مآلات الخطاب المدني
قانون المتوالية الفكرية
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
حين تطالع الكتب المعنية بتأريخ الأفكار والمذاهب والمقالات الفلسفية المنقولة عن سائر الأمم فإنك كثيراً ما تصيبك الدهشة من غرابة بعض الأفكار والمقالات في صورتها النهائية وتناقضها مع بدهياتٍ ظاهرة، فيأخذك التساؤل: كيف وصل أصحابها إلى مثل هذه القناعة الغريبة؟! وكيف غابت عنهم الأمور الواضحة؟!
الواقع أن كثيراً من الأفكار والمقالات الممجوجة في صورتها النهائية، أو المتناقضة مع أبجديات الوحي والعقلانية إنما بدأت بالتزام “مبدأ نظري” معين دون الاستكشاف المسبق لكافة آثاره النهائية ولوازمه ومؤداه، وفي ثنايا سجالات الفرقاء ينجرف صاحب المقالة إلى الالتزام التدريجي لمقتضيات هذا المبدأ بهدف الاحتفاظ بعنصر الاطراد وعدم التناقض، فيتجارى به ذلك حتى يصل إلى مستشنعات ما ظن أنه سيصل إليها يوماً ما، وهو ما يمكن تسميته قانون “المتوالية الفكرية” .
وقد كان الإمام ابن تيمية كثيراً ما يشير إلى هذه الظاهرة العلمية لتطور الأفكار في ثنايا مناقشاته للمقالات الفلسفية كما يعبر مثلاً بدقة بالغة فيقول:
(فاحتاجوا أن يطردوا أصول أقوالهم التي احتجوا بها لتسلم عن النقص والفساد، فوقعوا في أنواع من رد معاني الأخبار الإلهية وتكذيب الأحاديث النبوية) درء التعارض (7/ 106)
والواقع أن “قانون المتوالية الفكرية” كنموذج تفسيري سيساعدنا كثيرا في فهم تطورات ظاهرة الخطاب المدني وكيف بدأت بإشكاليات تجديدية اجتهادية مشكورة ثم انتهى كثير من كتابها إلى مآلات مؤلمة مذمومة، فجمهور هؤلاء الشباب حين بدأ في قراءة إنتاجات المدرسة الفرانكفونية كان مدفوعاً في البداية بمقصد حسن نبيل وهو تنمية إمكانياته التحليلية وامتلاك الأدوات الفكرية بهدف تعزيز الخطاب الإسلامي ودعم حجيته، ولم يفرغ كثير منهم من ازدراد هذه الأبحاث إلا وقد انقسموا فريقين:
فأما الأول فتيقظ لبطلان الأساس الضمني الذي انبنت عليه هذه الأبحاث وهو غائية الحضارة أو مركزية المدنية، فانبنى على ذلك بطلان أكثر النتائج التي تضمنتها هذه الأبحاث من تبخيس التراث وتوقير الغرب، ومن ثم التنبه للأداتين الأثيرتين في هذه المدرسة لتهشيم التراث وهما أداتي (التسييس والمديونية) .
أما أداة “التسييس” فتعني إعادة التفسير السياسي للنظريات الشرعية وتحركات أعلام التراث ومحاولة ربطها بصراعات سياسية تحت شعار الأنسنة، أما أداة “المديونية” فتعني محاولة ربط سائر المفاهيم والأصول الشرعية التي صاغها فقهاء التراث بالثقافات السابقة للإسلام وتصويرها كمجرد اقتراض ثقافي من الثقافة الهرمسية أو الغنوصية أو الفارسية أو اليونانية.
أما الفريق الآخر -وهم الأكثر- فقد استسلم لا شعورياً للأساس الضمني في هذه الأبحاث وهو مركزية المدنية لكنه حاول -بحسن نية أيضاً- أن يذب عن دينه وتراثه وأمته بإثبات أن الوحي والتراث يتضمنان أولوية المدنية والحضارة أصلاً, ومن ثم تحول إلى هاجس التفسير المدني للتراث فأخذ يبحث داخل مضامين الوحي والتراث عن أية مشاهد تتوافق مع المدنية الحديثة، وانساق في نقد كل ما لا يتوافق معها داخل التراث، وأصبح مهموماً بمعاتبة الإسلاميين للظهور بمظهر مدني يتناسب مع الذوق المدني الحديث.
وبطبيعة الحال فمع كل عمليات إعادة التأويل التي مارسها هذا الخطاب على الوحي والتراث بما تتضمنه من استحضار واستبعاد موجَّه لنصوص وأعلام معينين بهدف التوافق مع الصيغة المدنية الحديثة، فإن طبيعة الوحي والتراث في ذاتها تأبَّت على ذلك وبقي المضمون الجوهري للوحي حياً لا يمكن تعتيمه، فمع كل النصوص التي ابتسروها مثلاً عن ابن رشد أو الشاطبي أو ابن خلدون أو ابن حزم أو غيرهم فقد بقيت نصوص هؤلاء ذاتها تنقض النتائج النهائية لهذه المدرسة، فضلاً عن صورة القرون المفضلة، بل فضلاً عن نصوص الوحي ذاتها، وسنحاول إيراد شيء من ذلك في موضع لاحق.
بل لقد أصبحت صورة الخطاب صورة تلفيقية باهتة تعاني في تركيبها الداخلي من هشاشة معرفية عميقة نتيجة كونها تعتمد على الانتقائية والتغييب دون منهجية أو معايير واضحة يمكن التحاكم إليها، بمعنى أنها أصبحت خليطاً من النتائج القابلة لإثبات العكس، فيستطيع خصوم الرؤية الإسلامية إضحاك القارئ عليها بكل بساطة، فالآيات الكثيرة في بيان مركزية الآخرة وذم الدنيا والرفاه، واللغة الغيبية في التعامل مع الظواهر، والمقياس الديني لصيغ العلاقات، وبيان انحطاط الكافر وأنه في منزلة الأنعام والدواب، واعتبار علوم الكفار علوماً ظاهرية، وشكل الحدود الجنائية الصريحة، وغيرها كثير لا تستطيع أن تقاومها كل تعسفات الخطاب المدني في إعادة تفسير التراث.
والمقصود هاهنا الإشارة إلى تطورات هذا الخطاب المدني الجديد وأن أكثر انحرافاته النهائية كانت مضاعفات يجمح بعضها ببعض، مع تفاوتهم فيها تفاوتاً هائلاً.
فبداية كثير من هؤلاء الكتاب -شهادةً لله- كانت بداية حسنة وهي أنهم رأوا أنه لا يمكن نشر رسالتنا الإسلامية وعزة مجتمعنا إلا بالإمكانيات والقدرات الحديثة، ثم تجارى بهم البحث في الحضارة والنهضة والإمكانيات الحديثة حتى جعلوها غاية في حد ذاتها بشكل عملي ضمني، ثم لما رأوا نقد الغرب يحوْل كثيراً بين الشاب وبين الحضارة الغربية ويهز مرجعيتها بالغوا في التماس المعاذير لانحرافات الحضارة الغربية، وتلمسوا الأدلة التي توافق ما هم عليه، ثم لما انهمكوا في تكييف الأحكام وفق نتائج الغرب اصطدموا بكثير من المفاهيم الشرعية ذات المنزع الديني/الغيبي كالإيمانيات والشعائر والأحكام الشرعية التفصيلية والتصورات الغيبية ونحوها، فحاول الكثير منهم جعل كل هذه الشرائع مقصودها النهائي أصلاً عمارة الأرض وإقامة الحضارة، وهكذا بدأت هذه المفاهيم الشرعية تتناقص قيمتها في ظل “وسيليتها” المحضة، وتتضخم قيمة المدنية الغربية بحكم تحقيقها للمقصد النهائي وهو الحضارة، ثم تطور الأمر من الانبهار بالحضارة الغربية المعاصرة إلى محاسبة الحركة الإسلامية والقسوة عليها طبقاً للاقتراب والابتعاد عن الحضارة الغربية المعاصرة، ونشأ عن ذلك ظواهر انفصال وانشقاق ترتب عليها الابتعاد عن مقابس الإيمان والتخول بالذكرى، فأخذت جذوة الإيمان تخبو يوماً بعد يوم، وارتخى الانقياد وفقدت العبودية معناها.
ثم تطور الأمر بشكل أكثر سوءاً، وأصبح البعض يلتمس العوائق في مضامين الشريعة ذاتها، حتى وصل بعضهم إلى أن المشكلة في “السنة النبوية” وأنها صرفت الناس عن قضية الحضارة إلى الإغراق في التفاصيل الصغيرة، وهكذا يتسلسل الأمر من سيئ إلى أسوأ.
وكنتيجة مباشرة للمظالم الإنترنتية التي واجهها هؤلاء الكتاب في بدايات كتاباتهم -كنسبة لوازم لم يلتزموها وتضليلهم بها أو ربطهم بجهات خارجية فريةً وبهتاناً- فإن كثيراً منهم قادته مناكفة الخصوم تدريجياً إلى الانقلاب على الرؤية الإسلامية والرغبة الدفينة الملحة في تأكيد المباينة بمناسبة وبلا مناسبة، حتى آل الأمر بكلا الفريقين المتباغيين إلى الاستقواء بأحد جناحي السلطة ضد الفريق الآخر.
والحقيقة أن وقوع بعض المنتسبين للاحتساب في بعض البغي هو مما جرت به سنة التاريخ، وقد أشار إلى ذلك الإمام ابن تيمية في كثير من كتبه، ومنه قوله:
(وكما قد يبغي بعض المستنة إما على بعضهم، وإما على نوع من المبتدعة، بزيادة على ما أمر الله به، وهو الإسراف المذكور في قولهم: ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا) الفتاوى (14/ 483)
بل وطائفة من هؤلاء يشنع أحياناً فيما ليس معه فيه برهان، بل قد يكون الراجح مع من خالفه، كما قال الإمام ابن تيمية في واقعة مشابهة:
(وطائفة ممن يقول بأن النبي “رأى ربه بعينه” يكفرون من خالفهم، لماظنوا أنه قد جاء في ذلك أحاديث صحيحة، كما فعل “أبوالحسن علي بن شكر” فإنه سريع إلى تكفير من يخالفه فيما يدعيه من السنة، وقد يكون مخطئا فيه، إما لاحتجاجه بأحاديث ضعيفة، أو بأحاديث صحيحة لكن لا تدل على مقصوده) الفتاوى 16/ 433
ولكن العاقل لا ينحرف عن الشرع انتقاماً من أخطاء بعض المنتسبين له، فإنه ما ضر إلا نفسه، وإنما كمال الإيمان أن ينظر العاقل في النصيحة ويستغفر لمن أخطأ عليه، ويراجع علاقته بربه فإن كان على صواب مضى وإن كان على خطأ أناب.
ثم إن مما زاد في تأجيج هذا الجموح الشبابي حفاوة كثير من المؤسسات الإعلامية بذلك مدفوعة بتصفية حسابات قديمة مع ما تسميه الإسلام السياسي، ومن يتصور أن المؤسسات الإعلامية مجرد مناخ معرفي بحت فهو يعيش وهماً كبيراً, فالمؤسسات الإعلامية كائنات سياسية لها أجندتها الخاصة وانحيازاتها العميقة، ولكن لها أدواتها الخاصة في الاستقطاب والتوظيف بما يتناغم مع بنيتها مثل: منصب كاتب عمود صحفي، أو مشرف صفحة الرأي، أو مقدم تلفزيوني، أو معد برامج، أو ضيفاً دائماً يوضع تحت اسمه خبير في الجماعات الإسلامية، ونحوها من المناصب الإعلامية التي تخطف لب الشاب في عصر الشاشة.
وبعد هذا العرض الموجز حول السياق التاريخي لهذه الظاهرة سننتقل إلى المناقشة الموضوعية لإشكاليات هذا الخطاب وعلاقتها بأصول الوحي، وسنحاول أن نركز على استعراض “حقائق الوحي” التي أضاعها هذا الخطاب وضمرت فيه وغابت في زحمة جموحه المدني.
شروحات وبرامج عن «مآلات الخطاب المدني»
شروحات أخرى للكتاب27
سلسلة: التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني — الشيخ طارق مسعد24 حلقةً · نحو 13 ساعة و42 دقيقةعرض الحلقاتإخفاء الحلقات
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0150:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0247:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0344:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0440:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0527:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0629:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0727:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0833:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0932:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1030:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1136:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1234:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1340:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1434:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1545:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1628:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1726:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1830:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1922:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 2039:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 2131:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 2224:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 2336:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 24 والأخير38:00
سلسلة: مناقشة كتاب مآلات الخطاب المدني — أحمد يوسف الهدهدحلقتانعرض الحلقاتإخفاء الحلقات
- مآلات الخطاب المدني - نقاط مركزية | أحمد السيدأحمد السيد