تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة أبو عمر

مآلات الخطاب المدني

هل أضاع المسلمون دنياهم؟

نُسخت من مصدر نصيالصفحات 115-116 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 3 دقائق

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابمآلات الخطاب المدني

بعض غلاة المدنية يرى أن كل ما نحن فيه اليوم من هوان وضعة إنما منشؤه غفلة المجتمع المسلم عن بناء الدنيا، بل إن بعض غلاة المدنية يقول بصراحة “المسلمون اليوم عمروا آخرتهم وأضاعوا دنياهم”, وبعضهم يقول: تطرق الخلل للمسلمين من جهة ضعف دنياهم لا من جهة ضعف دينهم، وبعضهم يقول: المسلمون اليوم بالغوا في شأن الآخرة حتى تخلفوا، ونحو هذه العبارات. وهذا التصور ناشئ عن مركزية المدنية والغلو فيها.

وإذا عرضنا هذا التصور على أصول الوحي تبين كم فيه من إهدار لحقائق القرآن، فحب الدنيا والعناية بها هما أصلاً غريزة مركوزة في النفس البشرية ويستحيل بحسب سنن التاريخ أن تتحول الأمم الكثيرة إلى ظاهرة زهد شمولي مطْبِق كما يتصور غلاة المدنية عن واقع المجتمع المسلم، وقد كشف القرآن عن هذه الغريزة البشرية في قوله تعالى:

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾

وقال تعالى:

﴿كَلا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾

وقال تعالى:

﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [الأعلى:16]

بل إن أزكى النفوس البشرية التي تلقت التزكية النبوية مباشرة طالما عانت من مجاهدة “إيثار الدنيا” ونبهها القرآن في كثير من المواضع إلى التفاتها إلى الدنيا برغم اشتغالها التام بالعبادة والجهاد، فقال تعالى للصحابة المجاهدين حين اندفعوا يجمعون الغنيمة:

﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [آل عمران:152]

فبالله عليك تأمل كيف يقول ذلك لهم، وينبههم إلى التفاتهم إلى الدنيا، وهم في حالة قد جمعوا فيها بين مشهد التضحية ومقام الصحبة.

وقال لهم حين مالت نفوسهم للسلم والفداء:

﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [الأنفال:67]

وقال لهم حين استثقل بعضهم مشقة الجهاد:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إلى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ [التوبة:38] وقال لهم حين انتهوا من نسكهم وأخذوا يدعون الله ويلجأون إليه:

﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ﴾ [البقرة:200]

فإذا كان “تعظيم الدنيا” غريزة مركوزة في النفس البشرية، وإذا كانت أزكى النفوس البشرية ومن تلقت التربية النبوية لم تسلم من التفات القلب إلى الدنيا واحتجاب حظ الآخرة في بعض المواطن، بل وهي في أعظم المواطن كالجهاد والحج، فكيف يقول غلاة المدنية أن المسلمين اليوم عمروا آخرتهم وزهدوا في دنياهم حتى تخلفوا؟

ثم إنه لو صح أن المسلمين اليوم عمروا آخرتهم -كما يقوله بعض غلاة المدنية- فإن نتيجة ذلك ليس ضياع الدنيا، بل النصر والتمكين وانهمار بركات الموارد الطبيعية، وهذا المعنى الغيبي لا يستوعبه العقل المادي، وإنما يعقله قلب المؤمن الذي امتلأ يقيناً بصدق الوعود الربانية، ومن قال بخلاف ذلك فقد عارض محكمات الوحي، وسيأتي الإشارة إلى شواهد ذلك.

شروحات وبرامج عن «مآلات الخطاب المدني»

شروحات أخرى للكتاب27

بطاقة الاقتباس

حد البطاقة 340 حرفًا، بما فيها المسافات. يُختصر التحديد تلقائيًا عند فتح المعاينة.

حرفًا

المعاينة ستظهر هنا

أبلغ عن خطأ