تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة أبو عمر

مآلات الخطاب المدني

﴿قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم﴾

نُسخت من مصدر نصيالصفحات 96-102 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 13 دقيقة

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابمآلات الخطاب المدني

هذه المعاني الجليلة التي يريدها الله من العباد، والتي هي الهدف من خلق الإنسان أصلاً, وهي زبدة مشروع الرسالات منذ بدء الخليقة، لا يجوز تغييبها واختزال الشرائع بغايات مادية محضة.

وحين يتذكر الإنسان مقصود الله سبحانه بالضراعة والإخبات، وحب الله سبحانه وتعالى لهذه الحال الإيمانية، وكيف أرسل الرسل ووالى النعماء والضراء طلباً لها من عباده، فإنه لابد أن يتذكر معها دوماً قصة تضرع النبي صلى الله عليه وسلم حتى أشفق عليه أبوبكر من شدة اجتهاده في الضراعة.

حديث عجيب، يهتف فيه محمد بربه، ويشفق عليه ابوبكر، وصادف أن الذي رأى ذلك المشهد ورواه هو عمر بن الخطاب، الرجال الثلاثة في تاريخ الإسلام!

ففي صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب أنه قال:

(لما كان يوم بدر نظر رسول الله إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاث مائة وتسعة عشر رجلاً, فاستقبل نبي الله القبلة، ثم مد يديه، فجعل يهتف بربه: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض، فما زال يهتف بربه، ماداً يديه، مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه، فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله عز وجل: إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين .. )

ولذلك لما كانت “تزكية النفوس” هي المدار الذي تدور عليه الأعمال فإن الله جعل المفاضلة بين الناس بحسب ما قام في هذه القلوب من معاني الإيمان، وجعل سبحانه أصل المؤاخذة يتعلق بكسب القلب كما قال تعالى:

﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة:225]

وانعكاساً لذلك جعل التغيير والإصلاح يبدأ بإصلاح هذه القلوب وعمارتها بمعاني الإيمان، كما قال تعالى:

﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾

فإذا انتهت هذه الدنيا وبدأت الحياة المستقبلية المؤبدة فإن الله سبحانه وتعالى إنما يزن هذه القلوب والنفوس وما في الصدور، كما قال تعالى:

﴿أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ، وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ ومن أعظم غايات التشريع التي تغيب عن غلاة المدنية مقصد “ابتلاء التسليم والامتثال” فإن المؤمن يتلقى للتنفيذ، أما من في قلبه مرض فتجده معرضاً عن الأمر أو باحثاً عن التسويغات، ولذلك فإن الله تعالى حين ذكر اختلاف الشرائع بين الأمم بيَّن أن المقصود منها إنما هو “اختبار الانقياد” كما قال تعالى:

﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم﴾

وحين حرم الله الصيد على المحرم ابتلى الله أصحاب محمد بصيد قريب من يديهم وقت الحظر ليختبر تسليمهم وانقيادهم كما قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة:94]

وقريب من ذلك حين ابتلى الله بني اسرائيل بصيد قريب من يديهم وقت الحظر فقال تعالى:

﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ﴾

وعبر تعالى عن مقصد اختبار التسليم والانقياد تعبيراً عاماً شاملاً فقال سبحانه:

﴿ثم جعلناكم خلائف من بعدهم لننظر كيف تعملون﴾

وهذه الفكرة التي يرددها غلاة المدنية حول غاية الشعائر والشرائع لها صلة بالأساس الفلسفي الذي أشرنا إليه في فقرة سابقة والمتعلق بجوهر كمال النفس الإنسانية، فكل اتجاه فكري أو فلسفي يربط مقصود الشريعة طبقاً لرؤيته حول كمال النفس الإنسانية، لا طبقاً لدلالات القرآن حول مقاصد الشريعة.

وقد قدم الإمام ابن تيمية مناقشة رائعة لهذه الإشكالية توقف فيها عند مشهدين: المشهد الفلسفي، ومشهد متأخري الأصوليين، وبين ما في هذين من قصور في تحليل غاية التشريع، وبرغم طول النص إلا أننا نحتاجه لأهميته:

(وكثير من الناس يقصر نظره عن معرفة ما يحبه الله ورسوله من مصالح القلوب والنفوس ومفاسدها، وما ينفعها من حقائق الإيمان، وما يضرها من الغفلة والشهوة، فتجد كثيراً من هؤلاء في كثير من الأحكام لا يرى من المصالح والمفاسد إلا ما عاد لمصلحة المال والبدن، وغاية كثير منهم إذا تعدى ذلك أن ينظر إلى “سياسة النفس وتهذيب الأخلاق” بمبلغهم من العلم، كما يذكر مثل ذلك المتفلسفة وأمثالهم؛ فإنهم يتكلمون في سياسة النفس وتهذيب الأخلاق بمبلغهم من علم الفلسفة، وما ضموا إليه مما ظنوه من الشريعة، وهم في غاية ما ينتهون إليه دون اليهود والنصارى بكثير، وقوم من الخائضين في “أصول الفقه” وتعليل الأحكام الشرعية بالأوصاف المناسبة، إذا تكلموا في المناسبة وأن ترتيب الشارع للأحكام على الأوصاف المناسبة يتضمن تحصيل مصالح العباد ودفع مضارهم، ورأوا أن المصلحة “نوعان” أخروية ودنيوية: جعلوا الأخروية ما في سياسة النفس وتهذيب الأخلاق من الحكم؛ وجعلوا الدنيوية ما تضمن حفظ الدماء والأموال والفروج والعقول والدين الظاهر، وأعرضوا عما في العبادات الباطنة والظاهرة من أنواع المعارف بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله وأحوال القلوب وأعمالها: كمحبة الله وخشيته وإخلاص الدين له والتوكل عليه والرجا لرحمته ودعائه وغير ذلك من أنواع المصالح في الدنيا والآخرة، وكذلك فيما شرعه الشارع من الوفاء بالعهود، وصلة الأرحام، وحقوق المماليك والجيران، وحقوق المسلمين بعضهم على بعض، وغير ذلك من أنواع ما أمر به ونهى عنه، حفظا للأحوال السنية وتهذيب الأخلاق، ويتبين أن هذا جزء من أجزاء ما جاءت به الشريعة من المصالح، فهكذا من جعل تحريم الخمر والميسر لمجرد أكل المال بالباطل؛ والنفع الذي كان فيهما بمجرد أخذ المال) مختصراً

على أية حال .. فمع يقيننا بأن الشعائر كالصلوات والصيام والنسك والذكر والنحر ونحوها طريق لتزكية النفوس وتهذيب أخلاقها وتنقيتها وتطهيرها من شوائب المادة التي تعلق بالافئدة، ولكن أيضاً ينبغي الوعي بأن الإسراف في تأكيد مقاصدها السلوكية يورث ضعف قيمتها، إذ يحولها إلى وسائل صرفة وأدوات محضة يمكن الاستغناء عنها بغيرها ما دام أن المراد والهدف النهائي هو تزكية النفس وتنقيتها، بمعنى أن الإنسان إذا وصل لـ “صفاء الروح” بأي طريق كان فقد حقق المقصود الإلهي، دون أن يتعنى سلوك هذه الشعائر والالتزام بها، وهذه الفكرة الساذجة قد انطلت على بعض المتصوفة وعثر فيها كثير من غلاة المدنية.

وقد لاحظ الإمام ابواسماعيل الهروي (481 هـ) ملاحظة مبدعة تستثير الدهشة حول دور الخلل في تعليل الأحكام في إضعاف قيمة الحكم الشرعي بما يترتب عليه انكماش الدافعية، حيث يقول رحمه الله في كتابه المعروف منازل السائرين:

(تعظيم الأمر والنهي: هو أن لا يعارضا بترخص جاف، ولا يعرضا لتشديد غال، ولا يحملا على علة توهن الانقياد) منازل السائرين، 81

فربط الشعائر بعلل سلوكية محضة، أو ربط التشريعات بحكم اجتماعية محضة: من أعظم ما يوهن الدافع لها، والسبب في ذلك أن نظر الإنسان دوماً يتشوف للغايات ولا يكترث بالوسائل، وهذه اللفتة أكدتها الظواهر المشاهدة والتجارب الحية، فما إن يستغرق المثقف في علل الشعائر وحكم التشريعات حتى تراه بعد ذلك غير مكترث بها، بل وينعى على من اشتغل بتتبع تفصيلات الوحي، وينظر الى ذلك كنوع من السذاجة في فهم أعماق الشريعة.

وقد حلل الامام ابن القيم هذه اللقطة المبدعة لأبي اسماعيل الهروي وهي “حمل الأمر والنهي على علة توهن الانقياد” حيث يقول في كتابه المدارج:

(وقوله: “ولا يحملا على علة توهن الانقياد” يريد أن لا يتأول في الأمر والنهي علة تعود عليهما بالإبطال، كما تأول بعضهم تحريم الخمر بأنه معلل بايقاع العداوة والبغضاء والتعرض للفساد، فإذا أمن من هذا المحذور منه جاز شربه كما قيل:

أدرها فما التحريم فيها لذاتها * ولكن لأسباب تضمنها السكر

إذا لم يكن سكر يضل عن الهدى* فسيان ماء في الزجاجة أو خمر

وقد بلغ هذا بأقوام إلى الانسلاخ من الدين جملة، ومن العلل التي توهن الانقياد: أن يعلل الحكم بعلة ضعيفة لم تكن هي الباعثة عليه في نفس الأمر، فيضعف انقياد العبد إذا قام عنده أن هذه هي علة الحكم، ولهذا كانت طريقة القوم عدم التعرض لعلل التكاليف خشية هذا المحذور، وفي بعض الآثار القديمة: يا بني إسرائيل لا تقولوا لم أمر ربنا، ولكن قولوا بم أمر ربنا. وأيضا: فإنه إذا لم يمتثل الأمر حتى تظهر له علته لم يكن منقادا للأمر، وأقل درجاته أن يضعف انقياده له. وأيضا: فإنه إذا نظر إلى حكم العبادات والتكاليف مثلا، وجعل العلة فيها هي جمعية القلب والإقبال به على الله، فقال أنا أشتغل بالمقصود عن الوسيلة، فاشتغل بجمعيته وخلوته عن أوراد العبادات، فعطلها وترك الانقياد بحمله الأمر على العلة التي أذهبت انقياده، وكل هذا من ترك تعظم الأمر والنهي، وقد دخل من هذا الفساد على كثير من الطوائف ما لا يعلمه إلا الله، فما يدري ما أوهنت العلل الفاسدة من الانقياد إلا الله، فكم عطلت لله من أمر، وأباحت من نهى، وحرمت من مباح، وهي التي اتفقت كلمة السلف على ذمها) مدارج السالكين 2/ 297

ومما يوضح ذلك ويبينه أن الملك الذي يصدر أمره إلى أحد مؤسسات دولته بتحقيق “هدف” معين عبر “قانون” معين، لا يرضيه أن يصلو إلى ذات الهدف مع مخالفة قانونه الذي فرضه عليهم. فكذلك ملك الملوك من باب أولى -ولله المثل الأعلى- لا يرضيه أن ندع ما شرعه لنا من الشعائر ووسائل التزكية، بل إن الالتزام بهذه الوسائل الإلهية جزء من عملية التزكية ذاتها، فإن من تعبد لله بالغاية التي أرادها والوسيلة التي شرعها جميعاً, خير وأحب إلى الله ممن تعبده بالغاية واستكبر عن وسائله سبحانه.

ومما يدخل في مأزق “التعليل المادي للشريعة” استدلال بعض غلاة المدنية بقوله تعالى: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط﴾ على أن المراد بها العدل السياسي وتداول السلطة ونحوها، وأن وظيفة الأنبياء جاءت أساساً لمقاومة الاستبداد السياسي.

والحقيقة أن العدل السياسي إنما هو جزء من معنى الآية، وهو جزء شريف ولا شك، لكنه ليس هو المعنى الأولوي أصلاً, فضلاً عن أن يكون هو المعنى المطابق.

وهذا يشابه من فسر قوله تعالى (والميزان) بأنه المنطق العقلي، وهذا كله إما تفسير للنص بجزء المعنى الذي ليس هو أشرف معانيه، وإما إقحام معنى في الآية لا تدل عليه.

فإن القسط في القرآن هو العدل وضده الظلم، وذلك ليس مختصاً بالعدل السياسي أو مناهضة الاستبداد، بل هو شامل للعدل العام والخاص، فكل مأمورات الشريعة نوع من العدل، وكل منهيات الشريعة نوع من الظلم، فالشريعة أصلاً كلها أمثال مضروبة للقيام بالقسط، ورأس القسط والعدل في الشريعة هو تجريد القلب من كل ما سوى الله وعدم التفاته لغيره، كما قال تعالى: ﴿قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين﴾.

والتفات القلب لغير الله قد يكون بصرف عبادة تامة فتكون وثنية كبرى كما قال تعالى: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾, وقد يكون التفات القلب إلى طلب الجاه بين الناس فهذا أطلق النبي عليه اصطلاح “الشرك الأصغر” كما قال في الرياء (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر. فسئل عنه فقال: الرياء).

فكل التفات للقلب لغير الله سواء كان بعبادة غير الله أو بميل القلب إلى ثناء المخلوقين: فهو ظلم يعارض القسط الذي جاءت به الأنبياء.

وليس المقصود -حاشا لله- التزهيد في منزلة الاحتساب السياسي والتصدي للعدل العام، وإنما المقصود بيان منزلته في الإسلام وأنه دون الإيمان والفرائض، وإلا فإن التصدي للقيام بالعدل العام من أشرف معاني هذه الآية ولذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم من ضحى بنفسه من أجل العدل العام من “سادة الشهداء” والسيادة في الشهادة أمر زائد على مجرد الشهادة، كما في الحديث الذي رواه الحاكم بسند حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(سيد الشهداء حمزة، و رجل قام إلى إمام جائر فأمره و نهاه فقتله)

ووجه كونه “شهيداً” أن التصدي للعدل العام من أفضل منازل “الجهاد” كما روى أهل السنن وغيرهم من حديث أبي سعيد الخدري، وجابر، وأبي أمامة، وطارق بن شهاب وغيرهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر)

وفي رواية (أحب الجهاد إلى الله كلمة حق تقال لإمام جائر).

وقد كان من أسباب عقوبة أهل “مدين” مظالم الأموال العامة، ولذلك قام فيهم نبيهم شعيب بهذا الأمر، كما قال تعالى:

﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾

كما كان من أسباب غضب الله على فرعون استعلاؤه السياسي واستضعافه للناس كما قال تعالى:

﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾ وقد لخص الإمام أبو حامد الغزالي في الإحياء منهج القرون المفضلة في ذلك فقال:

(واستمرار عادات السلف على الحسبة على الولاة قاطع بإجماعهم على الاستغناء عن التفويض، بل كل من أمر بحروف فإن كان الوالي راضياً فذاك، وإن كان ساخطاً له: فسخطه له منكر يجب الإنكار عليه، فكيف يحتاج إلى إذنه في الإنكار عليه، ويدل على ذلك عادة السلف في الإنكار على الأئمة).

على أنه من الملاحظ في خطاب غلاة المدنية غياب حديثهم عن منكرات المظالم العامة أصلاً, وإنما غالب مادة حديثهم تدور حول: الحريات السلوكية والإبداع الثقافي واتهام التراث وربط المؤسسات الدعوية بالعنف والتصفيق للمنجز الغربي ونحوها من القضايا، وسبب غياب الحديث عن منكرات المظالم العامة ما ينطوي عليه من إحراجات يفضلون تحاشيها.

وفريضة الإنصاف تقتضينا أن نقول أن من تصدى للقيام بالعدل العام -ابتغاء وجه الله- وإن كان لديه غلو في بعض جوانب المدنية إلا أنه أشرف وأنزه وأجلّ من المنهمكين في لمز السنة واتهام التراث وتبجيل الغرب والتأليب ضد العمل الدعوي وتصيُّد زلات المحتسبين والتشنيع على الفتاوى الدينية وتلميع النظم ونحوها من القضايا الصحفية البائسة، فأين هذا من ذاك؟!

والذي يعنينا الإشارة إليه هاهنا أن تبيين منزلة الاحتساب السياسي والتصدي للعدل العام وأنه دون الإيمان والفضيلة والفرائض لا يخدش في قيمته ولا يغض من شأنه، وإنما الذي يوهن قيمته وينفر الناس عنه -لو أردنا المصارحة- إنما هو مغالاة بعض المنتسبين له فيه، حتى قادهم ذلك إلى الإزراء بأئمة الهدى والمحققين من أهل العلم والفضل، والحط على بعض القرون المفضلة، واتهام جماهير فقهاء السلف بمداهنة السلطة العباسية، ولمز مصادر التراث الإسلامي وأنها اشتغلت بالهوامش، ونحو ذلك مما كان هدفه حشد الاهتمام بالاحتساب السياسي.

حيث ظن بعض هؤلاء المنتسبين لقضيتي “العدل والشورى” أن تفريغ الاهتمام من قضايا الإلهيات وتفاصيل التشريع التي اعتنت بها القرون المفضلة سيقود تلقائياً إلى الانخراط في مشروعات التصدي للعدل العام وتداول السلطة ودسترة النظام السياسي ونحو ذلك من القضايا، والحقيقة أن هذا الأسلوب كثيراً ما يأتي بنقيض المقصود فيجعل الشاب المسلم المعظِّم للسلف يرتاب بمثل هذه الدعوات ويزهد فيها أساساً, وهذه نتيجة طبيعية فإن الغلو كثيراً ما يأتي بنتائج عكسية.

والمغالاة في قضية التصدي للعدل العام حملت بعضهم إلى مآلات كارثية، حتى أن بعض المنتسبين لهذا الاتجاه أصبح يصرح بأن مقصود النبوة إنما هو إقامة العدل الدنيوي ونحو ذلك، وهذا فهم مغلوط له نتائج خطرة، سبق أن أشرنا إليها، وقد أشار لذلك الإمام ابن تيمية في الصفدية:

(ومما يبين فاسد قولهم-أي الفلاسفة- أنهم يزعمون أن المقصود بالرسالة إنما هو إقامة عدل الدنيا)

والغاية من هذه الإشارة المختصرة تأكيد قضيتين متوازيتين لا يمكن فصلهما، أولهما: أن التصدي للعدل العام منزلة من أشرف منازل الجهاد، وثانيهما: أن حشد الاهتمام بالاحتساب السياسي لا يكون عن طريق الإزراء بأئمة القرون المفضلة ولا باختزال الشريعة في هذه القضية.

وأقرب مثل يوضح ذلك أن المجاهد في سبيل الله إذا غالى في “قضية الجهاد” بحيث قدمه على العناية بأصول الإيمان أو الفرائض أو استخف بالصحابة أو التابعين أو تابعيهم لأجله بحيث صار يملأ قلوب مستمعيه بالغل للقرون المفضلة فإن رايته الجهادية تصبح راية مذمومة ينفر منها الشاب المسلم أكثر من كونها تجذبه.

شروحات وبرامج عن «مآلات الخطاب المدني»

شروحات أخرى للكتاب27

بطاقة الاقتباس

حد البطاقة 340 حرفًا، بما فيها المسافات. يُختصر التحديد تلقائيًا عند فتح المعاينة.

حرفًا

المعاينة ستظهر هنا

أبلغ عن خطأ