فائـدة قرآنيـة
نُقل هذا المقال من مصادر نصية بشكل آلي ودُقّق لغوياً بشكل آلي.
حدّد أي نص في المقال لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
ذكر الله تعالى في كتابه ظاهرة “الكذب على الله” في مواضع كثيرة جداً, ولا يكثر القرآن من ذكر أمر من الأمور إلا انعكاساً لأهميته القصوى, وكثرة وقوعه وابتلاء الناس به, فتثنية الآيات في موضوع معين إشارة إلهية لنا لنحتفي بالأمر.. إذ القرآن كلام الخالق الخبير سبحانه, فسائر ما فيه من تصريح أو تلميح أو كناية أو إشارة أو مفهوم أو نظير أو دلالة أولى أو ترتيب مأمورات أو ترتيب منهيات أو غيرها من أنماط إستفادة المعنى وإنتاج الدلالة فإنها تؤخذ بعين الاعتبار .. وهذا هو مقتضى التدبر والادكار ..
وقد أكد القرآن كثيراً على ظاهرة “الكذب على الله في المعاني” .. وأهم تلك الآيات القرآنية التي جرّمت الكذب على الله في المعاني من خلال الممارسات التأويلية آيتان: آية “تحريف الكلم” , وآية “الالحاد في الآيات” .. وهما: -قوله تعالى { يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ} -قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا} وقد جاء عن ابن عباس بسند صحيح أنه قال الالحاد في الآيات “أن يوضع الكلام في غير موضعه”.
ومن تأمل تاريخ “النبوات” علم أن أكثر ضلال المليين ليس من جهة جحد الوحي, وإنما من جهة تأويله وإخراج ألفاظ الشارع عن معانيها التي أرادها .. والتأويل وإحداث المعاني في هذه الأمة يتفاوت كثيراً بين عصر السلف وعصرنا، فتأويل أهل البدع في عصور السلف كان أكثره في “الأصول العقدية” كتأويل الصفات الالهية, وتأويل العرش, وتأويل القدر، وتأويل البعث والمعاد, وتأويل الكرسي, وتأويل المعجزات وحقيقة النبوة, الخ.. وإخراج هذه كلها عن حقائقها، أما الشرائع فقد كانوا معظمين لها، كما كان كثير من الفلاسفة المنتسبين للاسلام يقول أنه “لم يطرق العالم ناموس كناموس محمد” يعنون به شريعته العملية. وتأويل وإحداث مبتدعة عصرنا أكثره في “التشريعات العملية”، حيث خفت تأويل العقائد والغيبيات، وافتتنوا بالتأويلات والمحدثات والبدع في قضايا المصلحة المرسلة, والمقاصد, والحدود الجنائية, والربا, والحجاب, والقوامة, والجهاد, والولاء والبراء, وأحكام الذميين, والحسبة على المنكر, والموقف من المخالف، ومنزلة العلوم الدنيوية، ونحوها من قضايا التشريعات العملية، لحمل نصوص الوحي في هذه المعاني كلها على أن توافق الحضارة الغربية المعاصرة، فاخترعوا معاني يهوونها ونسبوها للشريعة افتراءً على الله وكذباً عليه سبحانه عبر بوابة التأويل. والفريقان كلاهما مبتدِعان محدِثان في دين الله، ومخترعان لمعاني غير شرعية، وهذه حقيقة البدعة، وإنما الفارق الوحيد بينهما: أن المبتدعة في التراث كانوا مبهورين بالحداثة اليونانية، فحاولوا التلفيق بين غيبيات الوحي وغيبيات اليونان. وأما مبتدعة عصرنا فهم مبهورون بالحداثة الغربية، فحاولوا التلفيق بين تشريعات الوحي وتشريعات الغرب. ومن تأمل حمية السلف وغيرتهم في عصرهم في مقاومة المحدثات والمعاني المخترعة من أن تنسب للشريعة، ورأى تخاذلنا إزاء المحدثات والبدع والمعاني المخترعة التي صارت تنسب للشريعة، علم لماذا فضل الله هاتيك القرون، وعلم منزلة الوحي في تلك النفوس يارحمهم الله.
وفي إشارة مذهلة حين ذكر الله المحرمات في بعض آيات القرآن بدأ بها تصاعدياً فلما بلغ الشرك وهو أعظمها ذكر بعده الافتراء على الله، وهذه إشارة قرآنية لا تخفى في شدة تشنيع الافتراء على الله وهول خطورته كما قال تعالى في آيات عظيمة: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ, مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ, وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ, وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا, وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (33) سورة الأعراف.
وقد حذر نبي الله موسى من عاقبة “الافتراء على الله” تحذيراً مدوياً بأنه مستوجب للاستئصال والاهلاك كما قال تعالى: {قَالَ لَهُم مُّوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ} (61) سورة طـه والله سبحانه وتعالى غني عن نصرتنا لدينه، ولكن ليبلو بعضكم ببعض، وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب.
أبو عمر صفر 1431هـ 27 يناير 2010
بطاقة: حرفًا