مآلات الخطاب المدني
ماوراء أنسنة التراث
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
المعركة اليوم معركة “تفسير” بالدرجة الأولى، تدور حول السؤالين التاليين: كيف نفهم النص؟ وكيف نفهم حملة النص؟
فتفسير النص، وتفسير التاريخ، كادا أن يكونا محور الجدل الثقافي المعاصر، وكاد أن يكون السجال الفكري يدور حول “النماذج التفسيرية” وتقنيات التأويل.
وفي المرحلة الفكرية السابقة -كماسبقت الإشارة لذلك- كانت النخبة الثقافية المأزومة مع الإسلام ودعاته تطرح نقداً وتهجماً على مضامين الرؤية الإسلامية ذاتها، فهناك سيل كبير من المقالات والكتب التي انتقدت التصورات الإسلامية صراحة كتحكيم الشريعة والحجاب والجهاد وغيرها من المفاهيم والقيم القرآنية وكانت المفاجأة أن الاتجاه الإسلامي يزداد صلابة، ويتأكد لقواعده الشبابية جدية عداء هذه النخب الثقافية المأزومة للإسلام والوحي والتعاليم النبوية.
لقد شعرت هذه النخب الثقافية المأزومة بكل وضوح بافلاس رصيدها الشعبي، بل ومعاناتها من حالة نبذ اجتماعي حاولت إن تتغلب عليه من خلال انخراطها في مشروعات السلطة، والتضحية بأية مضامين تدفع باتجاه الاستقلالية السياسية، بل وفي بعض الأحيان يصل الأمر -ولشديد الأسف- إلى اعتبار هذا الاستقواء غير النزيه نوعاً من الحذاقة في إدارة الاختلاف الفكري.
ونتيجة لهذا النبذ الاجتماعي فقد تحولت النخب الثقافية المأزومة إلى خيار ثقافي آخر، حيث هجرت إعادة مضغ النقد الممجوج حول الحاكمية والحجاب والجهاد والتعدد وأحكام الذميين ونحوها إلى محاولة تهتيك الوشائج بين القواعد الشبابية الإسلامية وبين نماذجها الملهمة التراثية والمعاصرة وذلك من خلال خطاب الأنسنة.
والأنسنة في الخطاب العربي اليوم توظف في سياقين، فأما السياق الأول فهو “أنسنة العلاقات” بمعنى أن تكون علاقاتنا ونظرتنا إلى العالم اليوم هي علاقات مدنية مبنية على القيم الإنسانية المشتركة، لا على أساس الهوية الدينية، وهذه سنعرض لها في الفقرة اللاحقة.
أما السياق الآخر فهو “أنسنة التراث” بمعنى إعادة تفسير التراث وولادة مفاهيمه الجوهرية وحراكها الداخلي تفسيراً تستبعد فيه أية دوافع أخلاقية أو دينية أو قناعات ذاتية، ويبحث فيه عن الدوافع المادية سواء كانت سياسية أم اقتصادية أم عرقية أم غيرها، عبر التوسل بالجهاز المفاهيمي الأنثروبولوجي تحت شعار التسلح بأدوات العلوم الإنسانية المعاصرة، وبعض الفرانكفونيين العرب حين يتحدث عن توظيف أدوات العلوم الإنسانية المعاصرة يضيف إلى ذلك فاصلاً تاريخياً وهو قوله “العلوم الإنسانية ما بعد العام 1950 م” ولا أدري لماذا هذا التاريخ التوقيفي، لكن هذه هي الدعوى على أية حال.
بمعنى أن تفسر تشكلات التراث على أنها مدفوعة بصراع سلطة أو مزاحمة سيادة أو احتفاظ بالجمهور أو أهداف بزنسية أو صفقات تسويقية، فمن عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب مروراً بالشافعي وانتهاء بالدعاة المعاصرين تفسر كافة تمظهرات الخطاب على أنها مجرد موازنات سياسية وحسابات اجتماعية محضة.
وهكذا تنطلق صافرة الأنسنة في لحظة إطلاق رصاصة الموت في دماغ التفسير الأخلاقي والديني، فحين تجمع الوقائع بطريقة موجهة وتربط بدوافع سياسية وخلفيات اجتماعية تذوي منزلة رموز الإسلام، وتسقط الثقة بما يقولون، ويزدرى ما يحملون، وينظر لمواقفهم البطولية على أنها مجرد استماته في حظوظ النفس، وهكذا ينقطع عن المنابع وُرَّادها، وتموت وظيفتها في القيام بدورها في شحن الشاب وتزويده بالمضامين الإسلامية.
الأنسنة في الخطاب العربي المعاصر لم تستوعب مفهوم الأنسنة فعلاً كما هو في ذاته، صحيح أن هناك في المقابل مبالغات ساذجة في تصوير التاريخ ترنسندنتالياً باعتباره مجرد معطيات متعالية لا صلة له بالتركيب البشري، لكن هذا لا يعني الانقلاب للجهة الأخرى.
العلمانيون العرب يتبرمون كثيراً من إمكانية اعتبار الدين والأخلاق والإيمان محركاً للتاريخ، بل يعتبرون التاريخ محكوم دوماً بدوافع غريزية محضة، إما مادية أو سيادية أو غيرها، أما الخطاب الديني والأخلاقي فهما مجرد بنية فوقية معلنة تخفي الدوافع التحتية الحقيقية.
لقد بلغت الأنسنة العربية مراحل مزرية تستدعي الرثاء، فحرب أبي بكر للمرتدين هي محاولة مادية لتمويل الخزينة، وعثمان وعلي مجرد طامحين للسلطة، والفتوح الإسلامية كلها حركات إمبراطورية توسعية، والشافعي مهجوس بشكل مضمر بعرقلة نفوذ السلطة السياسية لسلطته العلمية، ومحمد بن عبدالوهاب مسعور بالمزيد من الجغرافيا، وآباء الحركة الإسلامية الروّاد يسعون بشكل مكشوف للوصول للسلطة، والدعاة المعاصرون كلهم يبحثون عن بريق الإعلام والقنوات الفضائية.
حالة الافلاس في الخطاب العربي المعاصر تستدعي النظر بعين الرحمة والإشفاق والشكر لله على تجاوز هذه النظرة المرضية الهوسية للآخرين، أتساءل أحياناً لماذا لا يفكر العلمانيون العرب بأن هؤلاء الرموز قد يكونون مدفوعين بدوافع روحية وأخلاقية؟ خصوصاً أن كثيراً منهم ضحى بحريته أو روحه التي بين جنبيه، لكن ربما أن من لم يتذوق الدافع الأخلاقي في نفسه فلا يمكن أن يقرأه في تصرفات الآخرين.
فضلاً عن أن هذا التفسير لدى العلمانيين العرب ينم عن جهل مطبق بمفهوم الأنسنة ذاته، فمقتضى الأنسنة هو النظر إلى الإنسان بما هو إنسان، ولا شك أن من أقوى مكونات الإنسان المكون الديني والأخلاقي والروحاني، فاستحضار بقية مكونات الإنسان وتغييب بعضها الآخر هل يستحق أن يسمى أنسنة أم يسمى اختزالاً للإنسان؟
وباختصار شديد تحولت تقنيات الأنسنة إلى خطاب “سوء ظن” منهجي منظم، بدلاً من أن يكون مجرد زلة سلوكية، ويسمى في النهاية -وبكل بجاحة- خطاباً تفسيرياً علمياً! ولذلك فمن المشاهد اليوم أن من انهمك في مشروعات إعادة قراءة التراث المهجوسة بافتراض الدوافع السياسية في كل حدث فإنه يمتلئ قلبه بالغل على القرون المفضلة، وقد قال تعالى:
ولو جئنا نختبر ذلك العصاب في التفسير المادي لواقع الحركة الإسلامية فإنه حتماً سيفلس في تقديم إجابة دقيقة على الكثير من الظواهر.
خذ مثلاً: ما الذي يدفع الإسلاميين المعاصرين إلى ترك الفرص الاستثمارية في المؤسسات الربوية وتحمل كلفة المصرفية الإسلامية؟ ما الذي يدفع الشابة المؤمنة الرقيقة إلى ارتداء الحجاب وتحمل نظرات الاستخفاف في الأماكن العامة؟ ما الذي يدفع شاباً في زهرة العمر إلى التضحية بمجتمع الرفاه الذي يتقاطر إليه الوافدون والمقيمون ويتوجه لجبال شعثاء ينشد غناء الموت؟ ما الذي يدفع رجالاً تشابكت مسؤولياتهم الاجتماعية والأسرية إلى التنازل في الظل عن جزء من رواتبهم المحدودة لطباعة تفسير أو توزيع شريط قرآن؟ ما الذي يدفع فتى في غمرة سني اللهو واللعب إلى أن يدع مغاني أقرانه ويمد إليك مع ابتسامته الغضة تمرة تفطير عند إشارة مرور؟
وهكذا دواليك، مشاهد كثيرة تمردت على نظريات الأنسنة العلمانية، وأفلست محاولاتها التفسيرية البائسة في قراءة هذه الظواهر، لا زالت هذه المدرسة غير قادرة على استيعاب أثر الإيمان في النفوس بما يجعل الدين محركاً للتاريخ، فلم يصلوا إلى ما وصل إليه هرقل بحكمته الرومية حين أدرك ماذا تصنع “بشاشة الإيمان” إذا تسللت إلى القلوب، وذلك فيما روى البخاري أن هرقل قال لأبي سفيان:
«وَسَأَلْتُكَ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لا، وَكَذَلِكَ الإيمان حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ»
ويمكن للقارئ أن يضع المدارس التفسيرية في إطار تاريخي أو هيكل عام يمكننا من تصور اتجاهاتها العامة، حيث يمكن القول -بشئ من التجوز- أن المدارس التفسيرية مرت بثلاث مراحل “مرحلة المؤلف” و “مرحلة النص” و “مرحلة القارئ” , فمرحلة المؤلف كان التركيز فيها على خلفيات منتج النص وسياقه الذي يتحرك فيه، واندرج فيها المدارس النفسية والاجتماعية ونحوها.
والمرحلة الثانية كانت مرحلة النص وكان التركيز فيها على بنية النص ذاته بغض النظر عن السياق التاريخي، وقد أثر في الدفع بهذه المرحلة إلى الوجود بحوث العالم الألسني دي سوسير الذي توفي مطلع القرن الماضي وذلك في كتابه عن علم اللغة العام والذي جمع من محاضراته بعد وفاته وركز فيها على التفريق بين المحور السنكروني والدياكروني، فكان هذا التمييز المنهجي بين المحورين الآني والتطوري هو النافذة التي انبثق منها التفكير البنيوي، معززاً بإنتاجات المدرسة الشكلانية الروسية، وسرعان ما انتشر هذا النموذج الألسني إلى بقية العلوم الإنسانية وخصوصاً على يد أنثروبولوجيا شتراوس وكتاباته حول الأشكال الأولية للقرابة، ثم جاك لاكان في التحليل النفسي وألتوسير في تأويل الماركسية، ووصل هذا النموذج البحثي إلى ذروة جاذبيته حين قاربه مؤرخ الأفكار الشهير ميشال فوكو في آركيولوجياته حول التطورات الإبستيمية للتاريخ الأوروبي وذلك في كتابه ذائع الصيت الكلمات والأشياء.
صحيح أن فوكو كان يتملص من بنيويته بعد خبوها لاحقاً, لكن الباحثين والمؤرخين جرت عادتهم على اعتبار هذا الرباعي وهم شتراوس ولاكان وألتوسير وفوكو أبرز تطبيقات البنيوية، كما نجد ذلك عند روجيه جارودي في كتابه “البنيوية فلسفة موت الإنسان” , وعند كريزويل في “عصر البنيوية” , بل حتى عند المؤرخين النقاد العرب كصلاح فضل وغيرهم، وأهم دارسي فوكو في كتابهما “ميشال فوكو مسيرة فلسفية” مالوا إلى تبني هذه البنيوية المرحلية في خطاب فوكو.
وربما كانت ثورة الطلاب في فرنسا نهاية الستينات -بحسب مؤرخة البنيوية كريزويل- هي الإعلان الرسمي لنهاية البنيوية والتي هي رمز عصر النص وبداية عصر جديد تحول فيه الاهتمام إلى “القارئ” بمعنى البحث في دلالات الخطاب، لا على أساس المؤلف ولا على أساس النص، بل طبقا لوعي القارئ، فشاعت -بدرجة أقل- تفكيكية جاك دريدا ومفاهيم الغراماتولوجيا، وانتعشت جماليات الاستقبال ونظرية التلقي على يد هولب، وبلغ هذا المنهج ذروته التفتيتية في شعار “النص رياضياً يساوي عدد القراء” .
وفي بحر السبعينات، وعلى مائدة مستديرة في الكوليج دي فرانس، تمتم مؤرخ الأفكار المعروف “ميشال فوكو” في توطئة محاضرته عن النظريات التفسيرية عند الثلاثي (نيتشة، فرويد، ماركس) بحلم حالت المنية دون تحقيقه، وذلك حين قال:
(الحقيقة أن هاته الأفكار التي أعرضها عليكم تخفي من ورائها حلماً: وهو أن نتمكن ذات يوم من وضع نوع من الموسوعة التي تضم جميع “تقنيات التأويل” التي أمكننا معرفتها ابتداء من النحاة الإغريق إلى أيامنا هاته، وإني أظن أن هاته المدونة الضخمة التي تضم جميع تقنيات التأويل، لم يكتب منها حتى الآن إلا فصول قليلة).
والحقيقة أن من يتأمل في كثير من التقنيات التفسيرية الحديثة التي سلطت على التراث يلاحظ دورانها كثيراً حول مفهوم “السلطة” سواء كانت سلطة السيادة أو إرادة السلطة كما في الاتجاهات النيتشوية، أو سلطة المال أو البعد الاقتصادي أو البنية التحتية المتعلقة بأنماط الإنتاج كما في التفسير الماركسي، أو سلطة الليبيدو الفرويدي أم غيرها.
ويلاحظ القارئ “الهادئ” أن هذه التقنيات التفسيرية الباحثة عن دور السلطة في تشكيل النص لم يكن وهجها بسبب “عبقريتها” وإنما كان وهجها بسبب “تطرفها” , فدور السلطة والمال والجنس وغيرها من الدوافع في تشكيل النص والتاريخ هي معطيات معروفة مسبقاً وليست جديدة، وإنما الذي صنع لها هذا الدوي والزخم إنما هو التطرف في جعلها العامل الحاسم.
فالوحي الإلهي ومن بعده علماء التراث كشفوا عن هذه السلطات وغيرها بشكل مبكر ولكنهم “أعطوها حجمها” ولم يبالغوا في تتبع تشكلات التاريخ بناء عليها، وهذا انعكاس لبنية الاعتدال الشرعي، وبنية الغلو الغربي.
ففي الحديث الشهير الذي رواه الترمذي وغيره وصححه غير واحد من الحفاظ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«مَا ذئبان جَائِعَانِ أُرسِلاَ في زريبة غَنَمٍ بأفسَدَ لها مِنْ حِرصِ المرء على المال والشَّرَف لدينهِ»
فبين النبي صلى الله عليه وسلم سلطة الشرف وسلطة المال في تشكيل شخصية الفرد، وقبل هذا الحديث فقد أشار القرآن إلى دور هاتين السلطتين فقد حكى الله عن أصحاب الشمال قولهم:
﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ، هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾
وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم في موضع آخر إلى سلطة المال وسلطة الغريزة الجنسية، فقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان عن عمر:
«ومن كانت هجرته إلى دنيا يُصِيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إِليه».
وتكلم علماء السلوك الإسلامي كثيراً حول “قوادح التجرد” وأسهبوا في ذكر هذه السلطات التي تؤثر على المعرفة وتخلق التحيزات الداخلية، كسلطة الآباء وسلطة مشاكلة الأصحاب وسلطة الجاه وغيرها كثير، ومن ذلك ما ذكره بشكل تفصيلي منظم الإمام ابن القيم في كتابه مفتاح دار السعادة.
بل إن الناقد السعودي المعروف عبدالله الغذامي في كتابه الخطيئة والتكفير حين شرح أسس السيميولوجيا نقل نقلاً عن الإمام أبي حامد الغزالي وقارنه بما وصلت إليه السيميولوجيا الحديثة ثم ذكر أنه يبدو أن السيميولوجيا الحديثة لم تكد تتقدم شيئاً بعد الغزالي!
وما نقله الغذامي عن الغزالي مبثوث عند غيره من علماء التراث، وأحياناً بشكل أكثر تفصيلاً.
والمقصود هاهنا ذكر أن أكثر هذه التقنيات التفسيرية الحديثة لم تأخذ دويها الإعلامي بسبب جدتها بقدر ما هو مغالاتها في تحويل الدافع الطبيعي إلى عامل حاسم ومطلق يجيب على كل الظواهر.
وقد سبقت الإشارة إلى أن الأداتين المفضلتين في خطاب أنسنة التراث هما أداتي التسييس والمديونية، بل كادا أن يكونا محور تلك الأطروحات التفسيرية كلها، بحيث تؤول اليهما كل تلك النتائج.
والجدير بالذكر أن الأصول الرئيسية لتلك التأويلات هي أصلاً اطروحات استشراقية مبكرة رددها كبار المستشرقين أمثال شاخت ونللينو وجولدزيهر وغيرهم، وإنما كان الدور الجوهري الذي لعبه الفرانكفونيون العرب هو دور “الشراح” الذين أعادوا صياغة وترتيب تلك النتائج، وأكثروا من التنويع عليها، وغالب الإضافة لدى الشراح العرب إنما هي استلهام النماذج الاستشراقية في تطبيقات جديدة، أو اكتشاف شواهد جديدة لتلك النظريات التفسيرية، أما التخلص من طوق تلك الآليات الاستشراقية واستكشاف دور “النص” في تشكيل الحياة العامة للتاريخ الإسلامي فهو نادر فيهم.
والواقع أن أداة “المديونية” بمعنى تتبع حضور الآخر في الذات، أي استكشاف أثر الثقافات السابقة على الثقافة اللاحقة هي في أصلها جزء من منظومة الأدوات العلمية لتحليل الخطاب، وقد وظفها المبدعون في التراث الإسلامي بشكل رائع ولكن دون مغالاة ولا تعسف ولا تكلف، بل باعتبارها عامل ضمن شبكة عوامل مركبة، لا باعتبارها العامل الحاسم، ولا بتكلف رد كل شيء إليها.
فالدراسات الاستشراقية -وتبعاً لذلك شراحها من الفرانكفونيين العرب- تحاول رد كل مفاهيم التراث الإسلامي التشريعية والسلوكية إلى الثقافات السابقة للإسلام وتصوير التراث كحالة اقتراض ثقافي، ويستبعدون الوحي من أن يكون منبعاً لتلك التصورات.
بينما لم يكن علماء التراث الإسلامي بهذه المغالاة والتطرف، بل تحدثوا كثيراً عن ما كان الأئمة يسمونه “علوم الأوائل” وانتقدوا استمداد بعض مفاهيم علم الكلام وأصول الفقه والتصوف منها، ولكنهم لم يشطبوا الوحي والنص من دوره الجوهري في تشكيل التراث، وهذا يؤكد ما سبقت الإشارة إليه من الفارق بين بنية الاعتدال الإسلامي وبنية الغلو المعرفي الغربي.
وهذه المقارنة تكشف بجلاء أن ما لدى هذه التفسيرات الاستشراقية وشراحها العرب من الحق فقد قرره علماء التراث الإسلامي، وما أضافوا إلى ذلك فأغلبه فروض واحتمالات باطلة، تستند في غالبها إلى التشابه الفيلولوجي لا إلى المستند التاريخي.
ومن أكثر أسباب هذا الضلال الاستشراقي غياب الوعي بمعطيين أساسيين، أولهما: دور النبوات وبقايا الكتب السماوية في تشكيل ثقافات الأمم السابقة للإسلام، وثانيهما: حجم المفاهيم المشتركة بين الكتب السماوية كما في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال (الأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد) .
وتبعاً لهذين المعطيين فإن جزءاً كبيراً من ظاهرة التشابه المفاهيمي بين ثقافات الأمم المتأثرة بالنبوات ليس نتيجة اقتراض ثقافي بينها، بقدر ما هو انعكاس لمصدر متقارب المفاهيم، بل يصل أحياناً لحد التطابق.
وأما أداة “التسييس” وهي التنقير عن الخلفيات السياسية للخطاب التراثي فأكثرها افتراضات وتهويلات وسوء ظن، وحين نتأمل في ظاهرة التفسير المادي/السياسي للتراث فإننا نشعر بالألم من حالة “التناقض التفسيري” الذي يقع فيه غلاة المدنية.
ففي قراءة التراث يميلون إلى تقديم قراءة تاريخانية تحيل الأفكار إلى خلفيات السياق الاجتماعي والسياسي، فيفسر علم الفقه بصراعات القوى، وعلم العقيدة بمعارك المذاهب، وعلم الحديث بطلب السوق، وعلم التفسير بالموروث الثقافي، وهكذا.
بينما في قراءة الفكر الغربي لا تتم قراءته بمنظور تاريخاني يكشف البعد الذاتي، بل تتم قراءته بنيوياً باعتباره مجرد نسق ثقافي نقي متعالٍ, ومعزول عن الخلفيات والدوافع البشرية والسياسية والعنصرية، فيصور باعتباره مجرد فلسفة تستهدف الاستنارة والسلام الإنساني وسعادة البشرية.
ومقارنة هذين المشهدين تشي بالتناقض المذهل في نظرية التفسير، فلا يمكن تصور أن تكون حضارة كاملة تقرأ تاريخانياً, وحضارة أخرى تقرأ بنيوياً, فتفاوت التقنية التأويلية بهذا التناقض الحاد يكشف عن انحيازات نفسية عميقة أكثر من كون الخطاب رؤية معرفية.
والمتأمل في خطاب غلاة المدنية واللغة التي يعبرون بها عن منجزات الفلسفة الغربية والهالة التي يحيطون بها الأعلام الأوروبية ينكشف له هذا الانحياز النفسي بشكل واضح، فالتصور المطروح عن الفكر الغربي ليس “تصور علمي” معنياً بقراءة وتفسير الحالة الغربية كنسيج اجتماعي أو شبكة معقدة تمتزج فيها السياسة والمصالح والأفكار والأخلاق والتيارات، بل تقدم صورة الفكر الغربي بلغة مناقبية وعبارات وجدانية هي أقرب إلى الهيام منها إلى القراءة المعرفية، فخطاب غلاة المدنية عن الغرب هو خطاب تبشيري وليس كما يزعمون من أنه خطاب تحليلي.
بل ويصل التطرف في تطويب الغرب -بمعنى تحويله إلى طوبى- عند بعض غلاة المدنية إلى مستويات أكثر من ذلك، فبعض غلاة المدنية إذا أخذ يتحدث عن المجتمع الغربي كأنه يصف “مدينة فاضلة” تتحقق على الأرض، فتأخذك التساؤلات أين هذا المجتمع المثالي الرومانسي الخالي من النزوات البشرية الذي يتحدث عنه هذا الكاتب؟
لتكتشف بعد ذلك أن هذا الكاتب حين يتحدث عن المجتمع الغربي فإن ذهنه يمر بثلاث مراحل: ففي البداية يركِّب “الصورة المثالية” الحالمة في ذهنه، ثم ينسبها لهذا “المجتمع الغربي” , ثم يحاكم المجتمعات الأخرى عن عدم وصولها لهذا المستوى الغربي المتقدم؟!
فالمجتمع الغربي يطابق المثال الذهني الطوباوي المفترض، وليس هو الواقع الغربي الذي نعرفه جغرافياً وفكرياً, بمعنى أنه تحول الغرب إلى “مقولة مرجعية” تستحضر لأغراض التقييم والقياس ومحاكمة التجارب البشرية الأخرى، أكثر من كونها للدلالة على حضارة معينة معروفة جغرافياً وفكرياً ولها سياقاتها الخاصة.
وهذه السيرورة الذهنية تشابه إلى حد كبير بعض متفقهة المدنية الذين إذا لم يستحسنوا بذوقهم المحض شيئاً قالوا: هذا لا ينسجم مع الشريعة. فنسبوا ذوقهم للشريعة، ثم حاكموا الوقائع على أساس مخالفتها لهذه الشريعة التي زعموها.
وحتى لا يكون الكلام تجريدياً أذكر أن أحد كتاب الغلو المدني أفرد عدة مقالات يتحدث فيها عن ظاهرة “القبيلة” في المجتمع العربي والمحلي خصوصاً, وخلع عليها كل ألقاب الذم التي حملها قاموسه، ثم أخذ يتحسر بسبب أن ثقافتنا تحمل جذور العنصرية بخلاف الثقافة الغربية الخالية من هذه العنصريات.
فلا أدري عن أي غرب يتحدث هذا الكاتب؟ فالصراعات الكبرى في الثقافة الأوروبية كانت تدور حول تمايزات الأعراق الغربية، وقد أشعلت على أساسها حروب كبرى، وقامت على أساسها مشروعات دول، والولايات المتحدة التي ينظر إليها غلاة المدنية باعتبارها نموذج المساواة لم يصل إلى سدة الحكم فيها طوال عمرها الرئاسي لا رجل أسود ولا أنثى حتى هذه الساعة، ومع ذلك كله فإن هذا الكاتب يحاكمنا إلى هذه الثقافة زاعماً نقاءها الإثني، فهذا مما يدل على أنه ركب صورة ذهنية مثالية ثم نسبها للمجتمع الغربي ثم أخذ يحاكم المواقف إليها.
بمعنى أن الغرب تحول عند بعض غلاة المدنية إلى صورة متخيلة غير موجودة هي أشبه بالمطلق والمتعالي منها بالواقعي والإنساني، وعليه فيبدو أن غلاة المدنية هم الذين بحاجة إلى أنسنة تصوراتهم عن الغرب، بمعنى كشف البعد الإنساني والذاتي في مضامين الفكرة الغربية، لا قراءتها باعتبارها فكرة سماوية مجردة عن السياق التاريخي.
والحقيقة أن هذا الانبهار المرضي فضلاً عن كونه متصادم مع الوحي والواقع، فإنه مضر أيضاً بالنفسية المسلمة، فإن الاعتماد على جاهزية المنتج الغربي يسبب تسلل الشلل إلى إمكانيات الإنتاج، ولذلك فإن تجارب النهوض الآسيوية كلها كانت تؤكد أهمية عنصر “الثقة بالذات” في نجاح التنمية.
وبعض غلاة المدنية قد أغلق الباب بينه وبين نقاد الثقافة الغربية، عن طريق مسلمة مسبقة وهي أن “نقد الثقافة الغربية ناشئ عن الجهل بها” فكلما رأى ناقداً للثقافة الغربية افترض أنه ينقدها بسبب أنه لا يعرفها.
وهذا تصور غير صحيح بتاتاً, بل إن رموز نقد الفكر الغربي هم أكثر اطلاعاً من كثير من المبشرين بالفكر الغربي، وسأضرب مثلاً هنا بأربعة مشروعات ضخمة: وهي مشروع فيلسوف المغرب “د. طه عبدالرحمن” لإعادة تقويم التراث وحق الاختلاف الفكري والفلسفي وتأصيل الفلسفة واستكشاف العلاقات الدقيقة بين الألسنية والمنطق، ومشروع “د. ابويعرب المرزوقي” لربط جذر المشكلة الفلسفية والفكرية بالفلسفة الاسمية في صورتها التيمية/الخلدونية، ومشروع “د. عبدالوهاب المسيري” لدراسة ظاهرة العلمانية الشاملة -أو ما يمكن تسميتها بظاهرة المادية- في التصور الغربي، ومشروع “د. ادوارد سعيد” لتتبع تجليات “إرادة الهيمنة” في البنية التحتية للمنتج الثقافي الغربي كظاهرة الاستشراق والسرديات الكبرى في التاريخ الغربي.
فهؤلاء الرموز الأربعة لنقد الفكر الغربي ليسوا جهالاً به، بل هم أخبر به من كثير من المبشرين بالغرب من غلاة المدنية، ومع ذلك فهؤلاء الرموز الأربعة لديهم موقف صارم غير ودي تجاه الثقافة الغربية، وهذا مما يكشف أن نقد الثقافة الغربية ليس انعكاساً للجهل بها.
وبعض غلاة المدنية يستنكر هذا النقد الإسلامي للثقافة الغربية، وينعى على الإسلاميين غياب انبهارهم بمعجزة الحداثة الغربية، ويردد أن المجتمع الغربي ليس فيه مما يخالف الأخلاق إلا المشكلة الجنسية فقط، بينما يتمتع المجتمع الغربي بأخلاقيات العمل كالصدق والأمانة ونحوها، وأن المجتمع الغربي استطاع أن يمؤسس العدل والأخلاق، فالإسلاميون كمن دخل قصراً فخماً فاشتغل بالنظر إلى سلة المهملات وترك جمال القصر وإبداعه، وهذه الفكرة منتشرة كثيراً عند غلاة المدنية.
والحقيقة أن هذا المثل المضروب مثل مضلل خادع، وإنما المجتمع الغربي كقصر فخم المظاهر لكن أساساته مهددة بالانهيار، فهل من العقلانية أن نستغرق في جمال مظاهره ونستنفر الناس لدخوله، أم أن نحذر الناس من انهياره الوشيك؟
ومما يكشف ذلك أن الثقافة الغربية تعاني من اضطراب حاد على صعيد الإلهيات، فغالب الناس في ذلك المجتمع يعاني من تشوش عميق في هذا الأساس الجوهري، أما أغلب النخب المثقفة فهي إما لائكية أو أن قضية الدين عندها قضية مؤجلة غير محسومة، فالعالم الغربي نتيجة عدم تشرفه بالإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم لا يزال محروماً من التصورات الصحيحة الدقيقة عن الله والمعاد والنبوات والعالم العلوي والمستقبل بعد الموت ونحوها من المطالب العالية.
فهذا السؤال الجوهري وهو: ماذا خسر الغرب حين كفر بنبوة محمد؟ لا يزال غائباً عن كثير من المثقفين المسلمين وللأسف.
فالمجتمع الغربي حين كفر بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم خسر تحقيق مستقبل جيد بعد فناء البشرية وأصبح مهدداً بمخاطر كارثة جهنم، وخسر التعرف على محتوى الوحي، وهي تلك المعلومات الثمينة التي حملها آخر رسول أرسله خالق الكون إلينا.
ولذا لم يستوعب كثير من مثقفي وفلاسفة الغرب ما دلت عليه العلوم الإلهية من أن هرم الأولويات هو عمارة النفوس بالله، بتألهه والتعلق به، وتجريد الذات لمراده ومحبوباته.
كما أن المجتمع الغربي لم يهتد لكثير من أصول وتفاصيل العدل التي كشفها الوحي، فلم يهتد إلى كارثية الربا والميسر والمسكرات والفواحش، ولم تتطور عقليته التشريعية إلى معرفة كثير من تفاصيل نظام الإثبات والقضاء الشرعي والحدود الجنائية وقواعد العلاقات الأسرية التي دل عليها الوحي، بل لم يهتد إلى كثير من سنن الفطرة في الطهارة وإزالة الأدران والتي نبهنا إليها الوحي.
بل إن المجتمع الغربي يعاني من “ظاهرة الوثنية” التي هي أحط مستويات التخلف، وكثير من غلاة المدنية لا يتنبه لظاهرة الوثنية في المجتمع الغربي نتيجة كونه يعتقد أن الوثنية هي السجود لصنم فقط، بينما مفهوم الوثنية في القرآن أوسع من ذلك نتيجة سعة مفهوم العبودية، فإن الإنصياع التام للهوى الشخصي واللذة الخاصة عبادة للهوى، ولذلك قال تعالى:
﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (23) سورة الجاثية
وقال سبحانه:
﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾
وتبعاً لتأليه الهوى فإن الإنسان الخاضع لمتطلبات المادة خضوعاً تاماً جعله النبي صلى الله عليه وسلم عبداً للمال، فقال كما في الصحيح (تعس عبدالدينار، تعس عبدالدرهم) .
فهذه النصوص تبين وجهاً من وجوه الوثنية وهو تأليه الهوى وعبودية المادة.
فكم هو مؤلم أن يغيب عن مفكر مسلم حجم انتهاكات الشريعة في الحضارة الغربية، ويرى أنه ليس في المجتمع الغربي إلا مشكلة “الجنس” فقط، والواقع أن التدقيق في مثل هذه المقالات يكشف أن كثيراً من ذلك ناتج عن المغالاة في قيمة الحضارة المادية، والزهد في قيمة العلوم الإلهية الموروثة عن الرسل، وهذا مما يؤكد أن الغلو المدني ينبوع الانحراف الثقافي.
ومع ذلك فلو سلمنا لغلاة المدنية بأنه ليس في المجتمع الغربي من تقصير إلا الفوضى الجنسية، كاتخاذ الأخدان والسفاح وسن تشريعات زواج المثليين، فإن ذلك كافٍ في كشف انحطاط وظلامية وتخلف هذا المجتمع، وحاجته الماسة والسريعة للتنوير بالعلوم الإلهية، فظاهرة المثلية والشذوذ ليست مجرد سلة مهملات صغيرة بل هي أحد موجبات الغضب الإلهي العام، ولذلك فإن الله سبحانه وتعالى عاقب قرية سدوم باهلاكها هلاكاً عاماً لما انتشرت فيها ظاهرة المثليين، كما قال تعالى:
﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ، مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾
وقال سبحانه عنهم أيضاً:
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ، فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ، وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾
فإذا كانت ظاهرة المثلية تستوجب هذا الغضب الإلهي العارم فكيف يجوز تهوين الأمر وعرضه باعتباره مشكلة محدودة مع أن المجتمع الغربي بلغ بالمثلية تنظيمها تشريعياً وحفظ حقوق منحرفيها، ولم يناهض ظاهرة المثلية في المجتمع الغربي إلا المؤسسة الكنسية نتيجة ما تبقى لديها من نور النبوات، ومع ذلك فإن بعض الكنائس أطفأت ما تبقى من هذا النور الطفيف واعلنت احترامها لهذه الظاهرة المنحرفة.
أما القول بأن المجتمع الغربي استطاع أن يمؤسس العدل والأخلاق، فانه كما استطاع أن يمؤسس بعض هذه، فإنه أيضاً استطاع وبكفاءة أن يمؤسس كثيراً من تطبيقات الرذيلة والجريمة والظلم، ويوفر لها أرقى الامكانيات التكنولوجية.
أما ما يشيعه غلاة المدنية من تشبع المجتمع الغربي بأخلاقيات الصدق والأمانة في العمل التجاري، فإن بعض ذلك موجود حقيقة كما هو موجود في غيرهم من الأمم، ولكن كثيراً منه ليس صدقاً وأمانة يبتغى بها وجه الله وليس نابعاً من الإخلاص لخالق الكون سبحانه، بقدر ما إنها “مصداقية تسويقية” مدفوعة بحسابات الربح والخسارة المادية ومهارات “الماركيتنج”.
ويكشف ذلك إحصائيات حجم الاختلاسات والسطو المنظم وفنون الجريمة في المجتمع الغربي، والذي تعرضه دوماً الدراسات الاجتماعية باسهاب، وتقتبس منه الصحافة أحياناً بعض النماذج، وهذا مما يؤكد أيضاً حاجة الغرب إلى العلوم الإلهية لتصحيح الدوافع.
ومن أوجه التناقض التفسيري الذي سبقت الإشارة إليه عند غلاة المدنية أنهم يرون أن التفسير السياسي لمفاهيم التراث وافتراض أن ثمة صفقات خفية بين رموز التراث والسلطة هو خطاب علمي متنور مستوعب للأدوات الانثروبولوجية، أما نقد الكتاب المعاصرين فهو دخول في النيات وتنقيب عما في القلوب وشق عما في الصدور، فاتهام نيات أئمة القرون المفضلة يعتبر خطاباً علمياً, أما اتهام الكتاب التجديفيين والروائيين العبثيين فهو دخول في النيات، فأي تناقض أبشع من ذلك.
وخلاصة الأمر من هذه الفقرة أن أضخم المخاطر من أنسنة التراث -بمعنى تفسيره مادياً- هو إساءة الظن به واسقاط قيمته، وبالتالي انفصال الشاب المسلم عن “النماذج الملهمة” والتي تغذيه بالإيمان والقيم، فيعرض عن التفاعل مع أخبار القرون المفضلة في عبوديتهم وعلمهم وزهدهم وجهادهم، حتى يذبل إيمانه وتذوي حيويته الدعوية، فانبتات الجذور استسلام للعاصفة.
شروحات وبرامج عن «مآلات الخطاب المدني»
شروحات أخرى للكتاب27
سلسلة: التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني — الشيخ طارق مسعد24 حلقةً · نحو 13 ساعة و42 دقيقةعرض الحلقاتإخفاء الحلقات
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0150:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0247:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0344:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0440:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0527:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0629:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0727:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0833:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 0932:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1030:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1136:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1234:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1340:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1434:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1545:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1628:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1726:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1830:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 1922:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 2039:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 2131:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 2224:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 2336:00
- التعليق على كتاب مآلات الخطاب المدني | 24 والأخير38:00
سلسلة: مناقشة كتاب مآلات الخطاب المدني — أحمد يوسف الهدهدحلقتانعرض الحلقاتإخفاء الحلقات
- مآلات الخطاب المدني - نقاط مركزية | أحمد السيدأحمد السيد