مفاتيح السياسة الشرعية
قطعية نصوص الصبر والطاعة ومنع الخروج
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
لاحظت في عدد من المجالس الفكرية، ومواقع التواصل الاجتماعي، أن بعض المعنيين بالتغيير السياسي الناقمين على الاستبداد، يرمون أحياناً ببعض العبارات التهكمية تجاه أحاديث (الصبر والطاعة ومنع الخروج)، وهذه المشاهد في الحقيقة من أكثر الانحرافات إزعاجاً للمؤمن المعظم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء الأشخاص الذين يتهكمون بأحاديث الصبر والطاعة وتحريم الخروج هم في الواقع في غاية الحماقة، بل لا يستطيع العقل أن يتصور حماقة أطرف من ذلك، إذ كيف يُهينهم المتغلب ويكبتهم، فيفرغون حنقهم في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم! هذا والله الخسارة والغبن بعينه.
الأمر بطاعة أولى الأمر جاء في كتاب الله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) [النساء: ٥٩] فهو نص متواتر قطعي.
وأما أحاديث (منع الخروج فيما دون الكفر) فقد جاءت بطرق كثيرة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تبلغ حد التواتر، قال الشوكاني عنها (ولا ريب أن الأحاديث التي ذكرها المصنف في هذا الباب، أي باب الصبر على جور الأئمة وترك قتالهم، وذكرناها، متواترة المعنى كما يعرف ذلك من له أنسة بعلم السنة) [نيل الأوطار: ١٣/٤٦٩، ت حلاق]
كيف يعرف المؤمن أن نصوص (الصبر، والطاعة لولاة الأمور بالمعروف، ومنع الخروج المسلح فيما دون الكفر البواح) كلها قطعية متواترة عن رسول الله، يجزم القلب بأن رسول الله قالها، ونطق بها، ثم يتهور المرء بمثل هذه العبارات في انتقاص هذه النصوص؟! لا أدري والله كيف يطاوعه قلبه ويستخف بها وهو يعلم أن رسول الله نطق بها؟ يسيء لك المتغلب فتقتص من نبيك؟!
والبعض يقول لأن هناك فريقاً يستغل هذه النصوص بتطبيقات سيئة، ولذلك نحن نتهكم بهذه الأحاديث، وما رأيت حجة أضل من هذه الحجة، إذن لتسخر بنصوص الحكم بما أنزل الله لأن هناك من يسيء تطبيقها، ولتسخر بنصوص النهي عن المنكر لأن هناك من يسيء تطبيقها، ولتسخر بأحاديث القتال في سبيل الله لأن هناك من يسيء تطبيقها، وهكذا، فهل هذا تفكير مؤمن يحترم نبيه؟!
يجب أن نحاول الإصلاح السياسي من الداخل، وتكثير العدل الشرعي وتخفيف الظلم؛ دون أن نخسر علاقتنا بحبيبنا محمد -صلى الله عليه وسلم- فماذا تساوي صناديق الاقتراع في العالم كله إذا أسأنا بنصف كلمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟!
يجب بناء حاجز نفسي عظيم بين هؤلاء المتهورين وبين نصوص (الطاعة والصبر ومنع الخروج) يجب أن لا تكون هذه الأحاديث كلاً مباحاً يُستهتر بها ونحن نشاهد، فأين الغيرة والحمية لرسول الله؟! انتشار الاستبداد والأثرة والمظالم السياسية ليس مبرراً بتاتاً لهذه الإساءات المتكررة لحديث رسول الله، بالله عليك تأمل هذه الآيات وانظر مقام رسول الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ) [الحجرات: ١-٣]
انظر كيف كان مجرد “رفع الصوت” بحضرة رسول الله يجعل المرء على حافة “حبوط العمل”! نعم تحبط أعمالك كلها من صلواتك وصدقاتك وذكرك لله كل ذلك بمجرد “رفع الصوت”
بحضرة رسول الله، يهبط رصيد أعمالك إلى الصفر، وتفقد كل ما عملت لمجرد جهر بالصوت على رسول الله، فكيف بالله عليكم بمن يستهتر وينتقص أحاديث رسول الله؟!
وبعض الفضلاء يعتذر ويبرر لهذه الشريحة من المتهورين، بأنهم مستاؤون من التطبيقات الخاطئة للطاعة السياسية! وهذا خطأ خطير، أي مكسب لك في تسويغ الإساءة للسنة النبوية تحت أي ذريعة كانت، بالعكس، كان يفترض بك يا أخي الفاضل أن تكون في صف سنة رسول الله، لا في صف أقوام يعبدون الله على حرف، وتراهم إذا دعوا إلى النصوص معرضين، فإذا جاءت النصوص بما يهوّون يأتون مذعنين، وما ذاك إلا بسبب مرض القلوب الذي غزاهم، قال الله:
أخيراً.. هذه معالم عامة، ولازال هناك الكثير من مسائل السياسة الشرعية، سأحاول استيفاءها في مناسبات قادمة، وما سبق كله ليس هو من الكليات القطعية المجمع عليها، بل بعضها ثوابت لا يختلف فيها الفقهاء، وبعضها مسائل اجتهادية لذلك عبرت فيها بلغة (الراجح والمرجوح) لا بلغة (الحق والباطل)، ويبقى للمخالف من أهل السنة فيها احترام اجتهاده، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، ابوعمر محرم ١٤٣٣هـ