مآلات الخطاب المدني
الشجن الأخير
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
عزيزي القارئ .. صدقني ليس المقام مقام تحليلات فكرية باردة، ولا موضع استمتاع باسترسالات ذهنية تقدم على طبق مجاور لفنجان قهوة، لا يا صاحبي .. كم أتمنى أن تشعر أن الأمر جلل، وأن ثمة ما يستدعي الجدية في النظر للموضوع.
يتبرم البعض ويتنمر فوق حواجبه عبوس الضجر حين يتمتم له العاملون للإسلام بمفصلية هذا الموضوع، وحدة الخيارات المطروحة فيه، وأن الرأي فيه مخوف مشرف إما على حافة الهاوية أو سلم النجاة، ويرمي هذا الطرح بأنه لون من النياحة والتباكي بلا جنازة أصلاً, أو على كثيب توهموه لحداً.
هذا “القرآن” ليس مجرد مخزون معرفي أو تراتيل طقوسية بل هو رسالة إلهية تحمل “قضية” هي فوق كل قضية، حتى قطعت بها أواصر موصولة، وسلت لها سيوف مغمدة، وسقطت لها عروش شامخة، وصعد بها رويعي الغنم مرتقى صعباً.
كم هو مؤلم أن يصبح الإبداع اليوم -في نظر كثير من المثقفين- هو أن لا تكثر من القرآن والسنة في كتاباتك، وأن لا تنير مقالاتك بذكر الله سبحانه وتعإلى وبركة آياته وهدايتها، وإنما الإبداع هو الاستعراض بحشو مقالاتك بذكر فلان وفلان من الأسماء الفرانكفونية الرنانة، ومن هو دون الله من كلام المخلوقين، فتستبشر لك الوجوه وتحتفي بك النفوس.
بالله عليك تأمل في نفرة كثير من غلاة المدنية من النصوص الدينية وابتهاجهم بذكر الأعلام الغربية وقارنها بقوله تعإلى في سورة الزمر:
ويقول سبحانه في سورة الحج:
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ﴾
الحقيقة أن “الصدود عن الوحي” والتبرم به مؤشر خطير على أن ثمة “شعبة نفاق” خفية في القلب تستدعي المبادرة إلى تنظيفه قبل أن يفوت الأوان، كما قال تعإلى:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إلى مَا أَنزلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: 61]
فالمصدرية الفكرية لون مما يجب إفراد الله فيه بالحكم، وإفراد الله بالحكم والطاعة أس العبودية والخضوع، وتدبر كيف حكى الله لنا حال الكفار في تعظيمهم من هو دون الله والشغف بذكره والتبرم بذكر الله، وقل في نفسك: ألا ما أشبه الليلة بالبارحة.
وفي ختام هذه الورقة النقدية يهمني كثيراً أن أؤكد مجدداً وبشكل خاص على أن هدف هذه الورقة ليس التزهيد في شأن إعداد القوة واتخاذ الإمكانيات الحديثة، ولا تحريم الطيبات والرفاه.
وإنما الباعث الجوهري على كتابة هذه الورقة تنامي الخلل في ترتيب الأولويات عند قطاع واسع من المثقفين بما ترتب عليه تضييع كثير من حقائق الوحي والإساءة لمشروع النهضة ذاته، حتى صارت العلوم المدنية هي الغاية والعلوم الإلهية مجرد وسيلة تابعة لها، مع أن حقائق القرآن جاءت بعكس ذلك تماماً وجعلت العلوم الإلهية هي الأصل وغيرها تابع خادم لها.
فهذه الفقرات السابقة لم يكن الهدف منها إسقاط قيمة المدنية أو إلغاء أهمية الحضارة أو ترسيخ حالة الاستهلاك والتبعية في مجتمعاتنا المسلمة، وإنما كانت مجرد مساهمة في إعادة ترتيب أولويات المثقف المسلم، وكشف تصورنا الإسلامي “المختلف” لمفهوم الحضارة والمدنية والتقدم والنهضة والتحديث، بهدف إعادة الاعتبار وكشف أولوية التزكية وشرف العلوم الإلهية الموروثة عن خاتم الرسل، وحاجتنا إليها أولاً ثم حاجة العالم المعاصر إليها ثانياً.
أما استفراغ الوسع والاستطاعة في إعداد القوة واتخاذ الوسائل والإمكانيات فهذا واجب شرعي محكم لا خلاف فيه، فالمسلمون اليوم بحاجة ماسة إلى الإمكانيات الحديثة لإبلاغ الرسالة الإسلامية ولتحقيق الغاية الإلهية الشريفة التي ذكرها الله في ثلاثة مواضع من كتابه في سورة التوبة والفتح والصف وهي قوله تعإلى: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق “ليظهره” على الدين كله)
ومثل هذه الغاية الإلهية الشريفة لا تتحقق الا باتخاذ الوسائل الشرعية من إعداد القوة والإمكانيات، ولذلك قال تعإلى:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: 60].
وفي الصحيحين من حديث ابن عمر:
(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو على المنبر، وهو يذكر الصدقة والتعفف عن المسألة: اليد العليا خير من اليد السفلى، واليد العليا المنفقة والسفلى السائلة)
ولكن استفراغ الوسع والاستطاعة في إعداد القوة واتخاذ الأسباب والإمكانيات لا يعني الركون إليها وتعلق القلب بها، ولذلك لما قال نبي الله لوط لقومه:
﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾
علق النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك تعليقاً بليغاً, حيث روى الترمذي وغيره بسند حسن عن أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (رحمة الله على لوط، لقد كان يأوي إلى ركن شديد -يعني: الله عز وجل - فما بعث الله بعده من نبي إلا في ثروة من قومه).
كما أن الاستمتاع بالطيبات مما جاءت الشريعة بتقريره كما قال تعإلى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾.
ولذلك روى الامام مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾
ويمكن تلخيص هذه الإشكالية عبر تقسيم العلاقة بالممتلكات الدنيوية إلى ثلاثة مراتب رئيسية:
إما أن يكون الاهتمام ببناء الدنيا مربوطاً بغاية نصرة الإسلام وتحقيق قيمه، وإما أن يكون لمجرد اشباع احتياجات الإنسان، وإما أن يكون بهدف المباهاة والمفاخرة والترف والمنافسة الدنيوية ونحوها.
فهذه المراتب الثلاث لخصها النبي صلى الله عليه وسلم ووصف كل مرتبة بوصف بليغ جامع وذلك في حديث الخيل الشهير، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(الخيل ثلاثة: فهي لرجل أجر، ولرجل ستر، ولرجل وزر. فأما التي هي له أجر: فالرجل يتخذها في سبيل الله ويعدها له، فلا تغيب شيئا في بطونها إلا كتب الله له أجرا، ولو رعاها في مرج ما أكلت من شيء إلا كتب الله له بها أجرا، ولو سقاها من نهر كان له بكل قطرة تغيبها في بطونها أجر، حتى ذكر الأجر في أبوالها وأرواثها، ولو استنت شرفا أو شرفين كتب له بكل خطوة تخطوها أجر. وأما الذي هي له ستر: فالرجل يتخذها تكرما وتجملا، ولا ينسى حق ظهورها وبطونها في عسرها ويسرها، وأما الذي عليه وزر: فالذي يتخذها أشرا وبطرا وبذخا ورياء الناس، فذاك الذي هي عليه وزر)
فهذا الحديث العظيم غني بالدروس والمعاني، وهو يختصر في عبارات موجزة كل ما أرادت هذه الورقة أن تقوله وزيادة، ويهمنا فيه الإشارة إلى فضل الممتلكات والإمكانيات الدنيوية حين توجه إلى نصرة الإسلام ويبتغى بها وجه الله، حتى أن الإنسان يؤجر على تفاصيل حركاتها التي تقع منها أثناء فعل الطاعة وإن لم يقصد الإنسان تلك التفاصيل، وقد أشار إلى ذلك غير واحد من شراح الصحيحين، في مقابل بؤس وتفاهة تلك الممتلكات والإمكانيات إذا اتخذت للمنافسة الدنيوية.
ويمكن اجمال بعض الغايات والنتائج التي سعت إليها هذه الورقة في الخطوط التالية:
-
أن العبودية هي الغاية الكبرى، أما العلوم المدنية فهي وسيلة تابعة لها.
-
أن التنوير الحقيقي هو الاستنارة بالعلوم الإلهية التي تضمنها الوحي، وأن الظلامية والانحطاط الرئيسي هو الحرمان من أنوار الوحي مهما بلغت درجة العلوم المدنية.
-
أن اشرف مراتب العمارة هي العمارة الإيمانية، وأن جوهر وظيفة الاستخلاف هو تمكين الدين.
-
أن الغلو المدني هو ينبوع الانحراف الثقافي وجذر التخبطات الفكرية المعاصرة.
-
أن الإسلاميين ليسوا ضد المثاقفة، ولكن لديهم موقف تفصيلي يفرق بين الانتفاع والانبهار، ويفرق بين مستويات الإنتاج في الحضارات الأخرى.
-
أن خطاب أنسنة التراث آل إلى تغييب دور النص في تشكيل التراث، ورد العلوم الإسلامية إلى عنصرين: الثقافات السابقة وصراعات المصالح، بما ترتب عليه انفصال الشاب المسلم عن نماذجه الملهمة.
-
أن المغالاة في مفهوم الإنسان آلت إلى طمس المعايير القرآنية في التمييز على أساس الهوية الدينية.
-
أن التبرم بمرجعية الوحي، والإزراء بالقرون المفضلة، واللهج بتعظيم الكفار، من أكثر شعب النفاق المعاصرة التي تستدعي التحصين الإيماني.
-
أن المغالاة في النسبية يقود إلى العدمية، بما يترتب عليه خسارة فضيلة اليقين ومنزلة الإحسان، والاغراق في الارتياب والحيرة واللاحسم.
-
أن الغضب لله ورسوله إذا انتهكت محارمهما قيمة محمودة وليس توتراً ولا نزقاً ولا دوغمائية ولا وصاية ولا اقصاء.
-
إن الاستغراق في ربط الشعائر بعلل سلوكية محضة، أو ربط التشريعات بحكم اجتماعية محضة، من أعظم أسباب توهين الانقياد وذبول الدافعية.
-
أن تعظيم الكلي مع تجميد تطبيقاته يؤول إلى تعظيم شكلي نظري لا حقيقة له، لأن الجزئي معتبر في إقامة الكلي.
-
أن الاستقامة الدينية ليست لمجرد السلامة من النار، بل لها آثار دنيوية كبرى في جلب الخيرات ودفع الكوارث.
-
أن الضعف البشري في تأويل النص باتجاه رضا الناس حقيقة لا يستهان بسطوتها على العامل للإسلام الشغوف باستمالة المدعوين.
-
أن استفراغ الوسع والاستطاعة في إعداد القوة واتخاذ الإمكانيات من الواجبات الشرعية المحكمة.
وسائر المعاني التي تمت الإشارة إليها في هذه الخاتمة حول أهمية إعداد القوة سبقت الإشارة إليها متناثرة في سياق الفقرات السابقة، وإنما أعدتها للتأكيد على هذه القضية واحترازاً مسبقاً من سوء الفهم، وهذه هي آخر فقرة حول علاقة الخطاب المدني المتطرف بأصول الوحي، ولم يكن القصد هو استيعاب ظواهر الخلل في الخطاب المدني المتطرف وإنما ذكر نماذج يتبين بها ما هو من جنسها، وعسى أن يكون لنا لقاء قريب في الجزء الثاني الذي هو عن علاقة الخطاب المدني المتطرف بالفكر الحديث.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
الاثنين 10/ 06/1428 هـ
ابراهيم السكران
شروحات وبرامج عن «مآلات الخطاب المدني»
شروحات أخرى للكتاب27
سلسلة: التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني — الشيخ طارق مسعد24 حلقةً · نحو 13 ساعة و42 دقيقةعرض الحلقاتإخفاء الحلقات
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0150:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0247:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0344:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0440:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0527:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0629:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0727:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0833:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0932:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1030:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1136:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1234:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1340:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1434:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1545:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1628:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1726:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1830:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1922:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 2039:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 2131:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 2224:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 2336:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 24 والأخير38:00
سلسلة: مناقشة كتاب مآلات الخطاب المدني — أحمد يوسف الهدهدحلقتانعرض الحلقاتإخفاء الحلقات
- مآلات الخطاب المدني - نقاط مركزية | أحمد السيدأحمد السيد