تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة أبو عمر

مآلات الخطاب المدني

الإسلاميون ضد الحضارة؟

نُسخت من مصدر نصيالصفحات 47-54 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 14 دقيقة

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابمآلات الخطاب المدني

يتردد كثيراً في أدبيات غلاة المدنية أن الحركات الإسلامية حركات عدمية ضد الحضارة والمدنية والتحديث، وأنها مجرد حركات هوية لا حركات نهضوية، وأنه ليس لديها إلا آلية الممانعة ومقاومة التغيير، وأنها حركات انفصالية عزلوية تدعو للتقوقع والانكفاء على الذات، وأنها ضد الاستفادة من المنجزات المدنية الحديثة، ونحو هذا الكلام الذي -بصراحة شديدة- صار مستهلكاً هذه الأيام ويعاني نوعاً من السماجة.

وهذه الدردشة الصحفية المبتذلة لا تخلو إما أن يكون صاحبها لم يقرأ للاتجاه الإسلامي جيداً وإنما هي ألفاظ أعجبه حسن حداثتها فتلقفها ورددها، مع أنها بالمناسبة شعارات قديمة رددها الفكر العربي منذ عدة عقود وإنما استوردها الداخل المحلي مؤخراً.

وإما أن يكون هذا الكلام مدفوعاً باستراتيجية سجالية بأن يحاول الكاتب التدليس على الموقف الإسلامي وتصعيده وتصويره بشكل سلبي بهدف تيسير إسقاطه والرد عليه، فيكون هذا الكاتب يصارع أشباحاً لا حقيقة لها وإنما هي صورة خلقها ليرد عليها كطواحين الهواء.

وفي كثير من الأحيان حين تفتش في دوافع هذا الكلام تكتشف أن الكاتب إنما يحاول تضميد جرح غرزه موقف شخصي لا صلة له بالاعتبارات الموضوعية للقضية أصلاً, وإنما الظاهرة الإسلامية في هذه الحالة غرض للنكاية لا أكثر.

على أية حال .. الخطوط العامة لموقف الإسلاميين من الحضارة والمثاقفة عموماً والحضارة الغربية على وجه الخصوص واضحة ليست بالأغاليط، صحيح أن ثمة اجتهادات متفاوتة في بعض التفاصيل، لكن الكليات المنهجية لجماهير الإسلاميين المعاصرين مشتركة لا تكاد تخطئها العين المنصفة، ويتلخص هذا الموقف في ثلاث ركائز هي في حقيقتها “تمييزات منهجية” لمستويات التعاطي والقراءة، ومن استوعب هذه التمييزات المنهجية الثلاث استوعب جيداً الموقف الإسلامي المعاصر من الحضارة والمثاقفة عموماً والحضارة الغربية خصوصاً, وهذه التمييزات المنهجية كالتالي:

  • الركيزة الأولى: التمييز بين الحضارة كغاية والحضارة كوسيلة:

فالحضارة عند غلاة المدنية مطلب مطلق يريدون منها أن تهب رياحها وتبحر في كل اتجاه بلا شروط تفرض من الخارج في ظل الحرية الشخصية إلى درجة غياب المعنى وغموض الغاية، أما الحضارة في التصور الشرعي فهي حضارة موجهة بهدف “تحقيق العبودية” بما تتضمنه من إظهار الدين والقيام بالشعائر والشرائع، فالحضارة المنشودة هي الحضارة المنضبطة بقيود الشريعة والهادفة لنصر الإسلام وتحقيق قيمه ومضامينه، وتأخذ قضايا وجزئيات الحضارة قيمتها التفصيلية بحسب مؤداها إلى هذه الغاية.

ولذلك فإن الشارع لم يوظف مفهوم الحضارة ولا المدنية وإنما وظف مفهوم “القوة” و “العلو” كقوله تعالى ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة﴾ وقوله صلى الله عليه وسلم (ألا إن القوة الرمي) وقوله تعالى ﴿وأنتم الأعلون﴾ وقوله صلى الله عليه وسلم (اليد العليا خير من اليد السفلى) . ومن المعلوم أن الطاقة التخييلية التي تتضمنها إيحاءات مفهوم الحضارة والمدنية ليست كالدلالات التي يضخها مفهوم القوة، فالقوة مفهوم خادم للمبدأ ومرتبط به، أما الحضارة فمفهوم موحي بالمتعة والرفاه.

والمراد من ذلك أن الحضارة والتمدن عند الإسلاميين “مطلب” لكنها ليست هي المطلب الرئيس ولا المطلب الجوهري لهذه الحياة، بل هي مجرد وسيلة لتحقيق الغاية الحقيقية التي هي العبودية.

  • الركيزة الثانية: التمييز بين الوجه العلمي والفلسفي والسياسي:

غلاة المدنية يدعون إلى الإقبال الشغوف واحتضان المنجز الغربي بكامل صوره وكأنه معطى مصمت لا يتفاوت، ويتضايقون من الصرامة في الفحص والاختبار ويعدونها لوناً من التعنت والعدمية ورفض المثاقفة، ولذلك يدعون عملياً إلى التسامح والتغاضي عن الثغرات، أو يلتمسون لها المعاذير والتسويغات وينبشون لها الآراء الشاذة لتتكئ عليها، أما الإسلاميون فيفرقون بشكل واضح بين الوجوه الثلاثة الرئيسية للحضارة الغربية، فيتفاوت تقييمهم وصرامتهم وتدقيقهم في الاختبار والفحص بحسبها.

فأما الوجه الأول فهو “الوجه العلمي” المحض بما يدخل فيه من منتجات تجريبية وعلوم طبيعية وتصنيع وتكنولوجيا ونظم اتصال وحوسبة ونحوها من المنتجات التي يغلب عليها أن تكون “أدوات” أو “وسائل” محضة بحيث تستطيع كل ثقافة أن توجهها بحسب قيمها، فهذه حكمة مشتركة، وصواب الفكر الغربي فيها أكثر من ضلاله.

بل إن المجتمع الغربي اليوم لم ينفرد بها فهناك أمم أخرى تشارك في هذا الإنتاج التقني إن لم تكن أكثر تفوقاً, وعلى وجه الخصوص اليابان والصين والهند، وتعتبر ظاهرة التلزيم (outsourcing) من أهم الظواهر التي كشفت تحولات التركز في الخبرة التقنية العالمية، بحيث صارت تعهدات التصنيع الخارجي في مناطق العمالة الرخيصة تخلق أقطاب خبرة تكنولوجية جديدة ليست في العواصم الغربية.

ووجه أغلبية الصواب في هذا الباب أن هذه المنتجات مستمدة من القوانين الكونية المحضة التي أودعها الله الطبيعة، فهي حظ مشترك لا تتفاوت كثيراً بسبب الخلفية الدينية.

والواقع أن الإسلاميين بجميع أطيافهم سبقوا غيرهم من الطبقات الثقافية إلى الانتفاع بها، بل وكتب كثير من السلفيين أن حقائق العلوم الطبيعية حقائق شرعية، بل لا يوجد علم من العلوم المعاصرة على وجه العالم اليوم خدمه أصحابه برمجياً مثل العلوم الشرعية، وصورة الشاب المتدين في كليات الطب والهندسة والحاسوب ونحوها ليست صورة طبيعية فقط بل هي صورة نمطية راسخة في الوعي الشعبي، حتى أن الفرانكفوني المتطرف محمد أركون أشار إلى ذلك في غير موضع من دراساته، إضافة إلى ظاهرة الإقبال الإسلامي على الدورات التدريبية في إدارة الذات وعلم النجاح والبرمجة اللغوية وغيرها، فلا أدري ما وجه المزايدة على الإسلاميين والقول بأنهم ضد المثاقفة والاستفادة من المنجزات؟

وأما الوجه الثاني فهو “الوجه الفلسفي” للحضارة الغربية بما يتضمنه من تصورات عن الأسئلة الأنطولوجية والإكسيولوجية والإبستمولوجية وما بعدها من حقول الفلسفة الكبرى، كحقيقة الحياة، ومفهوم السعادة، ووظيفة الدنيا، وكنه الإنسان، ومستقبل البشرية بعد فنائها، والعالم العلوي، ومرجعية الأخلاق، وإطلاقيتها ونسبيتها، ومصادر المعرفة والتي هي البنية التحتية للفلسفة، ونحوها.

فهذا الوجه ضلال الفكر الغربي فيه أكثر من صوابه، خصوصاً في الأسئلة الكبرى، أما التفاصيل والجزئيات فقد يكون بعضها مشتركاً وبعضها متناقضاً مع الوحي.

بل إن القارئ المسلم لا يكاد يجد فيها نتائج مبرهنة يسعد بها ويحملها كرسالة اجتماعية، بل كل فيلسوف ينقض ما قاله سابقه، وغاية القارئ في هذه الأبواب ليس أن يبني تصوراته وعقيدته بشكل صحيح فتكون له إضافة في ذاته، بل غايته أن يحصل له مران ذهني ودربة على السجال والجدل والرد والتفنيد، في مقابل أن يخسر فضيلة الحسم واليقين والتي هي من أهم أسباب الإمامة في الدين كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ .

فيمتلئ القارئ بالارتياب والحيرة واللاحسم في كل شيء، حتى يصل إلى مرحلة عدمية لا يستطيع فيها أن يجزم بشئ من معطيات الشريعة، وهذه ظاهرة مشاهدة، والارتياب والحيرة والتردد في الأصول الكبرى من شعب النفاق والعياذ بالله، كما قال تعالى: ﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ .

ولذلك تجد عامة غلاة المدنية الذين اقتربوا من هذه الدراسات الفلسفية يرددون “الأهم هو طرح الأسئلة وليس الإجابات” أو قولهم “إلى المزيد من طرح الأسئلة” ونحو هذه العبارات التي هي كالمخدر يسلون به أنفسهم عن عدم الوصول لنتيجة، حتى أصبح شائعاً لدى المؤرخين للفلسفة قولهم “الفلسفة تقدم الأسئلة بما يفوق تقديم الإجابات” .

وسبب ذلك أن المضامين الرئيسية المكتوبة في هذه الحقول إما لائكية محضة وهو الأكثر، وإما كتابية محرفة وهو الأقل، بل هو النادر، على أن من ورث فيهم شيئاً من الكتابية المحرفة خير ممن بقي على اللائكية الخالصة، فإن بركة بقايا النبوات وما فيها من النور خير من العمى التام، فالمتمسك بالمسيحية المحرفة أشرف وأرفع في ميزان الله من الكافر المحض، فنصوص الوحي متضافرة على تفضيل الكتابيين على الدهرية الملاحدة، وهذا من بركة بقايا النبوات التي بأيديهم، فالكتابي خير من المجوسي، والمجوسي خير من الملحد، لأن المجوسي معه شبهة كتاب والملحد لا كتاب له، ولذلك قال الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى: (أضل أهل الملل مثل جهال النصارى وسامرة اليهود: أعلم من الفلاسفة، وأهدى وأحكم، وأتبع للحق) .

وقال الإمام ابن تيمية أيضاً: (ومن المعلوم أن المشرك إذا تمجَّس، والمجوسي إذا تهوَّد، حسنت حاله بالنسبة إلى ما كان فيه قبل ذلك) .

ومما يجدر الإشارة إليه أن هذا الوجه الفلسفي ليس هو الوجه المتقدم في الحضارة الغربية أصلاً, بل هو الوجه الظلامي المتخلف المنحط، برغم محاولات كثير من غلاة المدنية الزعم بأن التطور الغربي انعكاس لفلسفته، وهذا مجرد أمنية تاريخية.

والواقع أن التفوق المدني الغربي اليوم عائد للثورة الصناعية في المرحلة السابقة، ثم الثورة التكنولوجية ونظم الاتصال والمعلوماتية حالياً, وهذه كلها نتاج عرق المعامل والتمويلات السياسية الضخمة لمراكز البحوث، وغاية الفلسفة أن تكون تفسيراً استرجاعياً لما حدث، فهي دوماً تفسير لاحق للأحداث تحاول إعطاءها المعنى بعد أن تقع، فأفضل حالاتها أن تكون “حكيم بعد الحادث” , وهذا سبب تراجع أهميتها المعرفية.

بل إن من أسباب تراجع أهميتها المعرفية عدم قدرتها على خلق “قوانين مطردة” تحقق لها العلمية، ولذلك فهي تعاني من عقدة نقص تاريخية قديمة أمام العلوم الطبيعية التي تفرض احترامها المعرفي بسبب ما تحمله من القوانين العلمية المنظمة، ولذلك كثرت الصيحات الغربية في الفترة الأخيرة بإعلان موت الفلسفة، وانجفلت التطلعات الثقافية إلى العلوم الإنسانية، ولا سيما بعد أن قدمت لها البنيوية شبه اطراد عبر استعارة النموذج الألسني كما أشار إلى ذلك تحديداً كلود ليفي شتراوس وغيره.

وسبب هذا الوهم حول عظمة الفلسفة أن كثيراً من مثقفي غلاة المدنية تأثروا بالكتابات التعليمية عن “قصة الفلسفة” والتي صورت التاريخ البشري كنتاج مباشر لأفكار بضعة عشر فيلسوفاً على مر التاريخ، وكأن التاريخ الإنساني عموماً والتاريخ الأوروبي خصوصاً مركبة يتربع في كابينتها طائفة من الفلاسفة يخلف بعضهم بعضاً يشيرون للمجتمعات أن تذهب يمنة أو يسرة!

والواقع أن الكتب الفلسفية ذات الطابع التعليمي عبثت بتفكير غلاة المدنية كثيراً, فهذه الصورة المرتسمة في أذهانهم وهْم طريف يغيِّب دور العوامل التاريخية الجوهرية في صناعة الماضي والحاضر، كدور القيادات السياسية والخبراء والأعمال الأدبية الكبرى والعواطف الشعبية، فضلاً عن دور الإعلام الحديث ونظم الاتصال وتوازنات القوى والشركات المتعددة الجنسيات ومتغيرات الموارد ونحوها.

بل هذه الرؤية المدرسية الساذجة غيب دور النبوات في تشكيل التاريخ، ولذلك تنبه المؤرخ الشهير توينبي إلى دور النبوات كعامل رئيس في صناعة التاريخ فقال (التحول الديني كان حقيقة مبدأ كل شيء في التاريخ الانكليزي) .

وقبل توينبي نبه على هذا العامل الحاسم ابن خلدون في مواضع كثيرة من المقدمة ومنها قوله:

(الدول العامة الاستيلاء، العظيمة الملك، أصلها الدين، إما من نبوة أو دعوة حق).

وقال الإمام ابن تيمية في الصارم المسلول:

(ليس في الأرض مملكة قائمة إلا بنبوة أو آثار نبوة، وإن كل خير في الأرض فمن آثار النبوات، ولا يستريبن العاقل في الأقوام الذين درست النبوة فيهم كالبراهمة والمجوس).

وهذا التفاوت بين الإبداع العلمي والانحطاط الفلسفي هو الغالب على الأمم التي اعتنت بالمدنية وأعرضت عن النبوات، فهو شأن تاريخي متكرر أصلاً, ولذلك لما كانت الحضارة الإغريقية مفلسة من مضامين الوحي غنية بالعلوم المدنية تشكلت فيها ذات الصورة، ويلخص الإمام ابن تيمية هذا المشهد بقوله:

(فإن القوم-أي الفلاسفة- لا يعرفون الله، بل هم أبعد عن معرفته من كفار اليهود والنصارى بكثير، لكن لهم معرفة جيدة بالأمور الطبيعية، وهذا بحر علمهم وله تفرغوا، وفيه ضيعوا زمانهم، وأما معرفة الله تعالى فحظهم منها مبخوس جداً, وأما ملائكته وأنبياؤه وكتبه ورسله والمعاد فلا يعرفون ذلك ألبتة)

وقال الإمام ابن تيمية أيضاً عن رمز الفلسفة اليونانية:

(وأرسطو المعلم الأول من أجهل الناس برب العالمين إلى الغاية)

والحديث عن هذه الإشكاليات الفلسفية يطول ومن الأفضل أن نرجئه إلى الجزء الثاني الذي هو عن علاقة الخطاب المدني بالفكر الحديث لكونه أكثر مناسبة.

والمهم هاهنا أن نشير إلى أن هذا الباب الفلسفي تجد عموم الإسلاميين فيه حذرين أشد الحذر، لأنهم ولله الحمد موقنون أن مضامين وتصورات الوحي أهدى وأحكم.

بل إن كثيراً من حقائق الوحي في هذا الباب الفلسفي لا تعرفها الفلسفة الغربية المعاصرة أصلاً, أو لديها حوله معلومات مشوهة، كباب الإلهيات، وما يتضمنه من معرفة الله وما ينبغي له معرفة صحيحة، والعوالم الغيبية وتقدير كل شيء في اللوح المحفوظ، وجريان السنن الطبيعية بغايات إلهية، وأثر العبادة في النواميس الكونية، وحركة القلب بالتزكية كالتوكل والافتقار والضراعة، ونحو هذه المعاني التي هي التنوير الحقيقي، كما قال تعالى في هذه المقارنة بين تنوير الوحي وظلامية ما يعارضه:

﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:122]

وقد أشار الإمام ابن تيمية إلى هذا التنوير المستمد من الوحي فقال:

(وعند المسلمين من “العلوم الإلهية” الموروثة عن خاتم المرسلين ما ملأ العالم نورا وهدى) الفتاوى 2/ 84

وأما الوجه الثالث فهو “الوجه السياسي” للحضارة الغربية وهو الوجه الكالح بكل معنى الكلمة، فالمؤسسة السياسية الغربية مؤسسة إمبريالية استعمارية تمتص ثروات الأمم الأخرى، وليس لديها أية حواجز أخلاقية أمام مصالحها، فهي ديمقراطية شفافة في السياسة الداخلية، ديكتاتورية معتمة في السياسة الخارجية.

والمؤسسة السياسية الغربية هي التي خلقت أبشع النماذج الدموية في التاريخ، وهي المسؤولة عن تطوير أدوات الإبادة البشرية الشاملة، والمعتقلات اللاإنسانية، وقصف المدن الكاملة بما فيها من المدنيين، كيف تبرأ تلك الحضارة من عقدة الذنب وهي تتذكر عصر العنصريات والقوميات والنازية وهيروشيما ونجازاكي واستعمار الدول العربية وغوانتنامو وأبو غريب، والأسلحة النووية والغازات السامة، وإيقاف تحقيقات الفساد لأجل مصالح قومية عليا، بل وسن تشريعات حرمان المسلمة من حجابها، ورعاية مؤسسات صحفية تسخر بنبي يؤمن به شطر العالم.

على أية حال .. هذه الوجوه الرئيسية الثلاثة للحضارة الغربية إنما هي نماذج فقط، وتبقى هناك حقول أخرى لا يتسع هذا الجزء لتفصيلها كالعلوم الإنسانية والفنون ونحوها، وهذه النماذج كافية في الدلالة على المقصود بأن الإسلاميين لديهم موقف تفصيلي يميز المفيد من الضار وليس كما يتصوره غلاة المدنية.

  • الركيزة الثالثة: التمييز بين الانتفاع والانبهار:

غلاة المدنية يتوهمون أن هناك تلازم بين الانتفاع والانبهار، وأنه لكي نستفيد من الحضارة الغربية يجب أن تمتلئ أشداقنا بتأوهات التعجب، وأن نفغر أفواهنا ونحن نسوق فلسفتهم، وأن نحوط أسماءهم وأعلامهم بهالة التعبيرات الخارقة، ولذلك يطلق بعضهم عبارة “المعجزة الغربية” أو “معجزة الحداثة” ونحوها.

وتفريعاً على ذلك ينظرون إلى أي ذم أو انتقاص لواقع الحضارة الغربية على أنه رفض للانتفاع بما لديها من صواب! ويتبرمون بأي تعبير ديني في توصيف الحضارة الغربية كوصفها بالضلال والفجور والفواحش والكفر وأمثالها من التعبيرات الشرعية، ذلك أن هذه المفاهيم وأمثالها مشبعة بحمولة دينية وهم يريدون التعامل بلغة مدنية تستبعد المحتوى الديني من التقييم.

والواقع أن عدم فهم غلاة المدنية للموقف الشرعي إزاء الحضارات هو سبب عدم فهمهم للموقف الإسلامي المعاصر من الحضارة الغربية، فليس في الشريعة تلازم مطلق بين الانتفاع من الآخر والانبهار به، بل الموقف الشرعي بخلاف ذلك أصلاً.

فالنبي صلى الله عليه وسلم استفاد من الحضارة المعاصرة له في الخندق ومشروعية الغيلة والتبادل التجاري وافتدى الأسير الكافر بتعليم المسلمين وراسلهم واتخذ خاتماً لمراسلته كما هي عادتهم وقبل هداياهم كما قبل هدية ملك أيلة والقبط وأكل من طعامهم ولبس من منسوجاتهم وشارك يهود خيبر في نخيلهم وغير ذلك من أوجه التواصل الشرعي لكنه مع ذلك كله بين ضلالهم وانحطاطهم وظلاميتهم بسبب إعراضهم عن نور الوحي، كما قال صلى الله عليه وسلم عن الفترة التي سبقت بعثته: (إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب) رواه مسلم.

وقال تعالى:

﴿كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾

وقال سبحانه وتعالى:

﴿هُوَ الَّذِي يُنزلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ﴾

فبين سبحانه أن هذه الأمم التي عاصرته كلهم في ظلمات، وأنهم هم الظلاميون الذي يحتاجون التنوير الحقيقي الذي هو نور الوحي.

هذه التمييزات المنهجية الثلاثة وهي: التمييز بين الحضارة كغاية والحضارة كوسيلة، والتمييز بين الوجه العلمي والفلسفي والسياسي للحضارة المعاصرة، والتمييز بين الانتفاع والانبهار، هي المفتاح الرئيس لفهم موقف الإسلاميين المعاصرين من الحضارة المعاصرة، ومن استوعبها علم قطعاً جهل من يقول إن الإسلاميين ضد الحضارة والمثاقفة والتحديث، واستبان له أن لدى الإسلاميين موقفاً تفصيلياً منظماً مستمداً من خلاصة توازنات نصوص الشريعة.

أما كثرة تذمر غلاة المدنية وشكواهم من الارتياب الاجتماعي ضد الثقافة الغربية وضعف الثقة بدعاتها وتشنج بعض الناس ضد المنتج الغربي فالمسؤول الحقيقي عنه ليس الإسلاميين وإنما النزق التغريبي الذي تبناه بعض غلاة المدنية حتى قال الأول: يجب أن نأخذ ما لدى الغربيين بحلوه ومره وخيره وشره، وحتى قال الآخر: الحضارة الغربية كقصر فخم يجب أن لا ننشغل بسلة مهملاته الصغيرة، فمثل هذه الطيش وانعدام التماسك أمام المنجز الغربي هو الذي أقلق الهوية الإسلامية واستفز توربينات الممانعة الشعبية، إذ لو رأى الناس في تلك النخب الثقافية موقفاً عقلانياً رزيناً إزاء منتجات الفكر الغربي يبدي غيرته على قيم الإيمان والفضيلة لما احتاجوا أن يعبروا عن رفضهم بهذه الصورة التي ينتقدها غلاة المدنية.

شروحات وبرامج عن «مآلات الخطاب المدني»

شروحات أخرى للكتاب27

بطاقة الاقتباس

حد البطاقة 340 حرفًا، بما فيها المسافات. يُختصر التحديد تلقائيًا عند فتح المعاينة.

حرفًا

المعاينة ستظهر هنا

أبلغ عن خطأ