؤولية تبع للسلطة)، بمعنى أن الإنسان ليس مسؤولاً عن أمر خارج عن سلطته وهيمنته، وإنما المسؤولية الأساسية تقع على عاتق من ملك سلطة الرعاية كما في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)65، فلم يجعل الإنسان مسؤولاً عن غير رعيته، وهذا أصل شرعي مطرد، ولذلك رتب الشارع الحق في أخذ نماء الأموال والأعيان، على الالتزام بضمانها، كما تلخصه القاعدة الشرعية (الخراج بالضمان)، وقاعدة (الغرم بالغنم).
ولو انتقلنا إلى الشق الثاني أو المبدأ الثاني الذي يتكون منه هذا الاعتراض وهو أن المساهم شريك تام، فالحقيقة أن تحليل طبيعة علاقة المساهم بمجلس الإدارة في الشركات المساهمة الحديثة، يكشف أن هناك تبدلات جوهرية في طبيعة الشريك في هذه الشركات المساهمة، وتحولات مضمونية في مفهوم المشاركة، حولت المساهم من كونه شريكاً مطلقاً مكافئاً في شركة حرة ومحدودة، إلى كونه مجرد مشترك في مؤسسة تجارية عامة، أو مجرد عضو في منظمة، ذات شخصية اعتبارية خاصة، وذمة مالية منفردة، ونظام مسبق، وإدارة مستقلة خارجة عن هيمنة الإرادة الفردية للمساهم.
وقد أكد فقهاء القانون المدني بشكل عام، وفقهاء القانون التجاري بشكل خاص، على هذه الطبيعة الجديدة للشركة المساهمة، والتي حولت الشركة من (عقد) يتفق عليه جميع الأطراف، ويحقق به العاقدون صفتهم كشركاء، إلى (نظام قانوني) يسري على كل من يرغب الانضمام، ولا يمتلك المساهم العادي أية سلطة في تغيير سياساته أو
صياغة قراراته الاستثمارية، وإنما ليس له إلا الإفصاح عن الرغبة في الإنخراط في هذه المنظومة وتحمل آثارها التبعية أو الخروج منها بلا غتم ولا غرم فقط.
ويعبر د. السنهوري عن مفهوم النظام الذي يغطي على الصفة التعاقدية في جوهر الشركة فيقول (الشركة في مرحلة تكوينها تشترك مع سائر العقود في خصائصها، ولكنها بعد التكوين تصبح أقرب إلى نظام منها إلى عقد ذاتي، لاسيما بعد أن تضفي الشخصية المعنوية على هذا النظام مقومات تفصله عن الشركاء بذواتهم)66.
والاعتبارات التي أنتجت ضعف مفهوم المشاركة في الشركات المساهمة هي إضمحلال سلطة المساهم كشريك متعاقد، وتحوله إلى مجرد عضو في نظام ناجز، يدار باستقلال عن إرادته الشخصية، وأساس تكبيل سلطة المساهم ينبع من مصدرين رئيسيين هما:
١- سلطة إدارة الشركة: بمعنى رضوخ المساهم لإرادة الشخصية الاعتبارية للشركة ممثلة في مجلس الإدارة67.
٢-سلطة الجهات الرسمية: بمعنى التزام الشركة المساهمة بالنظام الذي تصدره الجهات الرسمية في تقنين قواعد إدارتها وتحديد الصلاحيات وسلطة التصرف.
ولذلك يقول فقهاء القانون التجاري:
(هذا الشخص المعنوي «الشركة» هو الذي يسيطر ويهيمن على الإرادات الفردية التي اشتركت في تكوين العقد، ولاسيما في شركات المساهمة، حيث يجوز لأغلبية الشركاء أن تفرض إرادتها على الأقلية، وأن تعدل من نصوص نظام الشركة مع أن تعديل العقد يتطلب إجماع المتعاقدين، هذا إلى أن المشرع يتدخل بطريقة أمرة في تنظيم الشركة تحقيقا لأهداف معيَّنة، وتتجلى مظاهر هذا التدخل بوجه
خاص في شركات المساهمة، حيث تقضي الضرورة بحماية الادخار العام، ورعاية المصالح القومية، وكان من جراء ذلك أن قيدت الحرية التعاقدية، وكثرت النصوص المتعلقة بالنظام العام، وأصبحت الشركة تتم وفقاً لنظام موضوع لا وفقاً لمشيئة المتعاقدين)68.
ويعمق ضعف الفكرة التعاقدية في الشركات المساهمة جهالة المساهمين لبعضهم البعض، فلا يمكن أن يكون متعاقداً مع شريك آخر وهو لا يعرفه أصلاً، كما يقول فقهاء القانون التجاري:
(يظهر ضعف المفهوم التعاقدي للشركة في شركات المساهمة بصفة خاصة، إذ يصعب القول بوجود عقد بين أشخاص لا يعرف بعضهم بعضاً، ولا يستطيعون مناقشة الشروط التي يتم على أساسها مساهمتهم في المشروع، بل وغالباً ما يجهل المساهمون في هذه الشركات طبيعة المشروع الذي يساهمون فيه) 69.
ولذلك فالمساهم لا يمتلك الحقوق التقليدية المعروفة للشريك في الفقه الإسلامي، وإنما غاية ما يملك المساهم أن يقرر انضمامه للشركة مع التزامه بنظامها بالكلية، أو ترك الشركة بالكلية، كما يؤكد ذلك فقهاء القانون التجاري بقولهم:
(ويقتصر دور الأفراد على الإفصاح عن الرغبة في الانضمام إليها) 70.
وقد تعاطى الفقهاء المعاصرون بشكل متفهم مع هذا التحول في طبيعة الشريك، وافتقاد المساهم لكثير من حقوق الشريك في الفقه الإسلامي، ولذلك يقول مفتي الديار السعودية في زمنه الشيخ محمد بن ابراهيم آل الشيخ:
((من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرم كاتب عدل جدة..، نفيدكم أنه وردنا خطاب من سمو وزير المالية والاقتصاد الوطني، ذكر فيه امتناعكم عن إفراغ الملكية
للمشتري إلا بحضور المساهمين في الشركة التي تملك المصنع، وتوقيعهم فرداً فرداً بالوكالة والبيع، والحال أن البيع كان بواسطة اللجنة التي خولت من قبل الجمعية العمومية للشركة، ثم قال سموه: إن تحقيق هذا الأمر غير ممكن من الناحية العملية، وأن عقد الشركة الذي وافق عليه المساهمون ينص على أن للجمعية العمومية للشركة السلطة في التوكيل والإثابة فيما يتعلق بإدارة المصنع والتصرف فيه. اهـ، وعليه فإنه متى ثبت ما ذكره سموه ثبوتاً شرعياً فإنه يتعين عليك إكمال ما يلزم من كتابة المبيعة الصادر من اللجنة المشار إليها))71.
والحقيقة أن أكثر حالات المساهم تعبيراً عن تناقضه مع الصورة التقليدية للشريك، هي حالة المساهم المضارب، وهو الذي يشتري الأسهم بهدف بيعها إذا ارتفعت قيمتها، لا بهدف جني إيراداتها كما يهدف المساهم المستمر، فهذا المساهم المضارب حول السهم لا إلى (حصة) في شركة يبتغي غلتها، بل إلى (سلعة) في سوق يتربص ربحها، ولذلك يؤكد فقهاء القانون التجاري على هذه الحالة خصوصاً بقولهم:
(ولعله من غير المعقول أن ينظر إلى الشخص الذي يشتري سهماً في البورصة ليعيد بيعه بعد أسابيع قليلة كشريك متعاقد مع بقية الشركاء)72.
فإذا كنا لا نستطيع أن نقول للمساهم إلزام بالدخول مع إدارة سائمة من المآخذ الشرعية من جميع الوجوه تعين القول بجواز المساهمة في الشركات المختلطة إذا كان المخالط مغموراً.
فطالما أن المساهم لا يمتلك سلطة إدارة الشركة، وليست له الحقوق التقليدية المعروفة للشريك في الفقه الإسلامي، فعليه فإنه لا يجوز إسقاط كامل الالتزامات والمسؤوليات التقليدية للشريك عليه، لأن الالتزامات فرع عن الحقوق، والمسؤولية تبع للسلطة، وبالتالي فهو غير مسؤول عن أصل الانحرافات الجزئية التي تتخذها إدارة الشركة بغير رضاه، لأنه مسلوب الحق في إدارتها، وإنما يكون مسؤولاً عن أمرين: لو غلبت الانحرافات على إدارة الشركة وبقي فيها، ولو علم بالانحرافات
الجزئية ولم يتخلص من آثارها.
بمعنى أنه يصبح المناط في جواز المشاركة من عدمه كثرة هذه الانحرافات وقتها، فإذا غلبت الانحرافات الشرعية على قرارات إدارة الشركة لم يجز المشاركة فيها، وإذا كانت جزئية تابعة، أو يسيرة محدودة، بالنسبة إلى عموم نشاط الشركة وأعمالها وتمويلاتها المباحة جاز مشاركتها، لأنه لا يمكن أن يقال للناس لا تشتركوا إلا في ظل إدارة سائمة من المآخذ الشرعية من جميع الوجوه، فإن هذا مما يعز وجوده، ويشق التحرز من عدمه، ولا يسع الناس إلا ذلك. ولو كان مناط المشاركات هو السلامة الشرعية التامة، لا السلامة الشرعية الغالبة، لما جازت المشاركة في كافة المؤسسات المعاصرة، سواء منها ما كان في القطاع الخاص أو ما كان في القطاع العام.
وخلاصة الجواب على هذا الاعتراض -والله أعلم- أن نقول:
أن الأصل في النيابة أن تسري تبعة التصرفات إلى المنوب عنه، إلا إذا شاب النيابة مانع ترتب عليه تخلف آثار النيابة التقليدية، والمتحصل في طبيعة المساهم قيام المانع وهو أن الأنظمة السارية التي سنها ولي الأمر منحت مجلس الإدارة صلاحيات التصرف وسلبت المساهم بصورته الفردية منها، كما جاء في نص نظام الشركات:
(مع مراعاة الاختصاصات المقررة للجمعية العامة يكون لمجلس الإدارة أوسع السلطات في إدارة الشركة) 73.
وعليه فلم يصبح أمامنا إلا ثلاثة خيارات فقط:
١- إما أن تمنع المساهمة مطلقاً في هذه الشركات المساهمة، وفي هذا إهدار لمصلحة شرعية تتعلق بأحد أعمدة اقتصاد المجتمع المسلم.
٢- أو أن نبيح المساهمة مطلقاً في أية شركة مساهمة مهما بلغ حجم الانحرافات غير الشرعية في تصرفات مجلس إدارتها، وفي هذا مفسدة غلبة المال الحرام.
٣- أو تفصل ونفرق بين التقصير اليسير وبين الانحراف الغالب في تصرفات إدارة الشركة، فيجوز المساهمة في الأول دون الثاني، وفي تقديري أن هذا
الخيار هو أقرب الاتجاهات إلى كليات الفقه ومقاصد الشريعة.
مناقشة الاعتراض الخامس:
أما الاعتراض الخامس الذي مضمونه أن الشريعة لا تفرق بين الكثير والقليل أو بين المستقل والتابع في الأموال المحرمة، ففي تقديري أن هذا تصور غير دقيق، بل الصواب -والله أعلم- أن قاعدة الشريعة المستقرة في الأموال والأعيان المختلطة هي إلحاق الحكم بالغالب المقصود بالأصالة، فإذا كان الحلال هو الغالب المقصود بالأصالة والمحظور مجرد تابع يسير جازت المعاملة، وإذا كان الحرام هو الغالب المقصود بالأصالة والحلال مجرد تابع يسير حرمت المعاملة، وهذا هو الذي قرره جمهور الفقهاء وعامة المحققين.
وسبق أن أشرنا إلى نصوص فقهاء المذاهب حول هذا المبدأ الشرعي، ولذلك يقول العلامة القرافي (اعلم أن الأصل اعتبار الغالب، وتقديمه على النادر، وهو شأن الشريعة، كما يقدم الغالب في طهارة المياه، وعقود المسلمين)74.
وأشار الإمام ابن تيمية إلى اتفاق الفقهاء على هذا المبدأ، كما يقول (فإن كثيرا من الناس يتوهم أن الدراهم المحرمة إذا اختلطت بالدراهم الحلال حرم الجميع، فهذا خطأ، وإنما تورع بعض العلماء فيما إذا كانت قليلة، وأما مع الكثرة -أي كثرة الحلال- فما أعلم فيه نزاعا)75.
والحقيقة أن هذين الأصلين الشرعيين وهما قاعدة (اعتبار الغالب)، وقاعدة (اغتفار التابع)، قد دل عليهما عموم تصرفات الشارع في الأموال والأعيان، ونظائر ذلك في الشريعة أكثر من أن تحصر، ومن ذلك أنه إذا اختلط الماء الطاهر بالماء النجس لم يحكم الشارع بخبث الماء مطلقاً، بل اغتفر النجاسة إذا كانت يسيرة، كما في الحديث المشهور الذي رواه أهل السنن من حديث عبدالله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الماء يكون بالفلاة من الأرض وما ينوبه من الدواب والسباع؟ فقال صلى الله عليه وسلم (إذا كان الماء قلتين
لم يحمل الخبث)76، فلم يقل صلى الله عليه وسلم اجتنبوه كله لاختلاطه بالمحرم، بل أباحه إذا كانت الغلبة للطاهر.
وكذلك إذا تلوثت الأعيان المنتفع بها بالأخباث، فلم يأمر الشارع باجتنابها كلها لاختلاطها بالمحرم، بل أمر بالتخلص من القدر المحرم والانتفاع بالباقي، ولذلك لما سئل عن الفأرة النجسة تقع في السمن الجامد، لم يأمر باجتناب السمن كله، بل أمر باستبعاد القدر المتلوث، والانتفاع بالباقي، كما روى البخاري عن ميمونة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن فأرة سقطت في سمن؟ فقال (القوها، وما حولها فاطرحوه، وكلوا سمنكم)77.
مناقشة الاعتراض السادس:
أما الاعتراض السادس الذي مضمونه أن تفريق الفقهاء بين الكثير والقليل إنما يراد به المعاملات السالفة لا المعاملات المستأنفة، باعتبار أنه من غير المظنون ولا من اللائق أن يقر الفقهاء بوقوع العقود الفاسدة في المستقبل كالربا والقمار، ففي تقديري أن هذا الاعتراض الذي ارتكز عليه بعض الباحثين المعاصرين ناشئ عن فرضية فكرية أكثر من كونه تحليلاً فقهياً.
فهذا الاعتراض محض استبعاد ذهني ولده قصور في مطالعة واستقصاء وتحليل معالجات الفقهاء لإشكالية المشاركة مع أصحاب (الأموال والتصرفات المختلطة)، وهم الذين لا يتحرزون عن العقود الفاسدة شرعاً، ذلك أن نصوص الفقهاء التي أشرنا إليها في الفقرات السابقة أظهرت أن الفقهاء يفرقون أساساً بين شركة أصل نشاطها محرم، وبين شركات أصل نشاطها مباح إلا أن إدارة الشريك المقصر يشوبها باليقين أو الظن الغالب بعض المخالفات الشرعية اليسيرة الخارجة عن إرادة الشريك المحافظ.
فالشركات التي أصل نشاطها وتصرفات أصحابها محرمة يدرجها
الفقهاء تحت موضوع (الشركات الفاسدة) ويحكمون ببطلانها بلا نزاع بينهم، أما الشركات التي أصل نشاطها مباح لكن تصرفات أحد شركائها مشوبة يقيناً أو ظناً غالباً بمخالفات شرعية مغمورة يعالجها الفقهاء تحت موضوع مشاركة (أصحاب الأموال المختلطة) كالكافر والمسلم المقصر. وهذه تنازع فيها بين الإباحة والكراهة والمنع الابتدائي.
ولذلك فإن الإمام ابن قدامة حين ناقش موضوع مشاركة أصحاب الأموال المختلطة طرح تقسيماً لتصرفات الشريك المختلط بلغت ثلاثة أقسام وهي:
١- الحصة المختلطة قبل نشوء الشركة: بمعنى حكم أخذ حصة مالية مكونة من أموال مكتسبة بطرق غير شرعية قبل نشوء الشركة، فهذه الحصة رأى جواز أخذها، باعتبار جوازها في دينهم78.
٢- التصرف المحظور بعد نشوء الشركة إذا علم به: بمعنى حكم تصرف الشريك المقصر بإبرام عقود غير شرعية بأموال وموجودات الشركة، إذا علم الشريك المحافظ بهذه التصرفات اليسيرة، فإنه في هذه الحالة لم يحكم الإمام ابن قدامة ببطلان أصل عقد الشركة من أساسه، ولم يحكم بتحريم المشاركة في شركة هذا شأن إدارتها، بل رأى بطلان هذا التصرف الجزئي فقط، واعتبار الشريك المقصر ضامناً لهذا التصرف المحظور، مع إخراج المال الذي ترتب عليه عن ملكية الشريك المسلم المحافظ.
٣- التصرف المحظور بعد نشوء الشركة إذا كان مستوراً: بمعنى أثر قيام الشريك المقصر بالتصرف باستثمارات الشركة بمخالفات شرعية لكنها مجهولة غير معلومة بالنسبة للشريك المحافظ، ففي هذه الحالة لم يحكم الإمام ابن قدامة ببطلان أصل عقد الشركة. ولم يوجب التخلص من نسبة معيَّنة من الربح على سبيل الاحتياط، بل رأى أن الشريك المحافظ ليس مسؤولاً أصلاً لا عن التصرف ولا عن آثاره.
كما يقول العلامة ابن قدامة:
(وما باعوه من الخمر والخنزير قبل مشاركة المسلم، فثمنه حلال، لاعتقادهم حله…، فأما ما يشتريه أو يبيعه من الخمر بمال الشركة أو المضاربة، فإنه يقع فاسدا، وعليه الضمان؛ لأن عقد الوكيل يقع للموكل، والمسلم لا يثبت ملكه على الخمر والخنزير، فاشبه ما لو اشترى به ميتة أو عامل بالربا، وما خفي أمره فلم يعلم فالأصل إباحته وحله) 79.
ويؤكد الفقيه ابن القيم هذه النتيجة التي يقررها ابن قدامة باعتبار أن التصرف المحظور بعد نشوء الشركة يبطل هذا التصرف الجزئي فقط دون أصل الشركة، حيث يقول:
(وقد عللت طائفة كراهة مشاركتهم بأن كسبهم غير طيب فإنهم يبيعون الخمر والخنزير، وهذه العلة لا توجب الكراهة، فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال «ولوهم بيعها وخذوا أثمانها»، وما باعوه من الخمر والخنزير قبل مشاركة المسلم جاز لهم شركتهم في ثمنه، وثمنه حلال لاعتقادهم حله، وما باعوه واشتروه بمال الشركة فالعقد فيه فاسد، فإن الشريك وكيل والعقد يقع للموكل، والمسلم لا يثبت ملكه على الخمر والخنزير) 80.
وتقترب معالجة الإمام السرخسي من المنظور السابق، حيث أكد الإمام السرخسي في عرضه للإشكالية على عنصرين أساسيين:
١- أن عدم تحرز الشريك المقصر لا يمنع ولا يحرم مشاركته، طالما كان أصل أعمال وأموال الشركة مباحة.
٢- أنه لو مارس الشريك المقصر مخالفات شرعية في إدارة الشركة فإن الشريك المحافظ يخرج نسبتها من الأرباح فقط.
كما يقول الإمام السرخسي:
(وإذا دفع المسلم إلى النصراني مالا مضاربة بالنصف فهو جائز؛ لأن المضاربة من المعاملات، وأهل الذمة في ذلك كالمسلمين، إلا أنه مكروه لأنه جاهل بشرائع الإسلام، فلا نأمن أن يؤكله حراما، إما لجهله أو لقصده…، ولأنه يتصرف في الخمر
والخنزير ويعمل بالربا ولا يتحرز في ذلك، فيكره للمسلم أن يكتسب الربح بتصرف مثله له، ولكن مع هذا جازت المضاربة: لأن الذي من جانب المضارب البيع والشراء، والنصراني من أهل ذلك، فإن اتجر في الخمر والخنزير فربح، جاز على المضاربة في قول أبي حنيفة رحمه الله، وينبغي للمسلم أن يتصدق بحصته من الربح)81.
ولم تؤثر هذه التصرفات المستقبلية التبعية اليسيرة التي يغلب على الظن وقوعها على صحة الشركة عند جمهور الفقهاء، ولكنهم اختلفوا فيما إذا كانت هذه العقود التبعية الفاسدة التي أبرمها الشريك مما يستبيحه في دينه، فذهب الجمهور إلى أن الشريك يضمنها مطلقاً للشريك المحافظ، وذهب أبو حنيفة إلى أن هذه العقود يجوز له أن يبرمها وتنسب له، كما يلخص الإمام ابن قدامة الخلاف فيقول:
(فصل: وليس له أن يشتري خمراً ولا خنزيراً، سواء كانا مسلمين، أو كان أحدهما مسلماً والآخر ذمياً، فإن فعل فعليه الضمان، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: إن كان العامل ذمياً صح شراؤه للخمر وبيعه إياها: لأن الملك عنده ينتقل إلى الوكيل، وحقوق العقد تتعلق به)82.
وخلاصة الجواب أن التعاملات اليسيرة المحظورة إما أن تكون ستقع بإرادة الشركاء جميعهم، ثم يريدون أن يتخلصوا من نسبتها لاحقاً، فهذه لا يجوز الإقدام عليها سواء كانت يسيرة أم كثيرة، وسواء تخلصوا من نسبتها أم لم يتخلصوا، بل هم آمنون عاصون لله سبحانه بإقدامهم على مال محرم يمكن التحرز منه.
وإما أن تكون هذه التعاملات المحظورة تقع بإرادة بعض الشركاء دون رضا البقية الآخرين، وذلك إما بسبب غياب الشريك المحافظ ومشقة التحرز من تصرفات الشريك المقصر، أو بسبب استقلال الشريك المقصر بالإدارة وسلطة التصرف، فالحكم الصواب-والله أعلم- في هذا النوع تابع لقاعدة الكثير والتابع كما أسلفنا، فإذا كانت إدارة الشركة المستقلة تتلبس بانحرافات شرعية غالبية على أعمال الشركة وتمويلاتها وأنشطتها واستثماراتها، فلا يجوز المشاركة فيها، وإن كان
الأصل العام فيها التعاملات الشرعية لكنه يشوبها بعض المخالفات الشرعية اليسيرة، فإنه يجوز المشاركة فيها، بشرط التخلص من نسبة الإيراد المحرم إذا استلمه.
مناقشة الاعتراض السابع:
أما الاعتراض السابع الذي مضمونه أن المال الحرام غالب على قيمة السهم، لأن قيمة السهم انعكاس لإيراداته، وإيراداته تعتمد بشكل أساسي على التمويلات الربوية، ففي تقديري أن هذا الاعتراض نابع من عدم تصور طبيعة العوائد التي تخلقها الأسهم، سواء من حيث مصدرها أو من حيث العوامل المؤثرة على ارتفاع قيمتها. والمدخل الأساسي لتصور هذه القضية هو التمييز والفصل بين عوائد السهم، ذلك أن السهم يخلق عائدين متميزين عن بعضهما، وهما:
1- العائد الإيرادي: أو ما يسمى أحياناً عائد التوزيعات (Dividends Yield)، وهي الأرباح التي تقرر إدارة الشركة توزيعها على المساهمين في نهاية الدورة، وترتبط هذه العوائد الإيرادية بشكل مباشر بأنشطة الشركة وظروفها وتمويلاتها واستثماراتها، وهذه العوائد هي الهدف الأساسي للمساهم (المستثمر).
2- العائد الرأسمالي: وهذا العائد الرأسمالي (Capital Gain Yield) يمكن تسميته بالعائد السوقي، وهو الربح الذي يحققه المستثمر بسبب فروقات أسعار الأسهم بين سعر الشراء وسعر البيع، وتتأثر هذه العوائد بشكل مباشر بقوى العرض والطلب في السوق، وهذه العوائد هي الهدف الأساسي للمساهم (المضارب)83.
وعند المقارنة بين هذين العائدين يتبدى أن العائد الإيرادي أقرب إلى
طبيعة (غلة العين) بينما العائد السوقي أقرب إلى طبيعة (ريح السلعة). وبشكل أكثر تحديداً فإن السهم في جوهره هو شكل من أشكال (الأصول المالية) بمعنى أن قيمته السوقية تتحدد بشكل أساسي طبقاً لقوى وآليات العرض والطلب في السوق، والطلب على الأسهم -وهو الرغبة المدعمة بالقدرة على الشراء- وإن كان يتأثر بنمو إيرادات الشركة إلا أنه ليس مرتبطاً ارتباطاً ميكانيكياً وحيداً بهذه الإيرادات. أو التمويلات والاستثمارات الربوية كما يتصور البعض.
حيث يلاحظ أدنى متابع لمؤشرات الأسهم تتابع الصعود والانخفاض في شركات لم توزع إيرادات أصلاً لعدة دورات ماضية! بل إن بعض الأسهم ترتفع قيمتها السوقية بالرغم من انحدار إيراداتها أو تمويلاتها، وأسهم أخرى تنخفض قيمتها السوقية بالرغم من تصاعد إيراداتها أو تمويلاتها.
وهذا يعني أن ارتفاع قيمة السهم أو تصاعد الطلب على الأسهم مرتبط بشبكة من العوامل المتعددة، منها عوامل عامة مرتبطة بالظاهرة الاقتصادية بشكل عام، ومنها عوامل خاصة مرتبطة بمحددات الطلب على الأسهم.
فمن العوامل الكثيرة المؤثرة على ارتفاع أسعار الأسهم أو تزايد الطلب عليها: انتعاش الاقتصاد العالمي، وارتفاع أسعار النفط84، وكفاءة التوجهات العامة للسياسات الحكومية، وانتظام التشريعات الرسمية التي تصدرها الدول بهدف تنظيم النشاط التجاري عموماً والسوق المالية بشكل خاص، وانخفاض العوائد على البدائل الاستثمارية الأخرى كالعقارات مثلاً، وسعر الفائدة، وارتفاع معدل التضخم، وانخفاض المخاطر المنتظمة وهي مخاطر السوق عموماً، وانخفاض مخاطر القطاع وهي عوامل خاصة تؤثر على قطاع معيَّن كقطاع الصناعة دون أن يمتد أثرها إلى السوق بمجمله، مثل تغيُّر أسعار البتروكيماويات، وانخفاض المخاطر الداخلية الخاصة بالمنشأة كظروف
الشركة والاضطرابات الوظيفية فيها، وارتفاع الكفاءة الإدارية للشركة، وتقليل تكاليف التشغيل، وزيادة رأس المال، وارتفاع مستوى الدخل بما يخلق فائضاً يوجه للاستثمار، وتوجه أذواق وتفضيلات المستهلكين تجاه منتجات شركة معيَّنة، وتطور النشاط التسويقي للمنشأة، وغيرها من العوامل التي تؤثر على ارتفاع قيمة الأسهم وازدهار الطلب عليها. وفي دراسة أجنبية تطبيقية مبكرة جداً أجراها (Latane and Tultel) شملت ما يقارب (٥٠) شركة، خلال فترة زمنية امتدت (١٣) سنة، توصل البحث فيها إلى أن التغيُّر في الإيرادات لا يؤثر أصلاً في تغيُّرات أسعار الأسهم إلا بنسبة ١٧٪ فقط، أما ٨٣٪ من تغيُّرات أسعار الأسهم فترتبط بعوامل اقتصادية أخرى85.
وفي دراسة محلية تطبيقية أجريت على سوق المال السعودي حاولت أن تقيس أثر الإعلان عن الأرباح على أسعار الأسهم توصلت الدراسة إلى نتائج إيجابية في أصل العلاقة، ومع ذلك أثبتت الدراسة وجود ظواهر انفصال بين الإيرادات وتذبذبات القيمة السوقية، كما تقول الدراسة (تؤدي المضاربة في سوق الأسهم -السعودية- إلى حدوث تصحيحات في الأسعار، لا تبدو ذات صلة مباشرة بالإعلان عن التغيُّر في الأرباح الربع السنوية)86.
وفي دراسة تطبيقية أخرى أجريت على سوق المال السعودي حاولت أن تقيس أثر بعض العوامل الاقتصادية كعامل سعر الفائدة، وعامل التضخم، وعامل عرض النقود، على مؤشر السوق الكلي ومؤشرات بعض القطاعات الأخرى، باعتبارها مؤشرات تقيس الطلب، وخلصت الدراسة إلى أنه:
(بوجه عام أثبتت الدراسة أن هناك علاقة عكسية بين كل من سعر الفائدة، وعرض النقود، وبين كل من مؤشر السوق الكلي، ومؤشر قطاع البنوك، ومؤشر قطاع الصناعة، وأن هناك علاقة طردية بين كل من مؤشر مستوى الأسعار القياسية،
ومعدل التضخم وبين كل من مؤشر السوق الكلي، ومؤشر قطاع البنوك، ومؤشر قطاع الصناعة)87.
وفي دراسة تطبيقية أخرى أجريت على سوق المال السعودي حاولت أن تقيس أثر السياسات الحكومية على أسعار الأسهم، وتوصلت الدراسة إلى نتائج إيجابية، كما تقول الدراسة:
(إن للسياسات المالية النقدية في المملكة وبالذات الإنفاق العام وهو أحد أدوات السياسة المالية دور بارز ومؤثر في الطلب على الأسهم. ففي حالة اتباع الدولة سياسة نقدية توسعية يؤدي ذلك إلى زيادة الطلب على الأسهم بشكل مباشر، واتضح ذلك أثناء أزمة الخليج تماماً)88.
وبالجملة فإن عوائد السهم بشكل عام ليست انعكاساً تاماً للتمويلات والاستثمارات اليسيرة المحظورة، بل هي خاضعة لحزمة واسعة من العوامل الاقتصادية، وبالتالي فإن التمويلات وفوائد الإيداعات المحظورة ليست المؤثر الوحيد على القيمة السوقية لأسهم الشركة.
مناقشة الاعتراض الثامن:
أما الاعتراض الثامن الذي مضمونه أن الأرباح المحرمة شائعة في أموال الشركة، وعلى ذلك فلا يستطيع الإنسان أن يتخلص من العنصر المحرم في الإيرادات أصلاً، إذ لا يمكن إخراج نظيرها من كل وجه، فالصواب - والله أعلم - أن هذا الاعتراض اعتراض ضعيف مخالف لقاعدة الشريعة المستقرة في الأموال والأعيان المختلطة، فإن الشارع إذا اجتمع الحلال والحرام لم يحكم بتحريم الجميع بل يأمر بإخراج قدر المال المحرم بما يغلب الظن إخراجه به.
ولذلك فإن كثيراً من المحققين ذهبوا إلى أنه إذا اختلط معقود عليه مشروع بمعقود عليه فاسد في عقد واحد لم يمنع الجميع باعتبار
أن العقد شائع فيهما، بل ذهبوا إلى القول بتفريق الصفة، كما روى الشيخان أن البراء بن عازب اشترى هو وشريكه شيئاً يداً بيد ونسبة، قال وسألنا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك؟ فقال: (ما كان يداً بيد فخذوه، وما كان نسبة فذروه)89.
فأرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى تفريق الصفة بإمضاء المال الصحيح وترك المال الفاسد، ولم يحكم بشيوع الصفة في المعقود عليه جميعه، ويقول الفقيه ابن القيم تعليقا على هذا الحديث (وهو صريح في تفريق الصفة)90.
وفي مناقشة الإمام ابن العربي لهذه الأطروحة وهي الاحتجاج بفكرة شيوع المال الحرام في المال الحلال بما لا يمكن استخراجه منه، أشار الإمام ابن العربي إلى أن هذا القول يقترب من أقوال غلاة المتصوفة أكثر من كونه يقترب من كلام ومعالجات الفقهاء، حيث يقول:
(ذهب بعض الغلاة من أرباب الورع إلى أن المال الحلال إذا خالطه حرام حتى لم يتميز، ثم أخرج منه مقدار الحرام المختلط به لم يحل ولم يطب؛ لأنه يمكن أن يكون الذي أخرج هو الحلال، والذي بقي هو الحرام، وهو غلو في الدين؛ فإن كل ما لم يتميز فالمقصود منه ماله لا عينه، ولو تلف لقام المثل مقامه، والاختلاط إتلاف لتميزه، كما أن الإهلاك إتلاف لعينه، والمثل قائم مقام الذاهب، وهذا بين حسا بين معنى)91.
ويؤكد الإمام ابن تيمية هذه النتيجة حيث يقول:
(وإذا كان في ماله حلال وحرام واختلط لم يحرم الحلال، بل له أن يأخذ قدر الحلال، كما لو كان المال لشريكين فاختلط مال أحدهما بمال الآخر، فإنه يقسم بين الشريكين)92.
وقد أقر الشارع أن المال الطيب قد يختلط ببعض الأموال الخبيثة،
ومع ذلك لم يأمر باجتناب المال المختلط كله باعتبار الشيوع، بل أمر بأن يقصد الإنسان منه الحلال الطيب، كما قال تعالى في سورة البقرة (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) سواء كان خبثه من جهة رداءته الكونية أو من جهة حرمته الشرعية، ويعزز هذا المعنى ما روى مرفوعا والصواب - والله أعلم - وقفه على ابن مسعود أنه قال (ولا يكسب عبدا مالا من حرام فينفق منه فيبارك له فيه)93.
وبالجملة فلو كان الربح الشائع في أموال الشركاء لا يمكن التخلص منه بإخراج نسبته، لكان لازم ذلك أن الشركة يمتنع انقسامها وقسمها أصلا، لأنه لا يمكن قسمة أموال الشركاء باعتبار أن حصة كل منهم شائعة في أموال الشركة94.
مناقشة الاعتراض التاسع:
أما الاعتراض التاسع الذي مضمونه أنه حتى لو تخلص الإنسان من النسبة اليسيرة المحرمة في آخر قائمة مالية، فإنه لا يستطيع أن يتخلص من النسبة المحرمة في القوائم المالية السابقة، فالواقع أن هذا الاعتراض يتضمن إجمالا سنحاول تفصيله في العنصرين التاليين:
١- الإيرادات المختلطة قبل المساهمة: بمعنى الإيرادات التي تخلقها الحصة قبل شراء المساهم لها، ويكون فيها نسبة يسيرة من أموال غير مشروعة، فهذه الإيرادات في الحقيقة لم يستلمها المساهم الجديد أصلا، وعليه فليس عليه التخلص من شيء لم يستلمه.
٢- الحصة المختلطة قبل المساهمة: بمعنى النسبة اليسيرة التي كونتها الشركة في موجوداتها بتعاملات غير شرعية، فهذه النسبة هي في الحقيقة تعود إلى قاعدة (المحرم لكسبه)، فإذا اشترى المساهم الجديد
هذه الحصة المختلطة الشائعة في مكونات الشركة بعقد شرعي صحيح فإنها تصبح بالنسبة له أموالاً مباحة، وقد سبق إيراد الأدلة الشرعية على تصرفات الشارع حيال المحرم لكسبه، فهذا الاعتراض أدخل بباب المعاملة منه بباب المشاركة، لأنه يتحدث عن شراء حصة مختلطة سابقة، وليس المشاركة في أرباح مستقبلية مختلطة.
وبالجملة فإن المساهم لا يسأل إلا عن الموجودات والإيرادات التي تكونت بعد دخوله في المساهمة، أما ما كان قبل مساهمته فإما أن يكون إيراداً لم يستلمه فلا حكم له، أو حصة شائعة في مكونات الشركة انتقلت إليه بعقد شرعي صحيح.
مناقشة الاعتراض العاشر:
أما الاعتراض العاشر الذي مضمونه أن مصلحة مشاركة المسلمين في الشركات المساهمة مع وجود أموال محرمة تبعية هي مصلحة ملغاة وغير مرعية لأنه لم يشهد الشارع لجنسها بالاعتبار، فلم يعهد من الشارع أن تسامح في يسير المال الحرام رعاية لمصلحة أخرى، فالصواب -والله أعلم- أن هذا الاعتراض اعتراض ضعيف، فاستيعاب تصرفات الشارع يؤكد دون شك أن الشارع ليس معنياً فقط بتقرير المصلحة والمفسدة، ولكنه معنى بشكل أساسي بالموازنة بين أعظم المصلحتين وأدنى المفسدتين، وسنشير فيما يلي إلى نماذج من تصرفات الشارع في التسامح في يسير الأموال المحظورة رعاية لمصلحة أعظم، وأن ذلك مصلحة معهودة قد شهد الشارع لجنسها بالاعتبار:
١- من المعلوم أن من أبواب ربا الفضل قاعدة بيع المزابنة، وقد نهى الشارع عنها كما روى الشيخان عن ابن عمر (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المزابنة، والمزابنة بيع الثمر بالتمر كيلا، وبيع الكرم بالزبيب كيلا)95، والمزابنة هي بيع الربوي الرطب باليابس جزافاً، مثل بيع الرطب بالتمر جزافاً، وبيع العنب بالزبيب جزافاً، والعلة في النهي عن ذلك جهالة
التماثل في هذه الأجناس الربوية بسبب تفاوت حالة الرطوبة والبيوسة بين المكيلين، وقاعدة الشريعة في الربويات أن الجهل بالتماثل كالعلم بالتفاضل، كما روى أهل السنن عن سعد بن أبي وقاص قال (سئل صلى الله عليه وسلم عن بيع الرطب بالتمر؟ فقال صلى الله عليه وسلم: أينقص الرطب إذا جف؟ قالوا: نعم. قال: فلا إذا) وفي رواية (فنهى عن ذلك)96.
ومع ذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم استثنى العرايا من بيع المزابنة المحرم، كما في الصحيحين عن سهل بن أبي حنيفة (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمر بالتمر، وقال: ذلك الربا، تلك المزابنة، إلا أنه رخص في بيع العرية النخلة والنخلتين، يأخذها أهل البيت بخرصها تمراً، يأكلونها رطباً)97.
وسبب هذا الاستثناء أنه لما أتى موسم الرطب، تشوف الصحابة إلى تناوله، فسألوا رسول الله أن يرخص لهم في المزابنة، فأرخص لهم في الشئ اليسير وهو ما دون خمسة أوسق، كما نقل الشافعي عن محمود بن لبيد قال (قلت لزيد بن ثابت ما عرباكم هذه؟ قال: فلان وأصحابه شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الرطب يحضر وليس عندهم ذهب ولا فضة يشترون بها منه، وعندهم فضل تمر من قوت سنتهم، فرخص لهم أن يشتروا العرايا بخرصها من التمر، يأكلونها رطباً)98.
ويؤكد الإمام ابن تيمية على هذا الاستثناء من الربا فيقول (ولهذا لما نهاهم عن المزابنة لما فيها من نوع ربا، أو مخاطرة فيها ضرر، أباحها لهم في العرايا للحاجة)99.
فتأمل كيف تسامح الشارع الحكيم في قاعدة من قواعد الربا وهي قاعدة المزابنة، كما سماها الشارع «ربا» حين قال صلى الله عليه وسلم (ذلك الربا، تلك المزابنة)100، ومع ذلك تسامح فيها واستثنى العرايا اليسيرة التي لا تتجاوز خمسة أوسق، لا لمقصد ضروري تتلف الأنفس بفقده، ولا لمقصد حاجي تحصل المشقة بفقده، وإنما لمقصد كمالي ترفيهي وهو التفكه بالرطب في موسمه، كما قال العلامة الهيثمي (غرض الرخصة بقاء التفكه بأخذ الرطب شيئا فشيئا إلى الجِذع، فلو شرط في قبضه كلية فات ذلك)101، وقال البهوتي (الرخصة وردت في بيعه على أصوله للأخذ شيئا فشيئا لحاجة التفكه)102، ويقول الإمام النووي (إرخاصه صلى الله عليه وسلم في العرايا من غير تقييد بالضرورة، ولأنه إنما يريد الرطب شهوة، ولو اعتبرت الضرورة لرخص في صاع ونحوه بما يزيلها، وقد أبيع أكثر منه)103.
فانظر كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل لهم: أنتم لستم مضطرون إلى الرطب فعندكم ما يكفيكم من أنواع التمور الأخرى، بل ولم يقل لهم صلى الله عليه وسلم هذه المرة: بيعو التمر بالدراهم ثم اشتروا بالدراهم رطباً، وإنما أرخص لهم وتسامح معهم في قاعدة ربوية مراعاة لإلحاح تشوفهم وعميق تلهفهم لهذه الفاكهة في فصل الصيف، وأجاز لهم اليسير المحدود، وأستلهم النبي صلى الله عليه تحديد اليسير بنصاب الزكاة، حيث أجازه لهم فيما دون خمسة أوسق.
ثم تأمل أيضاً كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجعل هذا التسامح في يسير المزابنة خاصاً بالفقراء والمحتاجين، بل جعله عاماً لمن لم يكن معه إلا التمر ولم يجد فضل الدراهم، كما جاءت الأحاديث مطلقة غير مقيدة، ويقول الإمام النووي تعليقاً على حديث العرايا (والأصح أنه يجوز ذلك للفقراء والأغنياء)104، ليدل ذلك بمجموعه كله على
عمق مراعاة النبي صلى الله عليه وسلم لمصالح المسلمين العامة إذا عارضتها موانع شرعية يسيرة غير راجحة.
فإذا كان الشارع الحكيم قد تسامح في يسير الربا مراعاة لمصلحة كمالية، فكيف لا يجوز التسامح في اليسير التبعي الخارج عن تصرف الشريك مراعاة لمصلحة عامة مرتبطة باقتصاد المسلمين الكلي؟ كما في الشركات المساهمة التي هي من أهم الأدوات القانونية المعاصرة في تنظيم وجمع المدخرات وتمويل المشروعات الحيوية الكبرى التي تحتاج لرؤوس أموال ضخمة.
٢- من المعلوم أن من أبواب الربا (قاعدة الصرف) والأصل فيها ما أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، مثلاً بمثل، من زاد أو ازداد فقد أربى)105، بمعنى أنه لا يجوز مبادلة النقد بجنسه متفاضلاً، بل يجب أن يكون النقدان متماثلين، ومع ذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز إذا اشترى السيد عبداً أن يشترط معه ماله، بالرغم من أن ذلك يؤول إلى أن يكون النقدان متفاضلين، كما في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال (من ابتاع عبداً وله مال، فماله للذي باعه، إلا أن يشترط المبتاع)106.
فمع أن الشارع سمى مخالفة قاعدة الصرف «ربا» كما قال صلى الله عليه وسلم (من زاد أو ازداد فقد أربى)107، إلا أنه تسامح في قاعدة الصرف التي هي قاعدة من قواعد الربا، وجوز اشتراط مال العبد لأنه ليس مقصوداً للسيد المشتري بالأصالة وإنما هو مال تبعي، جرياً على قاعدة الشريعة العامة في اغتفار التوابع وإلحاق الأحكام بالتصرفات المقصودة بالأصالة.
٣- من المعلوم أن من أبواب الغرر قاعدة (بيع الثمرة قبل بدء الصلاح) حيث نهى الشارع عنها باعتبارها مالاً مستور العاقبة ومجهول الوجود
في المستقبل بحسب العادة، كما روى الشيخان أن النبي صلى الله عليه وسلم (نهى عن بيع الثمرة حتى يبدء صلاحها، وقال: أرايتك إن منع الله الثمرة فبم يستحل أحدكم مال أخيه)108.
فمع أن الشارع جعل بيع الثمرة قبل بدء الصلاح باباً من أبواب الغرر والجهالة يترتب عليها استحلال مال الآخرين وأكل أموال الناس بالباطل، كما قال صلى الله عليه وسلم (أرايتك إن منع الله الثمرة فبم يستحل أحدكم مال أخيه)109.
ومع ذلك فإن الشارع أجاز للمشتري إذا اشترى نخلاً وكان فيها ثمار لم يبد صلاحها أن يشترط المشتري ثمرتها حتى ولو لم يبد صلاحها بعد، لأن الثمرة لم تكن مقصودة هاهنا أصالة، وإنما كان المقصود الشجر ودخلت الثمار بالتبعية بخلاف من أبرم العقد على الثمرة استقلالاً، كما في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال (من باع نخلاً قد أبرت، فثمرتها للبايع، إلا أن يشترط المبتاع)110.
ويربط الإمام ابن تيمية تصرفات الشارع في أبواب المعاملات ليؤكد بها هذا المبدأ الشرعي العام وهو التسامح في بعض العقود الفاسدة اليسيرة لأجل مصلحة شرعية أعظم، تكون راجحة في علاقاتها بمصلحة المسلمين العامة على ما يخشى منه في أحاد هذه العقود الفاسدة فيقول:
(وأيضاً فإن الناس محتاجون إلى هذه البيوع، والشارع لا يحرم ما يحتاج الناس إليه من البيع لأجل نوع من الغرر، بل يبيح ما يحتاج إليه في ذلك، كما أباح بيع الثمار قبل بدء صلاحها مبقاة إلى الجذاذ، وإن كان بعض المبيع لم يخلق، وكما أباح أن يشترط المشتري ثمرة النخل المؤبر، وذلك اشتراء قبل بدء صلاحها لكنه تابع للشجرة، وأباح بيع العرايا بخرصها، فأقام التقدير بالخرص مقام التقدير بالكيل عند الحاجة، مع أن ذلك يدخل في الربا، الذي هو أعظم من بيع الغرر، وهذه قاعدة الشريعة، وهو تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، ودفع أعظم الفسادين
بالتزام أدناهما)111.
٤- ورد في كتاب الله الإشارة إلى أنه تغلب في عقود المشاركات أسباب العناصر المحرمة، كما ورد في سورة ص (وإن كثيراً من الخلطاء ليبغى بعضهم على بعض) والخلطاء هم الشركاء، ومع ذلك فإن الشارع لم يمنع عقد المشاركة من أصله، بل أباحه لما في تشريع عقود المشاركات من مصالح شرعية، واغتفر هذه المفسدة التبعية رعاية للمصلحة الراجحة.
٥- أن الشارع أشار إلى أن الأسواق التجارية عموماً هي من مظان تسرب الأموال المحظورة، وأنها لا تسلم غالباً من عناصر وممارسات محرمة، كما في الحديث الصحيح الذي رواه أهل السنن عن قيس بن أبي غرزة قال: قال صلى الله عليه وسلم (إن هذه السوق يخالطها اللغو والكذب فشوبوها بالصدقة)، وفي رواية (يامعشر التجار إنه يشهد بيعكم الحلف والكذب فشوبوه بالصدقة)112 ومع ذلك فإن الشارع لم يأمر بإقفال هذه الأسواق، بل شرع المشاركة فيها واغتفر ما فيها من العقود الفاسدة اليسيرة التبعية رعاية للمصلحة الراجحة، وأمر التاجر بكفارة ما لا يمكن التحرز منه عبر التخلص والتصدق بجزء من الأرباح.
وبعض الناس يجد في نفسه من هذه الأصول الشرعية شيئاً، ولا تطاوعه نفسه على الالتزام بموجبها في تفريع الأحكام، وهذه الغضاضة ليست من الدين في شيء، بل هذا التلكؤ على التحقيق قصور خفي في التسليم لكامل تصرفات الشارع، فإن الذي نهانا عن أصول العقود الفاسدة هو الذي شرع لنا التسامح في يسيرها مراعاة للمصلحة الراجحة، كمصالح المسلمين العامة التي تمس شريان اقتصادهم، ولا يجوز للفقيه أن يتحكم في نصوص الوحي ما يؤخذ منها
وما يجر، كما لا يجوز له أن يفتي بوجوب التورع عن معاملات فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن ذلك يتضمن معنى الاستعلاء على هديه صلى الله عليه وسلم وازدراء سيرته الشريفة، بل الواجب على الفقيه المؤمن أن يسلم بكامل أحكام وتصرفات الشارع حظراً وإباحة، فإن تبعيض الأحكام الشرعية من شيم أحبار اليهود التي نهى الله فقهاء المسلمين عن سلوكها، كما قال تعالى عنهم في سورة البقرة (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ).
Footnotes
-
فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والافتاء، جمع الشيخ أحمد الدويش، فتوى رقم (٨٩٩٦)، ص (١٢/٥٠٨) ↩
-
مجمع الفقه الإسلامي، التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة، قرار رقم (٦٥/١/٧) ↩
-
مجمع الفقه الإسلامي، التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة، قرار رقم (٩١/٤/٩١) ↩
-
رسالة حول الأسهم وحكم الربا، الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين، مؤسسة أسام للنشر، ص (٢١). ↩
-
بحوث في الاقتصاد الإسلامي، الشيخ عبدالله بن منيع، المكتب الإسلامي، ص (٢٢٨). ↩
-
المغني، لابن قدامة (١٨٠/٤) ↩
-
بدائع الصنائع، للكاساني (١٤٤/٥) ↩
-
الفروق للقرافي، الفرق رقم (٢٢٩). ↩
-
قواعد الأحكام، للعز بن عبد السلام (٨٤/١) ↩
-
قواعد ابن رجب الحنبلي، ق (١٥٩)، ص (٢٢٤) ↩
-
مجموع الفتاوى (٢٩/٢٢١) ↩
-
بدائع الصنائع، للكاساني (٥/١٤٤) ↩
-
المجموع شرح المذهب، للنووي (٩/٤٢٥) ↩
-
قواعد الأحكام، للعز بن عبد السلام (١/٨٤) ↩
-
الفروع، لابن مفلح (٢/٦٥٨) ↩
-
فتاوى الهيثمي (٢/٢٧١) ↩
-
الفروع، لابن مفلح الحنبلي (٢/٦٥٨). وانظر أيضاً: الآداب الشرعية، لابن مفلح (١/٤٤١) ↩
-
المغني، لابن قدامة (٤/١٨٠) ↩
-
مجموع الفتاوى (٢٩/٢٧٢) ↩
-
رواه البخاري (٢٥٠٨)، مسلم (١٦٠٣)، واللفظ له، وانظر: فتح الباري (١٦٧/٥). ↩
-
رواه الترمذي (١٢١٣)، النسائي (٤٦٢٨)، الحاكم (٢٨/٢)، وسنده جيد، وصححه الترمذي، والحاكم، والسبوطي، وقال ابن القيم (ثبت عن النبي أنه اشترى من يهودي سلعة إلى الميسرة)، وقال ابن دقيق العيد (سنده على شرط البخاري)، ودافع عنه ابن حجر فقال (وطعن ابن المنذر في صحته بما وهم فيه)، انظر: أحكام أهل الذمة لابن القيم (٥٥١/١)، فتح الباري لابن حجر (٥٠٨/٤)، البدر المنير لابن الملقن (٦١٢/٦)، فيض القدير للمناوي (٢٥٩/٥)، تحفة الأحوذي للمباركفوري (٢٤٠/٤). ↩
-
رواه أحمد (١٢٨٨٧)، (١٤١١٧)، وأصله في البخاري (١٩٦٣) بلفظ (أن أنسامشي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بخبز شعير وإهالة سنخة) والإهالة هي الشحم المذاب والسنخة هي المتغيرة. ↩
-
رواه البخاري (٢٩٥٩)، ومسلم (١٠٥٨) ↩
-
رواه مسلم (١٧٧٥) ↩
-
إحياء علوم الدين للغزالي (١٢٦/٢)، وانظر: المجموع شرح المذهب للنووي (٤٢٥/٩). ↩
-
مجموع الفتاوى (٥٧٢/٢٨) ↩
-
رواه البخاري (٢٤٧٣) ومسلم (٢٤٦٩) ↩
-
رواه البخاري (١٤١١) ومسلم (١٢٩٢) ببحرهم أي ببلدهم، أو المراد بأهل بحرهم لأنهم كانوا سكاناً بساحل البحر ↩
-
رواه عبد الرزاق في مصنفه (١٤٨٥٢) وأبو عبيد في الأموال (٦٢) وقال الإمام أحمد (إسناده جيد) وقال ابن تيمية (وهذا ثابت عن عمر) أنظر مجموع الفتاوى (٢٦٥/٢٩) وأحكام أهل الذمة لابن القيم (١٨٢/١) والمحلّى لابن حزم (١٤٨/٨) ونصب الراية للزيلي (٥٥/٤) والدراية لابن حجر (١٦٢/٢). ↩
-
رواه الترمذي (٢٤٢٧) وابن ماجه (٢٤٤٦) والبيهقي (١١٤٢٩) وصححه ابن القيم في أعلام الموقعين (٨٢/٣) وابن السكن كما في تلخيص الحبير (٦١/٣) وأخرج به الإمام ابن تيمية في منهاج السنة (٥٥٢/٨) وغيرهم. ↩
-
بدائع الصنائع للكاساني (٦٢/٦) ↩
-
الزرقاني شرح خليل (٤١/٦) وانظر الفواكه الدواني للفراوي (١٢٠/٢) ↩
-
حاشيتا قليوبي وعميرة على كنز الراغبين للمجلي (٤١٩/٢) ↩
-
شرح منتهى الإرادات للبهوتي (٢٠٧/٢) وللحنابلة في المشاركة بالحصة تفصيلات أخرى ↩
-
بدائع الصنائع، للكاساني (٨١/٦)، وقال الكاساني أيضاً (ويكره للمسلم أن يشارك الذمي؛ لأنه يباشر عقودا لا تجوز في الإسلام، فيحصل كسبه من محظور فيكره) بدائع الصنائع (٦٢/٦). ↩
-
أسنى المطالب، للأنصاري (٢٥٢/٢)، وانظر: روضة الطالبين للنووي (٢٧٥/٤)، وفتح العزيز للرافعي (٤٠٥/١٠). ↩
-
المغني، لابن قدامة (٢/٥)، وقال البهوتي الحنبلي (وتكره شركة مسلم مع كافر، كمجوسي، نصاً: لأنه لا يأمن معاملته بالربا، وبيع الخمر ونحوه) شرح منتهى الإرادات (٢٠٧/٢). ↩
-
مواهب الجليل شرح مختصر خليل، للحطاب (١١٨/٥) وقال الزرقاني أيضاً: (شركة مسلم بكافر يتجر بغير حضور المسلم، فإنها غير صحيحة على ما لبعضهم كظاهر المصنف، ولكن ظاهر المدونة: المنع ابتداء وصحتها بعد الوقوع) الزرقاني شرح خليل (٤١/٦). ↩
-
مواهب الجليل شرح مختصر خليل، للخطاب (١١٨/٥) ↩
-
منع الجليل، للشيخ عليش (٢٥٠/٦). ↩
-
أحكام أهل الذمة، لابن القيم (٥٥٨/١) ↩
-
المحلى، لابن حزم (٤١٦/٦) ↩
-
رواه البخاري (٦٨٥٨) . مسلم (١٣٣٧) ↩
-
تلخيص الاستغاثة (١٨٨/١) وأنظر ذات المعنى في مجموع الفتاوى (٢٨١/١٤)، وقال الإمام ابن تيمية أيضاً في التأكيد على أن المعاوضة تتضمن المعونة: (فكما يجب على بعض إعانة بعض على حاجاتهم بالمعاوضة التي لا ضرر فيها) مجموع الفتاوى (١٩٦/٢٩). ↩
-
اعلام الموقعين، لابن القيم (١٢٥/٢). ↩
-
رواه البخاري (٢٢٨٥)، مسلم (١٥٥١)، واللفظ له ↩
-
رواه مسلم (١٥٥١). ↩
-
رواه البخاري (٢٩٩٩) ↩
-
رواه البخاري (٤٠٠٠) ↩
-
فتح الباري، لابن حجر، ص (١٢٥/٥). ↩
-
المحلى، لابن حزم، ص (٦/١١٦). ↩
-
المحلى لابن حزم (٧/٦٥). ↩
-
مجموع الفتاوى (٢٥/٥٢). ↩
-
أحكام أهل الذمة، لابن القيم (١/٥٥٢). ↩
-
انظر الجمع بين الصحيحين (١٢٠/١) ، نيل الأوطار (٢٠٧/٨) ، مجمع الزوائد (١٢٢/٤) ، التمهيد لابن عبد البر (١٢٩/٩) ↩
-
رواه: مسلم (٢٥٧٧). ↩
-
مجموع الفتاوى (٢٩/٢٢٠) ↩
-
أنظر: المغني لابن قدامة (10/221)، تبين الحقائق للزيلي (6/174)، تحفة المحتاج للهيثمي (5/199)، قواعد ابن رجب (114) وغيرها كثير. وهو تكييف شائع في الفقه الإسلامي. ↩
-
المغني لابن قدامة (٤/١٦٥)، وانظر أيضاً بدائع الصنائع للكاساني (٥/٢١٦)، التاج والإكليل للمواق (٦/٤٠٠)، أسنى المطالب للأنصاري (٢/٢٤٢)، وغيرها. ↩
-
قواعد ابن رجب (١١٤). ↩
-
مجموع الفتاوى لابن تيمية (٢٤/١١٩). ↩
-
الإنصاف للمرداوي (٥/٢٦٢) مختصراً. ↩
-
المنثور للزركشي (١/٢٠٠). ↩
-
شرح التلويح على التوضيح للتفتازاني (٢/٢٢٦). ↩
-
رواه البخاري (٨٥٢) ومسلم (١٨٢٩). ↩
-
الوسيط في شرح القانون المدني، د. عبدالرزاق السنهوري (٥/٢٢٠). ↩
-
سيطرة مجلس الإدارة على سلطات التصرف هو من حيث الواقع العملي الذي يعسر مقاومته، لكنه من حيث النظرية النظامية فإن من المفترض أن تكون السلطة بيد الجمعية العمومية، كما يقول فقهاء القانون التجاري: (عمت شركات المساهمة ظاهرة تغيب المساهمين عن حضور الجمعيات العمومية وترتب على عدم استعمال المساهم حقوقه في الرقابة على استغلال المشروع وإدارته أن احتكروا أعضاء مجلس الإدارة تلك السلطة وأصبحوا سادة المشروع، كما ترتب على ذلك انكماش أرباح المساهمين وتضخم مكافآت أعضاء مجلس الإدارة) القانون التجاري السعودي، د. محمد حسن الجبر (٢٨٦). ↩
-
أصول القانون التجاري، للدكتور مصطفى كمال طه، ص(255)، وانظر فحوى هذا الفكرة الفقهية في: القانون التجاري السعودي، د.محمد الجبر، ص(164)، دروس في القانون التجاري السعودي للدكتور أكثم الخولي ص(107)، القانون التجاري السعودي للدكتور حمزة المدني ص(141)، الوجيز في النظام التجاري السعودي للدكتور سعيد يحي ص(121)، الشركات التجارية للدكتور مصطفى كمال طه ص(17)، موسوعة الشركات التجارية للدكتور إلياس ناصيف ص(62/1)، الكامل في قانون التجارة للدكتور إلياس ناصيف ص(2/18). ↩
-
القانون التجاري السعودي، د.محمد الجبر، ص(164)، وانظر المصادر السابقة. ↩
-
القانون التجاري السعودي، د.محمد الجبر، ص(165)، وانظر المصادر السابقة. ↩
-
فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد ابن إبراهيم آل الشيخ، جمع وترتيب محمد بن قاسم، (٨/٤٧) ↩
-
القانون التجاري السعودي، د. محمد الحبر، ص (١٦٤)، وانظر المصادر السابقة. ↩
-
نظام الشركات التجارية السعودي، المادة (٧٢). ↩
-
الفروق للقرافي، الفرق رقم (٢٢٩). ↩
-
مجموع الفتاوى (٢٩/٢٢١). ↩
-
رواه: أبو داود (٦٢) والترمذي (٦٧) والنسائي (٥٢) وان ماجه (٥١٧) وانظر نصب الراية للزيلي (١٠٤/١) وتخليص الحبير لابن حجر (١٦/١). ↩
-
رواه البخاري (٥٢١٨). ↩
-
الصواب - والله أعلم - جوازها لأنها مال محرم لكسبته، انتقل بعقد شرعي صحيح، فتغير حكمه لتغير وصفه، كما سبق بيانه. ↩
-
المغني ، لابن قدامة (٢/٥) ، وقد تبنى متأخرو الحنابلة هذا التفصيل كما يقول شيخ متأخري الحنابلة العلامة البهوتي (وما يشتريه كافر من نحو خمر بمال الشركة أو المضاربة ففاسد ويضمنه ؛ لأن العقد يقع للمسلم ، ولا يثبت ملك المسلم على خمر أشبه شرعاه ميتة ومعاملته بالربا ، وما خفي أمره على المسلم فالأصل حله ) شرح المنتهى (٢/٢٠٧). ↩
-
أحكام أهل الذمة، لابن القيم (١/٥٦٠) ↩
-
المبسوط، للسرخسي (٢٢/٦٠) ↩
-
المغني، لابن قدامة (٢٠/٥) ↩
-
حول تعريف هذين العائدين، وتحديد الفروق بينهما، وعرض الصيغ الكمية لحساب كل منهما، أنظر على سبيل المثال: بورصة الأوراق المالية، د. عبد الغفار حنفي، الدار الجامعية، ص (٢٠١)، الأسواق المالية د. محمود الداغر، دار الشروق، ص (٩٤)، وكافة الكتب المنهجية والأكاديمية في موضوع اقتصاديات الأسواق المالية. ↩
-
تقرير عن مؤشرات الاقتصاد الوطني، دورية التجارة، عدد (٥١٤)، نوفمبر ٢٠٠٢م. ↩
-
أنظر: اختبار العوامل المؤثرة على عوائد أسهم الشركات السعودية المساهمة. راضي الحداد. ص(٧٩)، دور الأرباح والقيمة الدفترية للسهم في تحديد أسعار الأسهم في سوق الأوراق المالية بالسعودية. د. محمد طاحون، دورية البحوث الحاسوبية، مجلد (٤)، عدد (٢)، ص(٩٩)، أكتوبر ٢٠٠٠م. ↩
-
تأثير الإعلان عن الأرباح الربع سنوية على سوق الأسهم السعودي، حبيبة اللاركيا، ص(٥٧). ↩
-
اختيار العوامل التي تفسر التغيرات بين مستويات أسعار الأسهم للسوق السعودي، رشاد سندي، ص (ط). ↩
-
محددات الطلب على الأسهم في السعودية، سعد النعيمي، ص (١٠٥). وأنظر: محددات الطلب على الأسهم في السعودية، عبد الواحد عتيق، ص (٩٢). مخاطر الاستثمار بالأوراق المالية، د. السيد الدسوقي، دورية العلوم الإدارية، ع (١٠). ↩
-
رواه البخاري (٢٢٦٥)، مسلم (١٥٨٩). ↩
-
إعلام الموقعين، لابن القيم (٢٢٦/٤)، وأنظر تفصيل الخلاف والأقوال والاعتبارات في مسألة تفريق الصفة: المغني لابن قدامة (١٦٢/٤)، المجموع شرح المهذب للنووي (٤٧١/٩)، قواعد ابن رجب (٤٢١). ↩
-
أحكام القرآن، لابن العربي (٢٢٤/١). ↩
-
الفتاوى الكبرى (٧٣/٥). ↩
-
رواه: أحمد ٢٨٧/١، البيهقي في الشعب ٥٥٢٤، وفيه صباح بن محمد، قال الذهبي: (رفع صباح بن محمد حديثين هما من قول عبدالله بن مسعود)، ميزان الاعتدال (٢٠٦/٢). ↩
-
هذا الاعتراض في الواقع مما يستبعد صدوره من فقيه متمرس بنصوص الشريعة ودواوين الفقه الإسلامي، لكننا أوردناه لتبني بعض الباحثين المعاصرين له. ↩
-
رواه البخاري (٢١٧١)، مسلم (١٥٤٢). ↩
-
رواه: ابوداود (٢٢٥٩)، الترمذي (١٢٢٥)، النسائي (٤٥٤٥)، ابن ماجه (٢٢٦٤)، وقد أعله جماعة بجهالة زيد أبي عياش، قال ابن حجر (والجواب: أن الدارقطني قال إنه ثقة ثبت، وقال المنذري قد روى عنه اثنان ثنتان، وقد اعتمده مالك) تلخيص الحبير (١٠/٢)، وقال الخطابي (وقد تكلم بعض الناس في إسناد هذا الحديث وقال: زيد أبو عياش مجهول، ومثل هذا الإسناد على أصل الشافعي لا يحتج به، وليس الأمر على ما توهمه فإن أبا عياش هذا مولى لبني زهرة معروف..) نصب الراية (٤/٤١). ↩
-
رواه: البخاري (٢١٩١)، مسلم (١٥٤٠). ↩
-
الأم: الشافعي (٥٤/٢)، اختلاف الحديث، للشافعي (٢٦٧/١)، وأنظر: فتح الباري (٣٩٢/٤)، التمهيد، لابن عبد البر (٢٢٠/٢)، تنقيح التحقيق، لابن عبد الهادي (٥٤٢/٢). ↩
-
مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٥٢٩/٢٠)، وقال ابن تيمية أيضاً (بيع المزابنة أعظم من بيع الثمر قبل بدو صلاحه، فإنه بيع ربوي يجنسه خرصاً، والربا أعظم من الغرر) مجموع الفتاوى (٤٨٢/٢٩)، وقال الفقيه ابن القيم (وأما ربا الفضل فابيح منه ماتدعو إليه الحاجة كالعرايا) إعلام الموقعين، لابن القيم (١٥٩/٢). ↩
-
رواه البخاري (٢١٩١)، مسلم (١٥٤٠). وقال النووي (وقد اتفق العلماء على تحريم بيع الرطب بالتمر في غير العرايا وأنه «ربا» شرح النووي على صحيح مسلم (١٨٨/١٠). ↩
-
تحفة المحتاج، للهيثمي (٤٧٢/٤). ↩
-
شرح المنتهى، للبهوتي (٢٥٨/٢). ↩
-
المجموع شرح المذهب، للنووي (٢٥٠/١٠). ↩
-
شرح مسلم، للنووي (١٨٨/١٠). ↩
-
رواه البخاري (١٥٩٦). مسلم (٢٠٦٩). ↩
-
رواه البخاري (٢٢٥٠). مسلم (١٥٤٢). ↩
-
رواه البخاري (١٥٩٦). مسلم (٢٠٦٩). ↩
-
رواه البخاري (١٤١٥)، مسلم (١٥٥٥). ↩
-
رواه البخاري (١٤١٥)، مسلم (١٥٥٥). ↩
-
رواه البخاري (٢٠٩٠)، مسلم (١٥٤٢). ↩
-
مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٢٩/٢٢٦). ↩
-
رواه: ابوداود ٢٢٢٦، الترمذي ١١٢٩، النسائي ٢٨٠٠، ابن ماجه ٢١٣٦. ↩