مآلات الخطاب المدني
خصوم الدعوات كمعطى تاريخي
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
كثير من غلاة المدنية يميلون إلى تصوير الواقع الثقافي اليوم باعتباره مجرد “اختلاف فكري” ويحاولون دوماً تغييب “الدافع الديني” كعامل فاعل في رسم المسافات بين الفرقاء، صحيح أن هناك مساحة واسعة من الاختلاف الفكري هي “اختلاف اجتهادي” لا يجوز شرعاً تصعيده إلى معاقد الولاء والمفاصلة، وصحيح أيضاً أن ثمة نزراً من المتسرعين المنتسبين للإسلاميين تحت أقنعة إلكترونية مستعارة يفسقون ويضللون على أساس مسائل اجتهادية، هذا ما لا يجوز إنكاره.
ولكن عين الباطل سحب هذا التصور على كافة هذا الاختلاف بأريحية صالون ثقافي أو عرض أكاديمي، وتصور أن كافة الاختلاف الفكري اليوم إنما هو مجرد “اجتهادات ثقافية”.
ومما بنوا على ذلك أنه يجب أن ننظر للكتاب المنتسبين للإسلام اليوم نظرة واحدة، ولا يقبل التمييز والتفاوت بينهم على أسس دينية، فكل من انتسب للإسلام وجبت موالاته سواء كان معروفاً بالتقوى والفقه في الدين ونصر الإسلام أم كان معروفاً بالإعراض عن الوحي والقدح في قطعيات الشريعة، فكلهم مسلمون وما يطرحونه مجرد اجتهادات فكرية، ولذلك يتضايق غلاة المدنية من استحضار المفاهيم الشرعية كمفهوم الإفساد في الأرض ومفهوم النفاق ونحوها من المفاهيم أثناء بحث الشأن الثقافي.
والواقع أن هذه الرؤية تتضمن تغييب الكثير من معطيات الوحي، وسنشير إلى بعض ذلك:
فأولاً وقبل كل شيء يجب أن نقر أن ثمة قانون تاريخي وهو أنه لا يخلو زمان من وجود ظاهرة “خصوم الدين” ممن يجاهرون بمشاقة الله ورسوله، وقد كشف القرآن الكريم عن هذا القانون التاريخي كما قال تعالى:
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِين﴾
وبين سبحانه نوعي الأعداء بقوله سبحانه:
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ﴾
وهؤلاء الخصوم المحادين للدعوات الإلهية لا تكاد تخلوا منهم بقعة من الأرض كما قال تعالى:
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾
فهذه ظاهرة دل عليها الوحي وأكدها التاريخ، فلا يجوز اعتبار القضية كلها قضية فكرية لا صلة لها بالموقف من الدين والوحي.
ولكن مع يقيننا بهذه الظاهرة التاريخية الشرعية فإنه لا يجوز ربط التصنيفات الفكرية المحدثة بهذا الوصف الشرعي مطلقاً, فثمة في الساحة اليوم تصنيفات فكرية متعددة بعضها مستقى من مذاهب غربية وبعضها الآخر مستوحى من تجارب تراثية، وهناك جدل في إلحاق التكفير أو التفسيق أو عداوة الإسلام بمثل هذه الألقاب، والواقع أن هذه التصنيفات الفكرية هي ألقاب محدثة أصلاً لا يعلق عليها مدح ولا ذم شرعي مطلق، وإنما المدح والذم الشرعي المطلق يكون بالأوصاف الشرعية التي علق الله ورسوله عليها الأحكام، في تفاصيل منظمة في باب الأسماء والأحكام من علم أصول الدين.
فالمدح والذم المطلق إنما يعلق باسم المحسن والمؤمن والمسلم والفاسق ومن في قلبه مرض والفاجر والمشرك والكافر والمنافق ونحوها، وتعيينها في الشخص المعين يكون باستفراغ الوسع في سبر تحقق الشروط وانتفاء الموانع.
ولا يقال طبعاً إنه لا يمكن الجزم بمعرفة الإيمان مثلاً ونحوه من الأعمال القلبية، وأننا لم نؤمر بالتنقيب عن قلوب الناس، فإن الإيمان ونحوه من الأعمال القلبية له نوعان من الأحكام: أحكام أخروية كالجزم بمصير المعين في جنة أو نار، فهذا إلى الله.
وأحكام دنيوية كالموالاة والشهادة له بالخير فهذا يعرف في الدنيا وتعلق عليه أحكامه بالنظر إلى آثاره والتوسم في أماراته وآياته في الشخص المعين، ولذلك قال تعالى:
فدل على إمكانية معرفة ظاهر الإيمان في الشخص المعين بالتوسم في أماراته، لا بالتنقيب عما استتر من مكنوناته.
ومما ينبغي التنبه له أن الولاء في الشريعة ليس على درجة واحدة كما يتوهمه غلاة المدنية، بمعنى ليس درجة واحدة يستوي فيها كل مسلم، بل الولاء للمسلمين درجات، فيتفاوت بحسب ما في المسلم من الإيمان والعمل الصالح وموالاة الوحي والقرون المفضلة، وهو نظير كون البراء والمعاداة تتفاوت بحسب ما في الكافر من مسالمة ومحادة ونحوها.
وهذا المعنى ظاهر في آيات القرآن وتصرفات النبي صلى الله عليه وسلم وفقهاء أصحابه، وقد دلت على ذلك آيات “عامة” يدخل فيها المسلم وغيره، وليست مختصة بالكافر، فقد ذكر الله سبحانه أن المؤمن والفاسق وإن كانا يشملهما اسم الإيمان لكنهما لا يكونان في منزلة واحدة كما قال تعالى:
﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾
وقال تعالى في سورة الجاثية:
وقال تعالى في سورة ص:
﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأرْضِ﴾ ثم قال بعدها:
﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾
ومن المعلوم أن مطلق الفسق واجتراح السيئات والإفساد في الأرض والفجور كلها لا تخرج المسلم بمطلقها من الإسلام، فيبقى صاحبها مشمولاً بهذا التمييز في المنزلة والمكانة عند الله، وميزان المسلم تبع لميزان الله تعالى.
وتفاوت الولاء فرع عن تفاوت المنزلة الدينية الظاهرة، ولذلك فإن الله تعالى فاوت الولاء بحسب منزلة المؤمن فقال سبحانه:
فانظر كيف جعل صيغة العلاقات تتفاوت بحسب التفاوت في درجة الإيمان والمجاهدة، فمن آمن وهاجر كانت له الموالاة التامة، ومن آمن ولم يهاجر نقصت ولايته بقدره، فكيف بمن اشتغل بإثارة المشتبهات وتزيين الفنون الغربية وتسويغ ما تضمنته من الفواحش والقيم المنحطة.
وهكذا كانت سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه في التعامل مع المسلمين في عصره فإنه يزيد في موالاة المسلم بحسب قيامه بشعائر الدين الظاهرة، وينقص في موالاته للمسلم بقدر نقصه في أمر الله.
ولذلك هجر النبي صلى الله عليه وسلم كعب بن مالك وصاحبيه خمسين ليلة -كما في البخاري ومسلم- حتى قال الطبري: (قصة كعب بن مالك أصل في هجران أهل المعاصي) .
ولما قالت زينب للنبي صلى الله عليه وسلم: “أنا أعطي تلك اليهودية” تعيب بذلك صفية، هجرها النبي زهاء شهرين فقد روى الإمام ابوداود عن عائشة قالت:
(اعتل بعير لصفية بنت حيي، وعند زينب فضل ظهر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزينب: أعطيها بعيرا، فقالت: أنا أعطي تلك اليهودية؟! فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهجرها ذا الحجة والمحرم وبعض صفر)
والحقيقة أن التطبيقات الخاطئة في فهم تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم وسلوكياته في سيرته، خصوصاً في مثل هذه القضايا، يجب أن لا تدعونا للانقلاب على هذا الأصل كله، فقد كان هذا منهج أئمة القرون المفضلة فقد استفاض عنهم تفاوت الولاء بحسب قيام المسلم بالكتاب والسنة، ونقص موالاته بحسب ابتعاده عنها، وقد لخص الغزالي القدر المشترك في هذه الأخبار المستفيضة فقال في عبارته الجميلة:
(طرق السلف اختلفت في إظهار البغض مع أهل المعاصي، وكلهم اتفقوا على إظهار البغض للظَّلَمة والمبتدعة، وكل من عصى معصية متعدية إلى غيره).
ومن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه أن الصحابي الجليل عبدالله بن عمر لما أخبره يحيى بن يعمر عن قوم أنكروا القدر قال ابن عمر: (إذا رجعت إليهم فقل لهم: ابن عمر يقول لكم: إنه منكم بريء، وأنتم منه براء) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:
(وأما إذا أظهر الرجل المنكرات: وجب أن يعاقب علانية بما يردعه عن ذلك من هجر وغيره، فلا يسلم عليه، ولا يرد عليه السلام، إذا كان الفاعل لذلك متمكناً من ذلك من غير مفسدة راجحة، وينبغي لأهل الخير والدين أن يهجروه ميتاً كما هجروه حياً، إذا كان في ذلك كف لأمثاله من المجرمين، فيتركون تشييع جنازته، كما ترك النبى - صلى الله عليه وسلم - على غير واحد من أهل الجرائم، وكما قيل لسمرة ابن جندب: إن ابنك مات البارحة، فقال: لو مات لم أصل عليه، يعني لأنه أعان على قتل نفسه فيكون كقاتل نفسه، وقد ترك النبي الصلاة على قاتل نفسه، وكذلك هجر الصحابة الثلاثة الذين ظهر ذنبهم في ترك الجهاد الواجب حتى تاب الله عليهم، فإذا أظهر التوبة أظهر له الخير).
فسائر ما روي من جنس هذه المواقف التي اتخذها النبي صلى الله عليه وسلم وفقهاء أصحابه وأئمة القرون المفضلة إنما هو نوع من “البراء الأصغر” الذي يدور مع علته وجوداً وعدماً, وهو مرتبط أيضاً بالمصلحة الشرعية فإذا عارضته مفسدة راجحة لم يكن محموداً.
وانعكاساً لتفاوت الولاء بحسب تفاوت المنزلة، فإن العقوبة على التعرض للمؤمنين تتفاوت بحسب تفاوت منازلهم أيضاً, فهو مطرد منعكس، فمن عادى ولياً لله ليس كمن عادى مسلماً فاجراً, ولذلك قال تعالى في الحديث القدسي (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) .
على أية حال .. فإن تفاوت الموالاة وتفاوت المعاداة هما فرع عن الأصل العظيم الذي ينتظم الشريعة كلها، وهو أصل العدل والقسط، فالشريعة لا تسوي بين المختلفين كما أنها لا تفرق بين متماثلين، وهو معنى الميزان الذي ذكره الله سبحانه في عدة موضع من القرآن، كقوله تعالى:
وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنزلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾
وقوله تعالى: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ وهذه النصوص الشرعية تكشف سقوط دعوى غلاة المدنية حين قالوا أن البراء لا يكون إلا من الكافر أو من الكافر المحارب، أو أن الولاء للمسلمين لا يتفاوت.
على أنه لو لم ترد تلك النصوص الخاصة في البراء الأصغر، فإن الاستدلال بالنصوص الواردة في البراء الأكبر على البراء الأصغر كافٍ في بيان الحق، وهو من ضرب الأمثال التي أشار القرآن إلى كونها تبيانا لكل شيء، فهو استدلال ببعض المعنى لا أنه قياس شمول ولا قياس أولى، فيؤخذ من جزء الحكم بقدر ما تحقق من جزء العلة إذا لم يوجد ما يعارضها.
وهذا النوع من الاستدلال كان من منهج النبي صلى الله عليه وسلم وفقهاء أصحابه وعموم أئمة القرون المفضلة، فكانوا يستدلون بما نزل في الشرك الأكبر على الأصغر، ويستدلون بما نزل في عقوبات الكفار بأوصاف معينة على من شاركهم من المسلمين في عين ذلك الوصف.
ففي سنن الترمذي عن أبى واقد الليثى أن النبي وأصحابه لما مروا بالكفار وهم يتبركون بشجرة ذات أنواط طلب بعض الصحابة أن يكون لهم شجرة يتبركون بها، فهذا التبرك الذي طلبوه كان شركاً أصغر، ومع ذلك فقد نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم واستدل بآية نزلت في الشرك الأكبر فقال صلى الله عليه:
(قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم ءالهة قال أنكم تجهلون)
ولما رأى الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان رجلاً من المسلمين في يده خيط يستعمله كتميمة، قطعه وتلا قوله تعالى (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) فاستدل بما نزل في الأكبر على الأصغر بجامع بعض المعنى.
ولما سئل ترجمان القرآن عبدالله ابن عباس عن قوله تعالى في سورة البقرة (فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون) قال: هو كقول الرجل “لولا الله وأنت” ففسرها بقادح أصغر، برغم كونها في القادح الأكبر، لاشتراكهما في أصل التفات القلب لغير الله.
وعندما مر علي بن أبي طالب بقوم يلعبون الشطرنج على وجه محرم يفضي لترك الواجب الشرعي نهاهم وتلا قوله تعالى (ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون) فاستدل بآية في الشرك على المعصية بجامع شدة التعلق المفضي لانتقاص قدر الله جل وعلا.
وفي قوله تعالى (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) قال غير واحد من السلف كعلي بن أبي طالب والضحاك وغيرهم هم “الحرورية” , برغم كون الآية نزلت قبل أن يخلق الحرورية أصلاً, وذلك منه رضي الله عنه استدلال بما نزل في الأكبر على الأصغر، بجامع بعض المعنى.
وهذا الوجه من الاستدلال بما نزل في الأكبر على الأصغر بجامع اشتراكهما في أصل المعنى شائع مستفيض في فقه القرون المفضلة، ومن طالع التفاسير الأثرية المعنية بنقل تأويل النبي وأصحابه والتابعين رأى كثرة ما فيها من هذا الضرب من الاستدلال.
وكثير من الكتاب اليوم يظنون أن “النفاق” الذي تحدث الله عنه في القرآن وأسهب في تصويره إنما هو النفاق المحض الذي هو إبطان الكفر وإظهار الإسلام، وتبعاً لذلك يستبعدون وجوده ويستعظمون استحضار هذا المصطلح الشرعي، ويهولون على من ينبس به.
والواقع أن النفاق ليس محصوراً في النفاق المحض، فإن النفاق المحض الخالص قليل في المسلمين اليوم ولله الحمد، حتى أن حذيفة -وهو أعلم الصحابة بأسرار النفاق- قال كما روى البخاري في الصحيح عنه: (إنما كان النفاق على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فأما اليوم فإنما هو الكفر بعد الإيمان) .
ولكن هناك ما هو غير النفاق المحض وهو أن يقع الإنسان في “شعبة” من شعب النفاق -نسأل الله السلامة والعافية- فربما تجارت بالإنسان فأهلكته وربما أدركه لطف الله جل وعلا.
ولذلك روى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في شعب النفاق العملي (أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه “شعبة من النفاق” حتى يدعها .. الحديث)
وشعب النفاق تكون في الوقوع في عمل من أعمال المنافقين، كما قال صلى الله عليه وسلم: (من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على “شعبة من نفاق” )
ولذلك فرق الله في القرآن كثيراً بين اسم “المنافق المطلق” وبين المسلم الذي “في قلبه مرض” أي شعبة من النفاق، وعطفهم على بعضهم في كثير من المواضع مبيناً اشتراكهم في بعض شعب النفاق، كما قال تعالى:
﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾
وقال تعالى أيضا:
﴿لئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ .. الآية﴾
وقد علق الإمام ابن كثير على الآية الأولى وهي قول المنافقين ومن فيهم شعبة نفاق حين ادلهمت الأزمة الأمنية: “ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا” تعليقاً مشبعاً بالبلاغة حيث قال:
(أما المنافق فنجم نفاقه، والذي في قلبه شبهة أو حسِيْكَة ضَعُف حاله فتنفس بما يجده من الوسواس في نفسه؛ لضعف إيمانه وشدة ما هو فيه من ضيق الحال).
وشعب النفاق كما هي شعب الإيمان كلاهما يعرف بالتوسم في الأمارات والأحوال والآيات والعلامات كما قال تعالى في سورة محمد:
وأشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى بعض أمارات شعب النفاق وشعب الإيمان في صحيح البخاري فقال: (آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار)
وهذه العلامات والآيات تورث التهمة، فتقوى وتضعف بحسبها، وقد كان الصحابة -خلا حذيفة- لا يعلمون أسماء المنافقين تعييناً، بل كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعرف بعضهم كما قال تعالى (لا تعلمهم نحن نعلمهم)، وإنما كان الصحابة يعلمون كثيراً منهم بحسب هذه الأمارات فيكون فيهم متهماً بذلك، ولذلك فإن كعب بن مالك رضي الله عنه حين تخلف عن الغزاة في قصته الشهيرة ذكر أنه لم يجد في المدينة إلا من كان متهما ومغموزاً بالنفاق، كما روى البخاري عن كعب أنه قال:
(فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفت فيهم أحزنني أني لا أرى إلا رجلا مغموصا عليه النفاق)
أي مطعونا عليه في دينه ومتهما بالنفاق، كما ذكر غير واحد من شراح الصحيح.
ومن تدبر شعب النفاق التي ذكرها الله في مواضع متفرقة من القرآن خصوصاً مطلع البقرة والتوبة والأنفال ونحوها من السور المدنية علم سر قلق الصحابة من النفاق، فالصحابة لم تكن خشيتهم الأساسية أن يبطنوا الكفر ويظهروا الإسلام، فهذا أمر ظاهر، وإنما كانوا يخشون أن يقع أحدهم في شعبة من شعب النفاق الدقيقة، ولذلك وصف التابعي الجليل ابن أبي مليكة حالهم فقال كما في صحيح البخاري:
(أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه)
ومما يبين ويوضح أن قلقهم الأساسي لم يكن من النفاق الخالص وإنما كان من شعب النفاق تتمة هذا الأثر حيث يقول ابن أبي مليكة:
(ما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل)
فتبين أنهم عنوا نقص الإيمان الكامل بما يعارضه من شعب النفاق، وإنما كانت خشيتهم من شعب النفاق لأن شعب النفاق قد تتجارى بالإنسان حتى تهلكه، فيزداد وارد هذه الشعب حتى يضعف المحل عن احتمالها فيخرج منه نور الإيمان والعياذ بالله، كما قال تعالى:
﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾
وجاء نظير هذا المعنى في التوبة فقال تعالى:
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾
ثم إن شعب النفاق إذا نقلت المرء إلى اسم النفاق المطلق فإن هذا النفاق التام يتفاوت أيضاً بحسب شدة صاحبه في مناهضة وبغض أمر الله ورسوله، فهناك المنافق وهناك من مرد على النفاق، كما يقال شيطان وشيطان مريد، كما قال تعالى:
ومن أعظم شعب النفاق التبرم بمرجعية الوحي، وازدراء القرون المفضلة، واللهج بذكر الكفار وامتلاء القلب بتعظيمهم، هذه كلها من شعب النفاق، والتي يقاربها كثير من الكتاب اليوم فمستقل ومستكثر.
وحتى لا يكون الكلام تجريدياً نذكر بعض الأمثلة، فحين يكتب أحد رموز الفرانكفونية المشهورين عدة دراسات يقول فيها أن “القرآن أسطوري البنية” ويحاول في دراسات كثيرة أن يربط القرآن بالثقافات السابقة للإسلام ويتكلم عن حجم الاقتراض الثقافي، أو حين يكتب باحث شهير آخر في رسالته الجامعية بأن القصص الفني في القرآن هي مجرد “أساطير” لا حقيقة لها وأنه يجوز نقدها تاريخياً, أو حين يقول رائد التغريب المطلق بأن “حديث الكتب السماوية عن إبراهيم وموسى لا تعني مصداقية الوجود التاريخي” , أو حين يكتب باحث آخر بأن “القرآن منتج ثقافي” كحصيلة التفاعل مع البيئة العربية، مع محاولاتهم المستمرة لربط القرآن بالموروث الديني عند ورقة بن نوفل أو بحيرى الراهب أو غيره، ونحو ذلك.
فهل يشك باحث صادق امتلأ قلبه بتعظيم الله وقدره حق قدره أن هذا كله من شعب النفاق؟! هل يشك إنسان يعظم الله أكثر من تعظيم الذوق الحديث بأن هذه المقالات من “الإفساد في الأرض” ومن “الفجور” الذي قال الله عنه:
فما الفرق بين هذا النمط من الباحثين الذين يربطون القرآن بالأساطير السابقة للإسلام وبين قول كفار قريش:
﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا، فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا﴾ وهي ذات نظرية كفار قريش حين زعموا أن القرآن مأخوذ من غلام مسيحي اسمه “جبر” كان يبيع عند الصفا وهو عبد لابن الحضرمي، كما ذكر ذلك ابن اسحاق في السيرة، ونص الله على مقالتهم تلك وأشار بوجه دقيق إلى بطلانها نتيجة استحالة التواصل اللغوي، فقال سبحانه:
وقريب من هذه الأقول الشنيعة قول أحد الباحثين “أن الشريعة والسلف اعتقلانا، فيجب أن ننطلق من البرهان أي العقل المطلق” فهذا معنى مخيف، لا يتسامح تجاهه إلا من ضعف قدر الله في قلبه.
وكثير من هؤلاء المثقفين المأزومين تجاه “النص المؤسس” كما يسميه بعضهم يغمغمون في العبارة ويراوغون ويرسلون كلاماً مشتبها حول مقدسات الوحي وَجَلاً من حميَّة الناس لدينهم، ولا يوجلون من الله وهم ينتهكون حرمته، ولو كان لدى القارئ المسلم فسحة أكثر من ذلك لرأيت تصريحاً أكثر بجاحة وأشنع، وهذه أيضاً من شعب النفاق فقد أخبرنا الله سبحانه أن الخوف من الجمهور أكثر من الخوف من الله من شعب النفاق كما قال سبحانه:
﴿لأنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾
وجاء نظير هذا المعنى في سورة النساء فقال سبحانه:
﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾
وقد أمرنا الله أن نعرض عن هذا الضرب ولا نواليه، كما قال تعالى:
بل إن دعوتهم إلى تجاوز فهم القرون المفضلة الذي اعتقلنا -كما يزعمون- هو مما أيقظنا الشارع إلى حدوثه وحذرنا من أهله فقد روى الإمام مسلم في مقدمة صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:
«سيكون في آخر أمتي ناس يحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم».
وأمارة هذا الضرب من الناس اتباع المتشابهات وترك المحكمات والشغف بالتفسير الغريب على طبيعة الوحي وسيرة النبي وأصحابه، كما قال تعالى:
﴿هُوَ الَذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ﴾ وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم أكد هذه الأمارة التي ذكرتها الآية فقال صلى الله عليه وسلم:
(فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم)
وذكر ذلك النبي صلى الله عليه في سياق آخر كما روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:
«ما من نبي بعثه الله تعالى في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف: يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل»
والمقصود من هذا كله أن الباحث العاقل المنصف المتجرد إذا تأمل نصوص الوحي الإلهي ورأى أن الشارع اعتبر خيانة الأمانة وفجور الخصومة وترك تحديث النفس بالجهاد وبغض الأنصار والارتياب في وعد الله ونحوها كلها من “شعب النفاق” فإنه لا يشك طرفة عين أن التبرم بمرجعية الوحي، والإزراء بفهم القرون المفضلة، واللهج بتعظيم الكفار، وربط القرآن بالأساطير السابقة للإسلام، واعتبار الشريعة والسلف قد اعتقلانا، أنها كلها شعب من النفاق أشد وأبشع، ولا موقع للمجاملة في مثل هذه القضايا.
وبعض الناس يرى أن هذا فيه شيء من المبالغة، والحقيقة أن ما سبق من الآيات يكشف أن ما ذكرنا دون ما جاءت به الآيات أصلاً, ومع ذلك سأضرب لذلك مثلاً أتمنى أن يوضح الصورة أكثر: إذا كان مجرد “الجهر بالصوت” عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يتصادم مع توقيره بما يصل إلى “حبوط العمل” كله كما قال تعالى:
فكيف سيكون شأن من ينقر ويقمش ويجمع ساقط المرويات ليهز ثقة القارئ في القرآن والسنة؟
شروحات وبرامج عن «مآلات الخطاب المدني»
شروحات أخرى للكتاب27
سلسلة: التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني — الشيخ طارق مسعد24 حلقةً · نحو 13 ساعة و42 دقيقةعرض الحلقاتإخفاء الحلقات
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0150:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0247:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0344:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0440:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0527:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0629:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0727:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0833:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0932:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1030:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1136:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1234:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1340:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1434:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1545:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1628:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1726:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1830:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1922:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 2039:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 2131:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 2224:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 2336:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 24 والأخير38:00
سلسلة: مناقشة كتاب مآلات الخطاب المدني — أحمد يوسف الهدهدحلقتانعرض الحلقاتإخفاء الحلقات
- مآلات الخطاب المدني - نقاط مركزية | أحمد السيدأحمد السيد