التأويل الحداثي للتراث — التقنيات والاستمدادات
الباب الرابع: تهريب استشراقيات المحنة
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
تهريب استشراقيات المحنة: الفصل الأول
منعرجات استشراقيات المحنة
موقف المستشرقين من محنة الإمام أحمد يمكن أن نقول أنه حصل له انقلاب رأساً على عقب من المرحلة (الباتونية) إلى المرحلة (الفاتسية) إن جاز الاصطلاح، وسأحاول إيضاح كيف تطور هذا الموقف الاستشراقي، ثم كيف اتصل إلى العرب وأعادوا إنتاجه، ثم كيف وصل واستقبله الشباب المتطلع للثقافة في السعودية.
بدايةً كان المستشرقون في القرن التاسع عشر جزءاً من المجتمع الغربي الذي يعيش أوج سحر النموذج الليبرالي، ولما بدؤوا ينتجون الدراسات عن الفرق العقدية في تاريخ الإسلام، لاحظوا أن المعتزلة يعظمون النظر العقلي، وأنهم ينكرون القدر ويرون أنه إجبار للإنسان، فهم الباحثون الغربيون أن هذه الفرقة هي أقرب الفرق إلى روحهم الغربية الليبرالية لأنهم يعظمون العقل ويقولون بحرية الإنسان، وشعر المستشرقون بحميمية غريبة تجاه المعتزلة كأنها هي التي تجسدهم في تاريخ التراث، كانوا يتعاملون مع المعتزلة كأنما هم نسخة فكرية من الليبراليين في عصر السلف، حتى قال المستشرق النمساوي المشهور في عصره ألفرد فون كريمر (ت ١٨٨٩م) في كتابه ذائع الصيت عن «الأفكار المهيمنة في الإسلام» المنشور عام (١٨٦٨م): (لقد كشف لنا الشرق ذات النزاع الفكري بين المحافظين والليبراليين، بين الرجعيين والتقدمين، كما نسميه في لغتنا الحديثة، أو كما كان يسميه العرب قبل آلاف السنين: بين أهل السنة والمعتزلة)1.
وهذا شاهد ثمين ومبكر يوضح لنا كيف فهم كبار المستشرقين النزاع العقدي في الإسلام من وحي رهانات وطموحات الثقافة الفكرية الغالبة في مجتمعاتهم.
وهل هذا الفهم كان خاصاً بكريمر؟ لا، طبعاً، بل لقد أصبحت الليبرالية والمعتزلة لوناً من الترادف اللغوي في خطاب تلك الحقبة الاستشراقية، حتى أن المستشرق الأمريكي وليم شيد، الذي كان يعمل على التخوم الآشورية ضد العثمانيين فيما أسموه لاحقاً مجازر سيفو، كان يستعمل هذا الترادف بكل عفوية في كتابه «الإسلام والكنائس الشرقية» (١٩٠٤م)، كما يقول مثلاً: (وحول هذه المسألة نشب جدال مريب بين المحافظين، والليبراليين المعتزلة)2.
وتردد هذا الربط بين (الليبرالية) و(المعتزلة) حتى لدى من اعتنوا عناية خاصة بالمعتزلة في تلك المرحلة، مثل المستشرق الألماني ماكس هورتن3، وهذا له دلالة أوكد لأن هذا يعني أن سرطان الوهم وصل إلى أدمغة المتخصصين.
بل لقد صور المستشرق الاستكندي المشهور «مونتجمري وات» في رسالته للدكتوراه التي قدمها لجامعة إدنبرة عام ١٩٤٣م، شيوع هذا الفهم لدى مستشرقي القرن التاسع عشر، كما يقول مونتجمري وات: (لفت المعتزلة اهتمام الدارسين الأوروبيين منذ وقت باكر، بسبب الشبه بين كثير من وجهات نظرهم والفكر الأوروبي الليبرالي في القرن التاسع عشر، لقد ذهب هؤلاء الدارسون في حالات كثيرة إلى حد التطابق الكامل بين الفكر المعتزلي وفكر ليبرالي أوروبا في القرن التاسع عشر)4.
وفي هذه الأجواء الفكرية، في خاتمة القرن التاسع عشر، وتحديدًا في العام ١٨٩٧م، نشر الباحث المستشرق الكندي الأصل (وولتر باتون) رسالته للدكتوراه بعنوان (أحمد بن حنبل والمحنة)، وهو متخصص في اللغات السامية، ودراسته هذه هي -بحسب ما أعلم- أول دراسة متخصصة موسعة عن محنة الإمام أحمد بن حنبل. وأهم ملمح في هذه الدراسة هي أنها اعتمدت على المعطيات التاريخية الإسلامية، واحترمت المصادر والمراجع، وبشكل ملحوظ قلل الباحث التحليلات التخيلية المعتادة للمستشرقين، والتي تحاول ملء الفراغات بالتخمينات المجانية، أو تلك التي تسعى إلى إكراه المعطيات التاريخية وتهجيرها من أفق دلالي إلى أفق دلالي آخر، وبسبب ذلك فقد انتهى باتون إلى تبني تفسير مركب للمحنة يستوعب أطرافها المشاركة، ولذلك فهذه الدراسة لباتون هي أقل دراسات المستشرقين تحيزاً في موضوع المحنة بحسب ما أعلم، على أن فيها مواضع يسيرة اشتط فيها قلم الباحث.
وبرغم أن الباحث باتون لم يكن من كبار المستشرقين إلا أن دراسته هذه سرعان ما فرضت نفسها واتكأت في صدارة الدراسات الموصى بها في الموضوع بين المستشرقين، بل إن جولدزيهر علّق عليها بعد صدورها بعدة سنوات منبهراً بغزارة نصوصها حينذاك فقال:
(وقد صور عام ١٨٩٧م عالم أمريكي، وهو وولتر باتون، في مؤلف قيم، سير هذه الحركة التفتيشية العقلية فيما يختص بأحد ضحاياها الشهيرين، واضعاً في دراسة معتمدة على الوثائق القيمة: الاضطهادات التي قاساها الرجل الذي صار اسمه شعار التعلق الشديد بالإيمان، وهو الإمام أحمد بن حنبل)5.
ومن الشواهد ذات الوزن الدال أن المستشرق الأمريكي المشهور حينذاك، وهو دونكان ماكدونالد، وهو الذي سبق أن أشرنا أن أحمد أمين تعلم الإنجليزية بسبب كتابه عن «تاريخ علم الكلام والفقه» وصار ينقل منه كثيراً في فجر الإسلام، هذا المستشرق كتب مراجعة عام (١٨٩٨م) لكتاب باتون، أي فور صدوره، يقول فيها:
(كتاب باتون مساهمة متينة تضيء معرفتنا لتلك المرحلة، وأحد أهم الأمور في كتابه أنه ألقى الضوء على شخصية المأمون، وإنه لمن الغريب أن تجد نصيراً راسخاً للفلسفة والعلوم يظهر كمضطهد)6.
بل العجيب أنه بقي المستشرقون دهراً مديداً يبدؤون بدراسة باتون في أي بيبليوجرافيا عن محنة الإمام أحمد وما يتصل بها، وفي تقديري الشخصي أن دراسة باتون كانت عاملاً هاماً في كشف جرائم المعتزلة تفصيلياً، وأحدثت نوعاً من التوازن لدى المستشرقين، حتى أن جولدزيهر يقول:
(هل لنا أن نسمي المعتزلة أحرارًا؟ يجب علينا أن نأبى عليهم هذه التسمية…، حينما كان للمعتزلة الحظ في أن يكون مذهبهم هو المذهب الرسمي في عهد ثلاثة من خلفاء العباسيين، فُرض هذا المذهب على الناس بقسوة التفتيش والتحقيق والإرهاب)7.
وهكذا يعقب بروكلمان، وهو من عمالقة المستشرقين، حيث يقول: (لقد كان ثمة ميل إلى اعتبار المعتزلة ممثلين لتفكير لاهوتي حر يقوم في الطرف المقابل للسنة، ونحن نستطيع أن نقطع على أساس ما بسطناه، بأنهم لم يكونوا أقل تعصبًا من فقهاء السنة بحال، ولم يختلفوا عنهم في الأساليب)8.
ولكن ذروة الموقف الاستشراقي السلبي ضد المعتزلة ظهر في الثلاثينات حين كتب «نيبرج» في دائرة المعارف الاستشراقية الأولى عام (1934م) مادة عن «المعتزلة» لخص فيها النتائج النقدية الاستشراقية الجديدة حول مشاركة المعتزلة في الاضطهاد والاستبداد، وأن هذا يتنافى مع فكرة الحرية الليبرالية، ولذلك قال مونتغمري وات مصورًا أثر مقالة «نيبرج» وما سبقها:
(لقد ذهب هؤلاء الدارسون في حالات كثيرة إلى حد التطابق الكامل بين الفكر المعتزلي وفكر ليبرالي أوروبا في القرن التاسع عشر…، ولقد أدت أعمال الباحثين، خلال الحقبتين الأخيرتين، خاصة أعمال الدكتور نيرج، إلى تخليصنا من هذه الأوهام)9.
ولم يتوقف الأمر عند هذا بل إن نيرج نفى عن المعتزلة صفة «العقلانية» كما يقول مونتغمري وات في تصوير مناقضة هذه النتيجة لكامل الأدبيات الاستشراقية القديمة (ذهب الدكتور نيرج إلى أن المعتزلة لم يكونوا من أتباع المذهب العقلاني، مخالفًا بذلك باحثي القرن التاسع عشر)10.
ففي هذه الحقبة سحب المستشرقون من المعتزلة نياشين «العقلانية العلمية» و«الحرية الليبرالية» والتي كان المستشرقون قد منحوا المعتزلة أوسمتها التكريمية سابقًا.
ومن المحتمل أن تكون دراسة باتون أثرت على موقف نيرج من المعتزلة في مسألة الحرية الليبرالية، ومن أهم ما يميز دراسة باتون، فضلًا عن احترام المصادر والمراجع، وعيه بتكامل نظرية التفسير، وأن الناس لا تحركهم نزوات سياسية فقط، بل لديهم دوافع دينية أيضًا، وهذا لم يكن سلوكًا عفويًا لباتون، بل كان إجراءً واعيًا، وفي ذات الوقت يشعر بأنه يخالف طريقة أصحابه المستشرقين في التسييس الأعمى لكل شيء، حيث يقول باتون:
(وأن نكون في تقديرنا أكثر رعاية لوجهة النظر الديني عما كان عليه الباحثون من قبل، وسوف يرى القارئ أننا أشرنا في مواضع من كتابنا إلى وجوه الخلاف بيني وبين المستشرقين المحدثين)11.
ومازلت متعجباً كيف أحدث باتون كل هذا الأثر وهو ليس معدوداً في كبار المستشرقين.
حسنًا، بقيت صورة المعتزلة -وخصوصاً بعد نيرج- مهزوزة في العقل الاستشراقي إلى نهاية الستينات في القرن العشرين.
وكان المستشرق الإيطالي جابريلي (ت ١٩٩٦م) قد نشر في نهاية العشرينات أطروحة جلب فيها اهتمام المستشرقين لبحث العلاقة بين المأمون والعلويين12، ثم في مطلع الستينات استمر المستشرق الفرنسي سوردل13 أطروحة جابريلي وذهب بها لحد أبعد، حيث طرح تفسيراً مختلفاً عن أطروحة باتون، يمكن تسمية هذا التفسير: اتجاه (تشيع المحنة) حيث التقط سوردل مواقف المأمون التي فيها ميول شيعية ثم بنى عليها فرضية أن المحرك الأساسي للمأمون كان خلفيته الشيعية، مثل قرار المأمون بنكاح المتعة، وأخذه البيعة بولاية العهد للرضا علي بن موسى، ولبسه الخضرة شعار العلويين وطرح السواد شعار العباسيين، ووصيته وهو على فراش الموت لأخيه المعتصم برعاية العلويين وأن يكبروا في صلاة الجنازة عليه خمس تكبيرات، وسيأتي لاحقًا مناقشة موضوعية هذه الأطروحة.
والواقع أن أطروحة سوردل في (تشيع المحنة) واعتبارها مشروعًا إماميًا ضد أهل السنة؛ لم تلاقِ قبولًا في أوساط المستشرقين، لكن ما من شك أنها كانت مهمازًا استحث التفكير الاستشراقي لإعادة قراءة وتفسير المحنة مجددًا، واستدماج هذه المعطيات.
ثم في منتصف الستينات برز على مسرح الاستشراق المتخصص الألماني في علم الكلام (جوزيف فان إس) المولود عام (١٩٣٤م)، وكان عميق الانحياز للمعتزلة، فأراد قلب الصورة التاريخية، وتحويل الجلاد إلى ضحية، ورسم المعتزلة في صورة المظلومين، ولتحقيق هذه الغرض صار «فان إس» يفتش في شخصيات المحنة ويحاول أن ينفي صفة الاعتزال عن أي شخصية شاركت في العسف والاضطهاد، ويرمي عبء المحنة على شخصيات الجهمية المرجئة فقط.
وتقوم أطروحة «فان إس» على ثلاثة أركان: الركن الأول:
تبرئة المعتزلة من عار المحنة، والركن الثاني: التشكيك في بسالة الإمام أحمد. والركن الثالث: تسييس محركات المحنة. وبعض عناصر الأطروحة جديد، وبعضه استشراقي قديم قام بتوسيعه وتضخيمه كما سيأتي.
وقد بدأ فان إس نشر فكرته هذه في عدة أبحاث، وخصوصًا في بحثه الاستهلاليين: (ابن كلاب والمحنة)14 الذي نشره عام 1965م، و(ضرار بن عمرو والجهمية: سيرة مدرسة منسية)15 والمنشور في عامي (1967-1968م)، وما يليهما من الأبحاث المتناثرة في السبعينات والثمانينات.
والحقيقة أن عنوان هاتين الدراستين مضلل نوعاً ما، فهما ليستا خاصتان بابن كلاب وضرار بن عمرو، بل هما في جوهرهما تتبع للنصوص التراجمية حول عامة الشخصيات الكلامية المبكرة، وخصوصاً الشخصيات الاعتزالية، وهذه طريقة «فان إس» في دراسة هذه الحقبة، فهو يدرسها بشكل تراجمي، يتبع فيها كل المعلومات الممكنة عن شخصيات المرحلة، ومن ضمن ما يدرسه «علاقتها بالسلطة»، فمن كان له علاقة بالسلطة العباسية منهم إما أن ينفي عنه صفة الاعتزال، أو يسعى لإظهار أنه شخص ورع يقوم بمهامه.
كما سعى لإبراز من يقول بخلق القرآن من غير المعتزلة، لذات الهدف، وهو البحث عن المزيد من المتهمين الذين يلقى عليهم عبء المحنة، وتخرج منها المعتزلة بأقل الأضرار، ومادة أبحاثه عموماً ليست من كتب العقيدة والفرق المعتبرة، بل هذه مصادر ثانوية عندهم، بل مصادر الدراسة الأساسية هي كتب التاريخ والتراجم، كعادة المستشرقين في العناية الشديدة باستخلاص العقائد والفقه من كتب التاريخ والتراجم والأدب والرحلات وفهارس الوراقين ونحوها.
ولمن أراد أن يشاهد نموذجاً لدراسات فان إس في تتبع الفروق والمعلومات التاريخية فلينظر دراسته عن معبد الجهني المنشورة باللغة العربية في مجلة المجمع العلمي الدمشقي (١).
وفي عام ١٩٧١م عثر فان إس على مخطوطة كتاب «مسائل الإمامة» للنشء الأكبر (٢) (ت ٢٩٣هـ)، فطبعه وقدم له بدراسة، ووجد فان إس في هذا الكتاب للنشء الأكبر عبارة (صوفية المعتزلة)، فطار فان إس فرحاً بهذه العبارة، واعتبرها مصطلحاً ولقباً على تيار، وقام وقعد، ووظفه وأكثر من تكراره، وكثف الضوء عليه، ليدعم فكرة أن المعتزلة مجانبون للسلطان، بعيدون عن مركز القرار السياسي، وأنهم لم يكونوا أحد أدواته في ظاهرة الإضطهاد المأموني.
وليس المقصود طبعاً أن المستشرقين لم يكونوا يتحدثون عن الخط التنسكي في المدرسة المعتزلية، بل هذا قديم، فمثلاً سبق أن تحدث ماكدونالد (١٩٠٣م) عن تصوف المردار وتلقيه براهب المعتزلة16، وإنما المقصود هو التوظيف السياسي لهذا الخط لدى «فان إس» لاستكمال مذكرة المرافعة.
وفي العام (١٩٨٤م) نشر «فان إس» كتاباً عن «تاريخ المعتزلة»17، وأظنه نشر قبل ذلك كورقة بحثية في أحد الدوريات، واهتم فيه أيضاً بنقض فكرة أن المعتزلة الأوائل دعموا السلطة العباسية، وأشار لظاهرة المطوّعة وأن «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» جهاز سياسي خطر.
ثم دمج فان إس أطروحاته المجزأة السابقة في موسوعته الضخمة اللاحقة عن (علم الكلام والمجتمع في القرنين الثاني والثالث الهجريين) الواقعة في ستة مجلدات مع ملاحقها، وهي أشهر أعماله، وهي في غالبها ليست تأليفاً جديداً بقدر ما هي إعادة توزيع وتوسيع لبحوثه الجزئية السابقة، كما يشير هو نفسه في مقدمة الكتاب إذ يقول (فصول القسم الأول كتبت في الأصل بشكل منفصل، ولم تكتب بالتسلسل الحالي، ولم يجر خلق التماسك إلا في مرحلة ثانية)18، وتقع فصول المحنة (Die Mihna) في المجلد الثالث منه19.
وربما استطال القارئ عدد مجلداتها وظنها فرعاً عن غزارتها العلمية، والواقع أن سبب طول أبحاث «فان إس» هو نمطه في الكتابة، فهو لا يقتصر على فرضيات البحث وبراهينه، بل يسترسل في ذكر كل التفاصيل ذات الصلة، فمثلاً لا يكتفي بما ترجح له من «تاريخ وفاة» شخصية معينة من شخصيات البحث، بل يتشعب في ذكر فروقات المؤرخين وكتاب التراجم وما تناقلوه بينهم.
ثم عاد «فان إس» وألقى محاضرات في باريس في العام ١٩٩٨م لخص فيها زبدة أفكاره السابقة، وترجمت للإنجليزية عام ٢٠٠٦م20، وبقي فيها فان إس متمسكاً بأطروحته في الانحياز للمعتزلة وتبرئتهم من عار المحنة، ولمز رواية أهل السنة لما أصاب الإمام أحمد.
ولقيت أطروحة فان إس هذه استحساناً بين المستشرقين، بل لخصت في دائرة المعارف الاستشراقية الرسمية (EI²) التي تنشر فيها الآراء المعتبرة للمستشرقين، في مادة (Mihna) ومادة (Mutazila) وفي المواد المتعلقة بالشخصيات الكلامية ذات الصلة، ولا يوجد أي بحث استشراقي اليوم ذي صلة بالاعتزال إلا وتجد فيه إشارة لأطروحة فان إس بالإضافة للمستشرقين الذين دخلوا في خط بحث المحنة والمعتزلة وشاركوا بتحليلات إضافية، مثل: مونتغمري وات (١٩٧٣م)، وماديلونغ (١٩٧٤م)، ولاييدوس (١٩٧٥م)، وهندز وكرون (١٩٨٦م)، ونحوهم، وستلاحظ فعلاً أن انفجار الحراك الاستشراقي حول الموضوع وتبدلات الرؤية الكلية كان في هذه العقود الستينات والسبعينات والثمانينات، وإن كانت بعض بذور هذه الأفكار ظهرت مسبقاً.
ويمكن لنا أن نلخص عناصر الأطروحة الاستشراقية الجديدة حول المحنة التي بدأت بذورها مبكراً وأشعلها «فان إس» ووسعها من بعده من المستشرقين في الستينات والسبعينات والثمانينات الميلادية بزهاء عشرة عناصر تقريباً كما يلي:
١- أن المعتزلة ليس لهم مشاركة في المحنة ٢- أن المأمون لم يمكنهم من أية سلطة ٣- أن الشخصية الفكرية الرئيسية خلف المحنة هو بشر المريسي ٤- أن من دخل من المعتزلة في المحنة إنما كان يقوم بواجباته الوظيفية القضائية فقط وبقيتهم صوفية مجانبون للسلطان ٥- أن ابن أبي دؤاد كان رجلاً طيباً عطوفاً يخفف من المحنة ولم يكن يضرمها ٦- ادعاء أن الحنابلة ضخموا البلاء الذي أصاب أحمد ٧- ادعاء أن الروايات التاريخية السنية متضاربة ٨- التشكيك في عدد جلدات الإمام أحمد ٩- ادعاء أن أحمد رضخ وأقر أن القرآن مخلوق ١٠- أن مغزى المحنة كله ليس صراع عقدي بل هو محاولة المأمون كسر السلطة المتصاعدة لأهل الحديث ١١- ربط ممانعة الإمام أحمد بالعنصر الخراساني ومفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
هذه هي العناصر التي رأيت حماس المستشرقين لها، منذ فان إس ومن بعده في تلك المرحلة التاريخية، وإذا حللها الباحث وجد أنها تعود إلى ثلاثة أضلاع: تبرئة المعتزلة من عار المحنة، وتقزيم بسالة الإمام أحمد، وتسييس محركات المحنة.
وواضح أننا الآن مضطرون لذكر بعض الشواهد لعناصر هذه الأطروحة الاستشراقية، إذ يتوجب علينا أن نقدم نماذج استشراقية تشرح هذه الأفكار وأيضاً تكشف لنا عن الرمز الأشهر في هذا الطرح:
فأما إلقاء تبعة المحنة على بشر المريسي فمنذ أن نشر ذلك «فان إس» تداوله المستشرقون، بل أظهر الاهتمام به مستشرقون كبار بالنسبة لعمر «فان إس» آنذاك، ومن ذلك مثلاً ما كتبه المستشرق المشهور مونتغمري وات (١٩٧٣م) حيث يقول ملخصاً: «فان إس» طرح أن بشر المريسي أقرب إلى المأمون من المعتزلة، وأنه ينسب له التأثير على المأمون لتبني سياسة المحنة، وأن ابن طيفور وصف المأمون بأنه ضراري بما يعني أنه يرفض مبدأ المعتزلة في القدر، وأن بشر المريسي كذلك21.
وهذا شاهد له وزن استثنائي، ذلك أن مونتغمري وات من أعلام المستشرقين، وهو أكبر من «فان إس» بخمس وعشرين عاماً، بما يعني أن «فان إس» في مقام تلاميذه، وكذلك لم يكن مونتغمري وات قادماً من حقل مختلف، بل تخصصه الدقيق في رسالة الدكتوراه في الأربعينيات عن «القدر في صدر الإسلام» واحتلت المعتزلة من دراسته هذه النصيب الأكبر.
ولما بدأ المستشرقون في مشروع تحرير النسخة الثانية من دائرة معارفهم (EI²) أوكلت مهمة تحرير مادة (المحنة) إلى المستشرق البريطاني «مارتين هندز»، فكتب هندز المادة واستوعب الاتجاهات الحديثة التي طرحها المستشرقون في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات حول المحنة، وفي فقرة من أهم العينات الدالة يلخص المستشرق البريطاني مارتين هندز (ت ١٩٨٨م) قائلاً:
(العامل الملهم للمحنة ليس بالضرورة أن يكون أتى من جهة المعتزلة، أو أن الهدف الأولي للمحنة هو فرض مبادئ المعتزلة، والحقيقة أن «فان إس» في بحثه «ضرار بن عمرو» لفت الانتباه إلى إشارة ابن طيفور المهمة التي تتضمن: ١- أن الرمز المؤثر حقاً خلف المأمون كان الجهمي الحنفي «بشر المريسي» الذي كان يشارك المعتزلة الاعتقاد بخلق القرآن، لكنه لا يتبنى معهم عقيدة الإرادة الحرة «إنكار القدر» ٢- أن المأمون نفسه ترك القول بالقدر) (١).
هذا النص يتمتع برصيد دلالي مرتفع، فهو خلاصة سجلت في موسوعة المستشرقين التي يحررون فيها نتائجهم ذات الوزن بينهم، وفيها إشارة إلى أولية «فان إس» في هذه الفكرة، وحفاوتهم بتنبيه «فان إس» إلى نص ابن طيفور في تاريخه الذي بنوا عليه إلقاء تبعة المحنة على المريسي، والنأي بالمعتزلة عن المأمون لأن المأمون تخلى عن القول بالقدر، وبالتالي فليس معتزلياً.
والواقع أن مارتين هندز لما أنهى كتابة هذه المادة وأرسلها لدائرة المعارف توفي عام (١٩٨٨م) ولم تنشر المادة في الدائرة إلا بعد وفاته(٢)، فليست قيمة المادة بالنسبة لبحثنا هنا تاريخ نشرها اللاحق في التسعينات، وإنما قيمتها بالنسبة لبحثنا هنا أنها جاءت في نهاية الثمانينات لتلخص المشهد الاستشراقي تجاه المحنة في الستينات والسبعينات والثمانينات، وخصوصاً أطروحات: سوردل (١٩٦٢م)، وفان إس (١٩٦٧م)، ومونتغمري وات (١٩٧٣م)، وماديلونغ (١٩٧٤م)، ولاييدوس (١٩٧٥م).
وأما نص ابن طيفور الذي يشيرون إليه فقد اهتم به «فان إس» واستثمر من خلاله موقف ثمامة بن أشرس من المأمون، حيث جاء عند ابن طيفور (قال ثمامة: إن المأمون عامي لتركه القول بالقدر)22، وفي ذات الموضوع من الدراسة اعتبر «فان إس» أن المأمون «ضراري» لا معتزلي طبقاً لابن طيفور، وأنه يشير لنفسه دوماً كمرجئ(2).
ومما أضرم حوله المستشرقون نيران الشكوك الفروق في روايات المحنة، ومن ذلك مثلاً اختلاف الروايات في عدد الجلدات التي عُذِّب بها الإمام أحمد، والهدف من هذا التشكيك التقليل من البلاء من الذي أصاب الإمام أحمد، وأنه من تضخيم الحنابلة، وهذا التشكيك في فروق الروايات بشكل عام مما ثمنه المستشرقون لفان إس، واعتبروه رائداً فيه، كما يقول المستشرق اليهودي نمرود هورفيتز، وهو أستاذ في جامعة بن غوريون في إسرائيل، ومتخصص في الحنبلية:
(الدراسات المعاصرة للمحنة واصلت الاهتمام بالمصادر السنية/ الحنبلية، ووصلت إلى رؤى مهمة فيما يتعلق بهذه المدونات. «فان إس» فحص الأعمال التي صُنِّفَت خلال المحنة، وأظهر اختلافات متعددة داخل الرواية السنية/ الحنبلية)23.
ويتحدث المستشرق الأمريكي مايكل كوبرسون عن اتهام «فان إس» لعائلة الإمام أحمد فيقول:
(سيرة أحمد تم فبركتها لتبرئة الإمام، ومن الصعب أن لا نتفق مع «فان إس» أن كلا الروايتين اللتين كتبتهما عائلة الإمام أظهرت ابن حنبل كأنما يضحى بنفسه، بينما كان في الواقع يتملق الخليفة)24.
و«فان إس» يركز الاتهام بشكل خاص على: حنبل بن إسحاق، وصالح بن أحمد بن حنبل، والواقع أن اتهام فان إس لعائلة الإمام أحمد بن حنبل بأنها تقوم بعمل دعائي إعلامي، ليس مجرد سلوك عرضي، بل هو أداة مفهومية بلغت مستوى التنظير لدى «فان إس» يستعملها في تفسير التاريخ بالتفريق بين «الدعاية» و«العقيدة»(2).
وهذه الفكرة حول دعوى التضخيم الإعلامي للمحنة لخصها مارتين هندز (ت ١٩٨٨م) لاحقاً حيث يقول بشيء من التهكم:
(في الحقيقة أن قصة محنة أحمد بن حنبل على يد المعتصم تضخمت في السير السنية المتأخرة، فأبو نعيم وابن الجوزي والسبكي وغيرهم استرسلوا في رسم المشهد بلا قيود مستوحين المادة التي وصلتهم من أفراد أسرة أحمد بن حنبل، وأمتعونا بتفاصيل عن شجاعة وصلابة أحمد بن حنبل في صموده ضد كل محاولات إخضاعه للإقرار بخلق القرآن)25
ومما لخصه مارتين هندز (ت ١٩٨٨م) حول تفاوت الروايات التاريخية ما ذكره في اختلاف عدد الجلدات التي عذب بها الإمام أحمد وإبراز المستشرقين للروايات المناوئة التي تقللها كما يقول هندز:
(الجاحظ وهو المعاصر لابن حنبل يخبرنا أنه ضرب فقط ٣٠ جلدة، والمسعودي يعتقد أنها ٣٨ جلدة، بينما يذهب ابن المرتضى إلى أنها ٦٨ جلدة)26.
ويوجز المستشرق الأمريكي مايكل كوبرسون تطور فكرة اتهام الإمام أحمد بأنه استسلم ويكشف الرمز الغربي في تبني الفكرة، فيقول:
(المعرفة الحديثة، مؤخراً فقط، وضعت الرواية التقليدية لإطلاق سراح الإمام أحمد موضع المسألة والتمحيص، فالرواية الحنبلية المبكرة تزعم أن ثبات الإمام أحمد هو الذي انتصر…، ولكن الجاحظ، وهو مصدر معاصر ومناوئ، صرح بشكل قاطع أن ابن حنبل استسلم…، وفي عصرنا هذا فإن فكرة استسلام الإمام أحمد وجدت نصيراً رصيناً لها في «جوزيف فان إس» الذي يقول عن ابن حنبل أنه «من دون إقرار -بخلق القرآن- لن يدعوه يذهب»)27.
ومن الأمور المكررة لدى المستشرقين لضخ الارتياب برواية أهل السنة للمحنة ما يسمونه (معجزة السراويل)! وهي رواية ضعيفة لم يروها الثقات الذين نقلوا خبر المحنة، ويستخدمها المستشرقون بتهكم، كقول مارتين هندز ملخصاً:
(هذه الرواية للمحنة في المصادر السنية خضعت للتنميق والزخرفة، فعلى سبيل المثال: حين جلد الإمام أحمد وكادت تسقط سراويله كيف رجعت هذه السراويل إلى موضعها بصورة إعجازية، وفي بعض الروايات بيد من ذهب؟)28.
والواقع أن هذه الصيغة للرواية انتقدها أهل السنة وبينوا أنها مختلفة مكذوبة، وأول من رأيته يشنع بهذه القصة المختلفة على أهل السنة هو القاضي عبد الجبار، وأظن المستشرقين تلقوها عنه، كما سيأتي مناقشة ذلك.
وأما لقب (صوفية المعتزلة) الذي وجده «فان إس» في كتاب الناشئ الأكبر (١٩٧١م) فقد استثمره في مواضع كثيرة، ووظفه للتأثير على القارئ بفرضية عدم صلة المعتزلة ببلاط المأمون ومحنته.
وقد ذكر مرة أن هذه المدرسة «صوفية المعتزلة» هي تطور لجذور صوفية البصرة التي كان رائدها عمرو بن عبيد29، بينما ألقى في مواضع أخرى من دراساته ظلالاً ماركسية على هذه الظاهرة المعتزلية، كما في بحثه الذي بعنوان «خطبة المردار» (١٩٨٣م)!(١)
وقد اختصر «فان إس» ما في أبحاثه السابقة من استثماره المتكرر لعبارة «صوفية المعتزلة»، بقوله: (المعتزلة نأوا بأنفسهم عن الحكومة، وأخذ العنصر الصوفي في فكرهم ينمو بشكل أقوى، وبلغت هذه الحالة مداها الأقصى مع مجموعة أطلقت عليها بعض المصادر «صوفية المعتزلة»)30.
ونص الناشئ الأكبر المقصود هو قوله في شرح مذهب المعتزلة الذين رأوا أنه لا يجب نصب إمام، وقالوا: (الأصلح للناس أن لا يتخذوا إماماً، وإن اتخذوه فالفرض عليهم خلعه متى تعمد شيئاً من إزالة أحكام الدين، فإن لم يخلع نفسه جاهدوه، وهذا قول «صوفية المعتزلة» الذين يقولون بتحريم المكاسب، منهم: أبو عمران الرقاشي، وفضل الحدثي، وحسين الكوفي)31.
ومن أعجب اعتذارات المستشرقين للمعتزلة أن من دخل منهم في امتحان الناس بخلق القرآن إنما كان «يقوم بواجباته الوظيفية» لا عن دافع عقدي، ثم يتكلفون تلطيف شخصية رأس عصابة المفتشين ابن أبي دؤاد، ويصورونه بأنه شخص ورع وطيب وأنه كان يسعى لتخفيف المحنة على أهل الحديث! وهذا غاية ما يمكن من التعسف التاريخي، حيث يقول المستشرق السويدي زيتريشتين (١٩١٣م) مثلاً عن ابن أبي دؤاد: (ابن أبي دؤاد لعب دوراً هاماً في امتحان أحمد بن حنبل، وعلى الرغم من ذلك فإنه في تنفيذه لالتزاماته أظهر تسامحاً وإنسانية استثنائية في ذلك الوقت)32
ومن التصرفات الغريبة لـ «فان إس» في محاولة تنظيف سجل المعتزلة الملطخ تكثيف الضوء على المقابلة بين منصب يحيى بن أكثم السني، ومنصب ابن أبي دؤاد المعتزلي، فيما أن رئيس القضاة في زمن المأمون هو يحيى بن أكثم السني، وأن ابن أبي دؤاد لم يتول نظير هذا المنصب إلا في زمن المعتصم33، والمحنة إنما بدأها المأمون، فهذا يخلي مسؤولية ابن أبي دؤاد! وهذه مجرد مغالطة لتطورات المحنة وتدليس على معطى تاريخي هام وهو: نكبة يحيى بن أكثم وصعود ابن أبي دؤاد في آخر حياة المأمون، وأن المحنة لم تعلن إلا قبيل وفاة المأمون أصلاً، ووصية المأمون لأخيه المعتصم حين حضرته الوفاة بتقريب ابن أبي دؤاد وشتمه لابن أكثم في ذات الوصية وتحذيره منه، وأقطع أن «فان إس» يدرك ذلك جيداً، لكنه يغالط ويماحك لفرك البقع في ثياب المعتزلة، وسرجع المناقشة لاحقاً حتى لا ينقطع التسلسل التاريخي في هذا الفصل.
والذي لاحظته شخصياً أن «فان إس» شديد الحفاوة بمعتزلة البصرة أكثر من معتزلة بغداد، وأظن السبب أنه يراهم أكثر زهداً، وبالتالي فإن إبرازهم بالشكل الكافي يلمع صورة المعتزلة وأنهم أبعد عن مشاركة السلطة اضطهادها، حتى أنه يعتني بشخصيات لم يكن لها وزن نظري لاحق، كأبي يعقوب الشحام مثلاً، وقيامه برد المظالم34، كأنه يريد أن يقول أن هؤلاء دخلوا في السلطة لكن كانوا شرفاء!
وقد استمر «فان إس» على هذا الرأي يكرره منذ أن بدأه في الستينات حيث قال في محاضراته التي ألقاها نهاية التسعينات، وطبعت لاحقاً في كتاب: (أولئك المتهمون بأنهم المحرضون على المحنة، وهم تحديداً علماء الكلام المعتزلة، لم يكونوا المسؤول المباشر عنها، وإنما المبادر لهذه المحنة كان هو الخليفة)35.
وفي السبعينات -أيضاً- نشر المشرق الألماني ويلفرد ماديلونغ بحثاً صار له حضور بين المتخصصين في دراسة المحنة والمعتزلة، وفكرة البحث هو دراسة مسألة خلق القرآن في حقبة ما قبل المحنة (Pre-mihna) ودرس فيه ماديلونغ القولين ذاتهما: متى نشأ القول بخلق القرآن؟ ومتى نشأ القول بأن القرآن غير مخلوق؟ فبالنسبة للعنصر الأول ردد ماديلونغ المادة المعروفة حول نسبة القول بخلق القرآن لأبي حنيفة والجعد والجهم وغيرهم، وأشار لتفنيد الكوثري لنسبة القول بخلق القرآن لأبي حنيفة36، وبالنسبة للعنصر الثاني فيرى ماديلونغ أن أول رمز من أهل الحديث صرح حاسماً بأن القرآن غير مخلوق هو سفيان الثوري، وأن البقية كانوا يقولون: لا مخلوق ولا غير مخلوق، وأن انتشار الجزم القاطع بأن القرآن غير مخلوق لم ينشأ إلا بعد المحنة37.
لكن ما قيمة بحث ماديلونغ هذا طالما أن المادة العلمية حول القائلين بخلق القرآن قبل نشوء المحنة هي مادة تقليدية مكررة في كتب المقالات والفرق؟ الحقيقة أنه تم لاحقاً استثمار بحث ماديلونغ لتسليط الضوء على خلق القرآن في «حقبة ما قبل المحنة» بهدف تخفيف الإدانة للمعتزلة، وإظهار أن مسألة خلق القرآن لم يبتدعها المعتزلة، وليسوا أصلاً أول من قال بها، فمن المحتمل أن يكون هذا هو منبع أهميته.
لكن يعكر على ذلك أن المادة التاريخية حول مقولة خلق القرآن في حقبة «ما قبل المحنة» لا جديد فيها البتة حتى بالنسبة للمستشرقين، فإن المبحث رقم (١٢) في دراسة «ضرار بن عمرو» (١٩٦٧-١٩٦٨م) لفان إس عنوانه أصلاً (الجهمية والحنفية أثناء المحنة) كما نص على هذا العنوان في مطلع الدراسة المذكورة، وابتدأه بالحديث عن الحسن بن زياد اللؤلؤي من أئمة الحنفية وعلاقته بخلق القرآن، ولذلك لم يتضح لي جيداً سر اهتمام المستشرقين المتخصصين في المحنة ببحث ماديلونغ هذا إلا أن يكون السبب لسانيًا محضاً مرتبطاً بنمط تعامل الفضاء الأنجلوساكسوني مع الدراسات باللغات الأخرى.
وفي السبعينات قام المستشرق الأمريكي أيرا لاييدوس في ورقته الرائجة بتكثيف الضوء على تسييس محنة الإمام أحمد بالارتكاز إلى عنصر «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» لدى حركات المعارضة للمأمون، والربط بين معارضة أحمد بن حنبل ومعارضة حركة المطوّعة الخراسانية بقيادة الدريوش وسهل بن سلامة38، كما يقول لاييدوس:
(كشفت المحنة أن قيادة المعارضة ضد المأمون جاءت من نفس البيئة الخراسانية التي عارضت المأمون سابقاً في طرقات ودروب بغداد، فمشاركة علماء كثيرين من مرو بقيادة أحمد بن حنبل وأحمد بن نصر في احتجاجات شعبية، وفي حركة «الأمر بالمعروف»؛ تظهر أن التعاليم الدينية للمحدثين، والنشاط السياسي لأهل خراسان، كان جزءاً من حركة واحدة)39.
وهذه الفكرة وسعها أيضاً «فان إس» لاحقاً في كتابه عن «تاريخ المعتزلة»، وصور مفهوم «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» باعتباره أصبح له استقلالية سياسية كأنما هو «حكم ذاتي» لتكتلات اجتماعية صغيرة40.
والحقيقة أن هذه الأطروحة في تسييس المحنة والتي نشرها لا يدوس في منتصف السبعينات تغلغلت بشكل لافت للانتباه في الاستشراق الأنجلوساكسوني، وحصدت اقتباسات مرجعية عالية، ومن المهم التوضيح أنه ليس الجديد في أطروحة لا يدوس هو وضع الخلفيات السياسية للمأمون، فهذه فكرة قديمة أدركتها الكهولة بين المستشرقين ولهث فوقها قرن كامل من الزمن، بل إن «باتون» في القرن التاسع عشر نقل «إجماع المستشرقين» على تسييس بواعث ودوافع المأمون في إشعال المحنة، حيث يقول باتون عام (١٨٩٧م):
(كل الباحثين الأوروبيين تقريباً ينسبون للمتوكل بواعث سياسية، كما ينسبون -هذه الدوافع السياسية- أيضاً للمأمون حين دُشّن الاضطهاد في المحنة)41.
ففي هذا الشاهد الثمين والمبكر يصوّر باتون في العام ١٨٩٧م اتفاق المستشرقين على أن دوافع المأمون لافتتاح المحنة أنها «بواعث سياسية».
وإنما الجديد لدى لاييدوس -فيما أظن- هو غزل خيط ناظم لحركات المعارضة ضد المأمون وهو مفهوم «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» وجعل منبعه الجغرافي هو خراسان، وإظهار هذه الأحداث الجزئية وكأنها مجرد أوجه لكتلة واحدة، ولا أعرف هل سبق أحد لاييدوس بهذه النظرية الشمولية لتسييس المرحلة.
وثمة ملمح منهجي في أطروحة لاييدوس من المفيد الإشارة إليه، وهو بروز شيء من قاموس العلوم الاجتماعية في لغة البحث خلافاً للأطروحات الاستشراقية التقليدية، ويعود الأمر إلى أن لاييدوس أوصاه أستاذه المستشرق المشهور هاملتون جب بأن يدرس العلوم الاجتماعية في بداية تأهيل لاييدوس، حيث تتلمذ لاييدوس على هاملتون جب حين كان الأخير قادماً من أوكسفورد ليحاضر في هارفارد في منتصف الخمسينات، كما شرح ذلك لا يبدوس في البرنامج المشهور في معهد الدراسات الدولية (IIS) في جامعة كاليفورنيا-بيركلي «حوار مع التاريخ» والذي يشرف عليه هاري كرايسلر.
وقد توالت الأطروحات الاستشراقية لبعج تسييس المحنة، وسمح المستشرقون لخيالهم الخصب أن يسرح في سينمائيات التسييس، كما ظهر هذا عند مونتغمري وات (١٩٧٣م) وكرون وهندز (١٩٨٦م) وغيرهم.
حسنًا، هذه بعض الشواهد والنماذج لمعالجات المستشرقين لمحنة الإمام أحمد بن حنبل، ولاحظنا في هذه الشواهد كثرة إحالة المستشرقين لـ «فان إس» ومركزيته في هذا الحقل، وكيف أنه سعى لإخلاء عهدة المعتزلة عن عار المحنة، وتقزيم بسالة الإمام أحمد واتهام عائلته بتضخيمها، وتوسع المستشرقين عامةً في تسييس محركات المحنة كما نقل إجماعهم باتون قبل قرن كامل.
وبرغم تركيز المستشرقين في هذه الحقبة على القدح في رواية أهل السنة لأحداث المحنة بمعارضتها بحكايات المعتزلة والمتشيعة، كالجاحظ والمسعودي وابن المرتضى واليعقوبي، فليس المقصود أن حكاية المعتزلة للمحنة لم تظهر إلا في هذه المرحلة، بل المقصود أنه حصل الانقلاب التفسيري في هذه المرحلة، وإلا فإن إبراز حكاية المعتزلة للمحنة سبق ذلك لدى المستشرقين.
دعنا الآن ننتقل للخطوة التالية، وهي استكشاف النقطة الحدودية التي تم من خلالها تهريب استشراقيات المحنة للفكر العربي، ثم للداخل الصحفي السعودي.
الفصل الثاني: المستورد العربي لاستشراقيات المحنة
مع بداية السبعينات كان المفكر اللبناني المعروف رضوان السيد قد تخرج من أصول الدين في الأزهر ثم ابتعث لدراسة الدكتوراه بجامعة توبنجن بألمانيا في السنوات (١٩٧٣-١٩٧٧م) وكان المشرف على رسالته هو المستشرق «فان إس» وهناك في السبعينات، في جامعة توبنجن، تعرف رضوان السيد على كامل تفاصيل هذه الأطروحة الاستشراقية حول المحنة، وقد وافق ذلك أوج الحراك الاستشراقي حول الموضوع.
وتبعاً لذلك صار رضوان السيد فيما بعد يحدث المثقفين العرب بأطروحة أستاذه «فان إس» في الصوالين والسهرات الثقافية، بل يمكن القول أن رضوان السيد صنع آنذاك آلة دعائية لتعريف العرب بأطروحات أستاذه «فان إس» حول المعتزلة والمحنة، حتى أنه بعد عودته من ألمانيا بستين فقط، أي عام (١٩٧٩م)، نشر بالمشاركة تحقيقاً لكتاب مسائل الخلاف لأبي رشيد المعتزلي، ونوّه في مقدمته بأبحاث أستاذه فان إس عن تاريخ المعتزلة حيث جاء في المقدمة (وقد قام الأستاذ ج. فان إس، الأستاذ بجامعة توينجن بألمانيا الاتحادية، بدراسات معمّقة في هذا المجال في السنوات الأخيرة)42
ومن حدثهم رضوان السيد بذلك مؤرخ الأفكار فهمي جدعان، وهو صديق لرضوان السيد، بل قام رضوان السيد بإطلاع فهمي جدعان على بعض النصوص التاريخية التي كان يستشهد بها «فان إس» بهدف تبرئة المعتزلة من عار المحنة.
والحقيقة أن فهمي جدعان برغم أنه سبق أن أعد بحوثاً حول المعتزلة وخلق القرآن إلا أنه لم ينتبه لهذه الأطروحة الاستشراقية في تبرئة المعتزلة وتسييس المحنة إلا مؤخراً، بل إنه في بحوثه السابقة تبنى عكس هذه الرؤية، حيث أن فهمي جدعان أعد أطروحته للدكتوراه في باريس في نهاية الستينيات وكان من ضمن بحثه البحث المتمم للدكتوراه عن (خلق القرآن عند القاضي عبد الجبار من خلال كتابه المغني)43 وأكد فيه الرؤية المشهورة عن تاريخ المحنة، وكان بحثه الأساس عن (تأثير الرواقية في الفكر الإسلامي)44، ثم طبع الكتاب عام ١٩٦٨م.
والمفاجأة أنه بعد سنتين من صدوره، أي في العام ١٩٧٠م نشر المستشرق الفرنسي جورج فاجدا (ت ١٩٨١م) مراجعة للكتاب في مجلة تاريخ الأديان، وما الطريف في هذه المراجعة؟ الطريف فيها أن فاجدا انتقد جدعان بعدم الانتباه لدراسات «فان إس»، وذكر فاجدا من دراسات فان إس: (إبستمولوجيا عضد الدين الإيجي) والذي صدر عام ١٩٦٦م، وبحث (ضرار بن عمرو) الذي نشر عام ١٩٦٧م45.
حسنًا، هاتان الحادثتان، نقلُ رضوان السيد أفكار أستاذه «فان إس» إلى صديقه فهمي جدعان، ونقد المستشرق فاجدا لجدعان بأنه لم يتنبه لأطروحات فان إس، يمكن القول -في تقديري- أنهما فتحتا عيون فهمي جدعان وحركتا شهيته للاقتراض من هذا البنك الاستشراقي الألماني الذي اسمه «فان إس».
وبعد ذلك، وتحديدًا في عام ١٩٨٦م، ابتُعِثَ فهمي جدعان لجامعة توبنجن بألمانيا، وتحقق طموحه بالاتصال المباشر بـ «فان إس» والعمل تحته، كما جاء في التعريف بفهمي جدعان: (في عام ١٩٨٦م قضى جدعان فصلًا دراسيًا في جامعة توبنجن، حيث عمل مع المتخصص الألماني في تاريخ المعتزلة المبكر «فان إس»)46.
وفي هذه المرحلة تلقى فهمي جدعان بالإسناد العالي أطروحة «فان إس» حول المعتزلة ومحنة الإمام أحمد، والتي سبق شرح مضامينها فيما سبق.
ثم رجع فهمي جدعان من ألمانيا بعد انتهاء هذه البعثة القصيرة ليبدأ بتلخيص وشرح الأطروحة الاستشراقية حول المعتزلة ومحنة الإمام أحمد، والتي أخذها كفاحاً من فم «فان إس» نفسه، بعد أن كان يسمعها عنه بواسطة، ثم نشر جدعان هذا التلخيص للأطروحة الاستشراقية في كتاب سماه (المحنة: بحث في جدلية الديني والسياسي في الإسلام) نشر عام ١٩٨٩م، ونسب الأفكار الأساسية في البحث لنفسه!
وقد صرّح جدعان في مقدمة كتابه بالغرض الأساسي من الكتاب، وأنه أمران: تبرئة المعتزلة من عار المحنة، وتسييس محركات المحنة، حيث يقول جدعان عن نفسه في مقدمة الكتاب: (إنني أسير تماماً في الاتجاه المعاكس لمجرى التيار وذلك عند أمرين اثنين على الأقل: الأول: أنني أريد أن أنأى بالمعتزلة نأياً يشبه أن يكون تاماً عن عملية الامتحان التي نسبت إليهم…، الثاني: أنني أريد أن أنظر في مسألة المحنة لا بما هي قضية كلامية أو اعتقادية خالصة، وإنما بما هي حالة تبين صيغة العلاقة بين السلطة والطاعة)١ ثم ما إن أنهى فهمي جدعان مقدمته هذه حتى ألقى دلاءه في بئر «فان إس» وبدأ يسكب على القارئ العربي دلواً دلواً.
فأما الفكرة الأساسية لـ «فان إس» في تبرئة المعتزلة من عار المحنة، وتحميل تبعتها على بشر المريسي، فجاء فهمي جدعان ونقلها نصاً متظاهراً بأنه مبتكر الفكرة فقال:
(وأما المعتزلة فمن الواضح أنه ليس لدينا أي دليل على أي دور لهم مهم في هذه المسألة في عهد المأمون)٢، (والحقيقة أن كل القرائن تدل على أن بشر المريسي هو «شيطان» بدعة القول بخلق القرآن)٣ وأما استثمار «فان إس» للعبارة التي نقلها «ابن طيفور» والتي فيها ذم ثمامة للمأمون بأنه عامي لأنه لا يقول بالقدر، فجاء فهمي جدعان وعرض الفكرة ذاتها والنص ذاته بلغة المستكشف الأول!
كما يقول جدعان: (أما رأي ثمامة في المأمون فلا يمتنع أن يكون هو الرأي الذي أورده ابن طيفور … «إن المأمون عامي لتركه القول بالقدر»)٤.
وهذا عينه تحليل «فان إس» في مقالة ضرار بن عمرو(١)، بل لعل القارئ يتذكر الآن إشادة دائرة المعارف الاستشراقية بهاتين النتيجتين لفان إس حين قال مارتين هندز (ت ١٩٨٨م):
(العامل الملهم للمحنة ليس بالضرورة أن يكون أتى من جهة المعتزلة، أو أن الهدف الأولي للمحنة هو فرض مبادئ المعتزلة، والحقيقة أن «فان إس» في بحثه «ضرار بن عمرو» لفت الانتباه إلى إشارة ابن طيفور المهمة التي تتضمن: ١- أن الرمز المؤثر حقاً خلف المأمون كان الجهمي الحنفي «بشر المريسي» الذي كان يشارك المعتزلة الاعتقاد بخلق القرآن، لكنه لا يتبنى معهم عقيدة الإرادة الحرة «إنكار القدر» ٢- أن المأمون نفسه ترك القول بالقدر)47.
وما اهتم به «فان إس» من أن النقاش بدأ حول (علم الله) وليس عن (القرآن)48 ذكره فهمي جدعان أيضاً في كتابه المحنة(٤)، كما أن ما ذكره المستشرقون من تناقض عدد الروايات في الجلد الذي تعرض له الإمام أحمد بهدف التهوين من البلاء الذي أصابه، وما ذكره «فان إس» من أن عائلة أحمد بن حنبل هي التي قامت بعمل دعائي في تضخيم ما جرى له، كما سبق نقل بعض نصوصهم، كل ذلك جاء فهمي جدعان وردده بحذافيره حيث يقول جدعان في كتابه:
(ومما هو موضع نظر أيضاً القول في مقدار الضرر الذي ألحق بابن حنبل في المحنة فهنا أيضاً خلاف، إذ يذكر بعضهم أنه ضرب ثمانين سوطاً، ويذكر آخر أنه ضرب ستة وثلاثين، ويورد ثالث ثمانية وثلاثين سوطاً، ويشترط بعضهم فيتكلم على خمسين ومائة جلاد . . . ، وهذه على كل حال مسألة غير جليلة لكنها تدل بوضوح، ومن جديد، على أن محنة الإمام أحمد لم تكن جسيمة حقاً، وأن ما جرى له لا يتناسب إطلاقاً مع الضجة التي أثارتها وسائل الاتصال والبث الحنبلية)49.
وكرر جدعان في كتابه هذه الفكرة التي استعارها من «فان إس» في اتهام عائلة أحمد بن حنبل بعمل إعلامي في تضخيم المحنة، وأن كتاب السير السنين وسعوا ذلك بخيالهم لاحقاً، كما يقول جدعان مثلاً: (من الواضح أن أقرباء أحمد بن حنبل، صالح وحنبل على وجه الخصوص، هم الذين أفاضوا القول في محنة الإمام، وتوسعوا فيها، ثم جاء كتاب السير الحنابلة بعد ذلك ليفيضوا فيها على نحو مثير، بل خيالي)50.
ولاحظ مجدداً كيف يلبس جدعان نظارة المستكشف ويصوغ هذه النتائج بلغة من يخطو الخطوات الأولى في منجم مجهول!
وأما ما ذكره فان إس - والمستشرقون من بعده - في سبيل الاعتذار للمعتزلة وابن أبي دؤاد بأنهم كانوا يقومون بمهام عملهم! وإبراز «فان إس» لدور أبي يعقوب الشحام بهدف تلميع المعتزلة، كما سبق نقل نصوصهم، فقد أتى جدعان ونقل الفكرة بعلبتها ذاتها! كما يقول جدعان: (حالات أخرى لمعتزلة واقعيين، عملوا في خدمة السلطان بنزاهة وتجرد، والأرجح أن يكون مبدأ عملهم هو التسليم بالواقع القائم على علاته، والعمل من أجل أن يكون على أفضل صورة ممكنة، وهذا بلا شك حال أولئك المعتزلة الذين استخدمتهم الخلافة في الدواوين، وذلك بفضل ما عرف عنهم من تعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمثال البارز لحالة هؤلاء أبو يعقوب الشحام)51
ومن المحتمل أن يكون جدعان تنبه لأبي يعقوب الشحام عن طريق كتاب «فان إس» عن «إبستمولوجيا الإيجي» (١٩٦٦م)، لأن فاجدا (١٩٧٠م) كان قد انتقد جدعان بعدم الانتباه لهذا الكتاب أثناء نشر جدعان لأطروحته (١٩٦٨م)، كما سبق تفصيل ذلك، وكتاب «فان إس» هذا فصل فيه بعض أفكار أبي يعقوب الشحام52، وفاجدا سبق أصلاً أن نشر مراجعة تمييزية عالية (١٩٦٧م) لكتاب فان إس المذكور53، وخصوصاً أيضاً أن «فان إس» يحيل لكتابه هذا في أبحاثه اللاحقة54.
وأما ثناء المستشرقين على ابن أبي دؤاد وأنه شخص «ورع» و«أظهر تسامحاً وإنسانية» في امتحان الإمام أحمد كما سبق نقل نصوصهم! فجاء جدعان وأعاد إنتاجه بحروفه، حيث يقول جدعان عن ابن أبي دؤاد: (فهو فقيه حنفي ذو ورع)55، ويقول (والمدقق في وقائع المحنة يتبين بوضوح أن ابن أبي دؤاد كان يحاول دوماً التخفيف من حدتها)56.
وأما تتبع «فان إس» للشخصيات الكلامية المبكرة في كتب التراجم والأدب ونحوها في أبحاثه الكثيرة المتناثرة وعلاقتها بالسلطة العباسية، ومحاولة تلميع المعتزلة إما بنفي صفة الاعتزال عن من ارتبط بالسلطة بحجة أنه ثبت أنه مرجئ مثلاً، أو بإظهار أنهم موظفون ورعون يقومون بمهامهم؛ فقد جاء فهمي جدعان وعقد فصلاً لخص فيه كثيراً من ذلك، وهو الفصل الأول من كتابه، وقد قال عن وظيفة هذا الفصل:
(فصل أول: يجرد ما لم يتم تجريده من قبل، من أمر المعتزلة في علاقاتهم بالخلفاء الذين ارتقوا في كنفهم أو في ملكهم، من أجل التحقق من طبيعة هذه العلاقة، وتحقيق دعوى القول إنهم كانوا رجال الخلافة العباسية، أو أنهم لم يكونوا أولئك الرجال بالمرّة، أو لم يكونوهم إلا بشكل محدود)57.
وهذا في الحقيقة هم بحثي طاغٍ في دراسات «فان إس» عن هذه الحقبة منذ ربع قرن قبل ظهور ملخص فهمي جدعان، فعامة دراسات «فان إس» المتناثرة ذات الصلة بالموضوع هي دراسات تراجمية تتبعية لمتكلمي تلك الحقبة المبكرة، ومن ضمن ما يهتم به تلميع المعتزلة بنفي علاقاتهم بالسلطة قدر الإمكان كما سبق بيانه، ولكي يطلع القارئ بالعربية على نموذج لدراسات «فان إس» التراجمية التفصيلية عن شخصيات تلك الحقبة فيمكنه مراجعة بحث له بالعربية بعنوان «معبد الجهني» منشور في مجلة المجمع العلمي الدمشقي58.
وفي هذا الفصل استعرض فهمي جدعان (١٦) شخصية كلامية وهم: واصل بن عطاء، عمرو بن عبيد، ثمامة بن أشرس، أبو الهذيل العلاف، بشر بن المعتمر، أبو إسحاق النظام، أبو بكر الأصم، هشام الفوطي، أبو موسى المردار، الجاحظ، بشر المريسي، ابن أبي دؤاد، جعفر بن حرب، جعفر بن مبشر، أبو يعقوب الشحام، أبو يعلى زرقان.
وهذه الشخصيات الست عشرة كلهم بلا استثناء نشر عنهم «فان إس» تفاصيل بحثية مملة مزج فيها أفكارهم الكلامية وعلاقاتهم السياسية منذ الستينات والسبعينات والثمانينات الميلادية، وهؤلاء كلهم بلا استثناء طالعت بعض كلام «فان إس» عنهم في بحوثه التي سبقت الإشارة إليها، ومنها: ابن كلاب والمحنة (١٩٦٥م)59، ضرار بن عمرو والجهمية (١٩٦٧م)60، خطبة المردار (١٩٨٣م)61، أبو الهذيل (١٩٨٤م)62 تاريخ المعتزلة (١٩٨٤م)63، ونحوها مما سبقت الإشارة إلي.
ومن أوسع هذه الأبحاث من حيث كمية التفاصيل هو بحثه عن «ضرار» وأود التنويه مجدداً أن «فان إس» لديه مشكلة في اختيار العناوين لأبحاثه، فهو يضع لبحثه عنواناً باسم أحد الشخصيات ولكنه يدرج تفاصيل ترجمة كثيرة لغير الشخصية التي في العنوان، ولا أدري لماذا يستخدم هذه الطريقة الغريبة؟ ويشبه أن يكون الأمر هو مجرد عنوان «إجرائي» فقط لينشر تحته حصيلة المعلومات التي جمعها كل مرحلة.
والمراد أن هؤلاء الست عشرة شخصية كلهم التقط فهمي جدعان التفسيرات والشواهد الترجمة الأساسية عنهم من دراسات «فان إس» المشار إليها، وبطبيعة الحال لا يمكننا أن نضرب مثلاً لكل الشخصيات الكلامية التي بحثها «فان إس» ولخصها فهمي جدعان في هذا الفصل، فيمكن للقارئ أن يأخذ عينة فقط بمراجعة بحث ضرار بن عمرو لفان إس ويقارنه بالفصل الأول من كتاب فهمي جدعان ليرى كيف اجتاح جدعان الأفكار والشواهد التاريخية الرئيسية عن الشخصيات الكلامية لهذه الحقبة من بحوث «فان إس».
وأما اهتمام فان إس بإبراز أن يحيى بن أكثم السني هو رئيس القضاء عند المأمون، وأن ابن أبي دؤاد المعتزلي لم يتول رئاسة القضاء إلا في عهد المعتصم، فقد جاء فهمي جدعان ولخصها أيضاً بشواهدها التاريخية كما يقول جدعان:
(وأما رجل المأمون الأول فقد كان يحيى بن أكثم، قاضي قضاته …، وجميع المؤرخين يتفقون على أن دور ابن أبي دؤاد في المحنة يبدأ مع تقلده منصب قاضي القضاء في عهد المعتصم)، (ومعنى ذلك أن كل ما يقال عن علاقة ابن أبي دؤاد بالمحنة التي اصطنعها المأمون ينبغي أن يرد جملة وتفصيلاً)64.
والصانع الألماني الأول لهذه المغالطة وهو «فان إس» أجزم قطعاً أنه يدرك وجه التلاعب فيها، ولست متأكداً هل يدرك ذلك المستورد العربي فهمي جدعان أم لا؟ لكن دعنا نرجع المناقشة للفصل المكرس للمناقشات كما اتفقنا.
وأما إبراز «فان إس» لمصطلح «صوفية المعتزلة» ومركزة حضوره لبث الإيحاء بعدم علاقة المعتزلة بالسلطة المستبدة فقد كرره فهمي جدعان كقوله مثلاً (ومن المؤكد أنه كان من «صوفية المعتزلة» الذين كانت الهوة بينهم وبين السلطان سحيقة جداً)65.
وقد كان «فان إس» يرى في قول صوفية المعتزلة في «رفض وجوب الإمامة» نظيراً لفكرة «الأناركية» في الفلسفة السياسية (مجتمعات اللادولة) حتى أن المستشرقة باتريشا كرون أظهرت الاهتمام باستنتاج «فان إس» هذا ونوهت به وفحمت شأنه ووسعته66، وجاء جدعان وكرر نفس الاستنتاج من قول صوفية المعتزلة، ولكن -طبعاً- دون الإحالة لصاحب الفكرة67.
وأما بحث ماديلونغ (١٩٧٤م) الذي سلط الضوء فيه على القائلين بخلق القرآن في حقبة ما قبل المحنة (pre-mihna) فقد مضغه جدعان في كتابه (١٩٨٩م) وقال عن نفسه (لقد أبانت لنا مواضع سابقة من هذا البحث عن أن القول بخلق القرآن لم يكن هو ما يميز المعتزلة عند نهاية القرن الثاني/الثالث، وأن المعتزلة لم يبتدعوا القول بخلق القرآن)68
وأما بحث لايبوس (١٩٧٥م) عن الربط بين معارضة ابن حنبل، وبين حركة المطوّعة الخراسانية بقيادة الدريوش وسهل بن سلامة، تحت راية «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، كما سبق نقل نصه، وما ذكره «فان إس» (١٩٨٤م) من أن (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) صار يوفر لحركات المعارضة أداة سياسية أقرب للحكم الذاتي69؛ فقد أعاد فهمي جدعان إنتاج ذلك كله في التفسير السياسي للمحنة (١٩٨٩م) حيث يقول:
(ينبغي أن ننظر بجدية قصوى إلى الخطر المتعاظم لأهل الحديث والسنة منذ مطلع القرن الثاني…، كما أن علينا أن نربط بهذا التيار حركة «المطوّعة» التي أخذت على عاتقها منذ السنوات الأولى لخلافة المأمون أن تقف في وجه الفساد، وأن تجعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مسوغ وجودها الأساسي)70.
وهكذا يقول جدعان عن المحتوى السياسي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: (ولم يكن «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» بالأداة الحيادية، فخطورته الكبرى تكمن في أنه يحوّل الديني إلى سياسي، وبسبب ما يقوم عليه الأمر بالمعروف من إثبات سلطنة وولاية على المحكوم عليه)71.
وهكذا يسير فهمي جدعان صفحة صفحة يلخص من أبحاث «فان إس» وبعض من أعقبه من المستشرقين، ويضيف لها بعض الشروحات والنقول، ثم وبكل برودة قلم يصف فهمي جدعان عمله هذا بأنه ابتكار وابتداع لم يسبقه إليه أحد! كما يقول جدعان (وقد أوضحت مرة واحدة تقريبًا عن المقاصد البعيدة لهذا النظر «الابتداعي» في محنة خلق القرآن)72، ووصف نفسه بقوله: (إنني أسير تمامًا في الاتجاه المعاكس لمجرى التيار)73.
بل لقد رأى جدعان في نفسه بعد هذا التلخيص منخفض الكلفة صاحب مذهب جديد في العلم! كما يقول عن نفسه: (وغاية مطمح البصر والنفس بعد ذلك كله، أن يكون هذا الذي بذلته من وسع… مذهبًا جديدًا في النظر إلى مادة التراث)74.
بكل صراحة لقد شعرت بالحرج وأنا أقرأ هذا التمدح والتزيد ووصف المؤلف لتلخيصه بأنه ابتكار لم يسبقه إليه أحد، وأنه مذهب جديد! كيف ينظر المرء لنفسه بالاحترام وهو يعلم أنه قد سطا على أبحاث الآخرين، ووصف نفسه بأنه مكتشفها الأول؟
حتى لو كان القارئ المفترض لم يطلع على عملية السطو لأنها تمت بعيدًا عنه في أحد ليالي توبنجن فأين احترام المرء لنفسه؟
حسنًا، هاهنا سؤال منهجي يجب طرحه: هل غيب فهمي جدعان ذكر «فان إس» في كتابه البتة؟ أم صرح بوضوح بأنه نقل عنه فكرته وشواهده التاريخية؟ أم سلك جدعان طريقًا ثالثًا ياترى؟
الحقيقة أن فهمي جدعان استعمل استراتيجية شائعة لدى محترفي السطو على الأبحاث، وهو شكر المسروق منه في غير موضع السرقة، بمعنى الثناء على المسروق منه بشأن فكرة أو معلومة ليست هي الفكرة أو المعلومة المسروقة، فبذلك يظهر أمام المسروق منه أنه شكره ولم يجحده، وبنفس الوقت يظهر أمام القارئ أنه صاحب الفكرة أو المعلومة المسروقة، هذه استراتيجية يسير عليها بعض المؤلفين، وقد طبقها فهمي جدعان في كتابه هذا.
ففي مقدمة الكتاب صرح فهمي جدعان بشكر «فان إس»
ولكن ليتأمل القارئ طريقة ونمط شكر جدعان له: (ومع أن الأسباب في إعداد هذا البحث وإنجازه قد تعددت، إلا أنه يدين بفضل خاص للصديق العزيز الأستاذ «يوسف فان إس» الذي أفرغ الوسع في تيسير إقامتي وعملي بمدينة توبنجن وجامعتها، وقد كان لملاحظات الصديق «فان إس»
ولما زودني به من مصادر ونصوص، يدّ طيبة في شد أزر هذا البحث) (1).
فماذا يفهم القارئ من هذا الشكر؟ يفهم منه أن فان إس قدم خدمات اجتماعية في الفندق والجامعة، وأعطى جدعان بعض الكتب! ويستحيل أن يفهم القارئ من هذا الشكر أن الكتاب بقضه وقضيضه هو تلخيص وشرح لأبحاث فان إس عن المعتزلة والمحنة! ولذلك فإن كل المثقفين المحليين الذين أعرفهم والذين قرؤوا كتاب جدعان لم يخطر ببالهم أن جدعان يقصد بهذا الشكر كشف مصدره في فكرة الكتاب وشواهده التاريخية.
وهكذا أيضًا أثنى جدعان ثناءً عامًا على كتب وأبحاث «فان إس» في مطلع الكتاب حيث يقول: (أما أعمال «يوسف فان إس» فإنها زاخرة بقضايا علم الكلام، وهي عمدة في أصالتها ونفاذها) (2).
ولكن جدعان بهذا الشكر العام لـ «فان إس» يظهر أمام فان إس وكأنه لم يجحده حقه، ويظهر أمام القراء وكأنه صاحب الفكرة، وهذا بفضل استراتيجية «شكر المسروق منه في غير موضع السرقة».
وهذا الأسلوب -أعني شكر المسروق منه في غير موضع السرقة- هو كما سبقت الإشارة أسلوب شائع بين المتخصصين في تلخيص أبحاث الآخرين، ويستفيدون به فائدة مزدوجة: أن يضعوا في فم المؤلف المسروق منه لعاعة ثناء يسكتوه بها، ويوهمون القراء بأن المادة المسروقة مادتهم.
والحقيقة أن هذه الحيلة الطريقة تقبلها «فان إس» بإغضاء المبشر، فإنه لما رأى هذا الإطراء الذي سكبه جدعان موجهاً له، فتح هامشاً في موسوعته وقابل الثناء بالثناء75.
ومن المفهوم جداً أن يسكت «فان إس» عن هذا الاجتياح الجعداني لأبحاثه في المحنة، ذلك أن المعهود عن المستشرقين أنهم يفرقون بين (المنافس) و(وكيل التوزيع)، فالمنافس هو زميلهم المستشرق الذي يزاحمهم على الحضور في الداخل الغربي، فلذلك لا يرضى المستشرق أن يقوم مستشرق آخر بأخذ فكرته دون عزو، وأما العرب فالمستشرقون يتعاملون معهم باعتبارهم (وكلاء توزيع) خارجيين، لذلك لا يزعجهم أن يأخذ أحد العرب أفكارهم ويروجها حتى ولو لم ينسبها لهم، بل ربما فرحوا بذلك وعدوه نجاحاً في اختراق أفكارهم لعالم الإسلام ونظروا إليه ببريق عيون المبشر.
ولكن قد يقول قائل إنه من المحتمل أن يكون فهمي جدعان من الاتجاه البحثي المتسامح في ذكر المصادر والموارد، وأنه يرى أن الشكر المجمل لفان إس كافٍ في بيان مصدريته الكاملة، وهذا سؤال موضوعي أيضاً، ولكي نجيب عنه دعنا ننتقل للمشهد التالي بعد صدور الكتاب وكيف تعامل فهمي جدعان مع من نقل من كتابه وشكره.
بعد صدور هذا الكتاب المقرصن لفهمي جدعان بسنيات، قام محمد عابد الجابري عام (١٩٩٥م) وكتب سلسلة مقالات في صحيفة الشرق الأوسط عن (محنة أحمد بن حنبل)، وأشار فيها إلى أنه سيأخذ من النصوص التاريخية التي جمعها جدعان في كتابه وسيقدم تحليلات سياسية إضافية لدوافع المحنة، وكما هو معروف جمع الجابري مقالاته هذه إلى مقالات أخرى وأودعها كتابه (المثقفون في الحضارة العربية: محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد)، حيث يقول الجابري مبيناً مصدره وهدفه:
(أما نحن الذين استفدنا من دراسة الصديق فهمي جدعان، وبكيفية خاصة من النصوص الكثيرة والمفيدة التي حشدها في كتابه، فإننا لا نريد أن نكرر ما حققه … وإنما نريد تفسير هذه المحنة بما يجعلها معقولة بالكشف عن أسبابها وتعرية ملابساتها)76.
حسنًا، لنسجل الآن أن الجابري يعترف بكل وضوح أنه سينقل النصوص التاريخية من كتاب جدعان، ولم يتستر على مصدره الذي نقل عنه، ويريد فقط أن يضيف المزيد من التفسيرات السياسية للحادثة.
فماذا صنع فهمي جدعان؟ لقد طار صواب جدعان، وأطلق عبارات نارية، واعتبر هذه سرقة صلعاء، ودعا لقيام هيئة تحكيم فكرية عربية للنظر في مظلمته التاريخية! ففي حوار أجرته صحيفة الشرق الأوسط في ذات اللحظة الزمنية يقول فهمي جدعان:
(حين اطلعت على مقالات صديقي الجابري؛ شعرت بخيبة أمل كبيرة، وبدشة هي أقرب للذهول، فأنا لم ألف من قبل في الدوائر العلمية الجادة، باحثاً علمياً يسوق بكافة التفاصيل نتائج عمل ضخم قام به باحث غيره، دون أن يشير إليه إلا إشارة عابرة، يزعم فيها مع ذلك أنه يقصد إلى شيء آخر، برغم أن ذلك الباحث الآخر قد غرق من قمة رأسه إلى أخمص قدميه في تمحيص القصد نفسه … لقد ساق الجابري وقائع المحنة وجملة متعلقاتها التاريخية من الكتاب نفسه حذو النعل بالنعل … ونسب إلى نفسه أنه ينشد البحث عن المعقولية السياسية للواقعة، وكان الكتاب كله لم يكن جرياً وراء هذه المعقولية السياسية! وأنا أدع أمر هذا الجانب للنقاد المحترفين، لكي يتبينوا ببداهة مطلقة أن المعقولية السياسية التي اعتقد الجابري أنه عثر عليها وحده؛ ماثلة بجلاء كامل في فصول الكتاب … أجدني مضطراً إلى القول أن القسم الخاص بمحنة أحمد بن حنبل من مقالات الصديق الجابري ليس إلا تلاخيص وحواشي على كتاب المحنة)77.
في هذه اللطمية التراجيدية يقول جدعان أن إشارة الجابري إليه لا تكفي ما دام أن مقالات الجابري عن المحنة هي تلاخيص وحواشي على كتاب جدعان!
ولكن ما الذي صنعه الجابري مع كتاب جدعان، ولم يصنعه جدعان مع أبحاث فان إس؟! ليس في واقعتين مختلفتين، بل في ذات الواقعة، استعمل جدعان ضد الجابري أغلظ الشروط الأكاديمية في العزو البحثي، واستعمل لنفسه في علاقته بـ «فان إس»
أيسر الشروط الصحفية في التغاضي عن مصدر المعلومة!
حسنًا، دعنا ننزع التقابل هاهنا بين (الجابري-جدعان) ونضع التقابل بين (جدعان-فان إس) فلن يختلف شيء، وهذه البكائية الملحمية المتفجعة ذاتها التي وجهها جدعان للجابري نستطيع أن نوجهها هي ذاتها تمامًا إلى جدعان، فنقول له نظير ما قاله للجابري:
إننا لم نألف في الدوائر العلمية الجادة أن يأتي فهمي جدعان ويسوق بكافة التفاصيل نتائج عمل ضخم قام به «فان إس» دون أن يشير إليه إلا إشارة عابرة، ويزعم جدعان أنه يقصد إلى تحقيق شيء آخر برغم أن «فان إس» غارق من قمة رأسه إلى أخمص قدميه في تحصيل القصد نفسه! لقد ساق جدعان وقائع المحنة ومتعلقاتها التاريخية من أبحاث «فان إس» نفسه حذو النعل بالنعل! وليس كتاب جدعان إلا تلاخيص وحواشي على كتاب فان إس.
هل لاحظت أنه تغير شيء؟! أبدًا، نفس ما قاله جدعان للجابري، يمكن أن يقال لجدعان بالنسبة لأبحاث فان إس، بل إن ما صنعه الجابري من الاعتراف الصريح بمصدرية جدعان في المادة التاريخية، أحسن بكثير من إشارة جدعان لفان إس حول تيسير الإقامة في توبنجن!
وحينما قرأت حوار جدعان هذا المنشور في صحيفة الشرق الأوسط (١٩٩٥م) والمعاد نشره في كتاب العلمانية للعميم؛ وجدت جدعان في سياق تبجيل وإطراء كتابه يتمدح بأن المستشرقين قدموا عروضاً لكتابه في مجلاتهم كما يقول جدعان في حواره المشار إليه:
(فقد وجد كتاب المحنة طريقه إلى المكتبات الكبرى، وظهرت له مراجعات باللغات الأوروبية، وقدّم دانييل جيماريه عرضاً وتحليلاً طويلين له في الحولية الفرنسية «المجلة النقدية للدراسات الإسلامية»78).
والحقيقة أنني حين قرأت هذه المعلومة قلت في نفسي: ربما أن جيماريه رأى في الكتاب ما لم أره؟ لكن جيماريه ليس أجنبياً عن هذا الحقل فهو متخصص في علم الكلام، فهل يعقل أن يكون جيماريه لم يتنبه للمورد الذي ابتلع منه جدعان المادة؟
فقررت العودة لمراجعة جيماريه لكتاب المحنة في المجلة المذكورة، ولما قرأتها كم تفاجأت إذ وجدت جيماريه يقول: (ولكن هذه أيضاً، كما نعرف، هي وجهة نظر «فان إس» في كتابه عن تاريخ المعتزلة المنشور عام ١٩٨٤م باريس)79. فهذه هي المراجعة التي يتردد بها جدعان، وهي ذاتها تكشف أن كتابه يعيد تصنيع أطروحة «فان إس»!
قبل أن ننقل عن هذه المرحلة لعل القارئ يتذكر أن رضوان السيد، تلميذ فان إس، وصديق فهمي جدعان، كان هو من شرح لصديقه جدعان فكرة «فان إس» في تبرئة المعتزلة من عار المحنة، فماذا كان موقف رضوان السيد بعد صدور كتاب جدعان الذي اختلس فكرة الأستاذ؟
الحقيقة أن رضوان السيد أثنى على جهد صاحبه فهمي جدعان، بحسب موجبات الصداقة طبعاً، لكنه ما استطاع أن يسكت عن تكرار الإشارة -في بداية كلامه وخاتمته- إلى أن هذه الفكرة هي فكرة أستاذه «فان إس»! حيث يقول رضوان السيد عندما سئل عن كتاب جدعان في حوار صحفي معه:
(فهمي جدعان بعمله الدؤوب، وطوال عدة سنوات، وبجهده الخاص، وبمناقشاته الكثيرة مع أستاذي «فان إس»، الذي أصدر أيضاً عملاً يعني بمحيط المحنة، استطاع أن ينجز بقدرته التركيبية والتحليلية، كتاباً مقنعاً، يهدم عدة مسلمات، فأثبت أن المعتزلة لم يكونوا مجمعين على مسألة خلق القرآن، وأن منهم فئات كثيرة كانت ضد المأمون، وهذا يعني أنهم لم يكونوا مسؤولين عن المحنة، وبرأيي أن أستاذي «فان إس» أثبت الشيء نفسه)80.
حسنًا، فهمنا من رضوان السيد أن جدعان له جهد رائع، لكن الفكرة هي من كتب «فان إس»، ومن مناقشة «فان إس» نفسه مشافهة! إذن يبدو أن الجهد الرائع المقصود هو جهد التلخيص والشرح.
والحقيقة أن هناك عنصر كاشف في كتاب المحنة لجدعان، لو تأمله القارئ لأدرك فورًا إشكالية علاقة المؤلف بالكتاب، فالمصادر التاريخية والكلامية التي اعتمد عليها فان إس في جمع المادة حول المعتزلة لم يكن لجدعان صلة بها في كل كتبه، سواء التي سبقت كتاب المحنة مثل كتب «أسس التقدم» أو التي لحقته مثل كتاب «الماضي في الحاضر» و«الطريق إلى المستقبل» و«الخلاص النهائي»، ونحوها، فكل كتب جدعان يعتمد فيها على مصادر محدودة ومشهورة، ولا يعرف له في كتبه خروج غريب عن المشهور في التحليلات أو في مصادر البحث، فالقارئ المدقق يتساءل فورًا لماذا كتاب المحنة بالذات ذو طبيعة مختلفة وفيه مصادر وتحليلات غريبة؟! وهذا بخلاف «فان إس» فإنه منذ الستينات وإلى البارحة وهو يكرر الدوران حول مصادره هذه وأي مصدر في تلك الحقبة التاريخية.
بعد هذا التطواف بلغنا الآن السؤال الأخير في هذه القصة:
كيف وصلت استشراقيات المحنة إلى الداخل المحلي؟
يعرف الراصد لتاريخ الفكر المحلي أن المجتمع السعودي مر بتحولات فكرية مرتبطة بأحداث الجهاد الأفغاني، ثم حرب الخليج الثانية، ثم الظروف العالمية للحرب على الإرهاب بعد أحداث أيلول، وفي لحظات الظروف الصعبة وقع الانفتاح المفاجئ على تركة المدرسة الحداثية في تأويل التراث، إذ هي تقدم مسوغات للتنصل من التراث باسم التراث، ولاحظ المجتمع المحلي حينها صعود ظاهرة شبابية جديدة ذات خلفية إسلامية سابقة تكتب في قضايا التراث بطريقة الحداثيين العرب، متأثرة بكتابات الجابري وفهمي جدعان ونحوهم، دون استيعاب بمواردها الاستشراقية.
وسأذكر نموذجًا محليًا على الانفعال والتأثر بكتاب المحنة لجدعان، حيث يقول أحد الصحفيين السعوديين في صحيفة الرياض في العام ٢٠٠٣م:
(وبعدها بأيام -في صيف ١٩٩٤م- كنت أتجول في مكتبة العبيكان، فلفت انتباهي كميات كبيرة من كتاب «المحنة» للمفكر الفلسطيني فهمي جدعان، كان الكتاب لي انعطافة جديدة، أدركت وقتها أنني أدخل طورًا آخر)81.
وفي وسيلة إعلامية أخرى يشرح نفس الكاتب ذات الحادثة، ولكن بتفصيل أكثر، وبقالب بلاغي جيد، يصور الأحاسيس الداخلية لهذا الانقلاب بسبب مثل هذه الكتب ويهمنا كراصدين لهذه التحولات، حيث يقول ذات الكاتب:
(قمت بزيارة مكتبة العبيكان في مركزها الرئيسي على طريق الملك فهد في الرياض، فلاح لي من بين الكتب المعروضة عند مدخل المكتبة كتاب «المحنة: بحث في جدلية الديني والسياسي في الإسلام» للمفكر الأردني فهمي جدعان، تصفحت الكتاب بشكل سريع فقررت أن أشربه، وقضيت يومين أقرأ الكتاب في منزل صغير كنت قد استأجرته حديثاً بهوطان جنوب شرق بريدة. كان ذلك الكتاب أكبر انقلاب حدث في حياتي، لقد أحدث زلزالاً هزني من الأعماق، وبقيت أفكاره تُعمل أثرها لفترة طويلة. في ذلك العام قرأت كتباً أخرى للجابري وغيره، ولكن التأثير الأكبر كان لكتاب المحنة، في أكثر من اجتماع مع زملائي وأصدقائي في العامين ١٤١٥-١٤١٦هـ كنت ألمح كثيراً إلى تلك الأفكار بطريقة غير مباشرة، كنت أكشف عنها بشكل تدريجي، وحينما ألامس تخوم المنطقة المحرمة كان صديق لي يشير إلي أو يقرصني بيده ليحثني على التوقف، كان خائفاً من ردة الفعل أو من عبارة تنقل على غير وجهها وأدفع ثمنها غالباً)82.
وربما لاحظ القارئ أنني أغفلت اسم الكاتب، وهذا مقصود فعلاً، لأن الهدف هاهنا لا يتعلق بشخص الكاتب، وإنما حاجتنا لشواهد فعلية محسوسة تتبع من خلالها رحلة استشراقيات المحنة من توبنجن إلى أرياف نجد، عبر الوسيط الحداثي العربي.
وقد وصلنا الآن إلى نهاية هذه القصة لاستشراقيات المحنة، منذ باتون، ومرورًا بالمفبرك الأكبر «فان إس»، والمستورد العربي فهمي جدعان، وانتهاء بالمستهلك النهائي في الصحافة السعودية.
والغاية الأساسية من هذا الاستعراض هو التتبع التاريخي وفهم نمط هجرة الأفكار الاستشراقية في علب حداثية عربية وطريقة تناولها والتهامها محليًا، وها أنت -رحمك الله- قد رأيت أننا ما إن هززنا حقائب الحداثيين حتى تناثرت علينا من باطنها غليونات المستشرقين.
وأما المناقشة الموضوعية لهذه المضامين فليست غرضنا الأساس هنا، وإنما هدفنا رصد علاقات الاستمداد بين الحداثيين العرب والمستشرقين، ولكننا مع ذلك نحتاج فعلًا أن نسلط بعض الضوء على الثغرات والتصدعات العلمية في هذه الأطروحة، وهذا ما ستعرض له في الفصل القادم المكرس للمناقشات بإذن الله.
الفصل الثالث: ثغرات استشراقيات المحنة
يبدو أنه من غير الممكن هاهنا أن نعقب على كل ما ذكره المستشرقون وشراحهم العرب بشأن تاريخ محنة الإمام أحمد بن حنبل، ولكننا سنضع على المشرحة بعض العظام الهشة في هذه الأطروحة التي تكشف أنها أطروحة غير قادرة على الجري في مضمار العلم، وسنرتب المناقشة في هذا الفصل طبقاً للأركان الثلاثة للأطروحة الفاتسية وذيلها الاستشراقية: تبرئة المعتزلة من عار المحنة، وتقزيم بسالة الإمام أحمد، وتسييس محركات المحنة.
- المرافعة عن المعتزلة بروح حقبة معاكسة:
نواة الخلل لدى المستشرقين في محاولتهم تبرئة المعتزلة من مسؤولية المحنة أن المستشرقين وشراحهم العرب فكروا بطريقة مقلوبة، فهم فكروا في مرحلة تاريخية بمزاج مرحلة تاريخية أخرى، ذلك أن «فان إس» ومن تبعه من المستشرقين وشراحهم العرب تشكّل وعيهم وتكونت معاييرهم في هذا العصر الليبرالي الذي أصبح فيه فرض العقيدة بالقوة مستبشع، ولذلك حاولوا النأي بالمعتزلة عن المشاركة في الامتحان بخلق القرآن.
وهل يعيننا نحن أن يكون المعتزلة شاركوا في مؤسسة المحنة أم لم يشاركوا؟ لا، قطعًا، فالذي يعيننا فقط هو أن نثبت الواقع تاريخي كما وقع، لا كما نحب أن يكون قد وقع، وأما مسألة ضلال عقيدة المعتزلة فهي مسألة منفصلة عن كونهم شاركوا في المحنة أم لم يشاركوا، فالخوارج مثلًا هم طائفة ضالة بالنصوص الشرعية الثابتة فيهم، وهم لم يشاركوا في المحنة، ولذلك فنحن غير متلهفين أصلًا لإثبات ضلوع المعتزلة في مؤامرة المحنة، لأن الخلل في عقيدة المعتزلة مرتبط بالمناقشة الموضوعية لأفكارهم التي قدم أهل السنة فيها دراسات رصينة مبكرة.
حسنًا، إذا كان لا يعيننا أن نثبت ولا أن ننفي ركوب المعتزلة لجهاز المحنة، وإنما يعيننا فقط أن نثبت الواقع التاريخي كما وقع، فما هو الذي وقع فعلًا؟ وما مدى دقة الأطروحة الاستشراقية وشرحها العربي في تبرئة المعتزلة من عار المحنة؟
الحقيقة أن المعتزلة أصلًا لا يفكرون بهذه الطريقة ولا بهذه الروح الليبرالية التي يفكر بها المستشرقون، ولا يرى المعتزلة المحنة عارًا ينبغي التخلص منه، ولا يعتبرون حملهم الناس على خلق القرآن منقصة ينبغي ترقيعها إعلاميًا، بل يعتبر المعتزلة المحنة من مفاخرهم، وأنهم حملوا الناس على الحق وأنقذوهم من التشبيه والتجسيم بالقوة! وربما لو اطلع المعتزلة الأوائل على ما صنعه المستشرقون وشراحهم العرب بتاريخهم لتغيظوا لتجريدهم من شرف إقامة الدين بالقوة كما يرونه، وسنستعرض سويًا بعض الحبيبات التي تؤكد ذلك.
- اعتبار المعتزلة أنفسهم جزءًا من مؤسسة المحنة:
فهذا أبو عثمان الجاحظ (ت ٢٥٥هـ)، وهو معدود عند المعتزلة من رؤوسهم الكبار، حيث عدّه أبو القاسم البلخي المعتزلي (ت ٣١٩هـ) من طبقة أرباب المذاهب ومؤلفي الكتب(١)، وعدّه القاضي عبد الجبار المعتزلي (ت ٤١٥هـ) وابن المرتضى (ت ٨٤٠هـ) من رؤوس الطبقة السابعة من المعتزلة(٢).
وفي الدليل الذي صممه أبو عبد الله الخوارزمي (ت ٣٨٧هـ) لرسم خريطة المعرفة في عصره عقد مبحثًا لمدرسة المعتزلة، وذكر أنهم ست فرق فرعية، وقال (الفرقة السادسة: الجاحظية، أصحاب عمرو بن بحر الجاحظ)83، وصنف أبو حيان التوحيدي (ت ٤١٤هـ) أحد المعتزلة بأنه (جاحظي)84.
وهذا يعني أن وزن الجاحظ داخل مدرسة المعتزلة ليس هامشياً، وأنه بسبب لغته الأدبية الشعبية يمكن اعتباره «المتحدث الإعلامي» لمدرسة المعتزلة، يضاف إلى هذه الاعتبارات أن الجاحظ أدرك وعاصر خلفاء المحنة الثلاثة (المأمون، المعتصم، الواثق). وهذه الاعتبارات السابقة ليس المقصود منها بطبيعة الحال تزكية الجاحظ كمصدر موثوق، فهذا له موضع آخر، وإنما المقصود فحص مدى اعتبار شهادة الجاحظ على فرقته شهادة ذات وزن تمثيلي دالّ.
حسنًا، هذا الجاحظ حين تعرض لواقعة المحنة حملت عباراته لغة انتماء في غاية الخطورة، فلم يكن ينظر لنفسه وفرقته المعتزلة باعتبارهم طرفًا خارجيًا مراقبًا، بل كان ينظر لنفسه وفرقته على أنهم «جزء» من السلطة العباسية التي دشنت المحنة، فكان يتكلم بلغة «نحن» المعتزلة الممتحنون، و«أنتم» أهل الحديث الذي وقع عليكم الامتحان.
ففي رسالته عن «خلق القرآن» لاحظ كيف يخاطب الجاحظ أهل الحديث بقوله بلغة الذات العباسية: (ونحن لم نكفر إلا من أوسعناه حجة، ولم نمتحن إلا أهل التهمة)85.
هكذا إذاً، الجاحظ يقول «نحن الذين امتحناكم» لكن يبرر أن الامتحان في خلق القرآن لم يكن إلا للمتهمين فقط بأنهم يقولون بخلاف ذلك!
ويستمر الجاحظ في رسالته في «خلق القرآن» في مخاطبة أهل الحديث من مربع مؤسسة المحنة، فحين عرض مجادلة ابن أبي دؤاد للإمام أحمد ثم ضرب المعتصم للإمام أحمد عقب المجادلة، قال الجاحظ (وأية حجة لكم في امتحاننا إياكم، وفي إكفارنا لكم)86.
هكذا بكل وضوح يوصل الجاحظ رسالته مفتخرًا بأننا نحن المعتزلة كفرناكم وامتحناكم، لكن لا حجة لكم يا أهل الحديث، لأنكم تستحقون ذلك!
وآخر جملة يختم بها الجاحظ رسالته في خلق القرآن -بحسب ما وصلنا منها- هو الاستقواء الفاضح بالسلطة على سياسة العصا والجزرة، فيستعمل ذراع السلطة في الترغيب والترهيب فيقول (والنابذة اليوم في التشبيه مع الرافضة، وهم دائبون في التألم من المعتزلة، غدرهم كثير، ونصبهم شديد، إلا أن معك أمران: السلطان، وميلهم إليه، وخوفهم منه)87.
وفي رسالة في «نفي التشبيه» التي بعثها الجاحظ لابن أبي دؤاد الابن، وهو أيضًا معتزلي كأبيه كما سيأتي، كان الجاحظ يحرضه ويسوّل له الشدة على أهل الحديث باعتبارهم مشبّهة، ويحذره من التهاون معهم، ويتحدث الجاحظ -أيضاً- باعتبار أن الدولة الآن للمعتزلة فكيف نعطي الدنية لأهل الحديث! حيث يقول الجاحظ مخاطباً ابن أبي دؤاد الابن: (كيف صاروا في باطلهم أيام قدرتهم، أقوى منا في حقنا أيام قدرتنا)88.
لنسجل الآن أن الجاحظ، المتحدث الإعلامي باسم المعتزلة، يرى حقبة المعتصم أنها أيام «قدرة المعتزلة» وأنهم يجب أن لا يتهاونون فيها مع أهل الحديث! ولنضع هذه اللغة الاستعلائية المتسلطة التي يتحدث بها الجاحظ عن مرحلة المحنة إزاء الدفوع الاستشراقية المستبطنة لروح الحرية الليبرالية، لتتضح لنا أزمة المحامي الذي لم يفهم موكله!
- تتلمذ خلفاء المحنة على مقاعد المعتزلة:
المطلع على تاريخ المعتزلة من مصادرهم ذاتها يكاد يجزم أن أهم شخصية اعتزالية حصدت الجاه الكلامي بينهم هو أبو الهذيل العلاف (131-231هـ)، فالعلاف بالنسبة للمعتزلة هو مركز الدائرة الفعلي، حتى أن أبا علي الجبائي قال عنه (هذا الذي ابتدأ الكلام والناس احتذوه)89.
وحين أراد ابن المرتضى مدح أبي علي الجبائي ذكر عبارة تكشف فعلاً مركزية أبي الهذيل في الفكر الاعتزالي، حيث قال ابن المرتضى (أبو علي الجبائي…، لم يتفق لأحد من إذعان سائر طبقات المعتزلة له بالتقدم والرئاسة بعد أبي الهذيل مثله)90.
وظاهر في هذه العبارة أن أقوى من أذعنت له طبقات المعتزلة هو أبو الهذيل، وهذا الثناء جاء في غير موضع الترجمة لأبي الهذيل، فهو أبعد عن تهمة محاباة المناقبين في التقييم.
بل كان المعتزلة يندفعون في إطلاق عبارات التبجيل لأبي الهذيل كقولهم (ما كان في الدنيا بعد الصحابة أعظم من أبي الهذيل، إلا من أخذ عنه كواصل وعمرو)91.
وكان ثمامة بن أشرس المتكلم المقرب من المأمون، لا يقوم لأحد في مجلس المأمون، حتى كبار الوزراء كظاهر بن الحسين، إلا إذا دخل أبو الهذيل فيقوم ويستقبله ويمشي معه حتى يجلس، وكان المأمون يتعجب من ذلك(3).
ومسألتا (القيام للداخل) و(النداء بالكنية لا بالاسم المجرد) هما من أهم الدلالات الرمزية للجاه والمنزلة عند المعتزلة، وقد تكررت لها نظائر في كتب التراجم عندهم، ويبدو أنها مستمدة من العرف الاجتماعي لا خصوصية أيديولوجية.
والمناظرات المنقولة عن أبي الهذيل توحي بأنه أول من يعج (ضرب الأمثال في المحسوسات والمعقولات) وتوسع فيها على طريقة إلزام الخصوم وإفحامهم، مثل الحصاة والريشة، والسفرجلة، والذرة والنمل، والهيئة والخضاب، ونحوها، وهذه الأمثال الحسية المضروبة التي ينقض بها بعضهم على بعض قد يراها القارئ المعاصر أمثلة ساذجة، لكن المعتزلة يفخمون شأنها، حتى تراهم يقولون مثلاً (فألزمه أبو الهذيل مسألة الذرة والنمل، وهو أول من استنبطها)92.
ومثل هذا الأسلوب في الحجاج والإلزام بالأمثلة المصنوعة والذي يعجه العلاف في القرن الثاني، لاحظنا كيف تضخم في الكتب الاعتزالية المتأخرة، كما نجد ذلك مثلاً عند القاضي عبد الجبار في القرن الخامس، ومن أمثلة ذلك: الألم الزائد عند لسع الزنبور، والتوأمان إذا ولدا معاً، وحركة المرتعش، والمشية العرجاء في إنقاذ محبوس، شهوة الطين والجبن93، ونحوها كثير في كتبه وهي شاهدة على نمط التفكير الاعتزالي في عصره.
وليس المقصود طبعاً أن أبا الهذيل هو من ابتكر هذا الأسلوب، وإنما المقصود أن أبا الهذيل أول من يعجه وأفرط في استعماله، ويمكن تشبيه هذا الدور العلافي في المعتزلة بدور الحضرمي في علم النحو، فابن أبي إسحاق الحضرمي هو شيخ شيوخ سيبويه، ويذكر ابن سلام عنه أنه أول من توسع في القياس والتعليل النحوي، كما يقول (ثم كان من بعدهم عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي، وكان أول من يعج النحو ومد القياس وشرح العلل)94.
ومن المحتمل -أيضاً- أن يكون أبو الهذيل أول من توسع في توظيف كتب الفلسفة اليونانية لتقديم صيغة وسند فلسفي وعقلي منظم للفكر الاعتزالي، والخبر الذي يرويه المعتزلة أن النظام ذهب وقرأ كتب الفلسفة ثم لما رجع ليبهر أبا الهذيل تفاجأ بأنه يعرفها95، يزودنا بمؤشرات أولية على هذه العلاقة، بل إن أبا الحسن الأشعري، وهو أخبر المقالاتين بتفاصيل المعتزلة وفروقها، يصرح في مسألة «الصفة هي الموصوف» بقوله (وهذا أخذه أبو الهذيل عن أرسطاطاليس)96.
وفي تفسير هذه المركزية الهذيلة في المعتزلة لا يمكن تجاهل عامل الفرصة العمرية التي تمتع بها أبو الهذيل حيث عاش فوق مائة سنة في نشاط تعبوي لا يكل عن بث المذهب ومناظرة المخالفين، وهذا محدد ليس من الدقيق إهداره في تحليل عوامل محورية أبي الهذيل في مدرسة المعتزلة.
حسنًا، هذه الشخصية التي تمثل ملتقى خطوط المعتزلة، أين كان موقعها بين خلفاء المحنة؟ الواقع أن أبا الهذيل العلاف فاتح باب الكلام الاعتزالي وموظّد جدلياته هو أستاذ خلفاء المحنة الثلاثة: المأمون والمعتصم والواثق.
في مصدر متقدم عاش صاحبه في نفس الحقبة التي تأملها الآن وهو المؤرخ الدينوري (ت ٢٨٢هـ)، يتحدث المؤلف عن المؤهلات الكلامية للمأمون فيقول: (وكان -المأمون- نجم ولد العباس في العلم والحكمة، وقد كان أخذ من جميع العلوم بقسط، وعقد المجالس في خلافته للمناظرة في الأديان والمقالات، وكان أستاذه فيها أبا الهذيل محمد بن الهذيل العلاف)97.
هذا يعني أن المأمون تلقى الاعتزال من منبع أساسي وهو أبو الهذيل العلاف، وهذه رواية مؤرخ عاصر المرحلة وهو معجب بالمأمون، وليست رواية خصم، وما ذكره الدينوري اعتمده المؤرخون والأدباء المتأخرون98.
ولا يتوقف الأمر عند تتلمذ المأمون على أبي الهذيل، بل تناقل المعتزلة بيتًا من الشعر يعظم فيه المأمون أستاذه، وأنه فاق الجميع، فقد نقل المعتزلة عن المأمون قوله:
أطل أبو الهذيل على الكلام كإطلال الغمام على الأنام (1)
ويبدو مما نقله القاضي عبد الجبار في بعض كتبه الأخرى أن المأمون كان ينظر إلى أبي الهذيل باعتباره كبير المناظرين، فيستدعيه في المهمات الجدلية الخاصة (2)، وأظن الذي أدهش المأمون في شخصية أبي الهذيل هو كثرة محفوظاته الأدبية وسرعة بديهته في الاستشهاد بها، والمأمون معروف بحبه للأدب، فقد نقل المعتزلة عن المبرد أنه قال (كان أبو الهذيل أحسن مناظرة، شهدته في مجلس، وقد استشهد في جملة كلام بثلاثمائة بيت) (3).
وأما الواثق، فقد ذكر المعتزلة أيضًا أنه تتلمذ على أبي الهذيل، كما قالوا في ترجمته (وكان أخذ الكلام عن أبي الهذيل) (4)، وبسبب علاقة التلمذة هذه، فإن أبا الهذيل لما مات جلس الواثق لتلقي العزاء! كما ذكروا في ترجمته (لما مات أبو الهذيل جلس الواثق في مجلس التعزية)99.
وفي خلاصة تاريخية توجز علاقة التلمذة بين خلفاء المحنة وأستاذهم أبي الهذيل العلاف، وتكشف أيضاً مركزية أبي الهذيل في توطيد مذهب الاعتزال، يقول الملقبي: (وأبو الهذيل هذا لم يدرك في أهل الجدل مثله، وهو أبوهم، وأستاذهم، وكان الخلفاء الثلاثة المأمون والمعتصم والواثق يقدمونه ويعظمونه، وكان الوزير ابن أبي داؤد من تلامذته، وكان لا يقوم له في الكلام خصم)100.
وذكر المعتزلة أهم الشخصيات المعتزلية التي أثرت على المعتصم فقالوا (ومنهم المعتصم، وكان معتزلاً، أعجب بالإسكافي، وكان مشغوفاً بابن أبي داؤد)101.
ويبلغ تبجيل المأمون لشيوخ المعتزلة وهم محتفون بقصره، داخلون خارجون من بلاطه، أنه تعلوه تغيرات في جسده إظهارا للتعظيم، كما نقل المعتزلة أن هشام الفوطي (إذا دخل على المأمون يتحرك حتى يكاد يقوم)102.
ولم يكن خلفاء المحنة مراقبين من الخارج، بل كان المأمون والواثق خصوصًا يناظرون المخالفين، فقد روى المعتزلة مثلًا مناظرة الواثق مرارًا للمخالفين في القدر الذي هو أصل العدل عند المعتزلة، كقولهم (وله -أي للواثق- مناظرات، منها أنه قال ليحيى المجبر..)، وفي موضع آخر عبّر بقوله (ثم ناظره الواثق بنفسه)103.
فإذا تأمل الباحث مثل هذه المعطيات أدرك علاقات الولاء العلمي والعقدي بين خلفاء المحنة والمعتزلة.
- انتحال المعتزلة لخلفاء المحنة وتبجحهم بهم:
طالعنا فيما سبق موقف خلفاء المحنة من شيوخ المعتزلة وتتلمذهم عليهم وتباهيهم بهم، ولكن ربما يقول الباحث أن هذا محاولة من الخلفاء للتعلق بالمعتزلة، ولا يلزم المعتزلة من جريرتها شيئًا، وهذا الاعتراض يقودنا لدراسة العلاقة المعاكسة، وهي موقف المعتزلة من خلفاء المحنة، وهل تبرؤوا منهم أو من فعلتهم في إقامة محاكم التفتيش في محنة خلق القرآن؟ أم افتخروا بهم ومجدوهم وعدوهم منهم؟
في رسالة للجاحظ -المتحدث الإعلامي باسم المعتزلة- يرثي حال العوام وأنهم أصبحوا مشبهة يثبتون الصفات الإلهية، أي مخالفين للمعتزلة، لكنه راح يسلي نفسه بأن ولاة الأمر في زمنه -وهو يعني خلفاء المحنة: المأمون، المعتصم، الواثق- على مذهب نفي الصفات، حيث يقول الجاحظ:
(أرجو أن يكون الله قد أغاث المحقين ورحمهم، وقوى ضعفهم وكثر قلتهم، حتى صار ولاة أمرنا في هذا الدهر الصعب، والزمن الفاسد، أشد استبصارا في التشبيه من عليتنا، وأعلم بما يلزم فيه منا، وأكشف للقناع من رؤسائنا، وصادفوا الناس وقد انتظموا معاني الفساد أجمع)104.
وهذا النص له دلالات عميقة في استكشاف مشاعر وأحاسيس المعتزلة في انتماءاتهم السياسية الدافئة لنظام خلفاء المحنة بسبب نصرتهم لمذهبهم في تعطيل الصفات الإلهية.
ولا يختلف الأمر عند كل مؤرخي المعتزلة وكتاب تراجمهم، فهم يضعون خلفاء المحنة في مواقع محترمة داخل تاريخهم الخاص، فقد وضع القاضي عبد الجبار المأمون في أثناء الطبقة الثالثة من طبقات المعتزلة، وأردف بقوله (ثم المعتصم والواثق زادا في تقوية ذلك)105.
بل إن المعتزلة تناقلوا شكر بعض أصحابهم لخلفاء المحنة لقيامهم باضطهاد المخالف في خلق القرآن، ومن أبشع ذلك قولهم: (ومنهم -أي المعتزلة- أبو عبد الله محمد بن سماعة، أخذ الفقه عن محمد بن الحسن ودعا إلى العدل، وقال للمعتصم لما فعل بابن حنبل ما فعل: يا أمير المؤمنين هذا موقف أديت حق الله فيه وأرضيته به، فشكر الله لك ذلك)106.
ومن نماذج انتحال المعتزلة لخلفاء المحنة ما قاله الحاكم الجشمي (ت ٤٩٤هـ) في رسالته التي قُتل بسببها (ومن سلفنا شيوخنا المتكلمون كأبي الهذيل وبشر والنظام وأبي موسى وغيرهم…، ومن الخلفاء كالمأمون والمعتصم والواثق)107.
فوضع «خلفاء المحنة» في سياق واحد، في مورد الانتساب والتباهي والتفجج على الغير، يحمل مؤشرات موحية على كمية الانتماء النفسي لمؤسسة المحنة بين المعتزلة.
واستمر تقليد انتحال المعتزلة لخلفاء المحنة عند ورثة الفكر الاعتزالي وهم (الزيدية)، فمن المعلوم تاريخياً أن الزيدية استدمجوا المنظومة الاعتزالية في التوحيد والعدل، وقد ذكر الحاكم الجشمي (ت ٤٩٤هـ) في كتابه شرح عيون المسائل أن المعتزلة والزيدية «مختلطون ببعضهم متفقون في المذهب»، والجشمي أحد حلقات الوصل بين المذهبين، وأكد إمامهم المؤيد بالله يحيى الحسيني (ت ٧٤٩هـ) أن الزيدية موافقون للمعتزلة في التوحيد والعدل، ولا يخالفون المعتزلة إلا في «التصيص على الإمامة وفي سهم ذوي القربى»(١)، وأما في مسألة الإمامة فالفرع الأقرب للزيدية هم المعتزلة البغداديون، ولذلك يفضلون البغداديين على البصريين، ويرى الزيدية أنفسهم أنهم «شيعة المعتزلة ومعتزلة الشيعة»، كما ذكر ذلك إمامهم المتوكل على الله أحمد بن سليمان (ت ٥٦٠هـ) في أواخر كتابه (حقائق المعرفة) وهو من مشهور كتبهم العقدية الكلامية، وتارة يدخلون أنفسهم هم والمعتزلة تحت إطار أشمل، فيقولون مثلاً «ذهب أهل العدل من الزيدية والمعتزلة إلى كذا»، وقد استرعت ظاهرة تمعزل الزيدية انتباه مؤرخي الملل والنحل حتى ذكر الشهرستاني عن زيدية زمانه أنهم «في الأصول يرون رأي المعتزلة حذو القذة بالقذة، ويعظمون أئمة الاعتزال أكثر من تعظيمهم أئمة أهل البيت»(٢)، وهكذا أيضاً قال المقبلي عن الزيدية الذين نشأ فيهم (كالزيدية في هذا الجبل من اليمن، هم معتزلة في كل الموارد، إلا في شيء من مسائل الإمامة)108.
ويرجع سبب تمعزل الزيدية إلى دراسة منظري الفكر الزيدي على رؤوس المعتزلة، فقد تتلمذ القاسم الرسي (ت ٢٤٦هـ) على رأس المعتزلة أبي الهذيل العلاف، وحفيده الذي كان أحد أئمة اليمن وهو يحيى بن الحسين (ت ٢٩٨هـ) تتلمذ على أبي القاسم البلخي، وأحمد بن الحسين (ت ٤٢٥هـ) درس على القاضي عبد الجبار، بل إن النسخة التي بين أيدينا اليوم من شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار هي من إملاء وتحرير تلميذه هذا أحمد بن الحسين الزيدي109 وهؤلاء الثلاثة هم من منظري الفكر الزيدي بنسخته الرسمية المتأخرة.
ثم تم تويج هذا التمعزل بحملة الزيدية لجلب كتب المعتزلة من العراق وغيرها لليمن كما صنع ذلك القاضي الزيدي اليمني جعفر بن عبد السلام (ت ٥٧٣هـ) وإمامهم عبد الله بن حمزة الزيدي (ت ٦١٤هـ)، ولذلك لطالما تفاجأ المعاصرون بأن مخطوطات كتب المعتزلة لا تصادفك اليوم إلا في المناطق الجغرافية الزيدية.
وقد كنا بحاجة إلى حصر ورثة المعتزلة بعد وفاتهم، واستفصاح هوية من انتقلت إليهم التركة الاعتزالية، لإيضاح مبررات الاعتماد الإضافي على الموروث الزيدي في نقل التاريخ الاعتزالي، باعتباره نقل تلامذة وزملاء وموالين، لا نقل خصوم.
- المعتزلة وربيع المناصب والتمويلات
هل اقتصرت العلاقات بين المعتزلة وخلفاء المحنة على الروابط العلمية والولاء العقدي؟ لا، طبعا، بل كان المعتزلة رقما حيويًا في حكومات خلفاء المحنة المتعاقبة.
من أهم الشخصيات الاعتزالية ذات الدور السياسي شخصية ثمامة بن أشرس، ويصور أبو الحسين الخياط المعتزلي عمق الانتماء للمعتزلة لدى ثمامة فيقول: (ولثمامة كان أشد فخرًا باسم الاعتزال من أن يُخل منه بحرف يزيل عنه اسمه)110. ويصف ابن النديم -وهو من الداخل المعتزلي- مكانة ثمامة بن أشرس لدى المأمون بأنه (بلغ من المأمون منزلة جليلة)111.
وقد تحدث المعتزلة عن دور النفوذ الذي لعبه ثمامة بن أشرس في بلاط المأمون بتوظيف الوسائل الدبلوماسية والتهريج بهدف التمكين للأيديولوجيا الاعتزالية، حيث قال القاضي عبد الجبار:
(وقد بينا إعظامه -أي ثمامة بن أشرس- من قبل لأبي الهذيل، واعترافه بأنه أستاذه منذ ثلاثين سنة، وله مذاهب لم تنتشر لقلة اختلاطه بالعامة، ولما توفّر في خدمة الخلفاء صار يوجد في كلامه بعض الهزل مما لا تأويل له، ليجعله طريقًا إلى ميلهم إليه، يوصله إلى المعونة في الدين)112.
وهكذا قال عنه ابن المرتضى (وكان -أي ثمامة بن أشرس- اتصل بالخلفاء وخدمهم ليتوصل بذلك إلى معونة أهل الدين)113.
وتكشف لنا الحوارات التي يتناقلها المعتزلة دور ثمامة في طبخ القرارات مع المأمون، حتى أن المأمون لما عدل عن أحد القرارات قال لثمامة (يا ثمامة قد علمت ما كنا فيه وديرناه …، وقد عارضنا رأي هو أصلح في تدبير المملكة)114، وهذا يعكس لنا الموقع الاستشاري الاستثنائي لثمامة بن أشرس في عرش المأمون، حتى أنه يصوغ معه القرار، ويخبره بتطوراته.
ويصل انتشار المعتزلة في مفاصل حكومة المحنة إلى درجة أن عملوا لخلفاء المحنة كجزء من جهاز الاستخبارات الساهر على استقرار نظامهم السياسي، كما يروي الجاحظ قائلاً (ولما بلغ المأمون اختلاطاً من حال البريد؛ وجه ثمامة بن أشرس، ليتعرف له ذلك)115، وهذا يعني أن دبلوماسي المعتزلة لم يكونوا يستنكفون عن أي دور سياسي ليبقوا في موقع التأثير.
وكما قام ابن أبي دؤاد لاحقاً بغرس كوادر المعتزلة في مكاتب حكومة المحنة، فإن ثمامة بن أشرس قبل ذلك قام بنفس الدور، فقد كان يقوم بتهيئة الأرضية لتطويق المأمون بالأذرعة العلمية الاعتزالية، كما يروي المعتزلة مثلاً (قال ثمامة: وصفت أبا الهذيل للمأمون، فلما دخل عليه ..)116، وفي خبر آخر يقول المعتزلة (كان ثمامة يصف للمأمون أبا بكر الأصم، فيطنب في وصفه …، فلما قدم العراق قال: أين صاحبك الذي كنت تصفه؟ أحضره لتستكفه)117.
فيتضح من مثل هذه الأخبار أن ثمامة استثمر علاقته الودية بالمأمون كجسر تتدحرج عليه عمائم المعتزلة لتهبط في بلاط الخليفة وكابينة القيادة ومركز القرار.
وأما المعتصم فقد استولى على تفكيره أبو جعفر الإسكافي المعتزلي، ويروي المعتزلة في ذلك عجائب، حيث يقولون: (وكان المعتصم قد أعجب به -أي بالإسكافي- إعجاباً شديداً، فقدّمه ووسّع عليه، وبلغني أنه كان إذا تكلم أصغي إليه، وسكّت جميع من كان في المجلس فلم ينطقوا بحرف، حتى إذا فرغ نظر المعتصم إليهم وقال: «من يذهب عن هذا الكلام والبيان؟!»، وكان يقول له: «يا محمد اعرض هذا المذهب على الموالي، فمن أبى منهم فعرفني خبره، لأفعل به وأفعل»)118.
وهذا التصوير يؤكد نفوذ شيوخ المعتزلة لدرجة تعهد المعتصم بإلزام الشعب بأفكار الإسكافي ومعاقبة المخالف.
ويظهر من سلوك الواثق أنه كان أكثر خلفاء المحنة حرصاً على تعبئة وظائف الحكومة بالمتخصصين المعتزلة، حتى أنه أصدر قراراً جاء فيه (أن الواثق أمر أن يُجعل مع أصحاب الدواوين رجال من المعتزلة ..)119، بل إن الواثق عتب على ابن أبي دؤاد وطالبه بالمزيد من إصدار قرارات التعيينات للكوادر المعتزلية في مناصب الدولة، فقال الواثق لابن أبي دؤاد (لم لا تولي أصحابك؟)120 وفي رواية (لم لا تولي أصحابي القضاء؟)121 وأخبره ابن أبي دؤاد أن بعضهم يمتنع.
وتجد في الجمهور من يملك حاسة مرهفة لالتقاط ذبذبات المناصب ومتطلباتها، ولذلك ففي حقبة حكومة المحنة صار بعض الشعراء يتزين للمناصب بإظهار تبني الاعتزال باعتباره الأيديولوجيا المرغوبة سياسياً، وقلب الموجة فور تولي المتوكل! والحوار الذي ينقله لنا الرواية المعتزلي أبو عبيد الله المرزباني (ت ٣٨٤هـ) يكشف لنا شيئاً من ذلك، سنستعرض سويّاً هذا الحوار ثم نستكشف دلالاته التاريخية:
(قال إبراهيم بن عبد الله الكجي: قلت للبحري: ويحك، تقول في قصيدتك التي مدحت بها أبا سعيد:
يرمون خالقهم بأقبح فعلهم ويحرّفون كلامه المخلوقا أصرت قدريّا معتزليّا؟ فقال لي -أي البحتري-: كان هذا ديني في أيام الواثق، ثم نزعت عنه في أيام المتوكل. فقلت له: يا أبا عبادة، هذا دين سوء يدور مع الدول.
قال الشيخ أبو عبيد الله المرزباني: وقد هجا -أي البحتري- ابن أبي دؤاد، فأنكر عليه قوله بخلق القرآن في أبيات خاطب فيها المتوكل! (1).
فانظر كيف تبنى البحتري خلق القرآن أيام الواثق، ثم في أيام المتوكل هجا ابن أبي دؤاد وجعل من معايبه كونه يقول بخلق القرآن، ثم وبكل وضوح يصرح البحتري أن عقيدته اختلفت بين نظام حكومة المحنة، ونظام المتوكل!
فالمعطى الضمني الذي يستبطنه هذا الحوار أن المعتزلة كانت لها الدولة أيام حكومة المحنة، وأن الهوية الاعتزالية هي التي تلبي شروط الامتيازات الرسمية، والمصدر الذي يروي هذا الحوار مصدر من الداخل المعتزلي نفسه، وهو أبو عبيد الله المرزباني.
وتذكر كتب التراجم أن جعفر بن حرب المعتزلي «له اختصاص بالوثائق»122، ووصف مسكويه سيطرة ابن أبي دؤاد على مقاليد السلطة في عصر الوثائق فقال «وغلبة ابن أبي دؤاد عليه»123، وكما كان ثمامة بن أشرس يفرش الطريق إلى البلاط لشيوخ المعتزلة، فقد قام ابن أبي دؤاد بأضعاف ذلك، كما في قصته في الضغط على جعفر بن حرب لحضور مجلس الوثائق124، مما يعكس دور ابن أبي دؤاد في صناعة تكتل اعتزالي حول حكومة خلفاء المحنة، بل لاحظ الزمخشري المعتزلي أن ابن أبي دؤاد يعيد تفسير مواقف المعتزلة المتعثرة لتجميلها في عين الخليفة، كما فعل مع أحد خرافات أبي الهذيل، فعَلَّق الزمخشري المعتزلي بقوله (فجعل أحمد بن أبي دؤاد ما قدره مُحَوِّجًا إلى الاعتذار منه؛ شهادة له بالفضل)125 كما يذكر المعتزلة أن شيخهم أبا بكر الأصم المعتزلي «كان جليل المقدار يكاتبه السلطان»126، وقد كان بعض رؤوس المعتزلة يتولى المناصب ثم يظهر التوبة من ذلك127.
وأبو الحسين الخياط المعتزلي يتبجح بعلاقاته بالسلطة العباسية، وأنه يستطيع أن يؤلب خلفاء المحنة على من تشتد خصومته مع المعتزلة، فيخبر عن نفسه ويقول: (وأما ابن حائط فلا أعلم أحداً كان أغلظ عليه من المعتزلة، ولا أشد عليه منها، ولقد بلغ من شدتها عليه: أن أخبرت الواثق بإلحاده، فأمر ابن أبي دؤاد أن ينظر في أمره، وأن يقيم حكم الله فيه، فمات)128.
وهذا يدل على الخط الساخن بين خلفاء المحنة وأذرعتها الكلامية الاعتزالية، فالخياط يصب في أذن الواثق، رأس الهرم السياسي، ما يشاء.
وهكذا ذكر المعتزلة أنهم استعانوا بالسلطة ضد ابن الراوندي لما ترك مذهبهم وصار يؤلف في النقض عليهم وألف كتاباً سماه «فضيحة المعتزلة» ردّاً على كتاب الجاحظ «فضيلة المعتزلة»، قال ابن المرتضى (ولما ظهر من ابن الراوندي ما ظهر، قامت المعتزلة في أمره، واستعانوا بالسلطان على قتله)129.
بل حتى المكايدات والمناكدات الشخصية كان ابن أبي دؤاد يستغل فيها قدرته على استخراج الأوامر الملكية، كما في اختلافه مع القاضي العادل الحسن العنبري، فإن ابن أبي دؤاد «غضب، ودخل على المعتصم، فاستخرج كتابه جزماً130.
وحين أصدر خلفاء المحنة قرار امتحان الناس في خلق القرآن كان أنشط الموظفين في تنفيذ الاضطهاد هم موظفو المعتزلة، وكان هذا ما يشعر به الناس، حتى أن وكيع (ت ٣٠٦هـ) روى في أخبار القضاة قال (أملئ علي عثمان بن أبي شيبة تسمية قضاة الكوفة قال: وغسان، لا رحمه الله، كان يمتحن الناس. وكان غسان من أهل خراسان من أصحاب أحمد بن أبي دؤاد)131.
ولم يقتصر الأمر على المناصب الإدارية والاستشارية التي تمتع بها المعتزلة في حقبة حكومة خلفاء المحنة، بل تدفقت إلى جيوب المعتزلة التمويلات الهائلة التي استثمروها في الترويج لأيديولوجيتهم، كما يروي المعتزلة مثلاً (كان أبو الهذيل يأخذ في كل سنة من السلطان ستين ألف درهم، ويفرقها على أصحابه)132.
فإذا كان أبو الهذيل يتمتع بميزانية حكومية سنوية بهذا المقدار يصرفها على من يجلس تحت ركبتيه فهذا يعني أنه كان جامعة منتقلة يحظى طلابها بإغراءات ومخصصات جاذبة.
وكان ابن أبي دؤاد على وجه الخصوص قد وضعت تحت تصرفه المطلق كامل الأرصدة المالية لحكومة بعض خلفاء المحنة، حتى أنه «قال الواثق يوماً لأحمد بن أبي دؤاد وقد تضجر بكثرة حوائجه: قد أخليت بيوت الأموال بطلباتك للاثنين بك والمتوصلين إليك!»133.
ومن أهم الأدوار التي اضطلع بها المعتزلة لصالح حكومة المحنة تقديم السند العلمي لخلق القرآن، حتى قال الجاحظ عن نفسه (وما كان حقي وأنا واضع هذين الكتابين، في «خلق القرآن» وهو المعنى الذي يكبره أمير المؤمنين ويُعزّه…)134.
وأما عبارة «صوفية المعتزلة» والتي وردت لدى الناشئ الأكبر وقرع لها «فان إس» الطبول، فالواقع أن إثبات اتجاه متأله متسك لدى المعتزلة لا يفتقر أصلاً لهذه العبارة، سواء كان نقل هذه العبارة من المخطوط دقيقاً أم لا، فالباحث الموضوعي يعلم أن في المعتزلة متزهدين كما يوجد مثل ذلك في الفلاسفة والصابئة والشيعة والروحانيين في الهند والصين وغيرها، وقد رصد الإمام ابن تيمية في غالب التيارات العقدية وجود اتجاه يميل في السلوكيات إلى تأله المتصوفة، فيشكلون اتجاهاً صوفياً داخل التيار العقدي نفسه، كما يقول ابن تيمية في عبارة من عجائب رصده للتركيبات العقدية:
(فصارت المتصوفة: تارةً على طريقة «صوفية أهل الحديث» وهم خيارهم وأعلامهم، وتارةً على اعتقاد «صوفية أهل الكلام» فهؤلاء دونهم، وتارةً على اعتقاد «صوفية الفلاسفة»)135.
وهذا الذي رصده ابن تيمية أشار له المعتزلة أيضًا كما يقول القاضي عبد الجبار (وما من طائفة إلا وفيها زهاد وعباد)136.
فصوفية المعتزلة داخلون فيما يسميه ابن تيمية «صوفية المتكلمين»، وابن تيمية ينبه مرارًا على هذا التراتب وأن صوفية المتكلمين أقرب للشرع من صوفية الفلاسفة كقوله مثلًا (فإن ابن عربي وأمثاله، وإن ادعوا أنهم من الصوفية؛ فهم من «صوفية الملاحدة الفلاسفة»، ليسوا من «صوفية أهل الكلام»، فضلًا عن أن يكونوا من مشايخ أهل الكتاب والسنة، كالفضيل وابن أدهم والداراني ومعروف الكرخي)137.
وهو يقصد بمشايخ الكتاب والسنة ما سماه في الموضع الآخر «صوفية أهل الحديث» فإن مصطلح المشايخ في ذلك العصر له نوع ارتباط بالتقاليد الصوفية.
ولكن، ومع إقرارنا بوجود اتجاه التأله والتنسك والتصوف داخل المعتزلة، فإنه من المهم أن نفهم وظائف التصوف من خلال الفكر المعتزلي نفسه، فبعض هذه الحالات الصوفية المعتزلية يكون دافعها حقاً باعث إيماني تقوي، لكن بعض الحالات الأخرى خلاف ذلك، وهذا ليس استنتاجاً بحثياً أو اتهاماً مرسلاً، بل لقد صرح المعتزلة أنفسهم أن بعض هذا التصوف هو (تصوف حركي) لأغراض الدعاية الأيديولوجية، حيث يروي المعتزلة أن من مناقب واصل بن عطاء أنه بعث الدعاة للأمصار يدعون للاعتزال وأنه «فرق رسله في الآفاق»(١)، وسجلوا اسم كل داعية، والبلد الذي وُجّه إليه، ونتائج حملته التبشيرية، ومن السياسات التي كان يوصي بها واصل دعائه هو سلوك «التصوف الحركي»، حيث يروي المعتزلة أن واصل أنفذ عثمان الطويل -وهو أستاذ أبي الهذيل- إلى أرمينية وقال له:
(الزم سارية من سواري المسجد سنة تصلي عندها، حتى يعرف مكانك، ثم أفت بقول الحسن سنة، ثم إذا كان يوم كذا وكذا من شهر كذا، فابتدئ في الدعاء للناس إلى الحق..)138.
واللافت أن هذه الخطة، بنفس استراتيجيتها، كان واصل قد أرسل بها داعيته الآخر حفص بن سالم إلى خراسان وقال له (إذا وصلت إلى بلده، فالزم سارية في الجامع سنة، حتى يعرف موضعك، فيشتاق الناس إلى السماع..)139.
ويبدو أن هذه الآلة استمر المعتزلة يلمسون أثرها، حتى أنهم ذكروا أن أبا موسى المردار الذي يسمونه راهب المعتزلة كان له دور في نشر مذهبهم، وقالوا عنه (ومن جهة أبي موسى انتشر الاعتزال ببغداد)140، ونقل الجاحظ عن ابن هاني الأديب أنه «من تمام آلة الداعي إلى الله أن يكون صوفياً»141.
على أن الاتجاه المغالي في التصوف الذي قال عنه الناشئ الأكبر (وهذا قول «صوفية المعتزلة» الذين يقولون بتحريم المكاسب) لم يكن مرضياً عنه ومرحباً به كلياً بين المعتزلة، فقد انتقد بعض المعتزلة فكرة تحريم المكاسب142 بقسوة، ورأوا فيها مجرد وسيلة تأثير على البسطاء لصناعة الهالة والجاه في نفوسهم، كما يقول الجاحظ مثلاً: (والصوفي المظهر النسك من المسلمين، إذا كان فُسلاً يفيض العمل؛ تطرف وأظهر تحريم المكاسب، وعاد سائلاً، وجعل مسألته وسيلة إلى تعظيم الناس له)143.
وهذه الحالة التي يصفها الجاحظ، وهي تحريم المكاسب على الذات وتسول الناس وجعل هذا وسيلة لاستثارة الانبهار في نفوسهم؛ وقعت من جعفر بن حرب المعتزلي نفسه، وهو من شيوخ هذا الاتجاه، فقد ذكر المعتزلة في سيرته أنه (بلغ من زهده في آخر عمره إلى أن ترك كل ما كان يملك، وتعزّى وجلس في الماء، حتى كساه بعض أصحابه)144.
وثمة عامل يمكن أن يكون له تأثير في سبب اهتمام «فان إس» بصوفية المعتزلة، وهو نمط الذاكرة الروحية للمؤلف، فهي التي تفسر أحيانًا اتجاه الريح في انجذاباته وميوله، ذلك أن «فان إس» ينتمي لخلفية كاثوليكية، فقد يكون يبحث بين صوفية المعتزلة عن أحلام القسيس المتخيل، وقد يكون رأى في «راهب المعتزلة» راهب الطفولة الكاثوليكية التي عاشها، وهذا التفسير لتوجهات المستشرق في دراسة التراث بحسب ذاكرته الروحية له نظائر بين المستشرقين أنفسهم.
- الشهادات الاجتماعية بدولة المعتزلة:
يجد الباحث في ثنايا السجلات الأدبية شهادات اجتماعية عابرة تكشف مشاعر المجتمع بنفوذ المعتزلة في حكومة خلفاء المحنة، ففي أحد المناظرات -مثلاً- قال زاذان الثنوي لشيخ طبقات المعتزلة جعفر بن حرب (المجلس لكم والرئيس إمامكم)145.
ومن أطرف ما ترويه كتب الأدب من تندر الأدباء بغلبة المعتزلة على دار الخلافة حادثة هارون بن المأمون: (قال الفضل بن محمد اليزيدي: قال جاء عمي إبراهيم إلى هارون بن المأمون، فصادفه قد خلا هو وجماعة من المعتزلة، فلم يصل إليه، وحُجِب عنه، فكتب إليه:
غلبت عليكم هذه القدرية فعليكم مني السلام تحية أتيكم شوقا فلا ألقاكم وهم لديكم بكرة وعشية)146.
ومن شعر المديح الذي يرويه المعتزلة أنفسهم، ويحمل تصويراً لنفوذهم في حكومة المحنة ما نقله ابن يزداد من تصوير بعض الشعراء كيف أن الخليفة صار في يد المعتزلة:
(بين نابي أبي الهذيل حسام بيد الدين مرهف في صقال قد رأيناه والخليفة يسطو بيمين من رأيه وشمال)147
فمن الواضح من خلال هذا التصوير عمق الموقع الاستشاري لأبي الهذيل العلاف شيخ المعتزلة، حتى أن سيف الخليفة صار أذرعة العلاف!
- ابن أبي دؤاد .. حكومة الظل:
مثل ابن أبي دؤاد في حكومات خلفاء المحنة ما يطلق عليه في العلوم السياسية كريتوكراسي، أو حكومة الظل، وانتماؤه الاعتزالي لا يتطرق إليه الشك، بل عائلته كلها ترفع الهوية الاعتزالية، حتى أن القاضي عبد الجبار قال (ويقال ليس أهل بيت من العرب على الاعتزال قاطبة؛ كآل أبي دؤاد، فإنك لا ترى منهم أحداً إلا متحققاً بالاعتزال)148.
وهذا النص ثمين في إيضاح «العراقة الاعتزالية» التي يتمتع بها ابن أبي دؤاد، وهو أمر لا يخالف فيه أحد من المعتزلة فيما أعلم(2)، بل إن مدائح الجاحظ لابن أبي دؤاد صارت مضرب الأمثال في التشبيهات، حتى قال الأديب أبو بكر الخوارزمي (٣٨٣هـ) ذات مرة (وصفت فيه ما صنفه الجاحظ في محاسن ابن أبي دؤاد)149. وأما سبب اعتناقه لبدعة الاعتزال، أو سنده إلى المنبع الاعتزالي، فقد ذكر بعض أهل التأريخ أن ابن أبي دؤاد «صحب هياج بن العلاء السلمي، وكان من أصحاب واصل بن عطاء، فصار إلى الاعتزال»(1).
وقد تدرج ابن أبي دؤاد في الوصول للسلطة حتى ابتلع المأمون في أواخر حياته، ثم ضم المعتصم والواثق في معطفه بعد ذلك.
فأما المأمون فإن ابن أبي دؤاد استطاع الاستحواذ عليه في آخر حياته، حتى صار المأمون يستشيره في أحوال مسؤولي الدولة(2)، بل إن المأمون كتب في وصيته لأخيه المعتصم وهو على فراش الموت يقول (وأبو عبد الله بن أبي دؤاد فلا يفارقك، وأشركه في المشورة في كل أمرك)150. وفي بعض نسخ كتاب المحن لأبي العرب التميمي أن ابن أبي دؤاد «كان قاضياً أيام المأمون»(4).
وبسبب هذه العلاقة السياسية الصلبة بين المأمون وابن أبي دؤاد فقد جعلها الأدباء مورداً خصباً لاستمداد الاستعارات والتشبيهات حتى أن أبا نصر الفتح بن خاقان (ت ٥٢٩هـ) يقول في أحد تشبيهاته (وكان أبوه بإشبيلية بدراً في فلكها، وصدراً في مجلس ملكها، واصطفاه معتمد بني عباد، اصطفاء المأمون لابن أبي دؤاد)151.
والملاحظ أن المحنة استعلن المأمون بها في هذه المرحلة الأخيرة من حياته التي أقصى فيها يحيى بن أكثم، وزاد في تقريب ابن أبي دؤاد.
وأما المعتصم فإن نفوذ ابن أبي دؤاد على شخصيته كان من العجائب التي تلفت انتباه الناس، كما قال لازون بن إسماعيل (ما رأيت أحداً قط أطوع لأحد من المعتصم لابن أبي دؤاد)152، و«مرض أحمد بن أبي دؤاد فعاده المعتصم وقال: نذرت إن عافاك الله أن أتصدق بعشرة آلاف دينار»153، بل إن المعتصم لما مات «صلى عليه أبو عبد الله أحمد بن أبي دؤاد، وكان المعتصم أوصى إليه بالصلاة عليه»154، وذكر غلبة ابن أبي دؤاد على المعتصم المؤرخ اليعقوبي (ت ٢٨٤هـ) وهو شيعي وأحد كتّاب الدواوين العباسية155.
وأما الواثق فقد مر بنا كيف أن مسكويه وصف هيمنة ابن أبي دؤاد على الواثق فقال «وغلبة ابن أبي دؤاد عليه»156.
ويعقوب الفسوي (ت ٢٧٧هـ) ممن أدرك حقبة حكومة المحنة، وقد روى انطباع الموظفين عن امتلاك ابن أبي دؤاد لقرارات المناصب والترشيحات حتى أن محمد المخزومي جاء إلى سليمان بن حرب وأخبره أنه ماضٍ إلى بغداد يعزي أمير المؤمنين «فقال سليمان وضحك: إنما تخرج لعل ابن أبي دؤاد يعمل لك في قضاء مكة!»157.
وضلوع ابن أبي دؤاد في إلقاء الحطب على نار المحنة لا يراه المعتزلة عيباً يسترونه على صاحبهم ويتصلون منه، بل إن الجاحظ -وهو مذياع المعتزلة- أرسل رسالة إلى محمد بن أحمد بن أبي دؤاد، يحثه فيها على التمسك بتعطيل الصفات الإلهية، ويهيجه على ذلك بذكر مناقب والده أحمد بن أبي دؤاد، وأنه هو الذي هندس المحنة على أهل الحديث مثبتة الصفات، كما يقول الجاحظ: (حتى تحولت المحنة عليهم …، وذلك كله على يد شيخك، وشيخنا بعدك، أعزه الله بما بذل من جهده)158.
فيتلطف الجاحظ لقلب ابن أبي دؤاد الابن بذكر مفخرة ابن أبي دؤاد الأب بكونه اجتهد في إنزال المحنة على أهل الحديث مثبتة الصفات الإلهية!
والنخبة الأدبية التي تقرأ الأحداث لا من زاوية أهل الحديث فهمت مركزية ابن أبي دؤاد في محنة خلق القرآن، حتى أن التنوخي المعتزلي روى هجاء ابن الأعرابي لابن أبي دؤاد، وفيه:
(نكست الدين يا ابن أبي دؤاد فأصبح من أطاعك في ارتداد زعمت كلام ربك كان خلقًا أما لك عند ربك من معاد)159
وقد تحدث ابن النديم -وهو من الداخل المعتزلي- عن الدور العملي السياسي لابن أبي دؤاد فيقول (إنما ذكرنا ابن أبي دؤاد، وإن لم يكن له تصنيف، لأنه من أفاضل المعتزلة، وممن جرد في إظهار المذهب، والذب عن أهله، والعناية به)160.
ومن أبشع ما صنعه ابن أبي دؤاد امتحان أسرى المسلمين في سجون النصارى أيام الواثق، فمن أجاب بعقيدة المعتزلة فداه، وإلا تولى عنه يرسف في قيوده تحت الأعداء المحاربين، وهي حادثة مشهورة إذا قرأها المؤمن زفر زفرة كادت تنقص ضلوعه لها، وقد رواها المؤرخون ذوو الميول المعتزلية والشيعية، كما قال المسعودي مثلاً: (وحضر هذا الفداء رجل يكنى أبا رملة، من قِبَل أحمد بن أبي دواد قاضي القضاة، يمتحن الأسارى وقت المفاداة، فمن قال منهم بخلق التلاوة ونفي الرؤية؛ فُودي به وأُحْسِن اليه، ومن أبي تُرِك بأرض الروم، فاختار جماعة من الأسارى الرجوع إلى أرض النصرانية على القول بذلك، وأبي أن يسلم الانقياد إلى ذلك، فثالثه محنٌ ومهانة)161.
كيف يترك ابن أبي دؤاد الأسير المسلم مكروبًا بين فكي النصارى الحربيين لأجل أنه يقول أن كلام الله سبحانه صفته منزل غير مخلوق؟! وهذه الواقعة الفاجعة أثارت نازلة فقهية، وهي حكم الجواب تقيّة بخلق القرآن للتخلص من الأسر؟ وقد سئل عنها الإمام أحمد نفسه، ففي مسائله التي رواها أبو داود قال (سمعت أحمد، وسأله علي بن عثام، حين ذكر محنة الأسرى عند فداهم، فقال أحمد: يأبون، يعني يأبون الإجابة، ويدفعونه أشد الدفع. قيل: فيُقاتلون؟ قال: لا)162.
وأما حكاية «إنسانية ابن أبي دؤاد» فهذه طرفة حقًا، وهي تكشف عمليًا هول الضغوط التي تفرضها الثقافة الليبرالية الغالبة، وكيف تدفع الباحث لبلوغ مستويات قاحلة من التكلف والتعسف، وهذه الطرفة كان أول من أطلقها -بحسب علمي- المستشرق السويدي زيتريشتين عام (١٩١٣م)163، ثم تبعه بعض الشراح العرب، وأول عربي رأيته تلقف الفكرة هو عبد العزيز عبد الحق عام (١٩٥٨م)164 لكنه وسعها وأضاف لها مزيد شواهد، ثم كررها فهمي جدعان عام (١٩٨٩م) ولكن بذات مستندات زيتريشتين الفقيرة المجدبة، وأظن أن جدعان لم يتنبه لتوسيع عبد العزيز عبد الحق لها.
والواقع أن ابن أبي دؤاد قد استثمر نفوذه في إقصاء واضطهاد خصومه في أحداث كثيرة، منها ما ذكره التنوخي -وهو أحد المعتزلة المعظمين لابن أبي دؤاد- حيث روى (كان أحمد بن أبي دؤاد حين ولي المعتصم الخلافة، عادي الإفشين وحرض عليه المعتصم)165، وقد شرحت بعض المصادر المعتزلية الحيلة التي استعملها ابن أبي دؤاد في التأليب على قتل الأفشين، حيث تقول الرواية:
(وابن أبي دؤاد هو الذي حثه -أي المعتصم- على قتل الأفشين، وكان يدافع عنه المعتصم، حتى احتال القاضي بجوار صرن إليه، فعرفن المعتصم انه أغلف، وكان قال أنه اختن، وضم إلى ذلك أشياء آخر، فقتله وصلبه)166.
بل حتى خصوم بن أبي دؤاد من البيت المعتزلي نفسه لم يسلموا من وشاياته الدينية، ومنهم حميد بن سعيد الشاعر المعتزلي، حيث تروي كتب الأدب أنه (كان وجهًا من وجوه المعتزلة فخالف أحمد بن أبي دؤاد في بعض مذهبه، فأغري به المعتصم، وقال إنه شعوبي زنديق، فحبسه مدة طويلة، ثم بانت براءته له، أو للواثق بعده، فخلّى سبيله، وكان شاعرا أيضًا فكان يهجو أحمد بن أبي دؤاد)167.
هذه هي إنسانية ابن أبي دؤاد التي يتحدثون عنها!
وأما ما نقله المؤرخون من كرم وسخاء ابن أبي دؤاد، فهو أشبه ببذخ الجبابرة، يقتلون بدم بارد، ويجزلون للشاعر ألف ألف دينار!
وأما محاولة تلميع ابن أبي دؤاد عبر توريط يحيى بن أكثم، بالقول بأن رجل المأمون لم يكن ابن أبي دؤاد، بل كان يحيى بن أكثم، فهذه الفكرة فيها شيء من التدليس، إذ تهدر اعتبارين جذريين، أولهما: دور يحيى بن أكثم في تسنين المأمون، وثانيهما: أن يحيى بن أكثم كان خارج المنصب لما أشعل المأمون فعاليات المحنة.
فأما دور يحيى بن أكثم في تسنين المأمون وتخفيف بلطجاته الفكرية، فإن يحيى بن أكثم هو الذي أقنع المأمون بالعدول عن قرار لعن معاوية بل كان يقنعه في هذه الحادثة بضرورة حياد السلطة فيقول له «والرأي أن تدع الناس على ما هم عليه في أمر معاوية، ولا تظهر أنك تميل إلى فرقة من الفرق»، بينما كان ثمامة بن أشرس المعتزلي يهيجه على إصدار قرار بلعن معاوية ويزين له الاستخفاف بالناس فيقول «يا أمير المؤمنين والعامة في هذا الموضع الذي وصفها به يحيى؟! والله لو وجهت إنساناً على عاتقه سواد، ومعه عصا؛ لساق إليك بعصاه عشرة آلاف منها»168.
ولما أصدر المأمون قراره بتحليل المتعة كان يحيى بن أكثم هو الذي تلطف له في رواية أخبار التحريم حتى عدل عن القرار، وعظم أهل السنة موقفه هذا169.
وثمة أحداث مماثلة لهذه المواقف يسعى فيها يحيى بن أكثم لتقريب المأمون من طريقة أهل السنة، ولذلك كان أحمد بن حنبل برغم حزمه في العلاقة مع السلطان إلا أنه كان يذب عن يحيى بن أكثم ويدافع عنه، ولما ذكر للإمام أحمد بعض الطعون في يحيى بن أكثم قال: (سبحان الله! سبحان الله! ومن يقول هذا؟! وأنكر ذلك أحمد إنكارًا شديدًا) (1).
وحين بدأ المأمون اضطهاد المحنة كان يحيى بن أكثم قد تم إقصاؤه وابن أبي دؤاد قد صعد نفوذه، ذلك أن المأمون أعلن المحنة في آخر أربعة أشهر من حياته، إذ أعلنها في ربيع الأول ٢١٨هـ، ومات في رجب من السنة نفسها، بينما كانت خلافته قريبًا من عشرين عامًا، ووصيته التي أوصى بها وهو على فراش الموت لأخيه المعتصم تكشف مغادرة يحيى بن أكثم وصعود ابن أبي دؤاد، حيث جاء في وصية المأمون للمعتصم:
(وأبو عبد الله بن أبي دؤاد فلا يفارقك، وأشركه في المشورة في كل أمرك، ولا تتخذن بعدي وزيرًا تلقي إليه شيئًا، فقد علمت ما نكبني به يحيى بن أكثم في معاملة الناس، وخبث سيرته حتى أبان الله ذلك منه في صحة مني، فصرت إلى مفارقته).
وهذه الوصية رواها الطبري في تاريخه في ذكر وفاة المأمون في أحداث سنة ٢١٨هـ، وعنه نقلها الناس، ويظهر في هذه الوصية بكل وضوح أن رجل المأمون في حقبة المحنة التي هي آخر حياته هو: ابن أبي دؤاد، وليس يحيى بن أكثم.
بل كيف لم يتفطن هؤلاء المستشرقون وشراحهم الحداثيون العرب إلى أن مدة سلطة المأمون عشرون عامًا، وطوال مرحلة ملازمة ابن أكثم له لم يعلن المأمون فرض بدعة على الناس، ولما أقصي بن أكثم بعد كل هذه الصحبة وصعد ابن أبي دؤاد في الديوان الملكي، انقلبت الأمور فوراً، وفي آخر أربعة أشهر من حياة المأمون انفرطت البرقيات الملكية من طرسوس إلى بغداد في غاية التشنج تأمر بحمل الناس على عقيدة تعطيل الصفات، هل جرى شيء من ذلك حين كان بن أكثم قريباً من المأمون؟ لماذا لم تحدث هذه التغيرات إلا في لحظة مغادرة ابن أكثم وصعود ابن أبي دؤاد؟ وأما سبب إقصاء المأمون ليحيى بن أكثم فينقل المؤرخ الجغرافي اليعقوبي (ت ٢٨٤هـ) وهو شيعي لا يستر انحيازاته، ومعاصر قريب لهذه الحقبة، ويعمل في الكتابة في دواوين العباسيين فهو قريب منهم، وقد نقل أن نكبة يحيى بن أكثم هي حصيلة «معركة وشايات»، حيث يذكر أن يحيى بن أكثم حذر المأمون من انقلاب أخيه أبي إسحاق المعتصم عليه، فدفع المعتصم ابن أبي دؤاد وزميله ليحرضوا المأمون ضد يحيى بن أكثم، حيث يقول اليعقوبي (ووشى يحيى بن أكثم بالمعتصم إلى المأمون، وقال له: إنه بلغني أنه يحاول الخلع، فوجه إليه يأمره بالقدوم..) ثم يقول (ووشى محمد بن أبي العباس الطوسي، وأحمد بن أبي دؤاد يحيى بن أكثم إلى المأمون تقرباً إلى أبي إسحاق، فسخط عليه المأمون، وأمر بنفيه من عسكره ونزع السواد عنه، وأخرجه إلى بغداد وأمره أن لا يخرج من منزله)170.
- محاولة حذف المأمون من سجلات المعتزلة:
رأينا كيف أن «فان إس» حاول أن يخرج المأمون من أن يكون محسوبًا على المعتزلة بأي معنى من المعاني، باستثمار الخبر الذي رواه ابن طيفور عن ثمامة بن أشرس أن الأخير قال أن المأمون عامي لتركه القول بالقدر، وهدف «فان إس» من ذلك تخفيف عبء الجريمة عن المعتزلة بإخراج المتهم رقم (1) من عضويتهم، ثم جاء الشارح العربي الأكبر فهمي جدعان، وأعاد إنتاج هذه الدعوى، كما سبق بيان ذلك كله ونقل نصوصه.
والحقيقة أن الرواية التي نقلها ابن طيفور عن ثمامة ثمة معطيات تاريخية تعكر على دلالتها، وهي أكثر منها وأصرح، سنستعرض بعضها.
فمن ذلك أن أبا الهذيل العلاف -أستاذ المأمون ورمز المعتزلة الأهم- وصف المأمون بأنه قائم بالتوحيد والعدل، والتوحيد عندهم نفي الصفات، والعدل عندهم نفي القدر، كما يروي القاضي عبد الجبار: (قال أبو الهذيل للمأمون: يا أمير المؤمنين إني ما أتيتك لمرزية دينار ولا درهم، ولكن لنفيك الشبهين عن الله، شبه الخلق، وشبه الجور، فقال المأمون: يا أبا الهذيل، ما قلت أنا ولا أحد من آبائي بالتشبيه)171.
فنفي شبه الخلق هو التوحيد عندهم أي تعطيل الصفات، ونفي شبه الجور هو العدل عندهم أي تعطيل القدر، وفي رواية أخرى للحادثة قال المأمون (لم يقل أحد من آبائي بالجبر)172، والمراد أن هذه تزكية من عراب المعتزلة للمأمون بكونه قائم بأصلي التوحيد والعدل، اللذين هما عكازتا الاعتزال.
ومما يدل على حرص المأمون على استيعاب وتعلم ضبط أصل العدل ونفي القدر عند المعتزلة أنه سأل أبا الهذيل أن يلخص له هذا الأصل، فقال له (اجمع لي العدل في كلمتين)173.
ومما يعكر أيضاً على رواية ابن طيفور ما رواه القاضي عبد الجبار من أن المأمون كان لديه إشكالات في القدر، فجادله وناقشه ثمامة بن أشرس فأقنعه بقول المعتزلة، حيث يروي المعتزلة:
(وحكي أنه -أي ثمامة- قال يوماً للمأمون: أنا أبين لك القدر بحرفين، فقال المأمون زدني حرفاً واحداً للضعيف، قال ثمامة: ومن الضعيف؟ قال: يحيي بن أكثم..) ثم لما انتهى ثمامة من عرض شبهاته في نفي القدر قال المأمون (صدقت)174.
وهذه الحادثة التي تتداولها كتب المعتزلة نقلها المؤرخون الذين عاصروا تلك الحقبة، ومنهم المؤرخ النسابة الزبير بن بكار (ت ٢٥٦هـ)، وقد كان أبوه من جلساء المأمون، حيث يروي في كتابه: (قال المأمون لثامة: قد كثر اختلاف الناس في الاستطاعة، وذكر الأفعال، فاجمع لي في هذا كلاما تختصره ليفهم، قال: نعم يا أمير المؤمنين، لم أتخلف عن الجواب إلا لتشخص القلوب إلى فهمه، فجمع الناس إلى ثلاثة أيام، فلما جمعوا وحضرهم في اليوم الثالث، قال له المأمون: تكلم..)175
ومما يكدر -أيضاً- على هذا الاستنتاج أن مؤرخي المعتزلة والشيعة أكدوا أن المأمون كان قائماً بأصل العدل وأصل إنفاذ الوعيد، فالمؤرخ الشيعي اليعقوبي (٢٨٤هـ) -وهو أحد كتّاب الدواوين العباسية- يقول عن المأمون (وامتحن الناس في العدل والتوحيد)176، وينقل المسعودي عن العبدي الأخباري في وصف المأمون أنه (أظهر القول بالتوحيد والوعد والوعيد، وجالس المتكلمين، وقرب إليه كثيراً من الجدليين المبرزين كأبي الهذيل والنظام وغيرهم)177.
ومن يطالع تطورات تاريخ المعتزلة يلاحظ أن متأخريهم حرصوا على طرد أي معتزلي يخل بأصل العدل، كما أخرجوا من تاريخهم كبار المتكلمين من أمثال ضرار بن عمرو وحسين النجار وبشر المريسي وحفص الفرد وبرغوث وتلامذتهم ممن تركوا القول بالقدر وناصبوهم العداء، وهم الذين كان ابن النديم يسميهم «المعتزلة غير المخلصين»، وسماهم تارة أخرى «مبتدعة المعتزلة»، فلو كان المأمون قائلاً بالجبر مخلاً بأصل العدل فكيف أدخلوه في طبقات المعتزلة ومجدوه وافتخروا به؟ بل لقد نصوا أنه قائل بجحد القدر كما قالوا عن المأمون (وقوله بالعدل مشهور)178.
والمراد أنه بغض النظر عن كون المأمون محسوباً على المعتزلة أم لم يكن كذلك، فإنه لا شك أن للمعتزلة ضلع مدبب في تهييج ومساندة الحملة الغاشمة في اضطهاد النافين لخلق القرآن. وأما الاحتجاج بنقد بعض المعتزلة للمأمون، فهذا هو شأن المعتزلة في كثرة تراشقهم فيما بينهم حتى أن الجاحظ لما ألف رسالة الهاشميات شتمه بعض أصحابه بأنه ترك الاعتزال وصار شيعياً إذ يقول الجاحظ في تعليق يتصبب بمشاعر نكران الجميل (وعبتني برسائلي «الهاشميات» واحتجاجي فيها، وزعمت أنني قد خرجت بذلك من حد المعتزلة إلى حد الزيدية)179.
وبسبب تشعب اختلافاتهم شنع الناس عليهم بمخالفة ثمامة بن أشرس ومعمر بن عباد المعتزليين في فكرة الخلق المجازي، فقالوا للمعتزلة يلزمكم أن تقولوا: خلق القرآن إنما هو خلق مجازي لا حقيقي (١).
وروى المقالاتيون -وعلى رأسهم أبو الحسن الأشعري- وفرة نزاعات المعتزلة وتدرر افتراقاتهم، بل لقد حكى الملطي أنه وقع بينهم التكفير المتبادل، وقال إمام أهل السنة ابن قتيبة «فما بالهم أكثر الناس اختلافاً؟!» وهذا أمر لا يجحده المعتزلة، بل هو إدام مائدتهم، وإنما تغتذي مجالسهم بمثل ملاحقة الفروقات والانقسامات الداخلية المتتابعة، والعجيب أنهم حريصون على رصد هذه الخلافات والانشقاقات في كتبهم ومناقشة مسائلها، ويتأخون في المقالات، ويتحزبون على بعضهم في المسائل، ويتضح من ذلك كله أن نقد بعض المعتزلة للمأمون ليس سلوكاً غريباً على الداخل المعتزلي.
وأما التساؤل حول من أغوى المأمون بسلوك طريق التعطيل والتجهم؟ فهذا فيه خلاف أصلاً بين مؤرخي الإسلام، فقيل بشر المريسي كما أشار له ابن كثير، وقيل ثمامة بن أشرس كما قاله ابن طاهر البغدادي، وقيل أنه ابن أبي دؤاد كما قاله آخرون، وقيل غير ذلك، والحقيقة أن من يتمعن في شخصية المأمون يدرك أنه أبعد من يؤثر عليه شخص واحد أصلاً، فهو حصيلة علاقات واسعة مع المتكلمين المعطلين للصفات، وفيهم الجهمية المحضة، وفيهم المعتزلة، وفيهم الزنادقة والمُجَان، وقد تأثر المأمون بهذه التيارات التعطيلية كلها، وهذه التيارات التعطيلية هي أصلاً تبادلت التأثير، كما سيأتي الإشارة إليه بشيء من التفصيل، وعلاقة المعتزلة بالمأمون قريبة من قول الله ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: ١٢٨].
- التمييز بين المشاركة والبراءة:
صحيح أن المعتزلة كان لهم دور حيوي في المحنة كما رأينا سابقاً، لكن الموضوعية البحثية تقتضينا أن نؤكد بكيفية واضحة أن الأمر لم يكن مقصوراً عليهم، وأن ثمة شخصيات كلامية من خارج المعتزلة شاركت في دعم الاضطهاد، وهم الشخصيات الكلامية التي توافق المعتزلة أصل تعطيل الصفات، وتخالفها في القدر، أي المعطلة المجبرة.
أي أن القائمين بمحنة الإمام أحمد لم يكونوا مقصورين على المعتزلة فقط، بل الأدق أن المكتب العلمي لمؤسسة المحنة هم «تكتل معطلة الصفات»، فالمحققون والمفتشون والمناظرون في المحنة ليسوا كلهم معتزلة، بل كانوا «جنس معطلة الصفات»، ولكنهم كانوا يتعاضدون في هذه المعركة، وكان ابن أبي دؤاد يستعين بمتخصصي التعطيل من غير المعتزلة، وقد نبه الإمام ابن تيمية على هذا مراراً وفي صيغ متنوعة.
يصف ابن تيمية كيف قام ابن أبي دؤاد بتشكيل تكتل معطلة الصفات ليناظروا الإمام أحمد فيقول: (وكان أحمد بن أبي دؤاد قد جمع له نفاة الصفات القائلين بخلق القرآن من جميع الطوائف، فجمع له مثل أبي عيسى برغوث، ومن أكابر النجارية أصحاب حسين النجار، وأئمة السنة يسمون جميع هؤلاء جهمية، وصار كثير من المتأخرين من أصحاب أحمد وغيرهم يظنون أن خصومه كانوا المعتزلة، ويظنون أن بشر المريسي، وإن كان قد مات قبل محنة أحمد، وابن أبي دؤاد ونحوهما: كانوا معتزلة، وليس كذلك، بل المعتزلة كانوا نوعا من جملة من يقول القرآن مخلوق، وكانت الجهمية أتباع جهم، والنجارية أتباع حسين النجار، والضرارية أتباع ضرار بن عمرو، والمعتزلة؛ هؤلاء يقولون: القرآن مخلوق)180.
فابن تيمية يصوّر هاهنا كيف اجتمع في هذه المحنة عدة خلايا من معطلة الصفات وهم: المريسية والنجارية والضرارية والمعتزلة، ويدخل هؤلاء كلهم تحت مظلة الجهمية، والفروق التفصيلية بين هذه الفرق شرحها تفصيلاً أبو الحسن الأشعري في مقالات الإسلاميين، وتحدث المعتزلة في كتبهم كثيراً عن هؤلاء الأربعة: جهم وضرار والنجار والمريسي.
وهذا التصوير لتعدد الألسنة السليطة المشاركة في محكمة المحنة ليس تصويراً عابراً لدى ابن تيمية، بل هو يكرره في مواضع، ويؤكد على هويات تكتل معطلة الصفات، أو ما يسميه «جنس الجهمية»، حيث يقول:
(ولم تكن المناظرة مع المعتزلة فقط، بل كانت مع «جنس الجهمية» من: المعتزلة، والنجارية، والضرارية، وأنواع المرجئة، فكل معتزلي جهمي وليس كل جهمي معتزلياً، لكن جهم أشد تعطيلاً، لأنه نفى الأسماء والصفات، والمعتزلة تنفي الصفات دون الأسماء، وبشر المريسي كان من المرجئة، لم يكن من المعتزلة، بل كان من كبار الجهمية)181
ويؤكد ابن تيمية على دور ابن أبي دؤاد في استقطاب معطلة الصفات من شتى الفرق، وأن المعتزلة أحد المشاركين، وليس الأمر مقتصرًا عليهم، فيقول: (فإن ابن أبي دؤاد كان قد جمع للإمام أحمد من أمكنه من متكلمي البصرة وبغداد وغيرهم، ممن يقول «إن القرآن مخلوق»، وهذا القول لم يكن مختصًا بالمعتزلة كما يظنه بعض الناس، فإن كثيرًا من أولئك المتكلمين، أو أكثرهم، لم يكونوا معتزلة، وبشر المريسي لم يكن من المعتزلة، بل فيهم نجارية ومنهم برغوث، وفيهم ضرارية، وحفص الفرد الذي ناظر الشافعي كان من الضرارية أتباع ضرار بن عمرو، وفيهم مرجئة ومنهم بشر المريسي، ومنهم جهمية محضة، ومنهم معتزلة، وابن أبي دؤاد لم يكن معتزليًا، بل كان جهميًا ينفي الصفات، والمعتزلة تنفي الصفات، ففئة الصفات الجهمية أعم من المعتزلة)182.
وثمة مواضع أخرى يكرر ابن تيمية فيها مثل هذا التنبيه183، ولكن ليس المراد استيعاب المواضع بل المراد التمثيل.
حسنًا، يؤكد ابن تيمية في هذه المعالجات أن المعتزلة كانوا أحد المشاركين في محنة خلق القرآن، وأن ابن أبي دؤاد هو الذي قام بتجنيد مفرزة تعطيل الصفات.
ولكن لعل القارئ استشكل مثلي أن ابن تيمية في النص الأخير يقول «وابن أبي دؤاد لم يكن معتزليًا» وهذه العبارة لم أفهم حبيباتها، إذ هي تخالف ما وقفت عليه من المعطيات التاريخية، فإن المعتزلة شديدي الفخر بابن أبي دؤاد وبعراقة بيتهم المعتزلي، حتى قال القاضي عبد الجبار أنه «ليس أهل بيت من العرب على الاعتزال قاطبة؛ كآل أبي دؤاد، فإنك لا ترى منهم أحدًا إلا متحققًا بالاعتزال»، وابن النديم المعتزلي الخبير بالفروق الداخلية بين المعتزلة جعل ابن أبي دؤاد «من أفاضل المعتزلة، وممن جرد في إظهار المذهب، والذب عن أهله»، والتنوخي المعتزلي عقد مباحث في كتابيه نشوار المحاضرة والفرج بعد الشدة في إطراء ابن أبي دؤاد، وأما الجاحظ فقد أراق أحبار المديح على نصرة ابن أبي دؤاد لمذهب المعتزلة، وأما المعتزلة الذين صنفوا في طبقات المعتزلة وتراجمهم فكلهم بلا استثناء وضعوا ابن أبي دؤاد في أحد مراتب المعتزلة، وفي ذات الوقت لا نعرف لابن أبي دؤاد خلافًا في أصلي التوحيد والعدل عند المعتزلة، فلا أدري عن حبيبات ابن تيمية في هذا الحكم المتضمن في هذه العبارة.
وهذا النص لابن تيمية قد يفرح به من يحاول تبرئة المعتزلة من عار المحنة، ومع ذلك فإنني أثرت ذكره وإيراده، فإن «أهل السنة يرون ما لهم وما عليهم»184، ومن حاول الاحتجاج بهذا النص فيلزمه الاحتجاج ببقيته وهي تنصيص ابن تيمية على أن المعتزلة كانوا أحد المشاركين في المحنة، ونفي الاعتزال عن أحد شخصياتهم لا ينفي الاعتزال عن أصل مشاركتهم بشخصياتهم الأخرى، ومن المهم التنبيه على أن هذا لا يعني عند ابن تيمية أن النجارية والضرارية أسوأ من المعتزلة، بل هو يصرح بأن (قول النجار وضرار خير من قول المعتزلة)185.
ولكن الأمر الذي يدعو للتساؤل حقاً هو تفسير سبب هذا الاهتمام لدى ابن تيمية بتكرار التذكير بأن المعتزلة ليسوا هم الطرف الوحيد في المحنة، وأن الذي وراء المحنة هم جنس معطلة الصفات؟ ما سبب هذه الحفاوة التيمية بتكرار هذا التنبيه وتسليط الضوء عليه؟
الحقيقة أن هذا لا يتبين إلا باستيعاب الأجواء العقدية وأسئلتها المطروحة في حقبة ابن تيمية، وجذر الموضوع يبدأ من أن: أئمة السلف نُقلت عنهم عبارات شديدة في ذم «علم الكلام» كقول الإمام الشافعي «حكمي في أهل الكلام أن يُضربوا بالجريد والنعال» وبعدما ناظر حفص الفرد في مسألة خلق القرآن، قال الشافعي «لأن يبتلى المرء بكل ما نهى الله عنه سوى الشرك خير له من الكلام، ولقد اطلعت من أهل الكلام على شيء ما ظنت أن مسلما يقول ذلك».
فلما جاء المنتسبون للحديث من الشافعية ممن اعتزى لمذهب الأشعرية، كالبيهقي وابن عساكر، وهم أهل بصيرة بالآثار وأسانيدها، وجدوا حرجًا من نصوص إمامهم الشافعي الصريحة في ذم علم الكلام، بينما شيوخهم متكلمون يعطلون بعض الصفات، فحملوا نصوص الإمام الشافعي هذه على ذم القدرية الذين هم المعتزلة، ويبدو أن أول من سلك هذه الطريقة الإمام البيهقي (ت ٤٥٨هـ) حيث قال عن أمثال عبارات الشافعي السابقة (وإنما ذم مذهب القدرية)186، ثم جاء ابن عساكر (ت ٥٧١هـ) والتقط هذا التفسير من البيهقي وكرره، كقوله رحمه الله (فالشافعي إنما عني بمقاله: كلام حفص الفرد القدري وأمثاله)187.
فلما جاء أبو العباس ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ) وكانت المدارس العلمية في عصره قد غلب عليها الفكر الأشعري، وبنسخته الرازية خصوصًا، والتي تضخم فيها تعطيل الصفات وروح الفلسفة السينوية، ورأى عبارات السلف في ذم الكلام يصرفها هؤلاء إلى القدرية والمعتزلة؛ سعى ابن تيمية آنذاك لإبراز الجزء المهجور من المعطيات، وحرص على تأكيد أن كلام السلف -وخصوصًا الشافعي وأحمد - في ذم الكلام إنما ينصرف أصالةً لمعطلة الصفات لا لمعطلة القدر، وأن تأويل البيهقي وابن عساكر لكلام الشافعي يقصد به صرف دلالة النص عن ذم شيوخهم الأشعرية الذين يعطلون بعض الصفات، وأن محنة أحمد شارك فيها معطلة الصفات من غير المعتزلة، كما يقول ابن تيمية عن كلام السلف في ذم علم الكلام: (فمن الناس من يظن أنهم إنما أنكروا كلام القدرية فقط، كما ذكره البيهقي وابن عساكر في تفسير كلام الشافعي ونحوه، ليخرجوا أصحابهم عن الذم، وليس كذلك، بل الشافعي أنكر كلام الجهمية، كلام حفص الفرد وأمثاله، وهؤلاء كانت منازعتهم في الصفات والقرآن والرؤية، لا في القدر، وكذلك أحمد بن حنبل خصومه من أهل الكلام هم الجهمية الذين ناظروه في القرآن، مثل أبي عيسى محمد بن عيسى برغوث صاحب حسين النجار وأمثاله، ولم يكونوا قدريّة، ولا كان النزاع في مسائل القدر، ولهذا يصرح أحمد وأمثاله من السلف بذم الجهمية، بل يكفرونهم أعظم من سائر الطوائف)188.
ويعيد ابن تيمية هذا الربط مرة أخرى بين ذم السلف وتعطيل الصفات فيقول: (وقد بينا أن ذم الشافعي لكلام حفص وأمثاله لم يكن لأجل إنكار القدر، فإن حفصاً لا ينكره، وإنما كان لإنكار الصفات والأفعال، وهكذا كلام الإمام أحمد في ذم الكلام كان متناولاً لكلام الجهمية، وكلام أحمد وأمثاله في ذلك كثير ظاهر معلوم، فإن مناظرته للجهمية ورده عليهم، أشهر وأكثر من أن يذكر هنا، وكان من المناظرين له أبو عيسى برغوث، وهو على قول حسين النجار، والنجار من المثبتة للقدر، وكذلك كانوا يذمون المريسي وغيره من المثبتين للقدر، فبين أن كلامهم في ذم أهل الكلام لم يكن لأجل إنكار القدر، بل كان ذمهم للجهمية أعظم من ذمهم للقدرية)189.
والمراد من ذلك فهم واستيعاب البواعث التي حدثت ابن تيمية إلى هذا الحرص اللافت في إبراز الهويات غير المعتزلية المشاركة في محنة خلق القرآن، وأن غرضه الأساس هو إبراز الرابطة الحقيقية بينهم وهي تعطيل الصفات الإلهية، وبالتالي إبراز القدر المشترك بينهم وبين الأشعرية الذين يحاورهم ويناقشهم في زمانه. وهذه طريقة يستعملها ابن تيمية كثيراً، أعني إبراز الرابطة بين الأشعرية وبين معطة الصفات في الزمان الأول، وخصوصاً من جاء ذمهم صريحاً على لسان السلف، كقوله أن «هذه التأويلات الموجودة اليوم بأيدي الناس كما عند الرازي وأمثاله من الأشاعرة هي عين تأويلات بشر المريسي التي رد عليها الدارمي في كتابه، فمن رأى أئمة الهدى قد أجمعوا على ذم المريسية وعلم أن هذا القول الساري في هؤلاء المتأخرين هو مذهب المريسي: تبين الهدى لمن يريد الله هدايته»190.
وهذا الذي ذكره ابن تيمية في الصلات الدقيقة بين الأشعرية والجهمية تنبّه له العلماء المدققون من بعده، حتى قال المقبلي اليماني (ت ١١٠٨هـ) (لما رأى محققو الأشاعرة بطلان مذهب جهم، وعود مذهب الأشعري إليه بأدنى إلمام؛ تسللوا عنه لواذًا، فمنهم الراجع للحق، ومنهم المقارب)191، وهكذا قال العلامة جمال الدين القاسمي (ت ١٣٣٢هـ) (على أن المتكلمين المتأخرين المنسوبين للأشعري يرجع كثير من مسائلهم إلى مذهب الجهمية، كما يديره المتبحر في فن الكلام)192.
فهذه الاستمدادات المتسربة من الجهمية للأشعرية هي التي كان الإمام ابن تيمية مهتمًا برصدها وإبرازها، وهي دافعه الأساس للتأكيد على أن جنس المعطلة الجهمية هم الذين كانوا وراء المحنة، لا المعتزلة القدرية فقط، حتى لا يفلت القدر التعطيلي في الفكر الأشعري من دخوله تحت ذم السلف، باستراتيجية إلصاق ذم السلف بالقدرية لا المعطلة.
ونستخلص من المعطيات السابقة أن هناك فرقًا بين البراءة والمشاركة، أي فكرة (براءة المعتزلة من المحنة) وفكرة (مشاركة غير المعتزلة للمعتزلة في المحنة)، فالفكرة الأولى فكرة مغلوطة تحتاج لمعدات ثقيلة لجرف المعطيات التاريخية خارج المشهد، ودافعها المضمر هو الرغبة الاستشراقية في ترميم الصورة الليبرالية الموهومة للمعتزلة، أما التصور الثاني فهو تصور دقيق يستوعب الأسانيد التاريخية، ولا يستدعي التخلص من شيء منها.
وبرغم إقرارنا بكل وضوح أن هناك تيارات من معطلة الصفات شاركت المعتزلة إثم المحنة، وأن المعتزلة لم تبوأ بإثم المحنة لوحدها، إلا أننا يجب أن نوضح أيضًا أن هذه التيارات كانت تتعاون وتتعاضد بسبب حميمية المشترك التعطيلي بينها، فبشر المريسي كان يدعم الجاحظ لدى السلطان، برغم أنهما أعداء في القدر، إلا أنهما إخوان في رضاع التعطيل، وقد روى هذا التناصر الجاحظ نفسه، حيث يقول (وقال لي بشر المريسي: عُرض كتابي -أي كتاب الجاحظ- على المأمون في «تحليل النبيذ»، وبحضرته محمد بن أبي العباس الطوسي، فأنبرى للطعن عليه، فقلق المأمون واحتدم)193 ثم ذكر المريسي للجاحظ كيف دخل المجلس وانتصر لكتاب الجاحظ وذب عن قوله!
ومن الاستدلالات الخاطئة التي وقعت في استشراقيات المحنة وشرحها الحداثي العربي هو أنهم إذا رأوا أهل السنة يذمون الجهمية وينسبون المحنة للجهمية ظنوا أن هذا دليلًا على أنه لا صلة للمعتزلة بذلك، والواقع أن هذا قصور فظيع في فهم اللغة العقدية في التراث الإسلامي، فأهل السنة لا يقصرون مصطلح «الجهمية» علماً عينياً على أشخاص فرقة بذاتها، بل يستعملونه وصفاً موضوعياً للمعطلة بسائر طبقاتهم، ومظلة عامة يدخلون فيها من تلبس بشيء من نفي الصفات الإلهية، بدأ من الجهمية المحضة، وانتهاء بالجهمية الجزئية كالأشعرية والماتريدية، ولذلك يجعلون التجهم مراتب كما يقول ابن تيمية:
(الجهمية على ثلاث درجات، فشرها «الغالية» الذين ينفون أسماء الله وصفاته … والدرجة الثانية من التجهم: هو «تجهم المعتزلة» ونحوهم، الذين يقرون بأسماء الله الحسنى في الجملة لكن ينفون صفاته …، وأما الدرجة الثالثة: فهم الصفاتية المثبتون المخالفون للجهمية لكن فيهم نوع من التجهم، كالذين يقرون بأسماء الله وصفاته في الجملة لكن يردون طائفة من أسمائه وصفاته الخبرية، أو غير الخبرية، ويتأولونها كما تأول الأولون صفاته كلها …، وفي هذا القسم يدخل أبو الحسن الأشعري وطوائف من أهل الفقه والكلام والحديث والتصوف)194.
ولذلك فإن أئمة السنة اشتهر عنهم في حقبة المحنة وما بعدها قولهم «من قال القرآن مخلوق فهو جهمي»، برغم أنها صفة واحدة وهي صفة الكلام، ومع ذلك أدخلوه في وصف التجهم، ومن الغريب أن يخلط بعض مستشرقي المحنة في مفهوم الجهمية والتجهم، برغم أن صاحبهم المستشرق مونتجمري وات قد كتب مقالة في نفس مرحلة الستينات يتبع فيها إطلاقات الحنابلة لمصطلح الجهمية والتجهم، ويؤكد فيه سعة استعمالهم لهذا المصطلح (١).
وقد نبه على ذلك أيضاً العلامة جمال الدين القاسمي قبل زهاء مائة سنة من اليوم، في بحثه الذي نشره في مجلة المنار عام (١٩١٣م)، وقال فيه (انتشار آراء جهم وشيوع مسائله بين أولي العلم ولهج الناس بها كان سبق العصر الذي ظهرت فيه المعتزلة، إلا أنه سبق قريب…، إلا أن ما توافقوا فيه من هذه المسائل الكبيرة جعلهم كأهل المذهب الواحد، فلذلك أطلق أئمة الأثر لفظ الجهمية على المعتزلة، فالإمام أحمد في كتابه الرد على الجهمية، والبخاري في الرد على الجهمية، ومن بعدهم، إنما يعنون بالجهمية فيه المعتزلة، لأنهم كانوا في المتأخرين أشهر بهذه المسائل من الجهمية، ولكن كان غرض المتقدمين بالرد والمناقشة الجهمية، لأنها الأم لغيرها، والسابقة على سواها في الظهور) (٢).
وأما الاحتجاج بفكرة «سبق القول بخلق القرآن» وأنه ما دام أن القول بخلق القرآن مطروح قبل المحنة فهذا يعني أنه لا صلة للمعتزلة بالمحنة! فهذا من أغرب الاستدلالات، وهذا كمن يقول إن أبا جهل وأبا لهب وطبقتهم ليسوا مسؤولين عن الاضطهاد الذي عاناه الرسول ﷺ وأصحابه، لأن الشرك كان قبلهم حيث اخترعه في العرب عمرو بن لحي!
أو من يقول إن كل الاضطهاد المنسوب للحجاج هو غير مسؤول عنه، لأن مظالم بني أمية بدأت قبل ذلك مع يزيد بن معاوية! بل هذا كمن يقول إن الأشعرية لا ذنب لهم في التعطيل لأن ابن كلاب سبقهم، وما دخل كون الفكرة الباطلة سبق أن قيلت في براءة القائل المتأخر؟! لا أدري كيف جازت هذه المماحكة الاستشراقية على الحداثيين العرب حتى عدوها حجة تستحق التناقل؟!
وشتان بين بزوغ بدعة على أرصفة مجالس الجدل، وبين اندلاع نار الاضطهاد بقرار رسمي! ويروي الدميري قائلاً: (وقال غيره: إن القول بخلق القرآن ظهر في أيام الرشيد، وكان الناس فيه بين أخذ وترك، إلى زمن المأمون، فحمل الناس على القول بخلق القرآن، وكل من لم يقل بخلق القرآن عاقبه أشد عقوبة)195.
- المناورة الفانسية بمعيار المعتزلة:
ثمة تناقضات جوهرية في تعامل «فان إس» -ومن وافقه من المستشرقين والشراح العرب- مع تصنيف المعتزلة، حيث يتم استبعاد الشخصية من المعتزلة، أو إدخالها في رجالاتهم، بحسب المصلحة الإعلامية من دخول هذه الشخصية وخروجها، وليس هناك معيار علمي مطرد يطبق على الجميع.
ويساعد على هذه المراوغة في معيار المعتزلة خضوع مصطلح «المعتزلة» لتقلبات تاريخية في حدوده ومداه، فقد بدأ مصطلح المعتزلة كما هو معروف علماً على من يقول بالمنزلة بين المنزلتين مع واصل بن عطاء، ثم دخل عليهم نفي القدر وسموه (العدل) في نفس مرحلة البدايات، ثم تأثروا ببدعة الجعد والجهم في نفي الصفات وسموه (التوحيد)، وأما أصل إنفاذ الوعيد فهو مفهوم تبعي لأصل المنزلة بين المنزلتين، وأما أصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يعنون به الخروج المسلح على أئمة الجور فلا أعرف مؤشراً يكشف متى دخل عليهم، وخلال هذه الرحلة منذ واصل وعمرو بن عبيد، ثم أبا الهذيل العلاف وحقبة المحنة، ثم الجبائيين، ثم القاضي عبد الجبار في المرحلة البويهية، حدثت تفاصيل كلامية كثيرة اختلفوا فيها يتعذر استيعابها.
ومن المفارقات الطريفة في رحلة المعتزلة أن مصطلح المعتزلة بدأ علماً على من يقول بأصل «المنزلة بين المنزلتين» ولكن بذرة الإرجاء التي بذرها غيلان داخل هذه المنظومة استمرت في النمو، وغيلان يعده المعتزلة أحد أسلافهم العدلية، وكثر المخالفون من المعتزلة في أصل الوعيد، وشاع فيهم الإرجاء، حتى أصبح الإرجاء لا يخرج الرجل من وصف الاعتزال، وأصبح هذا تياراً داخلياً يسمى «مرجئة المعتزلة»، وصار مصطلح المعتزلة لا صلة له حاسمة بأصل إنفاذ الوعيد والمنزلة بين المنزلتين!
وفي نص ثمين جداً لأبي القاسم الكعبي البلخي يوضح فيه كيف انقلب الهامش على المتن، وخرج أصل «المنزلة بين المنزلتين» من المركز إلى الأطراف، حيث يقول:
(والاعتزال، رحمك الله، وإن كان سنذكر سببه، وهو القول بالمنزلة بين المنزلتين، فقد صار في يومنا هذا سمة لمن قال بالتوحيد والعدل، ولم يعتقد من سائر المقالات ما يزيل الولاية ويوجب العداوة، وزال عن من خالف التوحيد والعدل، وإن قال بالمنزلة بين المنزلتين، هذا ضرار وأصحابه يقولون بذلك، وليس تلزمهم سمة الاعتزال، ولا يقبلهم أهله)196.
هذا النص شديد الغزارة بالمعطيات، فالبلخي يوضح ارتباط أصل لقب المعتزلة بأصل المنزلة بين المنزلتين، ويؤكد خضوع اللقب للتطور التاريخي حيث قال «فقد صار في يومنا هذا سمة لمن..» بمعنى أنه لم يكن كذلك من قبل، ثم يوضح البلخي أن الأصلين المعترفين في الهوية الاعتزالية هما التوحيد والعدل، ويؤكد خروج أصل «المنزلة بين المنزلتين» من مكونات اللقب الاعتزالي، بل ويذكر نموذجاً لمن كان يقول بأصل المنزلة بين المنزلتين وهو ضرار وأصحابه المنتسبين لهم، ومع ذلك رفضهم متأخرو المعتزلة، لأن ضرار خالف في القدر.
وابن تيمية في رصده قريب من التصوير الذي يقدمه البلخي، حيث يقول ابن تيمية: (المعتزلة أولاً الذين كانوا في زمن عمرو بن عبيد وأمثاله لم يكونوا جهمية، وإنما كانوا يتكلمون في الوعيد وإنكار القدر، وإنما حدث فيهم نفي الصفات بعد هذا)197
والواقع أن هذا الاضطراب والتردد في لقب المعتزلة بقي إلى عصر القاضي عبد الجبار، حتى أن المستملي لكتابه شرح الأصول الخمسة، وهو أحمد بن الحسين، لاحظ تردد القاضي عبد الجبار في كتبه الثلاثة في تحديد الأصول التي يرجع إليها الاعتزال، حيث يقول: (اعلم أن ما يلزم المكلف معرفته من أصول الدين: أصلان اثنان، على ما ذكره رحمه الله في المغني، وهما: التوحيد والعدل. وذكر في المختصر الحسنى أن أصول الدين أربعة: التوحيد والعدل والنبوات والشرائع…، وذكر في الكتاب أن ذلك خمسة: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر…، والأولى ما ذكره في المغني)198.
وأما «مرجئة المعتزلة» فممن استعمل المصطلح أبو الوفاء ابن عقيل (ت ٥١٣هـ)199، ورأيت بعض المعتزلة الزيدية المتأخرين قد استعمله كالفقيه العزي محمد يحيى مداعس (ت ١٣٥١هـ)200، وقد ذكر المعتزلة في كتبهم عدداً من المعتزلة القائلين بالإرجاء، ومع ذلك لم يخرجوهم من عداد المعتزلة برغم إقرارهم بإرجائهم، ومنهم: غيلان بن مسلم201، وأبو شمر الحنفي202، وأبو كلدة203، وموسى الأسواري204، وأبو عمران مويس بن عمران ومحمد بن شبيب205، وأبو الحسين الصالحي206، وأبو سعيد الباسناني لكن ذكروا أنه رجع عنه207.
والقول بالإرجاء هو شرح فادح لأصل إنفاذ الوعيد والمنزلة بين المنزلتين، ومع ذلك لم يتردد المعتزلة في وضع هؤلاء المرجئة في قوائم الشرف الاعتزالي.
ونتيجة لهذه التقلبات والتحولات التاريخية للقب المعتزلة فقد صار معيار هذا اللقب متردداً، والذي يتحصل من استعمالات الناس لقب «المعتزلة» بحسب سعة وضيق ما يتناوله أنه يقع على ثلاثة مستويات:
الاستعمال الأول، وهو أضيق الاستعمالات، وهو من يقصر لقب المعتزلة على من يقول بكل الأصول الخمسة، فمن خرم أصلاً منها أخرجه من عداد المعتزلة، وهذا الضابط وإن كان يوجد نظرياً في كلام متأخري المعتزلة، كما في قول أبي الحسين الخياط (وليس يستحق أحد منهم اسم الاعتزال حتى يجمع القول بالأصول الخمسة)208، ولكن لا أحد عملياً يلتزم بذلك، لا من المعتزلة ولا من خارجهم.
والاستعمال الثاني هو من يجعل الاعتزال قائماً على ركنين هما (التوحيد والعدل) والتوحيد تعطيل الصفات والعدل نفي القدر، وهذا هو الاستعمال الرائج بين المعتزلة عملياً، وأشار له نظرياً أبو القاسم البلخي حين قال (فقد صار في يومنا هذا سمة لمن قال بالتوحيد والعدل)209، وهو أحد أقوال القاضي عبد الجبار التي رجحها أحمد بن الحسين حين قال القاضي (اعلم أن ما يلزم المكلف من أصول الدين اثنان: التوحيد والعدل)210.
وأما الاستعمال الثالث، وهو أوسع الاستعمالات، فهو من يُدخل تحت لقب المعتزلة كل من ينفي عامة الصفات الإلهية ويمنع في التعطيل، سيما الاستعلان بمسألة خلق القرآن، بغض النظر عن موقفه من القدر، والحقيقة أن كثيراً من المؤرخين والمقالاتين من خارج المعتزلة يميل لهذا الاستعمال، وهو استعمال فيه تسامح.
ومن الطبيعي أن يكون الاختلاف في المعيار يورث اضطرابات في التطبيق، وهذا هو الذي وقع فعلاً، فثمة شخصيات كلامية كثيرة اختلفوا في دخولها تحت لقب المعتزلة، ومن أشهر هؤلاء ضرار بن عمرو والحسين النجار ونحوهم من كبار المتكلمين الذين كانوا مشاركين للمعتزلة في تعطيل الصفات الإلهية ثم خالفوا المعتزلة في القدر.
فقد رأينا عدداً من المتكلمين ومؤرخي الفرق يعتبر هؤلاء من المعتزلة، كما يقول النوبختي (ت ٣١٠هـ) وهو شيعي معتزلي (وزعم عمرو بن عبيد وضرار بن عمرو وواصل بن عبيد وهم أصول المعتزلة)211، وقال في موضع آخر (وقال بقية المعتزلة ضرار ومعمار وأبو الهذيل ..)212.
فالنوبختي رمز متقدم عاش عمره العلمي في القرن الثالث، وهو يجعل ضرار بن عمرو من أصول المعتزلة، برغم مخالفة ضرار المشهورة للمعتزلة في القدر.
وقد نجد ما يدعم هذه العبارات للنوبختي فيما قاله شيخ معتزلة البصرة في وقته أبو يعقوب الشحام تلميذ أبي الهذيل، حين سئل عن عذاب القبر فقال (ما منا أحد أنكره، وإنما يحكى ذلك عن ضرار)213 فقد يقال أنه لم يستثن ما نسب لضرار إلا لأن ضرار محسوب عليهم فاحتاج للتنصيص على ما نسب إليه، فهذا محتمل.
ويضع الشهرستاني (ت ٥٤٨هـ) هذه الشريحة في عداد ما يسميهم «المعتزلة المتوسطين» حيث يقول: (وظهرت جماعة من المعتزلة متوسطين، مثل ضرار بن عمرو، وحفص الفرد، والحسين النجار، ومن المتأخرين خالفوا الشيوخ في مسائل)214، ولذلك لا يخرج الشهرستاني الموافقين للنجار عن لقب المعتزلة كقوله (وأكثر معتزلة الري على مذهب الحسين النجار)215، كل ذلك برغم معرفة الشهرستاني في كتابه ذاته أن الضرارية والنجارية مخالفون للمعتزلة في القدر كما يقول (والمصنفون في المقالات عدوا النجارية والضرارية من الجبرية، ونحن سمعنا إقرارهم -أي المعتزلة- على أصحابهم من النجارية والضرارية فعددناهم من الجبرية)216.
فيمكن أن نستنتج من ذلك أن الشهرستاني رأى النجارية في عصره -كالذين ذكرهم من أهل الري- ينسبون أنفسهم للمعتزلة ويرفضون الخروج عن لقبها، ولكن لأن كتب المعتزلة الجبرية كالضرارية والنجارية لم تصلنا، ووصلتنا كتب المعتزلة العدلية، أصبح المعاصرون يتبنون رأي المعتزلة العدلية في المعتزلة الجبرية، ومن الطبيعي أن تكون رواية ورأي من بلغتنا كتبه أكثر نفوذاً ممن لم تبلغنا.
وعبارة النوبختي -وهو متقدم تاريخياً- التي سبق نقلها حين جعل «واصل وضرار أصول المعتزلة» برغم مخالفة ضرار في القدر، توحي فعلاً بوجود وتخلق هذين الفرعين المعتزليين، أعني المعتزلة العدلية والمعتزلة الجبرية، ومما يمكن أن يؤكد هذا الاحتمال أن أبا الحسين الخياط في الانتصار له عبارة تجعل المظلة الكبرى هي مظلة تعطيل الصفات التي يسمونها التوحيد، وتجعل التبع هو القدر، كما يقول الخياط (أهل التوحيد رجلان: عدلي، ومجبر، لا ثالث)217، فكأن أهل التوحيد العدلية هم «المعتزلة العدلية»، وأهل التوحيد الجبرية هم «المعتزلة الجبرية»، فلو صح هذا الاحتمال فإنه يعني أن المفهوم الأساس والركن النهائي لدى المعتزلة هو تعطيل الصفات الذي يسمونه «التوحيد»، وليس جحد القدر الذي يسمونه «العدل»، وخصوصاً أنهم ذكروا أنه قد يوجد العدل دون الاعتزال218.
ويبدو لي أن المعطى الأساس الذي يزكي هذا الاحتمال أو يبطله هو جواب هذا السؤال: هل كان ضرار بن عمرو والحسين النجار يعدون أنفسهم من «مدرسة» المعتزلة أم لا؟
فإن كانوا يعدون أنفسهم من مدرسة المعتزلة فهذا يعني أن هناك فعلاً معتزلة جبرية غابوا عن المشهد التاريخي المعاصر بغياب كتبهم.
ومما يعزز احتمال كون أتباع المدرسة الضرارية والنجارية يعدون أنفسهم من المعتزلة هو كثرة تذمر المعتزلة العدلية من هذه النسبة، فإن كثرة التذمر مؤشر على وجود استمرار في نسبة هؤلاء للمعتزلة، ومن نماذج هذا الاستياء البيت المنسوب لبشر بن المعتمر حين قال عنهم:
فنحن لا ننفك نلقى عارا نفر من ذكرهم فرارا219.
ويكشف القاضي عبد الجبار (ت ٤١٥هـ) -وهو متأخر- استياءه من استمرار موقف القارئ الخارجي في نسبة هؤلاء للمعتزلة، ويوضح كيف نشأ هذا الخط، كما يقول:
(وكان من جملة من يختلف إليه -أي واصل بن عطاء- ويأخذ عنه: ضرار بن عمرو، ثم خُذِل من بعد، واعتقد الجبر، ومنه نشأ هذا المذهب، وفشا في الناس، فصنف وصنف أصحابه، ولما ذكرناه أخذ ابن الراوندي يشنع على أصحابنا بذكر مذاهب اختص بها ضرار بن عمرو، من حيث اختلط بأصحابنا على ما ذكرناه)220.
فهذا النص كأنه يضع أيدينا على بداية الانقسام الاعتزالي في مسألة العدل، وأن الأخذين عن واصل بن عطاء فرعان: عمروية أتباع عمرو بن عبيد يمثلون المعتزلة العدلية، وضرارية أتباع ضرار بن عمرو ويمثلون المعتزلة الجبرية، إن صح هذا الاحتمال طبعا. وأما مقصود القاضي عبد الجبار بتشنيع ابن الراوندي فهو يقصد فيما يبدو مقولة ابن الراوندي في كتابه «فضيحة المعتزلة» حين قال (فأما القول بالماهية فقد قال به شيخا المعتزلة ضرار وحفص الفرد)221، وابن الراوندي لا يتطرق الشك إلى خبرته بالداخل المعتزلي فهو «معتزلي سابق»، وإنما موضع الحذر والاحتراس في التعامل مع عبارته هو احتمالات الانحياز نتيجة خصومته الحادة مع المعتزلة.
وربما لاحظ القارئ حجم الالتباس في هذه المسألة، أعني المدى المعتمد للقب المعتزلة، وبسبب هذا الإشكال ابتكر ابن النديم المعتزلي (ت ٣٨٥هـ) مصطلحاً أو تمييزاً فرق فيه بين «المعتزلة المخلصين» و«المعتزلة غير المخلصين» كقوله تارة (نعود إلى ذكر المعتزلة المخلصين)222 وقوله عن الأصم (فأخرجته المعتزلة من جملة المخلصين)223 وسمى المبتدعة غير المخلصين (مبتدعة المعتزلة) كما قال عن ضرار بن عمرو (وهو من بدعية المعتزلة)224.
وأما الحاكم الجشمي (ت ٤٩٤هـ) فقد استعمل في التعبير عن هؤلاء مصطلحات سوقية وهي «أذئاب المعتزلة»، لكن هذه الشتيمة في باطنها تعبر فعلاً عن أزمة في تعيين موقع هؤلاء بالنسبة للمعتزلة حيث يقول الجشمي: (فأذئاب المعتزلة، ومن دونهم، رؤساء سائر الفرق، كضرار بن عمرو، أخذ عنهم ثم خالفهم فكفروه وطردوه، ومن عدّه من المعتزلة فقد أخطأ، لأننا نثيراً منه، فهو من المجبرة، وكحفص الفرد أخذ عنهم ثم خالفهم وصار من المجبرة، فصار رئيساً في النجارية)225.
ومما يساعد على هذا الاضطراب قابلية العقل الاعتزالي للانشقاقات المستمرة على خلفية المناظرات، فما أكثر ما ينتهي مجلس الجدل بانقسام فوري، يتبعه سبك الألقاب والتصنيفات الجديدة، حتى أنه ثار بينهم النزاع في المفاضلة بين واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، فصاروا قسمين: هذيلة ونظامية! كما ذكر الجاحظ الاختلاف في تفضيل (عمرو على واصل، فيرد بذلك الهذيلي على النظامي)226.
وأما علاقة المعتزلة بمسألة الإمامة، ومن ثم علاقتهم بالشيعة، والتسويات والتخفيضات التي حصلت من الفريقين بهدف التقارب، ومن ثم التلاحم اللاحق، فهذه مسألة تزيد لقب الاعتزال تعقيدًا، وليس هذا موضع بسطها، وقد كان هذا التلاحم مشروع وحلم أبي علي الجبائي الذي تحقق لاحقًا، حيث يروي المعتزلة (قال: بلغني أن أبا علي هم بأن يجمع بين المعتزلة والشيعة بالعسكر، وقال: قد وافقونا في التوحيد والعدل، وإنما خلافنا في الإمامة، فاجتمعوا حتى تكونوا يدًا واحدة)227.
حسنًا، من الواضح من خلال التفاصيل السابقة عمق الإشكال في معيار المعتزلة، ووجود الاختلاف في مداه سعةً وضيقًا، والواقع أن «فان إس» ومن شايعه من المستشرقين والشراح العرب، مارسوا شيئًا من المخاتلة والمداورة في استعمال معيار المعتزلة سعةً وضيقًا بحسب مصلحة تلميع المعتزلة أمام الذوق المعاصر، وسأضرب نموذجًا لذلك:
لما كان المأمون رمز الاضطهاد في واقعة المحنة حاولوا إقصاءه من دائرة المعتزلة بإبراز ما نقله ابن طيفور عن ثمامة أن المأمون ترك القول بالقدر، وما نقله أيضاً من أن المأمون قال بالإرجاء، وتجاهل «فان إس» الوقائع الأخرى التي تثبت تمسك المأمون بأصل العدل، والمعطيات الأخرى التي تثبت وجود تيار الإرجاء بين المعتزلة، وقد سبق بيان ذلك بشواهده.
وفي المقابل لما جاء «فان إس» وشراحه العرب لأبي موسى المردار الذي يسميه المعتزلة راهب المعتزلة فإنهم عظموه وأبرزوا انتماء المعتزلي، بل نسبه للمعتزلة في عنوان بحثه «خطبة المعتزلي المردار»(١)، ليستثمر سيرة هذا الراهب في تأكيد دعوى مجانبة المعتزلة للسلطان، وتجاهلوا أن أبا موسى المردار نفسه نُقل عنه المخالفة في القدر أيضاً، بمثل ما نقل عن المأمون!
وقد نقل هذا عن المردار شيخهم أبي الهذيل، حيث ينقل أخبر المقالاتين بأفكار المعتزلة وهو أبو الحسن الأشعري هذا عن أبي الهذيل حيث يقول (حكى أبو الهذيل عن أبي موسى أنه كان يزعم أن الله أراد معاصي العباد، بمعنى أنه خلي بينهم وبينها)228، ونص أبو الحسن على انفراد المردار عن المعتزلة في هذا حيث يقول (وأجمعت المعتزلة على أن الله سبحانه لم يرد المعاصي، إلا المردار، فإنه حكى عنه أنه قال: أن الله أرادها، بأن خلي بين العباد وبينها).
ومسألة «إرادة الله وقوع المعاصي وتقديرها كوناً» هي أصل مسألة القدر وينبوعها، وجوهر أصل العدل عند المعتزلة نفيها وسد الباب دونها، وإدارة النزاع ومحورته بهذه الصورة هو الذي يتبناه المعتزلة أصلاً، كما يقول الجاحظ: (كان اختلاف الناس في القدر: على أن طائفة تقول: كل شيء بقضاء وقدر، وتقول الطائفة الأخرى: كل شيء بقضاء وقدر إلا المعاصي)229.
وعلاقة هذه المسألة بأصل العدل عند المعتزلة، وأن القول بإرادة الله للمعاصي وتقديرها قادح في أصل العدل عندهم؛ ليس استنتاجاً شخصياً، بل هذه بديهية مشهورة، ومع ذلك فهم ينصون عليها، ففي كتاب القاضي عبد الجبار وفي الباب المخصص لأصل العدل عقد فصلاً قال فيه (فصل، في أنه تعالى لا يجوز أن يكون مريداً للمعاصي، واتصال هذا الفصل بباب العدل ظاهر…، وكونه تعالى عدلاً يقتضي أن تنفي عنه هذه الإرادة)230.
فنحن نسأل «فان إس» وشراحه العرب: لماذا تم إبراز المخالفة المنقولة عن المأمون في القدر برغم كثرة ما يعارضها، ولم يتم إبراز مخالفة راهب المعتزلة أبي موسى المردار في القدر؟ لماذا استعملتم مع المأمون المعيار الضيق للاعتزال لإخراجه من نادي المعتزلة، واستعملتم مع المردار «راهب المعتزلة» المعيار الواسع للاعتزال للاحتفاظ به في سجلات مناقب المعتزلة؟
وأنا لا أستبعد أن «فان إس» تفطن لذلك، لأنه منذ نصف قرن وهو منكب على جمع أقاويل المعتزلة، ولكنه يمارس دومًا آلية: تسليط الضوء على المعلومات المرغوبة، وإطفاء المصابيح عن المعلومات غير الملائمة، وإنما الذي أجزم أنه لا يستوعب هذه التفاصيل هم الشراح العرب كفهمي جدعان والجابري ونحوهم ممن كتب عن محنة الإمام أحمد ممن يشرب سرًا من سقاء المستشرقين.
- تهجين بلاء الإمام أحمد:
لما أنتجت المحنة عكس مقصود المعتزلة وتكتل معطلة الصفات، وخرج منها الإمام أحمد بجاه جماهيري مدوي، وتطامن له أقرانه من أهل الحديث، وصار يمشي في أزقة بغداد بأبهة السنة، قضم المعتزلة والمعطلة أصابع الغبن، وصاروا يناكدون أهل السنة بالاستخفاف والتحقير لبطولة الإمام أحمد في هذه المحنة.
ومن أول من نقل عنه ذلك ابن شجاع الثلجي (ت ٢٦٦هـ) وهو معاصر للإمام أحمد، ويعده المعتزلة منهم (١)، واختلف النقل عنه في القرآن على ثلاث صيغ مخلوق ومحدث والتوقف، وليس هذا موضع تفصيلها، وهو عالم بفروع أبي حنيفة أخذها عن الحسن بن زياد اللؤلؤي، وكثير من المعتزلة في تلك الحقبة ينتسبون في الفقه لأبي حنيفة، وكان الثلجي من المتحمسين في التشنيع على الإمام أحمد، وأما انتقاصه وتقزيمه للبلاء الذي أصاب الإمام أحمد فقد جاء عنه ذلك بطرق متعددة، حيث يقول بعض المؤرخين (جاء من غير وجه أن ابن شجاع الثلجي كان ينال من أحمد وأصحابه، ويقول: إيش قام به أحمد؟!) (1).
وواضح في هذه العبارة «أيش قام به أحمد؟!» حجم الامتعاض والكمد الذي يشعر به ابن الثلجي تجاه الانبهار الشعبي بصلابة الإمام أحمد، وأنه يحاول عبر هذا التقليل والتهوين تضميد جراح النرجسية الأيديولوجية بشيء من المكابرة.
وبقريب من حسرات ابن الثلجي هذه، فقد تنفس الجاحظ غبناً مماثلاً، وراح يعيد صياغة قصة المحنة بطريقة تظهر الإمام أحمد وكأنه كان في مجرد زيارة تكريمية لقصر المعتصم، لم يتعرض فيها إلا لشيء من عتاب الأحبة!
ففي رسالته «خلق القرآن» قام الجاحظ بإعادة رسم حكاية المحنة بطريقة مكشوفة لا تخفي رغبة التقليل والتصغير لما أصاب الإمام أحمد، والتكلف في إظهار رقة وعاطفية المعتصم، والتمحل في دعوى عبقرية صاحبه ابن أبي دؤاد، دعنا نتأمل سوياً كيف يروي الجاحظ الحكاية، يقول الجاحظ:
(وقد قال صاحبكم للخليفة المعتصم، يوم جمع الفقهاء والمتكلمين والقضاة والمخلصين، إعدارا وإنذارا: امتحنتني وأنت تعرف ما في المحنة، وما فيها من الفتنة، ثم امتحنتني من بين جميع هذه الأمة! قال المعتصم: أخطأت، بل كذبت، وجدت الخليفة قبلي قد حبسك وقيدك، ولو لم يكن حبسك على تهمة لأمضى الحكم فيك، ولو لم يخفك على الإسلام ما عرض لك . . . وما زال به رفيقاً، وعليه رفيقاً، ويقول: لأن أستحييك بحق أحب إلي من أن أقتلك بحق، حتى رآه يعاند الحجة، ويكذب صراحا عند الجواب . . . وأما الموضوع الذي واجه فيه الخليفة بالكذب، والجماعة بالقحة وقلة الاكتراث وشدة التصميم، فهو حين قال له أحمد بن أبي دؤاد: تزعم أن الله رب القرآن؟ قال: لو سمعت أحداً يقول ذلك لقلت. قال: أفما سمعت ذلك قط من حالف ولا سائل، ولا من قاص، ولا في شعر، ولا في حديث؟! قال: فعرف الخليفة كذبه عند المسألة، كما عرف عنوده عند الحجة. وأحمد بن أبي دؤاد -حفظك الله- أعلم بهذا الكلام، وبغيره من أجناس العلم، من أن يجعل هذا الاستفهام مسألة، ويعتمد عليها في مثل تلك الجماعة، ولكنه أراد أن يكشف لهم جرأته على الكذب، كما كشف لهم جرأته في المعاندة، فعند ذلك ضربه الخليفة، وأية حجة لكم في امتحاننا إياكم، وفي إكفارنا لكم . . . على أنه لم ير سيفا مشهورا، ولا ضرب ضربا كثيرا، ولا ضرب إلا ثلاثين سوطا مقطوعة الثمار، مشعثة الأطراف، حتى أفصح بالإقرار مرارا. ولا كان في مجلس ضيق، ولا كانت حاله حال مؤيسة، ولا كان مثقلا بالحديد، ولا خُليع قلبه بشدة الوعيد، ولقد كان ينازع بألين الكلام، ويجيب بأغلظ الجواب، ويرزنون ويخف، ويحلمون ويطيش، وعبتم علينا إكفارنا إياكم..231
واضح جداً في هذا النسج لرواية المحنة لمسات الصنعة والتزويق لإشعار القارئ برقة الجلاد وعنف الضحية! وفي هذه الرواية تناقضات داخلية، بل وتضارب مع رواية المعاصرين من غير الحنابلة، وستعرض لهذا قريباً.
وبعد أن دون الجاحظ (ت ٢٥٥هـ) هذه النسخة المؤدلجة لواقعة المحنة، التقطها المؤرخون المتأخرون من الشيعة والزيدية المعتزليون واستدمجوها في كتبهم كالمسعودي (ت ٣٤٦هـ) وابن المرتضى (٨٤٠هـ) ونحوهم مع شيء من التصرف أيضاً.
وقد بقيت هذه النسخة الجاحظية للمحنة غير معتمدة في عامة كتب التاريخ والتراجم، حتى جاء مستشرقو المحنة، وعلى رأسهم «فان إس»، وأشعل الأضواء على هذه الطبعة الجاحظية لحادثة المحنة، بل لام أصحابه المستشرقين لاحقاً على تأخر العناية بها232، وكان قد جاء فهمي جدعان، وأخذها عن المستشرقين من جملة الشحنة التي سبق شرح تفاصيل تهريبها.
وبرغم أن هذا الاعتماد على نسخة الجاحظ ينطوي على اقتراف جنائية منهجية في البحث العلمي وهي الاعتماد على رواية الجلاد وتكذيب رواية الضحية، إلا أن المستشرقين المتأخرين يعتبرون هذا من إنجازات «فان إس» ومن شايعه من مستشرقي المحنة! حتى قال المستشرق اليهودي المعاصر نمرود هورفيتز، المتخرج من جامعة تل أبيب ويدرس في جامعة بن غوريون بإسرائيل: (التحول الهام الذي صنعه هؤلاء العلماء في صياغة التاريخ هو استدماج الرواية السنية للمحنة في توصيفهم وتحليلهم)233.
فمن العجيب أن يفتخر المستشرقون دون أي غضاضة بأنهم يتبنون هاهنا قصة الجلاد عن رحمته وشفقته بضحاياه! ودعنا نناقش الآن مدى علمية هذه النسخة الجاحظية للمحنة:
فأول ثغرة تواجهنا في حكاية الجاحظ هي الارتطام بمنطق التاريخ، فالإمام أحمد حصد إعجاب وانبهار أقرانه من أهل الحديث وأئمة السنة وصاروا يتطاولون في تفخيم شأنه، فلو كان الإمام أحمد أقر مراراً كما يقول الجاحظ -لاحظ أنه يقول مراراً- فما الفارق بينه وبين أئمة السنة الذين امتنعوا أولاً عن القول بخلق القرآن، ثم لما قُيِّدوا في الحديد وأُمر بإشخاصهم للمأمون أجابوا، وخصوصاً من واصلوا الامتناع حتى ما قبل اللحظة الأخيرة، وهما سجادة أبو علي الحسن بن حماد (ت ٢٤١هـ) والحافظ عبيد الله بن عمر القواريري (ت ٢٣٦هـ)؟ وهكذا من امتحن فأجاب من الأئمة مثل السبعة الذي كان قد أمر بإشخاصهم كيحي بن معين وابن سعد وأبو خيثمة.
فإذا كان أحمد بن حنبل أقر «مراراً» فور مسه بعود لطيف الملمس كما يصوّر الجاحظ فما مبرر هذا الذهول والتعظيم من أقرانه له؟ فهو مثلهم، فقد اشتركوا في التقية أمام شعاع السيف، بمعنى أن رواية الجاحظ لا تستجيب لمنطق الواقع ولا تقدم تفسيراً لمعطيات تاريخية احتفت بالمحنة.
وتعظيم أئمة السنة والحديث من أقران ومعاصري الإمام أحمد له بلغ حد التواتر والاستفاضة وليس مروياً عن عائلة الإمام أحمد أصلاً، وسأذكر بعض النماذج:
فمن ذلك إمام فن العلل الحديثية أبو الحسن ابن المديني (١٦١-٢٣٤هـ) وقد كانوا يسمونه «حية الوادي» لدهائه في افتراس العلل في الأسانيد، وهو شيخ البخاري الذي علمه الصنعة، حتى قال البخاري «ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني»، وابن المديني أكبر سنّاً من الإمام أحمد، ومات قبل وفاة أحمد بسبع سنوات، وهو ممن ترخص وأجاب في المحنة خوفاً على نفسه من القتل وقد هددوه، ثم استدعاه ابن أبي دؤاد نفسه، ومع ذلك فقد جاء عنه بطرق متعددة أنه يقول: (إن الله أعز هذا الدين برجلين: أبو بكر الصديق يوم الردة، وأحمد بن حنبل يوم المحنة)234.
ونُقل عن ابن المديني عبارات تبجيل وتفخيم مماثلة تجاه موقف الإمام أحمد، وهذه العبارات من ابن المديني لها دلالات مضاعفة، ذلك أن ابن المديني ليس شخصاً هامشياً في علم الحديث، بل بعضهم يقدمه في معرفة العلل على الإمام أحمد ويقدمون أحمد في فقه الحديث، كما أنه أسن من أحمد بثلاث سنوات، والنفوس تستنكف عن تعظيم من يصغرها سناً، وهذا أغلظ من حجاب المعاصرة، إضافة إلى أن الإمام أحمد كان له موقف نقدي من إجابة ابن المديني في المحنة ومرونته في العلاقة مع ابن أبي دؤاد، والنفوس تستنقل مديح من ينقدها، ومع ذلك كله يبلغ ابن المديني بمنزلة موقف الإمام أحمد أن يشبهه بموقف أبي بكر الصديق يوم الردة!
ومن يعرف كيف يفكر العقل السني وما هي الرموز المعظمة في تفكيره يدرك هول هذا التشبيه وأن ابن المديني أراد به بلوغ الغاية النهائية من الإطراء، فلو كانت المحنة كما وصف الجاحظ، مجرد أعواد لطيفة الملمس ثم اعترف أحمد «مراراً» فما هو مبرر هذا الإيغال والإمعان في الإطراء من ابن المديني وتشبيه موقف أحمد بموقف أبي بكر الصديق؟!
ومن المتخصصين الكبار في علوم السنة النبوية أبو زكريا يحيى بن معين (١٥٨-٢٣٣هـ)، وهو من غطاريف علم الرجال، وبعضهم يقدمه على الإمام أحمد في معرفة الرجال، ويقدمون أحمد في فقه الحديث، وابن معين أسن من الإمام أحمد بست سنوات، ومات قبل وفاة أحمد بثمان سنوات، وابن معين من السبعة الذين كتب المأمون بإشخاصهم إليه فأجابوا لما هددوا، وكان الناس يعتبون على ابن معين لماذا لم يصبر مثل أحمد بن حنبل فكان ابن معين يقول: (أراد الناس أن أكون مثل أحمد بن حنبل، لا والله ما أكون مثل أحمد أبداً)235.
وهذا الخبر مروى عن ابن معين بإسناد كالشمس، حيث رواه صاحب الكتاب الإمام الحافظ عبد الرحمن بن أبي حاتم، عن الحافظ العباس الدوري، والعباس الدوري أصلاً له اختصاص بابن معين إذ لازمه وتخرج على يديه ونقل عنه كلامه في الرجال في كتاب مطبوع، عن ابن معين نفسه صاحب العبارة.
وفي عبارة ابن معين هذه دلالات غزيرة فهي تدل ضمناً أن الناس يضغطون على العلماء ليكونوا مثل أحمد بن حنبل، ثم يقول ابن معين مجيباً لهم في سياق التعظيم لأحمد أنه يتعذر عليه سلوك طريقة أحمد بن حنبل، ويحلف على ذلك، هذا برغم أنه أسن من أحمد ويشاركه التميز في التخصص وهو علم الحديث.
فلو كانت المحنة كما حكى الجاحظ إنما هي بضع أغصان ناعمة لم تحتضن أحمد حتى دلق الإقرار بخلق القرآن «مراراً» فلماذا يلح الناس على ابن معين أن يحتذي حذو أحمد، ولماذا يبدل ابن معين اليمين أنه لا يطيق سلوك طريق أحمد، ما مبرر كل هذا الجدل الشعبي؟! وما مسوغ هذه الأيمان؟
وهذا الحافظ الإمام أبو الوليد الطيالسي (١٣٣-٢٢٧هـ) وهو شيخ البخاري، بل هو شيخ هذه الطبقة كلها فقد روى عنه أبو داود والدارمي وأبو زرعة وأبو حاتم وغيرهم من أئمة الحديث، وهو أسن من الإمام أحمد بأحد عشر عاماً، ومع ذلك فقد روى عنه تلميذه البخاري عبارة فيها إجلال مندهش للإمام أحمد، حيث يقول البخاري في كتابه التاريخ الأوسط: (لما ضرب أحمد كنا بالبصرة، فسمعت أبا الوليد يقول: لو كان هذا في بني إسرائيل لكان أحدوثة)236.
وهذه عبارة لا تحتاج البحث في إسنادها أصلاً، لأن الإمام البخاري يرويها في كتابه عن القائل نفسه، وهو شيخه، وتشير هذه العبارة إلى أن ضرب الإمام كان حدثاً من قضايا الشأن العام حتى أنه تسامع الناس به، وتحدث به أهل البصرة وكان البخاري حينذاك هناك، ثم بلغ من تعجب أبي الوليد الطيالسي أن جعل ثبات الإمام أحمد أشبه بالخوارق التي تكون في الأمم السابقة، والأحدوثة هي الواقعة العجيبة التي يتحدث الناس حولها ويتناقلون خبرها.
ولم تكن مثل هذه العبارات لأقران أحمد تعليقات شخصية عابرة، بل كانت تحتل جزءاً من مجالسهم في تلك الحقبة المعاصرة للمحنة، وهذه القصة تعكس لنا شيئاً من مجالسهم، حيث يروي الحافظ أبو نعيم فيقول:
(حدثنا سليمان بن أحمد، ثنا محمد بن الحسين الأنماطي، قال: كنا في مجلس فيه يحيى بن معين وأبو خيثمة زهير بن حرب وجماعة من كبار العلماء، فجعلوا يثنون على أحمد بن حنبل ويذكرون من فضائله. فقال رجل: لا تكثروا بعض هذا القول. فقال يحيى بن معين: وكثرة الثناء على أحمد بن حنبل يستكثر؟! لو جالسنا مجالسنا بالثناء عليه ما ذكرنا فضائله بكمالها)237.
وهذا إسناد صحيح كما ترى فإن سليمان بن أحمد الذي يروي عنه أبو نعيم الخبر هو الحافظ الطبراني صاحب المعاجم الثلاثة المشهورة، وأما محمد بن الحسين الأنماطي الذي يروي عنه الطبراني فهو شيخه الذي أكثر عنه في معاجمه وهو أحد الثقات، ومحمد بن الحسين هذا من تلاميذ ابن معين، وهو يروي القصة التي حضرها في هذا المجلس الذي فيه أئمة كبار ومنهم ابن معين وأبو خيثمة (١٦٠-٢٣٤هـ)، وكلاهما من المجموعة التي سماهم المأمون في خطابه وطلب إشخاصهم إليه فأجابوا في المحنة وترخصوا.
والحقيقة أن النماذج من انبهار ودهشة وتعظيم أقران أحمد من أئمة الحديث له كثيرة، ولا يمكننا هاهنا أن نسترسل في سياقها، فليس هدفنا الترجمة، بل هدفنا استكشاف المضامين التاريخية والمناخ الفكري المودع فيها، ويمكن للباحث مواصلة فحص هذه النماذج فيما جمعه المؤرخون عن منزلة الإمام أحمد وتقييم أقرانه له، ولكن دعنا الآن نركز الخلاصة التاريخية من الشواهد السابقة، فالملاحظ في الشواهد السابقة أن كلهم أكبر سنًا من الإمام أحمد، وكلهم ماتوا قبل وفاته، فالإمام أحمد عاش في المرحلة (١٦٤-٢٤١هـ)، وأما البقية: ابن المديني (١٦١-٢٣٤هـ)، وابن معين (١٥٨-٢٣٣هـ)، وأبو الوليد الطيالسي (١٣٣-٢٢٧هـ)، وأبو خيثمة (١٦٠-٢٣٤هـ).
وهذا يعني أن هؤلاء كلهم ماتوا رحمهم الله قبل أن يؤلف صالح بن أحمد، وحنبل بن إسحاق، كتابيهما عن سيرة أحمد ومحنته! لأن هاتين الرسالتين لصالح وحنبل كتبنا بعد وفاة الإمام أحمد، وبالتالي فإن فرضية المستشرقين وشراحهم الحداثيين في أن محنة الإمام أحمد ضخمها صالح وحنبل واسترسل في الخيال متأخرو الحنابلة أنها فرضية مجدبة قاحلة تتناقض مع الواقع التاريخي، لأن الأئمة الذين تعجبوا وذهلوا من بسالة الإمام أحمد توفوا قبل أن تؤلف هاتان الرسالتان أصلًا!
والعلماء الذين أدركوا الإمام أحمد أخبرونا أن منزلة الإمام أحمد إنما صعدت عاموديًا بعد المحنة، وقد صُوِّر لنا هذا محدث أدرك هذه الحقبة، وهو شيخ الجرح والتعديل أبو زرعة الرازي (٢٠٠-٢٦٤هـ) حيث يروي عنه تلميذه عبد الرحمن بن أبي حاتم فيقول: (سمعت أبا زرعة يقول: لم أزل أسمع الناس يذكرون أحمد بن حنبل بخير، ويقدمونه على يحيى بن معين وأبي خيثمة، غير أنه لم يكن من ذكره ما كان بعد ما امتُحن، فلما امتُحن ارتفع ذكره في الآفاق، ولولا ما حصف المعتصم ودعا بعم أحمد بن حنبل ثم قال للناس تعرفونه؟ قالوا: نعم هو أحمد بن حنبل، قال فانظروا إليه أليس هو صحيح البدن؟ قالوا: نعم).
وهذه العبارة لا تكلفنا البحث في إسنادها، لأن الإمام ابن أبي حاتم يرويها عن شيخه أبي زرعة مباشرة ويسجلها في كتابه، وهذه العبارة الثمينة تقودنا إلى أن أحمد بن حنبل كان عالم حديث له وزنه بين المتخصصين، حتى أن كان يقدم على من هم أكبر منه سنًا من علماء الحديث مثل أبي خيثمة زهير بن حرب ويحيى بن معين، ولكن أبا زرعة ينبه إلى مستوى آخر من المنزلة وهو «الشعبية الجماهيرية» للإمام أحمد، ويكشف لنا أبو زرعة أنها التهبت بعد المحنة، أو بحسب عبارة أبي زرعة «فلما امتُحن ارتفع ذكره في الآفاق».
وأما قول أبي زرعة «ولولا ما حصف المعتصم» يعني به أن المعتصم تصرف بحنكة وحصافة سياسية تجاه غليان العامة وطلاب الحديث نصرة للإمام أحمد، وأنه أطلقه فهذا الناس، وأبو زرعة كان يتوقع أن المعتصم لو لم يفعل ذلك لربما وقعت فتنة، وأبو زرعة حين وقعت المحنة كان شابًا عمره في العشرينات، ومما يؤكد توقع أبي زرعة أنه قد تعددت الروايات التي جاء فيها أن بعض طلاب الحديث استأذنوا الإمام أحمد في الخروج المسلح فنهاهم وأمرهم بالصبر.
والنتيجة الأخرى التي نسجلها من هذه الشواهد التاريخية ونظائرها، هي ما سبقت الإشارة إليه، وهو أنه لو صحت رواية الجاحظ للمحنة وأن أحمد لم تمسه إلا ضربات لطيفة فأقر «مرارا» لكنا أمام معضلة في تفسير هذا الدوي الجماهيري الذي شارك فيه شيوخ أحمد الذين هم أكبر منه، مما يعني أن رواية الجاحظ لامتحان أحمد هي رواية مصنوعة لأغراض المناكدات الحزبية.
- التناقضات الداخلية في نسخة الجاحظ:
وأما التضاربات الذاتية في رواية الجاحظ فمن أطرفها أن الجاحظ في محاولته تقبيح صورة الإمام أحمد نسي نفسه أثناء اندفاعه وقدم لنا الإمام أحمد في صورتين متعاكستين، حتى كأننا أمام أحمدين بن حنبلين، ولسنا أمام أحمد بن حنبل واحد! ففي الصورة الأولى حاول تقديم أحمد بن حنبل أثناء المحاكمة أنه ذلك الشخص الخوار الضعيف المتملق للخليفة الذي اعترف «مرارا» فور الترييت على كتفه بغصن مليح، كما يقول الجاحظ في نصه الذي نقلناه آنفاً «على أنه لم ير سيفا مشهورا، ولا ضرب ضربا كثيرا، ولا ضرب إلا ثلاثين سوطا مقطوعة الثمار، مشعثة الأطراف، حتى أفصح بالإقرار مرارا. ولا كان في مجلس ضيق، ولا كانت حاله حال مؤيسة، ولا كان مثقلا بالحديد، ولا خلع قلبه بشدة الوعيد».
ولكن حماسة لعبة التشويه أذهلت الجاحظ عن نفسه، وقدّم لنا أحمد بن حنبل في نفس لحظة المحاكمة في صورة ضد هذه الصورة المرسومة، بأنه ذلك الشخص الشديد قوي الشكيمة المصمم الذي لا يكتراث، كما يقول الجاحظ نفسه في ذات النص «وأما الموضع الذي واجه فيه الخليفة بالكذب، وقلة الاكتراث وشدة التصميم»، «ولقد كان ينازع بالين الكلام، ويجيب بأغلظ الجواب، ويرزنون ويخف، ويحلمون ويطيش».
فأوقعنا الجاحظ في حيص بيص، وصرنا لا ندري هل الإمام أحمد -بحسب الجاحظ- خوار ضعيف، أم كان مصمماً غليظاً قليل الاكتراث؟!
والواقع أن الجاحظ لم ينتبه أنه مدح الإمام أحمد وأثبت ما أراد أن ينفيه، ففي قول الجاحظ (ولقد كان -أي أحمد بن حنبل- ينازع بالين الكلام، ويجيب بأغلظ الجواب) منقبة مذهشة للإمام أحمد، فمن يستطيع أن يجيب المعتصم بأغلظ الجواب إلا رجل مغوار رابط الجأش قلبه قلب الأسود؟!
لكن ما تفسير هذا التناقض الداخلي في التصوير المتعاكس لدى الجاحظ؟ الحقيقة أن هذا له صلة بأحد مكونات أسلوب الجاحظ، وهو ما يمكن تسميته أسلوب «الرفع والخفض المناقبي» الذي مارسه في كتبه، فأحد مستويات المعالجة في كتبه هو أنه يأتي لقوم ويجمع معايبهم ويعيد صياغتها بشيء من التصرف ببيانه الأدبي ويحطهم إلى أسفل درجة، ويأتي لقوم ويجمع مناقبهم ويعيد صياغتها ويتصرف فيها ويعليهم إلى أسمى درجة، وقد نبه لهذا الأسلوب لدى الجاحظ تلميذه السابق ابن قتيبة (٢٧٦هـ) الذي تركه وتمسك بالسنة، حيث يقول ابن قتيبة عن الجاحظ:
(ثم نصير إلى الجاحظ، وهو آخر المتكلمين، والمعايير على المتقدمين، وأحسنهم للحجة استثارة، وأشدهم تلطفاً لتعظيم الصغير حتى يعظم، وتصغير العظيم حتى يصغر، ويبلغ به الاقتدار إلى أن يعمل الشيء ونقيضه، ويحتج لفضل السودان على البيضان، وتجده يحتج مرة للعثمانية على الرافضة، ومرة للزيدية على العثمانية وأهل السنة، ومرة يفضل عليا رضي الله عنه ومرة يؤخره)238.
فهذا الأسلوب لدى الجاحظ يسميه ابن قتيبة أسلوب «تصغير العظيم وتعظيم الصغير» وهو ظاهر جداً فيما بلغنا من كتبه، كما في رسائله التي جمعت، وكتاب العثمانية المفرد، وكتاب الحيوان، ونحوها، والجاحظ يستعمل أحياناً في هذا الأسلوب كلمة «مفاخرة وتفضيل»، ويمكن مراجعة رسالته «مناقب الترك»، ورسالته «ذم أخلاق الكتاب»، ورسالته «مفاخرة الجواري والغلمان»، ورسالته «فخر السودان على البيضان»، ورسالته «مقالة الزيدية والرافضة»، ورسالته «تفضيل البطن على الظهر»، فكل هذه الرسائل قائمة على أسلوب «الرفع والخفض المناقبي».
ويبدو أن الجاحظ استحلى لعبة المناقضات هذه، لكنه في محنة أحمد قدم صورتين متعاكستين في آن واحد وفي نص واحد وفي قاعة واحدة!
وأما تناقضات رواية الجاحظ مع المعطيات التاريخية الأخرى، فمن أعجب ذلك تناقض رواية الجاحظ، مع خطابات المأمون بشأن المحنة! ومن ذلك أن الجاحظ يزعم أن الإمام أحمد لم يهدد بالقتل، ولم يقيد الأغلال والحديد، كما يقول الجاحظ في قصته التي سبق نقلها: «على أنه لم ير سيفاً مشهوراً…، ولا كان مثقلاً بالحديد، ولا خُلع قلبه بشدة الوعيد»، هذا ما يصوره الجاحظ برغم أن المأمون في خطابه المشهور الذي أرسله لعامله إسحاق بن إبراهيم يقول:
(ومن لم يرجع عن شركه ممن سميت لأمير المؤمنين في كتابك، وذكره أمير المؤمنين لك، أو أمسك عن ذكره في كتابه هذا ولم يقل إن «القرآن مخلوق»؛ فاحملهم أجمعين موثقين إلى عسكر أمير المؤمنين، مع من يقوم بحفظهم وحراستهم في طريقهم، حتى يؤدبهم إلى عسكر أمير المؤمنين، ويسلمهم إلى من يؤمن بتسليمهم إليه، لينصهم أمير المؤمنين، فإن لم يرجعوا ويتوبوا؛ حملهم جميعاً على السيف إن شاء الله، ولا قوة إلا بالله)239.
وهذا هو الذي وقع فعلاً فقد حُمل الإمام أحمد موثقاً بالأغلال، كما يروي ذلك «شاهد تاريخي» وقف على الحادثة بنفسه، وسجلها في كتابه، وهو الحافظ أبو الحسن العجلي (١٨٢-٢٦١هـ)، صاحب كتاب «معرفة الثقات» الذي علّقه عنه ابنه، وهو أثناء المحنة كان عمره قد شارف الأربعين عاماً، ويتوقع بعض الباحثين أن له صلة بمحمد بن نوح العجلي، إذ كلاهما ينتهي نسبه بـ «العجلي».
ومحمد بن نوح العجلي هو الشخص الوحيد -كما نعلم- الذي ثبت مع الإمام أحمد لكن مات في الطريق، ولما كانا في صور مشخصين إلى المأمون، دخل أبو الحسن العجلي على صاحبه محمد بن نوح العجلي، حيث يقول العجلي:
(دخلت على أحمد بن حنبل وأحمد بن نوح، وهما محبوسان بالصور، فسألت أحمد بن نوح كيف كان تقييده، يعني أحمد، وأحمد قريب منا يسمع، قال: لما امتحن أحمد جمع له كل جهمي ببغداد، فقال بعضهم إنه مشبه، وقال إسحاق بن إبراهيم والى بغداد: أليس تقول ليس كمثله شيء؟ قال بلى وهو السميع البصير. قالوا: شبه. قال: أي شيء أردت بهذا؟ قال: ما أردت به شيئاً، قلت كما قال القرآن. فسألوه عن حديث جامع بن شداد «وكتب في الذكر»؟ قال: كان محمد بن عبيد يخطئ فيه، قال إن كان محمد بن عبيد يقول «وخلق في الذكر» ثم تركه. وسألوه عن حديث مجاهد «إلى ربها ناظرة»، وحديث آخر عن مجاهد؟ قال: قد اختلط بأخرة. قال له إسحاق بن إبراهيم: أليس زعمت أنك لا تحسن الكلام؟! أراك قائما بحجتك! فطرح القيد في رجله)240.
وهكذا ذكره المؤرخ أبو علي مسكويه (ت ٤٢١هـ) وهو ليس محسوبًا على أهل السنة، بل هو مشتغل بالفلسفة وله اختصاص ببني بويه، ومع ذلك هو يؤكد واقعة تقييد الإمام أحمد بالسلاسل فيقول في سياقه للمحنة (فأجاب القوم كلهم «إن القرآن مخلوق» إلا نفسان، أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح، فشدًا في الحديد ووجها إلى طرسوس)241.
وأما تقييد الإمام أحمد بالحديد وتهديده بالسيف عند المعتصم فقد رواها هو عن نفسه رحمه الله، وهذا هو المعقول أصلاً، لأن المعتصم أغلظ من المأمون، بسبب طبيعة المعتصم الحربية العسكرية، في مقابل طبيعة المأمون ذات النزوع الفلسفي والميال للمناظرات والجدل.
- مدى موثوقية الجاحظ:
أي مطلع على كتابات الجاحظ يدرك أن المركز فيها هو التفنن في البيان الأدبي، وليس الدقة والرصانة في النقل والرواية، وخصوصًا إذا طالع المرء انحداره السلوكي، مثل كثرة إسفافه في حكاية الترهات والهزليات والألفاظ الفاحشة وشرعنتها(1)، وتجوز شرب المسكرات(2)، وتحسين إطلاق البصر في النساء ومنادمتهن(3)، ومع ذلك فقد أقر أصحابه المعتزلة أنفسهم بتصرفه في النقل لأغراض التشويه والتجميل، وسأذكر نموذجين لذلك:
فمن ذلك أن ابن أبي دؤاد نفسه يقول مخاطبًا الجاحظ (ما علمتك إلا كثير تزويق الكلام)242.
وابن النديم (ت ٣٨٠هـ) وهو معتزلي متشيع(5)، طعن في مصداقية الجاحظ في بعض ما ينقل، وأنه يعبث في العبارات المنقولة لأغراض شخصية، كما يقول ابن النديم (أظن أن الجاحظ حسن هذا اللفظ تعظيمًا لنفسه، وكيف يقول المأمون هذا الكلام؟)243.
وابن النديم ليس محل تهمة في هذا الطعن، فإنه موالٍ للمعتزلة.
وأما علماء اللغة فقد قدحوا في مصداقيته أيضًا، فقد قال إمام اللغة أبو منصور الأزهرى (ت ٣٧٠هـ) (الجاحظ أوتي بسطة في لسانه، وبياناً عذباً في خطابه، غير أن أهل المعرفة بلغات العرب ذموه، وعن الصدق دفعوه، وجرى ذكره في مجلس أحمد بن يحيى «ثعلب» فقال: اعزبوا عن ذكر الجاحظ فإنه غير ثقة ولا مأمون)244.
والحقيقة أن ظهور الصناعة والمبالغات والتكلف في رواية الجاحظ ظاهر جداً، وخصوصاً في هذه المواصفات التلطيفية الدقيقة التي زعمها في صفة العصا، وعدد الأسواط، والإقرار مراراً!
فهو يقول عن صفة العصا «ولا ضرب إلا ثلاثين سوطاً، مقطوعة الثمار، مشعثة الأطراف، حتى أفصح بالإقرار مراراً».
وثمرة السوط هي العقدة التي تكون عادةً في طرفه، وإزالتها يجعل الضرب لطيفاً، وكونه مشعث أي غير ملتئم فتحسب الضربة بحسب التشعيث كالشماريخ التي جاءت في آية الضرب بالضغث، وهذا يعني أن الإمام أحمد لم يضرب «فعلياً» إلا زهاء عشر جلدات بحسب رواية الجاحظ، والجاحظ يستمد صورته واستعاراته دوماً من أخبار التاريخ والأدب المنقولة والأحاديث المشهورة، وظني أنه تفنن في تركيب هذه الصورة من الأخبار التي نقلت في الضرب بالسوط، ومنها خبر قطع ثمار السوط، وخبر التشعيث لتقليل الضربات فعلياً.
حسنًا، لنفترض أن مجموع الضربات كلها في كل الأيام ثلاثون ضربة بعصا لطيفة كما يروي الجاحظ، فلماذا يفصح الإمام أحمد بالإقرار مرارًا؟ هل هذا يعني أنه يفصح بالإقرار كل ست ضربات مثلاً؟ فإذا كان اعترف مرارًا فلماذا استمر في الضرب بقية الثلاثين؟!
والحقيقة أن عدد الجلدات مسألة غير ذات دلالة أصلاً، لأن الضرب يتفاوت، والعبرة بكمية الإيذاء، فموسى وكز القبطي بضربة فمات، وأيوب ضرب مائة بضغث فيه مائة شمراخ فكانت رخصة. ولو أن الجاحظ رجل عفيف اللسان متصون في تقييماته لأخذنا كلامه عن محنة الإمام أحمد على محمل الجد، لكن الجاحظ سباب شتّام ما ترك أحدًا، حتى أنه عرّض بالخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز تقربًا لبني العباس، وقال عن عمر بن عبد العزيز «وزعمتم أنه كان ناسكًا ورعًا تقياً»245 ثم راح يطعن فيه بمعايب يزعمها نزه الله عمر بن عبد العزيز عنها، وهكذا لمز الإمام الشافعي وانتقصة واستخف بعلمه وأن الشافعي كان يفترض أن يتخصص في شعر الغزل كشعر جميل بثينة وكثير عزة! حيث يقول الجاحظ عن الشافعي (ما يصنعون الناس بما صنع ووضع، هلا اشتغل بشعر جميل وكثير، كان أصلح له من هذا)246.
ولا أظن باحثًا طالع كتاب الحيوان والرسائل للجاحظ إلا وشعر أن الجاحظ مهذار رغاء لا يدع موضوعًا جليلاً أو حقيرًا إلا تحدث فيه باللغو المفرط، حتى أن الحداثي محمد عابد الجابري شعر فعلًا بعدم جدية الجاحظ ووصفه بقوله (يقدم لنا الجاحظ نموذج المتكلم الثرثار، وهو معتزلي، يتكلم في كل شيء، لكن دائمًا من موشور قاعدته)247. وهذه الثرثرة تقود الجاحظ إلى فوضى العرض واختلال الترتيب ولذلك قال عنه أحمد أمين (والحق أن الجاحظ مسؤول عن الفوضى التي تسود كتب الأدب العربي، فقد جرت على منواله)248.
وفن الجاحظ وبحر علمه هو «البيان الأدبي» الذي لا يكاد يجاريه أحد في مضماره من أهل عصره، وجوهر الجمال الأدبي لنصوص الجاحظ هو قدرته على الجمع بين الجزالة والبلاغة بألفاظ معهودة غير وعرة، كما أشار له ابن حزم(3)، وابن حجر(4)، وأما الخبرة «بتمحيص المنقولات» فهذا فن أجنبي عنه، وليس من فرسان هذا الشأن.
ومن المهم أن نشير إلى أن ابن حزم له وجهة نظر مختلفة قليلاً، فهو يرى أن الجاحظ لا يتعمد الكذب، وإنما يتوسع في نقل المكذوبات فقط، كما يقول ابن حزم (وذكر عمرو بن بحر الجاحظ، وهو وإن كان أحد المُجَّان، ومن غلب عليه الهزل، وأحد الضلال المصلين؛ فإننا ما رأينا له في كتبه تعمد كذبة يوردها مثبتاً لها، وإن كان كثير الإراد لكذب غيره)249.
وهذا التقييم الذي يراه أبو محمد ابن حزم، وإن كنت أراه مرجوحاً يخالف ما توصلت إليه من الأدلة التي تبرهن أن الجاحظ يتعمد التلاعب في الصياغة والنقل للأغراض الشخصية، ومن أهمها إقرار أصحابه المعتزلة كابن أبي دؤاد وابن النديم، وتقييم تلميذه الأسبق ابن قتيبة وهو أخبر به، ونقل الأزهري عن علماء اللغة تكذيبهم له، إلا أنني نقلت تقييم ابن حزم لأن الموضوعية العلمية تقتضي أن لا أخفي ما يخالف النتائج التي توصلت إليها. وسواء كان الجاحظ نسج كذبة المحنة من عنده، أو أعاد صياغة هذه الكذبة ناقلاً لها عن غيره، فالمؤدى واحد، وهو أن هذه الرواية للمحنة هي رواية مفبركة لا يمكن الاعتماد عليها. وأما متأخرو المؤرخين، من الشيعة والزيدية المعتزليين، كالمسعودي (ت ٣٤٦هـ)، وابن المرتضى (ت ٨٤٠هـ)، وهم الذين ينوه بهم مستشرقو المحنة وشراحهم الحداثيون، فهم لم يأتوا بمعطيات جديدة، إذ لم يشهدوا المحنة، وإنما جاؤوا بعدها بقرون، وليس لديهم أسانيد عن أحد المعاصرين للمحنة، ومن تأمل ما كتبه مما يخالف الوقائع المشهورة أدرك أن روايتهم هي مجرد محاولة للتلفيق بين رواية الجاحظ ورواية المؤرخين المعاصرين للمحنة، وهذا يعني أن نسخة الجاحظ للمحنة هي فيروس التسمم الذي أحدث كل هذا الخط، وأنه كان فيروساً نائماً حتى حقنه المستشرقون في الفكر العربي عبر عيادة جدعان.
والمسعودي (ت ٣٤٦هـ) قال عنه الذهبي (كان معتزلاً)250 وقال ابن حجر (وكتب المسعودي طافحة بأنه كان شيعياً معتزلاً)، وهو زيادة على ذلك حاطب ليل لا يميز ما ينقل، حتى قال عنه ابن تيمية مرة (وفي تاريخ المسعودي من الأكاذيب ما لا يحصيه إلا الله، فكيف يوثق بحكاية منقطعة الإسناد، في كتاب قد عرف بكثرة الكذب؟)251.
وأما ابن المرتضى (ت ٨٤٠هـ) فهو من أئمة الزيدية المشهورين، ومن المعلوم أنه قد «صارت الزيدية كلهم معتزلة»252، وقد تولى منصب الإمامة للدولة الزيدية في اليمن في المرحلة (٧٩٣-٧٩٤هـ) حتى غُلب وسُجِن ثم انصرف بعدها للتأليف، وذكر الشوكاني وهو صاحب خبرة بتاريخ اليمن أن (عمدة زيدية اليمن في جميع جهاته على كتاب الأزهار وشرحه لابن المرتضى)253، وهو -أيضاً- من مؤرخي المعتزلة، وهو صاحب الكتاب الذائع «طبقات المعتزلة».
وهذه التصنيفات ليست تجنياً البتة، فالجاحظ مُترجم في طبقات المعتزلة، والمسعودي مُترجم في أعيان الشيعة، وابن المرتضى مُترجم في رجالات الزيدية.
- فرضية اختراع عائلة أحمد لأهوال المحنة
من الأمور التي كررها مستشرقو المحنة وشراحهم الحداثيون العرب أن أهوال المحنة إنما صاغتها بهدف الدعاية المذهبية عائلة الإمام أحمد بن حنبل ممثلة في ولده وابن عمه، وهما: صالح بن أحمد بن حنبل في كتابه (سيرة الإمام أحمد) وحنبل بن إسحاق بن حنبل في كتابه (ذكر محنة الإمام أحمد)، ثم جاء متأخرو المؤرخين وخصوصاً الثلاثة (أبو نعيم، وابن الجوزي، والسبكي) ونفخوا ما وصلهم من عائلة الإمام أحمد.
والواقع أن هذه فرضية غير علمية قاد إليها الاستعجال وشهوة التسييس، وليست صادرة عن دراسة فعلية للشخصيات التي شافهت أحمد ونقلت عنه قصة ضربه وتعذيبه وتهديده، فالواقع أن الذين نقلوا الضرب المروع الذي وقع على الإمام أحمد والأضرار الجسدية التي بقيت في جسمه مدة طويلة ووقوف عجيف على أحمد بالسيف ينخسه ويلكزه به مهدداً بالقتل كثيرون، ومنهم: أبو محمد ابن المبارك الطفاوي (٢٢٩هـ)، والحافظ الناقد أبو حاتم الرازي (١٩٥-٢٧٧هـ)، والحافظ محمد بن إبراهيم البوشنجي (٢٠٤-٢٩١هـ)، والإمام أبو بكر المروذي (٢٠٠-٢٧٥هـ)، وموسى بن الحسن البغدادي (ت ٢٨٧هـ)، وبكر بن محمد بن الحكم صاحب أحمد السابق عن أبيه، والحافظ حنبل بن إسحاق (٢٠٠-٢٧٣هـ)، وصالح بن الإمام أحمد (٢٠٣-٢٦٦هـ)، عبد الله بن الإمام أحمد (٢١٣-٢٩٠هـ).
ثم إن أخبار هؤلاء تفرقت بالأسانيد عنهم في كتب التاريخ والعقيدة وغيرها، وممن روى عنهم: ابن أبي حاتم في كتابه «الجرح والتعديل» وغيره، وأبو العرب التميمي في كتابه «المحن»، وأبو نعيم في «حلية الأولياء»، وابن بطة في «الإبانة»، والخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد»، وابن الجوزي في «مناقب الإمام أحمد».
وهؤلاء التسعة الذين ذكرت أسماءهم ليسوا هم من نقل أخبار المحنة، بل هؤلاء هم بعض من رأيتهم نقلوا عن أحمد التهديد بالقتل أو الأضرار الجسدية التي استمر يعاني منها بعد الضرب، أما أخبار المحنة وما فيها من تفاصيل المناظرة والسجن وغير ذلك فالمرويات أكثر وأكثر.
والتهديدات والأضرار التي تتابع عليها الرواة عن أحمد هي تهديده بالقتل، ونخس عجيف له بالسيف على عنقه وهو يناظر المعتصم، وخلع كتفه أثناء الضرب، والإغماء عليه، واستمرار تألمه سنوات بعد ذلك، وسجنه خلال سنتي (٢١٨-٢٢٠هـ) ثم الإفراج عنه من السجن والحكم عليه بالإقامة الجبرية، ثم الحكم عليه بالإبعاد عن بغداد أيام الواثق.
وتبدأ الأهوال التي تعرض لها الإمام أحمد بتهديده بالقتل من قبل المأمون وأنه قيد في السلاسل والأغلال، ليحمل إلى المأمون، من بغداد إلى طرسوس، طبقاً لتوجيه المأمون نفسه في خطابه شديد اللهجة الذي بعثه في سنة ٢١٨هـ، كما سبق نقل هذه النصوص، وطرسوس تقع اليوم ضمن نطاق تركيا.
وقد شاهد الإمام أحمد أئمة السنة ترخصوا كلهم واحداً بعد واحد، وغالبهم من كبار علماء الحديث الذين هم أكبر منه سناً، وهذه لها تأثير نفسي خانق على المناضل أن يرى أصحابه يتراجعون تدريجياً، وخصوصاً أن خلفاء بني العباس الهاشميين سيوفهم تتجشأ من دماء منافسيهم السياسيين، منذ بداية دولتهم ضد بني أمية، وحتى التطاحن بين الأخوين الأمين والمأمون، ما كفت الدماء عن الجريان، وقد لخص ذلك الذهبي بقوله:
(ثم هاجت المسودة بخراسان، وما زالوا حتى قلعوا دولة بني أمية، وقامت الدولة الهاشمية بعد قتل أمم لا يحصيهم إلا الله، ثم اقتتل المنصور وعمه عبد الله، ثم خذل عبد الله، وقُتل أبو مسلم صاحب الدعوة، ثم خرج ابنا حسن وكادا أن يتملكا فقُيلا، ثم كان حرب كبير بين الأمين والمأمون، إلى أن قُتل الأمين، وفي أثناء ذلك قام غير واحد يطلب الإمامة)254.
والإمام أحمد، والجبل الذي ينتمي إليه؛ ماتزال ذاكرتهم التاريخية متوهجة بهذه الأحداث، فهم يدركون جيداً أن تهديد الخليفة المأمون بالسيف ليس مزحة ثقيلة الظل، وبعض المعاصرين ممن يستخف بهذا لو اتصلت بهاتفه جهة أمنية وأعطته مجرد رسالة استدعاء غامضة لشربته الأرض من هول ارتعاده، ومع ذلك تجده يستهين باستدعاء الإمام أحمد للعرض على السيف، من جزار قتل الآلاف قبله.
ثم مات المأمون في طرسوس أو بالبلندون، بينما كان أحمد بن حنبل مقيداً في الطريق إليه وكان قد بلغ الرقة، فأعيد الإمام أحمد إلى السجن ببغداد، وبقي مسجوناً منذ سنة ٢١٨هـ.
ولما استقرت الأمور للمعتصم، وتحرك عمه إسحاق في ملفه، استدعي الإمام أحمد من سجنه، فلما دخل على الخليفة يرسف في قيوده، وبدأوا في مناظرته، والخليفة المعتصم ممتعض يريد كلمة موافقة، فلكره عجيف بالسيف، وهذا مشهد مشدود مرعب، أن يكون خليفة المملكة الإسلامية يناظرك منزعجاً يريد منك كلمة فيها شيء من المطاوعة فقط، ومن بجانبه ينحسك بالسيف، وليس بينك وبين الموت إلا أن يشير بيده غاضباً لسيافه!
حيث يقول الإمام أحمد عن نفسه:
(قام إلي، يعني المعتصم، فقال: يا أحمد، علام تقتل نفسك؟ إني والله عليك لشفيق. قال: فجعل عجيف ينخسني بقائمة سيفه وقال: أتريد أن تغلب هؤلاء كلهم؟! وأشار أبو عبد الله إلى عنقه يريني بيده هكذا)255.
وأول ضرب للإمام أحمد كان في صبيحة ٢٥ رمضان ٢١٩هـ، وكان ضرباً عنيفاً لإرغامه على النطق بكلمة مطاوعة واحدة، وبقيت آلامه وآثاره في جسده مدة طويلة، وقد روى الإمام الذهبي بإسناده إلى الإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم، عن أبيه الحافظ الناقد أبي حاتم الرازي (١٩٥-٢٧٧هـ)، حيث يقول أبو حاتم:
(أتيت أبا عبد الله بعد ما ضرب بثلاث سنين أو نحوها، فجري ذكر الضرب، فقلت له: ذهب عنك ألم الضرب؟ فأخرج يديه، وقبض كوعيه اليمين واليسار، وقال: هذا، كأنه يقول: خُلع، وإنه يجد منهما ألم ذلك)256.
فهذا كما ترى خبر متقدم عن معاصر للإمام أحمد ونقله عن الإمام مباشرة، وليس له صلة بكتاب صالح بن الإمام أحمد، ولا كتاب حنبل بن إسحاق، وهو يروي عن أحمد نفسه الذي وقع ضحية الضرب.
ولا يمكننا أن نسترسل في ذكر المزيد من الشواهد التاريخية، وفيما يلي نماذج كافية على زيف فرضية اختراع عائلة أحمد للبلاء الذي أصاب الإمام أحمد، وأنه شيء استفاض واشتعلت أخباره في عصر أحمد نفسه، وانتشر عبر الأسانيد الخارجة عن أقارب أحمد.
وأهم من ذلك كله أنه هدد بالقتل ورأى من قتل فعلاً كابن نصر الخزاعي أيام الواثق، فالأمر جد، فرجل يجلد ويهدد بالقتل ويصبر، على مجرد كلمة يسوغ له أن يقولها مكرهاً، فكيف يدعون أن ما أصابه أمر يسير ضخمته عائلته؟! وفي عبارة بديعة للإمام ابن تيمية يصوّر فيها شيئاً من هذا البلاء فيقول:
(فإنه -أي الإمام أحمد- أعطي من الصبر واليقين ما يستحق به الإمامة في الدين، وقد تداوله ثلاثة خلفاء مسلطون من شرق الأرض إلى غربها، ومعهم من العلماء المتكلمين والقضاة والوزراء والسعاة والأمراء والولاة من لا يحصيهم إلا الله، فبعضهم بالحبس، وبعضهم بالتهديد الشديد بالقتل وبغيره، وبالترغيب في الرياسة والمال، ما شاء الله، وبالضرب، وبعضهم بالتشريد والنفي، وقد خذله في ذلك عامة أهل الأرض حتى أصحابه العلماء والصالحون والأبرار، وهو مع ذلك لم يعطهم كلمة واحدة مما طلبوه منه، وما رجع عما جاء به الكتاب والسنة، ولا كتم العلم، ولا استعمل التقية257.
والحقيقة أن هذا التشكيك في بلاء الإمام أحمد دون براهين علمية، وإنما بالارتيابات المفتوحة هو عمل مجاني لا يجذب الباحث الجاد، وهذا التشكيك المفتوح دون براهين يشبه من يأتي للبلاء الذي أصاب الخليفة عثمان بن عفان ومحاصرته وقتله صبراً، فيقول هذا كله مرويات مزيفة اخترعها معاوية والأمويون للدعاية السياسية!
أو من يأتي لمحنة الحسين بن علي بن أبي طالب وقتله الشنيع البشع ويقول هذا كله غير صحيح فموتة الحسين موته طبيعية ولكن الشيعة فبركوا موته للتهييج التراجيدي، أو من يأتي لمحنة سعيد بن جبير وقتل الحجاج له ويقول أن هذه قصة مزيفة اصطنعها خصوم الحجاج الكثيرون وخصوصاً بقايا حركة ابن الأشعث، وهكذا.
فهل هذا منهج علمي، وماذا سيبقى من المحن لا يمكن أن يأتي لها المشكك ويتهم أصحاب الممتحن وعائلته بتضخيم محنته دون براهين علمية؟! فبمجرد أن يستحضر الباحث إمكانية سحب هذه التشكيكات المرسلة بلا بينات على كل المحن في التاريخ يدرك فوراً درجة السخف الإشكالي في هذه الأطروحات.
وأما ما يذكرونه من أنه وقع بين الروايات السنية اختلاف في عدد الجلدات، فالواقع أن هؤلاء يظنون أن بلاط الخليفة في تلك الأيام هو محكمة رصينة تصدر فيها الأحكام محددة وتسجل بدقة، وهذا بسبب تفكيرهم في حقبة تاريخية بروح حقبة تاريخية مختلفة، فالواقع أن أوامر ولاية الجور وخلفاء السوء في تلك الأيام بجلد فلان وسجن فلان وقتل فلان هي في كثير منها أوامر مزاجية يبدأ الجلد برفع يد الوالي للجلاد، وينتهي بإشارته بالتوقف، وليست صك حكم جنائي مستأنف مفصل البيانات محدد التنفيذ!
وفي مثل هذه الأحوال والظروف التاريخية من الطبيعي جداً أن يختلف الرواة في ذكر عدد الجلدات، ومن يستعمل الاختلاف في عدد الجلدات وسيلة لتكذيب واقعة التعذيب، يشبه من يستعمل اختلاف شهود العيان والصحفيين في ذكر عدد الضحايا في المجازر ليكذب وقوع المجزرة نفسها!
وهل يسوغ أن يأتي باحث لاختلاف الصحفيين في ذكر عدد المتظاهرين في اعتصام معين ويستعمل هذا التفاوت في تكذيب وقوع الاعتصام وأنه مضخم؟! وهكذا تجد الحقوقيين يتفاوتون في ذكر عدد السجناء تعسفياً في نظام معين، وتجد المؤرخين يختلفون في ذكر أعداد المقاتلين في الحروب، فهل هذه الاختلافات في رواية الأعداد مسوغ لإبطال أصل القصة؟! هذا السلوك هو ما صنعه مستشرقو المحنة وشراحهم الحداثيون العرب حين وظفوا اختلاف المؤرخين في عدد الجلدات التي ضرب بها الإمام أحمد ليتوصلوا بذلك لتكذيب اضطهاد الإمام أحمد.
وأما وجود «أخبار ضعيفة الإسناد» في تاريخ المحنة، فهذا حق، لكنه ليس اكتشافاً معاصراً، فما زال المحققون من أهل العلم والتاريخ يبينون زيف المرويات الخاطئة، أو يفصحون للقارئ عن الإسناد ويبرؤون من العهدة، وهذا ما سنبينه في النموذج القادم.
- التهويل بمرويات الخوارق الواهية
وأما ما ورد في قصة المحنة من ذكر السروال وأنه كاد يسقط فدعا أحمد فثبت، والتي يسميها بعض المستشرقين تهكماً «معجزة السراويل»، فهذه قصة لا تحتاج كل هذا الجهد الذي بذله المشككون في المحنة، فقد ضعف هذه القصة مؤرخو أهل السنة مبكراً، حتى قال الذهبي عن قصة السراويل (هذه حكاية منكرة، أخاف أن يكون داود وضعها)258.
بل لقد ضعف الذهبي كثيراً من المرويات في أخبار المحنة التي ساقها أبو نعيم بأسانيد ضعيفة، حتى قال الذهبي أثناء عرضه لبعض ما ذكره أبو نعيم من أخبار المحنة (وقد ساق صاحب الحلية من الخرافات السمجة هنا ما يستحيا من ذكره)259.
بل حتى ابن الجوزي المتسامح في تصحيح الأخبار يقول: (قلت: وقد نقل إلينا حكايات في قصة ضربه لم يثبت عندنا صحتها فتنكبناها)260.
وبرغم أن نقد الذهبي نقد متميز حصيف عودنا على مثله الإمام الجهيد الذهبي، إلا أن فيه قسوة على الحافظ أبي نعيم غير مبررة، فأبو نعيم لم يشترط الصحة في كتابه، بل جرى على طريقة أهل الحديث في أن من أسند فقد برئ من العهدة، والإسناد أمام القارئ يميز فيه الصحيح من الضعيف، ولم يقل أبو نعيم أن كل ما في كتابه صحيح، وإنما يُنْتَقَدُ جامعو الأخبار على ضوء شروطهم، ولذلك كان البخاري مثلاً لا يخرج في صحيحه إلا الصحيح المنخول، ويخرج في كتبه الأدب المفرد وخلق أفعال العباد والتاريخ الكبير ما هو دون ذلك، لاختلاف الشرط، وقسوة الذهبي هنا على أبي نعيم تشبه قسوته الأخرى غير المبررة أيضاً على الحافظ العقيلي.
ثم إن هذه القصة -أعني ما يسميه المستشرقون سخرية «معجزة السراويل»- لم يروها حنبل بن إسحاق ولا صالح بن الإمام أحمد أصلاً، وإنما رواها أبو نعيم بالأسانيد فبرئ من عهدها كما سبق بيانه، كما هي طريقة أهل الحديث، وإسناد القصة فيه متهم نبه عليه الذهبي.
لكن من أين جاء المستشرقون بهذا التشنيع بقصة السراويل؟ الحقيقة أن أول من رأيته شنع بهذه القصة هم المعتزلة، وأتوقع ولست متأكداً أن المستشرقين التقطوا الفكرة عن المعتزلة، فقد ذكر القاضي عبد الجبار المعتزلي هذا التشنيع في كتابه تثبيت دلائل النبوة، حيث يقول: (وقد صار في هذه الأمة من يسلك هذا السبيل، ويؤكد دعواه بادعاء الآيات والمعجزات والتواريخ والأيام، كادعاء الحنبلية أن المعتصم بن الرشيد لما ضرب أحمد بن حنبل انحل عنه مئزره فخرجت كف فشدت مئزره، وأن المعتصم وتلك الجماعة من القضاة والفقهاء والمحدثين لما رأوا ذلك راعهم وخلى المعتصم ضربه وخضع له) (١).
والملاحظ فيما سبق أن التقليل والاستهانة من البلاء الذي أصاب أحمد هذه هي أصلاً دعوى المعتزلة، وليست استنتاجاً بحثياً معاصراً، بل كل الذي صنعه المستشرقون أنهم أعادوا عرض مزاعم المعتزلة وروايتهم في تشويه الإمام أحمد، ثم تلقاها الشراح العرب وأعادوا تعليبها للقارئ العربي.
والمدهش حقاً، كيف يترك هؤلاء المستشرقون إخبار الإمام أحمد بن حنبل بنفسه عما وقع له، وهو صاحب القصة، وهو ممن لا يشك باحث في موثوقيته وزهده في المال والشهرة، ويتلقون خبر المحنة عن خصوم عقائديين (الجاحظ، المسعودي، ابن المرتضى) وثلاثتهم ما شهدوا الواقعة أصلاً، وثلاثتهم ما نقلوها بإسناد أصلاً ولا كشفوا من نقل لهم هذه المعلومة، وثلاثتهم متضاربون في التوصيف؟! كلما تأملت مثل هذه المقارنات كنت أزداد حيرةً كيف لم يتفطن الحداثيون العرب لهذا الخلل الفادح في المنهج العلمي لدى المستشرقين؟!
- تسييس دوافع الإمام أحمد:
من العجيب حقاً أن يظن بعض المستشرقين وشراحهم الحداثيين العرب في طعنهم في غرض الإمام أحمد ومن امتنع معه أن غرضهم سياسي، يظنون أن هذه فكرة حديثة، كما يقول الشارح فهمي جدعان مثلاً في اتهام الإمام أحمد بأن عينه على الجمهور:
(وقد كان أحمد بن حنبل يعلم أن المصدر الرئيسي لقوته يكمن في العامة، فكان يقيس حركاته وسكناته، لا في ضوء مقياس رضوان الله وحده، وإنما أيضاً في ضوء ما يترتب على هذه الحركات والسكنات من تأثير على الناس والعامة)261.
والحقيقة أن هذه ليست فكرة حديثة البتة، بل هذه فكرة غسلها التاريخ، وهي فكرة خلفاء المحنة، فهم الذين يشوهون أهل العلم بالأغراض السياسية، حيث قال المأمون في رسالته الثالثة (فقد بلغ أمير المؤمنين جواب كتابك فيما ذهب إليه ملتمسو الرئاسة)(2)!
فيسمي المأمون العلماء الممتنعين عن الجواب في البداية «ملتمسو الرئاسة» وأنهم يطلبون الرياء والجاه في موقفهم العقدي.
وهكذا لما امتنع المحدث سعدويه الواسطي في البداية قال المأمون في خطابه (وأما سعدويه الواسطي، فقل له: قبح الله رجلاً بلغ به التصنع للحديث، والحرص على طلب الرئاسة فيه)262.
ولم يكن المأمون فقط هو الذي طعن في مقاصد الإمام أحمد ومن معه، واتهمهم بالدوافع السياسية، بل حتى المعتصم قال للإمام أحمد (قد بلغني أنك تحب الرياسة)263، بل إن المعتصم بلغ به الأمر إلى عرض إغراءات سياسية على أحمد حتى قال له (إن أجبني إلى ما يكون فيه خلاص لك، أطلقت عنك، ولأتينك في حشمي وموالي، ولأطان بساطك، ولأنهن باسمك يا أحمد)264.
وأما ربط المستشرقين وشراحهم الحداثيين العرب بين (الحسبة) و(خراسان)، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مرتبط بالمعارضة الخراسانية، فهذا الربط سبق أن ظهر في إشارات المعتزلة، ولكن لا أدري هل المستشرقون أخذوها من المعتزلة؟ أم هو استنتاج للمستشرقين؟ وأما الإشارة لهذا الربط فقد جاء في الحيوان للجاحظ في أنماط التعبد والتنسك بحسب الجغرافيا والنسب قوله: (وَنُسُكُ الْخِرَاسَانِي أَنْ يَحِجَّ وَيَنَامَ عَلَى قَفَاهُ، وَيَعَقِدَ الرِّيَاسَةَ، وَيَتَهَيَّأَ لِلشَّهَادَةِ، وَيَبْسُطَ لِسَانَهُ بِالْحَسَبَةِ)265. ففي هذا النص يربط الجاحظ بين تدين أهل خراسان، وبين الحسبة وطلب الرئاسة.
وعلى أية حال، هذه دعوى غير مبرهنة، ولم يأتوا بأي دليل علمي أن الإمام أحمد دافعه في المحنة هو البحث عن السلطة، بل الذي تتابع الرواة في النقل عنه هو زهده في الناس وابتعاده عن الأضواء، واعتزل الناس في نفس الحقبة التي قفزت فيها جماهيريته، حتى أن مسنده نفسه لم يروه عنه إلا خاصته من عائلته، برغم تهافت الناس على السماع منه، والكلمة التي قالها أبو بكر المروذي للإمام أحمد تكشف هذا الشعور لدى الناس، حيث يقول أبو بكر المروذي (قلت لأبي عبد الله إن بعض المحدثين قال لي: أبو عبد الله لم يزهد في الدراهم وحدها، قد زهد في الناس!)266.
والذي لم يتفطن له المستشرقون وشراحهم العرب أن «التسييس غير المبرهن قابل لإثبات العكس»، بمعنى أنه يمكن قلب الدعوى التسييسية على المستشرقين وشراحهم العرب أنفسهم، وسأضرب مثلاً متخيلاً لذلك:
يمكننا أن نقول مثلاً بأنه طالما أن بحث «فان إس» المطول عن «ضرار بن عمرو والجهمية» والذي تعرض فيه لمحنة الإمام أحمد بن حنبل إنما ظهر عام ١٩٦٧م، وهذه السنة هي عام حرب إسرائيل على فلسطين وهزيمة العرب التي تسمى نكسة حزيران، فمن المحتمل أن البحث له خلفيات سياسية متصلة بتهيئة الأجواء العقدية وكسر الرموز الملهمة وخضد شوكة المقاومة العقدية، ويدعم ذلك أن أبحاث «فان إس» أعاد إنتاجها عربياً شخص «فلسطيني» وهو فهمي جدعان، ثم نُشر كتاب جدعان في مطلع التسعينات الذي هو وقت هبوط القواعد الأمريكية في الخليج، بما يوحي أن الهدف تخذيل الممانعة الحنبلية في المنطقة.
فهل هذا التفسير السابق مقبول؟ لا، طبعا، بل الباحث الموضوعي يدرك أنه مجرد طرفة خصبة الخيال، لكن الهدف من هذه الطرفة إظهار إمكانية التسييس المفتوح غير المبرهن، وأن التفسير السياسي إذا خرج عن درب العلم والمنهجية البحثية الصارمة انعكس على صاحبه وأكل الأخضر واليابس.
- تسييس دوافع خلفاء المحنة:
وأما الأطروحة التي تجادل بأن المأمون لم يعلن المحنة إلا لأهداف سياسية وهي كسر سلطة أهل الحديث، فالبحث فيها غير مجد، لأنها لا تزودنا بقرائن ودلائل تاريخية، وإنما تتحدث عن توقعات وتخرصات تجول في مكونات قلب المأمون، وهذا بالنسبة لنا نشاط لا صفي، ولذلك أعرض عن الانشغال به المؤرخون المسلمون الذين يحترمون البحث التاريخي العلمي.
وإنما الذي يعيننا أن خلفاء المحنة اضطهدوا أهل السنة لإجبارهم على تعطيل الصفات الإلهية، وساعدهم على ذلك كوادر المعتزلة وطوائف التعطيل، وثبت في المحنة الإمام أحمد ثباتاً خلب ألباب معاصريه، هذا هو الواقع التاريخي بكل وضوح وبلا تكلف وتعسف وتمحل في التنديس في صدور أئمة السنة أو خلفاء المحنة.
ومع ذلك فإن تهافت المستشرقين على تسييس دوافع المأمون في إعلان المحنة ناشئ بسبب خلل في التفكير العلمي لديهم ومنهج التفسير بصورة عامة، فهم يتوقعون أن الناس لا يمكن إلا أن يكونوا مدفوعين بدوافع سياسية، ولذلك ينقرون عن السياسة بين سواري المساجد فضلا عن إيوان الخلفاء، والحقيقة أن الواقع ليس بهذه الصورة، بل الواقع أكثر تعقيداً.
فمن يدرس وقائع حقبة المحنة في المصادر التاريخية الإسلامية يلاحظ أنها تنتهي إلى منظور تفسيري «مركب»، حيث يعرض المؤرخون المسلمون في ثنايا روايتهم للمحنة معطيات عقدية وثقافية وسياسية واجتماعية، تنتهي بتفسير محنة القول بخلق القرآن بعوامل «مركبة» متضاربة، وأما التسييس الذي يلهج به المستشرقون ويبتلعه الحداثيون العرب فهو تفسير فقير ضحل لا يستوعب غنى النفس البشرية وكونها تمور بالدوافع المختلطة.
ولقد تفاوتت نظرات المؤرخين المسلمين حيال هذه القضية، فأما المأمون فبعضهم يميل إلى أنه أعلن المحنة «عن اعتقاد»، ويرى بعضهم أن المعتصم مغرم بالفروسية ولا يهوى الفلسفة وإنما واصل الطريق لأن المعطلة أشعروه أنه إن تراجع انكسرت حرمة الخلافة، كما قال ابن أبي دؤاد وإسحاق بن إبراهيم للمعتصم (ليس من التدبير تخليته هكذا يا أمير المؤمنين، هذا يناوى خليفتين، هذا هلاك العامة)267، وذكر الإمام أحمد أن المعتصم عزم على ضربه بعد أن سمع نظير هذا التحريض، وأما الواثق فسيرته تدل على تعظيمه لعلم الكلام واعتقاده إياه فتشريده لأحمد يدل على أنه كان عن اعتقاد فعلاً.
وأول من رأيته من علماء المسلمين المعاصرين دخل في مثل هذه الأحداث بالبحث عن العامل السياسي هو العلامة جمال الدين القاسمي، في بحثه الذي نشره قبل قرن من اليوم في مجلة المنار عام (١٩١٣م)، حيث ذكر فيه مثلاً عن حادثة قتل الجهم بن صفوان (ومن تأمل ما قص يعلم أن قتل جهم إنما كان لأمر سياسي، لا ديني، وقد صرّح بذلك «سلم» رئيس شرطة نصر)268.
كما أن المؤرخ العربي عبد العزيز الدوري سبق أن طرح في الأربعينات (١٩٤٥م) تفسيراً لشخصية المأمون بأنها شخصية ذرائعية حيث يقول (يمكن تقدير شخصية المأمون بأنه كان منصورياً، أو ميكافلياً، في سياسته، بارعاً بأساليب الدعاية، ويهتم كثيراً لها)269، ومصطلح (منصوري) نسبة إلى أبي جعفر المنصور، وهو مصطلح يستخدمه الدوري يعني به السياسة الانتهازية، ولا أعرف إن كان أول من سبكه أم سبقه له غيره.
وأما الذي ظهر لي شخصياً من خلال دراسة تاريخ المحنة فهو أن إعلان المأمون للمحنة لا يتعلق بدوافع سياسية ولا انتهازية، بل هو أبعد ما يكون عن ذلك، فإن أسذج الناس فهماً في السياسة يدرك أن إقامة محاكم التفتيش على العقيدة وفصل الموظفين المخالفين أنها خرافة سياسية لا تمت للدهاء بصلة، ولا أدري كيف يصدق هؤلاء هذه الفكرة!
وإنما حقيقة إعلان المحنة مرتبط ميكانيكياً بطبيعة ونمط «شخصية» المأمون ذاتها، فهو شخص في غاية العنجهية والتقلب، وإذا اعتقد شيئاً تطلع لحمل الناس عليه، وركب الأهوال لذلك، وإذا اقتنع بضده تدحرج إلى جُرف الطريق المعاكس فوراً غير آبه، حمل الناس على المتعة ثم رجع، وأخرج الخلافة عن عصيته بني هاشم وذهب بها للعلويين، فخسر عصبية بني هاشم وكاد يحرق ملكه في لحظة، ثم رجع، ولبس الخضرة وترك لبس السواد شعار الهاشميين، ولبس أهل بغداد الخضرة ومزقوا كل أسود، ثم عاد ورجع ولبس السواد، فطرح قواده الخضرة، وكتب في وصيته أن يكبر على جنازته خمساً، وأرسل لجنده أن يكبروا ثلاثاً، ولم يصل العيد حتى انتصف النهار، وقال ليحيى بن أكثم أشتهي أن أجلس للتحديث، ووضعوا له منبراً، وقام وأخذ يتلو الأسانيد، ثم تركه وقال «ما رأيت له حلاوة»، وحمل الناس على خلق القرآن ثم مات، ولا ندري لو عاش كيف كان سيصنع!
فالقضية أبعد ما تكون عن فرضية التدبير السياسي لكسر سلطة أهل الحديث كما يقول هؤلاء، بل هي نزوات طاغية مركبة من هوى عقدي وشهوة تسلط، هذا هو الفهم الطبيعي الموضوعي للأمور.
- تشييع دوافع المأمون:
سبق أن عرضنا أطروحة بعض مستشرقي المحنة في تشييع دوافع المأمون، والحقيقة أن كون المأمون له انحيازات شيعية هذه حقيقة كلاسيكية متداولة أكدها المؤرخون الموضوعيون كما قال الذهبي (وكان المأمون معروفا بالتشييع)270.
بل أشار الأديب أبو بكر الخوارزمي (٣٨٣هـ) في رسائله أن عصر المأمون فرح به الشيعة، حيث يقول (ليس من فرق الإسلام فرقة، إلا وقد هبت لأهلها رويحة، ودالت لها دولة، كما اتفق المختار بن عبيد للكيسانية، ويزيد بن الوليد للغيلانية، وإبراهيم بن عبيد الله للزيدية، والمأمون لسائر الشيعة، والمعتصم والواثق للمعتزلة، والمتوكل للنواصب)271.
ومن مظاهر الميول الشيعية للمأمون إصداره قرارًا بإباحة نكاح المتعة(3)، وأخذه البيعة بولاية العهد للرضا علي بن موسى(4)، ولبسه الخضرة شعار العلويين وطرح السواد شعار العباسيين272، ووصيته وهو على فراش الموت لأخيه المعتصم برعاية العلويين إذ قال له «وهؤلاء بنو عمك من ولد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فأحسن صحتهم وتجاوز عن مسيئهم»273.
ولكن يعكر على هذه الأطروحة، أن كل هذه المظاهر قام المأمون بضدها أيضاً! فنكاح المتعة عدل عنه فوراً لما روى له يحيى بن أكثم تحريمه، وتحويل الأمر للعلويين عدل عنه وولى أخاه المعتصم، ولبس الخضرة عدل عنه ورجع للسواد شعار العباسيين، وبالتالي فهذه الوقائع إنما تعبر عن اضطراب وتقلب نمط شخصية المأمون، وكونه يحمل فسيفساء فكرية وتشكيلة عشوائية منتخبة من مذاهب عصره، أكثر من كونها تدل على مشروع شيعي سياسي أيديولوجي ضد أهل الحديث.
وأما ما ورد في وصية المأمون وهو على فراش الموت بأن يكبروا في صلاة الجنازة عليه خمس تكبيرات فقد اعتبرها المستشرق سوردل دليلاً على تشيعه، لكن هذا يعكر عليه أن التكبيرات الخمس في الجنازة ليست مما يختص به الشيعة، بل التكبيرات الخمس في الجنازة قول لأبي يوسف وهو قاضي البلاط العباسي274، وقول معروف مبكر في فقه أهل العراق أشار له محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة (1).
بل التكبيرات الخمس على الجنازة جاءت في صحيح مسلم من حديث زيد بن أرقم (وإنه كبر على جنازة خمسا، وقال كان النبي ﷺ يكبرها) (2)، وفيه كلام في إحكامه ونسخه، والإمام أحمد بن حنبل يعتبر التكبيرات الخمس من الوجوه الجائزة إذ جعلها رحمه الله من أربع إلى سبع (3)، وفي المسألة تفاصيل فقهية وتاريخية ليس هذا موضع بسطها (4).
وقد أكد -أيضاً- أحد أشهر متفقهة الشيعة، وهو الشريف المرتضى (ت 436هـ)، أن القول بتخميس تكبيرات الجنازة ليس من خصائصهم، ففي كتابه «الانتصار» الذي اعتنى فيه بتمييز ما انفردت به الإمامية وما اشتركت فيه مع غيرها، يقول (ومما ظُنَّ انفراد الإمامية به: القول بخمس تكبيرات في صلاة الجنازة..) (5).
وهذا ليس شاهداً هامشياً، بل هو ذو وزن مرجعي، فإن ابن الأثير في جامعه لما عدّد المشار إليهم في كل طبقة، ذكر أن الشريف المرتضى هو رأس متفقهة الإمامية في المائة الرابعة275.
والمأمون نفسه عدّ هذا من الخلاف السائغ لا من مسائل الاختصاص، كما نقل عنه الجاحظ في البيان والتبيين (قال المأمون: لنا اختلافان: أحدهما كالاختلاف في الأذان وتكبير الجنائز، والاختلاف في التشهد وصلاة الأعياد وتكبير التشريق، ووجوه القراءات واختلاف وجوه الفتيا وما أشبه ذلك. وليس هذا باختلاف إنما هو تخيير وتوسعة).
على أن الموضوعية تقتضي أن نذكر أيضًا أن القاضي عبد الجبار نقل في طبقاته أن ابن أبي دؤاد صلى على أبي الهذيل خمس تكبيرات، وعلى هشام الفوطي أربعًا، وقال (كان أبو الهذيل يشيع لبني هاشم) (2)، فهذا مما يدعم هذه الأطروحة في دلالة تخميس تكبيرات، وإن كنت أراه مرجوحًا لكن ذكرته لمقتضيات الموضوعية البحثية.
- تنازع الرؤوس:
هل هذه النتائج الاستشراقية التي ابتلعها الحداثيون وأعادوا إنتاجها للقارئ المحلي هي مما يتواطؤون عليه ويتفقون عليه؟ لا، طبعًا، فأحد رموز مدرسة المراجعين الشكوكيين وهو مايكل كوك اتهم «فان إس» بأنه يعتسف تركيب المعطيات ليصطنع الاكتشاف!
كما يقول كوك:
(فان إس لم يقم فقط بتضخيم عدد النصوص، ولكنه أول باحث تعامل مع هذه النصوص على أنها كتلة واحدة، لا أنها مستندات منفصلة، يعامل كل واحد منها في سياقه الخاص، ومن المفهوم أن فان إس يجب أن يلعب دوره بشيء من حماسة الاكتشاف، وهو قد حشد حججاً كثيرة للتدليل على موثوقية نصوصه، ولكن هذه الحجج، بلا استثناء تقريباً، فاسدة)276.
ونحن نعلم أن مايكل كوك وصاحبته كرون واتجاههم الذي بلغ ذروة الجنون الريبي، كيهودا نيفو وجوديث كورين، أبعد اعتسافاً من فان إس، بل لا نسبة بينهما أصلاً، بل يغدو فان إس أمامهم تمثالاً للوداعة الموضوعية، وأين فان إس من الكهانة الوانسبرية في كتاب الهاجرة لهما؟! ولكن المراد إظهار تناقضات المستشرقين حتى تنكسر صلابة التقليد في المبهورين بهم من العرب، كما قال ابن تيمية:
(النفس إذا علمت أن ذلك القول قاله من هو من أئمة المخالفين، استأنست بذلك واطمأنت به، ولأن ذلك يبين أن تلك المسألة فيها نزاع بين تلك الطائفة، فتتحل عقد الإصرار والتصميم على التقليد)277.
وقد تكون دوافع مايكل كوك لهذا الهجوم الكاسح على فان إس ممزوجة بالانتقام من موقف فان إس النقدي القاسي الهاجرة الذي سبق أن نقلنا نصه فيما سبق، فبين القوم ثارات ونكايات تلتحف معطف الدراسة الموضوعية.
وبرغم أن الإنصاف والموضوعية البحثية تقتضينا أن نعرف أن المستشرقين أكثر دأباً وجلداً في جمع المعلومات وتتبع المخطوطات من الحداثيين العرب، بل لا نسبة بينهما، وخصوصاً قدامى المستشرقين، إلا أننا نؤكد أيضاً أن هذا يجب أن لا يقود الباحث الحداثي إلى الإطراق برأسه والانكسار والإذعان أمام المستشرقين، فلهم زلات وعثرات تبلغ الفكاهة فيها أن تدخل السرور على الثكالى، وسأذكر نماذج لذلك.
فمن طرائف سقطات المستشرقين، وخيالاتهم الخصبة، أن المستشرق النمساوي المبكر شبرنجر (ت ١٨٩٣م) في كتابه المشهور عن «حياة محمد» لاحظ أن القرآن ينقل عن مشركي قريش رفضهم لما جاء به محمد ﷺ بأنه أساطير الأولين كما قال الله ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] فتوهم هذا المستشرق أن «أساطير الأولين» اسم كتاب ينقل منه محمد، وأن مشركي قريش يشيرون إلى هذا الكتاب! كما يقول شبرنجر في كتابه («أساطير الأولين؛ اسم كتاب» ولكن ليس لدينا إلا معلومات قليلة جداً بالنسبة لمصدره ومحتواه …، وهذا الكتاب من المحتمل أن يكون مترجماً عن الإغريقية كما يوحي بذلك عنوانه278.
ومن الأخطاء الطريفة لجولدزيهر أنه توهم أن حديث «ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة» أن المقصود به ثلاث وسبعون فضيلة ومنقبة! حيث يقول جولدزيهر: (يرجع أغلب الخطأ في هذا إلى علماء الكلام المسلمين أنفسهم، إذ أساؤوا فهم حديث من الأحاديث النبوية، قصد به في الأصل تمجيد الإسلام وإعلاء شأنه، فخصه بقدر من الفضائل والمزايا، بلغت في عددها ثلاثاً وسبعين، تقابلها من فضائل اليهودية إحدى وسبعون، ومن المسيحية اثنتان وسبعون، فهمها الكلاميون على أنها ثلاث وسبعون فرعاً أو فرقة)279.
وأشهر من كتب عن القرآن بين المستشرقين هو المستشرق الألماني نولدكة (١٨٣٦-١٩٣٠م) وله هالة وفخامة وجاه في نفوس المستشرقين، ووقع في أخطاء عجيبة في فهم النصوص، وتفسير ظاهرة جمع القرآن، وحين ألف كتابه الضخم هذا كان عمره (٢٤) سنة، وهذا ما يفسر العشوائية والاندفاع في الكتاب، حتى أنه لما طبع الكتاب طبعة ثانية قام على تنقيحها تلميذه وصديقه شفالي قدم نولدكة لهذه الطبعة وعمره (٧٣) سنة، وأشار في مقدمته هذه إلى حماقاته في هذا الكتاب، وأن سببها صغر سنة حينذاك، حيث يقول نولدكة عن كتابه في مقدمة الطبعة الثانية المنقحة: (آثار الوقاحة الصبيانية لن يمكن محوها بالكلية، من دون أن يعاد تأليف الكتاب من جديد، بعض ما قلته حينذاك، بقليل أو كثير من الثقة، انعدمت ثقتي به لاحقاً)280.
هذا هو نولدكة الكهل وعمره (٧٣) سنة يتحدث عن نولدكة اليافع الذي كان عمره (٢٤) سنة، والغريب حقاً أن المستشرقين والحداثيين العرب مازالوا يعتمدون على نولدكة اليافع الذي شهد عليه نولدكة الكهل بـ «الوقاحة الصبيانية».
- لبرلة التكفير المعتزلي
تشنج المعتزلة، يعتبر أفضل نموذج يعبر عن التعسف الاستشراقي والتكلف في تفسير التاريخ، فمحاولة النظر إلى المرجئة -مثلاً- بأنهم تيار تسامح أمر معقول، أو محاولة النظر إلى التفسير الإشاري الصوفي بأن له صلة بالمناهج التأويلية أو الغنوصية فهذا تفسير مفهوم لأن ثمة قدراً مشتركاً، أما أن يكون المعتزلة وهم أهل التكفير واستباحة دم المخالف هم نموذج الليبرالية والحرية فهذا غاية ما يكون من الغرابة، لأنها محاولة تعليب الليبرالية في أبعد قالب عن التناسب معها، وأكثر طائفة تتناقض مع مبادئها.
ولطالما قلت في نفسي: أما وجد المستشرقون طائفة تراثية أقرب لليبرالية من المعتزلة التكفيريين الإقصائيين أهل العصا والسيف؟! وسأنقل نماذج من هذا التشنج التكفيري لدى المعتزلة: فمن ذلك مثلاً أن المعتزلة -كما هو مشهور- يسمون أهل السنة «النوابت» و«الحشوية» وهي ألقاب سوء سبكوها للتنفير، وقد جاء الجاحظ وتكلم عن أئمة أهل السنة في عصره وكون غالب المجتمع من العامة محب لهم، فسحب التكفير عليهم كلهم! ولم يتحاش التصريح، ولا غمغم في العبارة، حيث يقول الجاحظ في لغة تكفير شمولية (حتى نجمت هذه النوابت، وتابعتها هذه العوام، فصار الغالب على هذا القرن الكفر)281. وسبب التكفير عنده أن أهل السنة يثبتون الصفات والقدر!
ولعل القارئ لاحظ التكفير التعميمي للمجتمعات المسلمة حيث قال «فصار الغالب على هذا القرن الكفر»، إنه «الغالب» وليس البعض! ولم يكتف الجاحظ بتكفير «غالب المجتمع المسلم» في عصره والحكم عليه بالردة، بل ذهب إلى أسبق من ذلك، وكفر المسلمين في عصر معاوية بن أبي سفيان، والسبب عنده أنهم لم يكفروا معاوية، حيث قال عن معاوية بن أبي سفيان (فخرج بذلك من حكم الفجار إلى حكم الكفار)282، ثم قال عن المجتمع المسلم في عصر معاوية (على أن كثيرا من أهل ذلك العصر قد كفروا بترك إكفاره)283.
لكن يستدرك الجاحظ ويرى أن أهل السنة في عصره أشد كفرًا عنده من معاوية ويزيد بن معاوية! كما يقول (والنابتة في هذا الوجه أكفر من يزيد وأبيه)284. ثم استمر الجاحظ يوزع التكفير بسخاء، ويخرج المجتمعات المسلمة من الإسلام، ويحكم على أئمة أهل السنة و«غالب» المسلمين بالردة!
ويبدو أن الجاحظ سمع أهل السنة في عصره يستنكرون هذا التكفير الشمولي فكرر في مواضع من رسائله رد هذا الاستنكار كما يقول الجاحظ مثلاً (وعبتم علينا إكفارنا إياكم)285 ويقول: (وأية حجة لكم في امتحاننا إياكم، وفي إكفارنا لكم؟)286.
وهل هذا شأن خاص بالجاحظ؟ لا، طبعا، بل هذا موقف شائع بين المعتزلة وهو تكفير غالب المجتمع المسلم والحكم عليه بالردة لأن هذا المجتمع يثبت الصفات الإلهية ويثبت القدر! بل ويرتبون على هذا الآثار الفقهية للتكفير، ومنها اعتبار دار الإسلام دار كفر!
ومن ذلك ما نقله القاضي عن شيخهم عبد الجبار عن الصيمري المعتزلي إذ يقول (وكان مذهبه -أي أبو عبد الله الصيمري- في الدار أنها دار كفر، إذا كان الغالب عليها الجبر والتشبيه)287، وهكذا كان يقول شيخهم أبو عمران الرقاشي المعتزلة كما ينقل عنه المعتزلة (وكان -أي أبو عمران الرقاشي- يحرم المكاسب ويزعم أن الدار دار كفر)288.
بل ينظر المعتزلة أحياناً للغلو في التكفير باعتباره مؤشراً على الحمية للدين! كما يقول الخياط المعتزلي في معرض ذكر مناقب أبي موسى المردار المعتزلي الذي يلقبونه راهب المعتزلة (ولقد بلغ من استعظام أبي موسى للجبر: أن أكفر المجبر، وأكفر الشاك في كفره، والشاك في الشاك)289، ونقل ابن الراوندي أن المردار هذا يقول (والشاك في الشاك لا إلى غاية)، وهذا يفضي لتسلسل التكفير! وبرغم أن الخياط المعتزلي كان في معرض الدفاع عن شيخهم المردار إلا أنه لم ينكر أصل هذه المقولة عن شيخهم وراهبهم!
وهل هذا التكفير الشمولي هو موقف عقدي ذاتي فقط؟ أم يرتبون عليه آثاره في الدماء؟ الحقيقة أن المعتزلة باحوا بأمنياتهم في سفك دماء المجتمع المسلم لأنه مشبه عندهم لا ينفي الصفات الإلهية، كما نقل المعتزلة ذلك عن شيخهم أبي عمر الباهلي المعتزلي، حيث يروي المعتزلة (أن -الخليفة- المهتدي جلس يوماً على بركة، فقال لجلسائه تمنوا ماء هذه البركة. فتمنى بعضهم ذهباً، وبعضهم جوهراً، وغير ذلك، فقال أبو عمر الباهلي: ما أتمنى إلا ملأها من دماء المشبهة)290.
ولأن عجلة «الغلو في التكفير» إذا انطلقت دهست أصحابها أنفسهم، فقد تزايد الغلو التكفيري بين المعتزلة حتى كفر بعضهم بعضاً، كما قال الملقب عنهم «يكفر بعضهم بعضاً» والعجيب أن المعتزلة منذ تلك الأيام لم يجدوا ظاهرة تورطهم في التكفير فيما بينهم، حتى قال الخياط المعتزلي وهو في معرض الدفاع عن المعتزلة (فإن كان الذي يعيب على المعتزلة ويحط من قدرها هو أن بعضها قد أكفر بعضاً؛ فما علمنا فرقة من أهل الملة سلمت من ذلك)291، وقد نقلوا في تراجمهم بعض هذا التكفير.
وهذه النزعة الاستئصالية في تكفير المجتمع المسلم لدى المعتزلة هي التي أدت بهم لكثرة الانتقاص والاستعلاء على عموم المسلمين، حتى لاحظ ذلك المأمون، فلما ازدري ثمامة العامة قال له المأمون ضاحكاً «ما لقيت منكم العامة!»292.
ومن استعلاء وخيلاء شيخهم أبي الحسن الشطوي المعتزلي ما رواه المعتزلة في سيرته (أن غلامه كان بين يديه يطرق له، فالتفت إليه رجل فقال: إن هذه الطرق مشتركة لم تخلق لك دوني، فقال له: إنما خلقت لنا وأنتم مسخرون لنا)293، وهذا الاستعلاء مفهومة بواعثه، وهي نزعة الغلو في التكفير وإخراج المجتمع المسلم من الإسلام، وهي سمة مشتركة لدى كل الغلاة في التكفير.
فإذا تأمل الباحث الموضوعي هذا الجوهر النبذي الإقصائي في الفكر المعتزلي الذي يبلغ التكفير والاضطهاد والقتل للمخالف وإهانته والاستعلاء عليه، تستولي عليه الدهشة كيف اقتنع المستشرقون وشراحهم الحداثيون العرب بأن المعتزلة أنسب ممثّل لليبرالية؟! وكم في دهاليز الأبحاث من غرائب العقول!
Footnotes
-
von Kremer, Geschichte der herrschenden Ideen des Islams, Leipzig, 1868, P. (xvii). ↩
-
Shedd W., Islam and the Oriental Churches: Their Historical Relations, Gorgias Press LLC, 1904, P. 71. ↩
-
Horten M., Die philosophischen Ansichten von Rázi und Tusi, P. Hanstein, 1910, p. vi. ↩
-
مونتجمري وات، القضاء والقدر، ترجمة د. عبد الرحمن الشيخ، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٩٨م، (ص ١٢١). ↩
-
جولدزيهر، العقيدة والشريعة في الإسلام، ترجمة محمد يوسف موسى وزملائه، دار الكتاب المصري، ١٩٤٦م، (ص ١٠٣). ↩
-
Macdonald D., Patton’s Ahmed ibn Hanbal and the Mihna, The American Journal of Semitic Languages and Literatures, Vol. 14, No. (3 Apr., 1898), p. 211. ↩
-
جولدزيهر، العقيدة والشريعة في الإسلام، مصدر سابق، (ص105). ↩
-
بروكلمان، بروكلمان، تاريخ الشعوب الإسلامية، ترجمة منير البعلبكي وزميله، دار ↩
-
مونتغمري وات، القضاء والقدر، ترجمة د. عبد الرحمن الشيخ، الهيئة المصرية العامة ↩
-
المصدر السابق، (ص126). ↩
-
ولتر باتون، أحمد بن حنبل والمحنة، ترجمة عبد العزيز عبد الحق، دار الهلال، ١٩٥٨م، (ص ٤٢). ↩
-
Gabrieli, Al-Ma’mūn e gli ’Alidi, Leipzig, 1929. ↩
-
Sourdel, La politique religieuse du Calife Abbaside al-Ma’mūn, REI 30, 1962, p. 27 ff. ↩
-
Van Ess, Ibn Kullab und die Mihna, Oriens 18-19, 1965-1966. ↩
-
Van Ess, Dirār b. ’Amr und die “Cahmiya”. Biographie einer vergessenen Schule, Der Islam, 43, (1967): 241-279; 44 (1968): 1-70. ↩
-
Macdonald D., Development of Muslim Theology, Jurisprudence and Constitutional Theory, Charles Scribner’s Sons, 1903, P. 152. ↩
-
Van Ess, Une Lecture . rebours de l’histoire du mu’tazilisme, Paul Geuthner, 1984, p. 121, 127. ↩
-
فان إس، علم الكلام والمجتمع في القرنين الثاني والثالث للهجرة، ترجمة د. سالمة صالح، منشورات الجمل، ٢٠٠٨م، (ص ١٣/١). ولم تصدر إلا ترجمة الجزء الأول فقط وأظنها ترجمة غير معتمدة أو أنه لم تتم مراجعتها، إذ النص غير منسجم. ↩
-
Van Ess, Theologie und Gesellschaft im 2. und 3. Jahrhundert Hidschra, Walter de Gruyter, 1992, vol. 3, pp. 446-508. ↩
-
Van Ess, The Flowering of Muslim Theology, Harvard University Press, 2006. ↩
-
Watt W. M., The formative period of islamic thought, Edinburgh University, 1973, p. 197. ↩
-
ابن طيفور، كتاب بغداد، تحقيق د. إحسان الثامري، دار صادر، (ص 44). ↩
-
Van Ess, Dirār b. ’Amr und die “Cahmiya”. Biographie einer vergessenen Schule, Der Islam, 44 (1968): p. 34. ↩
-
Cooperson, Two Abbasid Trials, Al-Qantara 22, (2001) p. 385. ↩
-
EI$^{2}$, Vol. 7, p. 3. ↩
-
Ibid. ↩
-
Cooperson, Two Abbasid Trials, Al-Qantara 22, (2001) p. 375; Cooperson, Classical Arabic Biography, Cambridge University Press, 2000, p. 125; van Ess, Ibn Kullab und die Mihna, p. 96. ↩
-
EI$^{2}$, vol. 7, p. 3. ↩
-
Van Ess, Political Ideas in Early Islamic Religious Thought, British Journal of Middle Eastern Studies, Vol. 28, (2001), p. 162. ↩
-
Van Ess, Un sermon du Mu’tazilite Murdār, Arabica, T. 30, Fasc. 2 (1983), p. 115. ↩
-
Van Ess, The Flowering of Muslim Theology, trans. Jane Todd, Harvard University press, 2006, p. 148 ff. ↩
-
EI$^{2}$, vol. 1, p. 187; EI2, vol. 1, p. 271. ↩
-
Van Ess, Ibn Kullab und die Mihna, Oriens (18-19, 1965-1966), p. 133; van Ess, Dirār b. ’Amr und die “Cahmiya”. Biographie einer vergessenen Schule, Der Islam, 44 (1968): p. 55. ↩
-
Van Ess, ‘Abu l-Hudhayl in Contact: The Genesis of an Anecdote’, in: Michael E. Marmura (ed), Islamic Theology and Philosophy: Studies in Honor of George F. Hourani, SUNY Press, 1984, p. 22 ff. ↩
-
Van Ess, The Flowering of Muslim Theology, trans. Jane Todd, Harvard University press, 2006, p. 5. ↩
-
Madelung W., The Origins of the Controversy Concerning the Creation of the Koran, in: Orientalia Hispanica, vol. I (1974), p. 510. ↩
-
Ibid., p. 519 f. ↩
-
من أجل استيعاب واقع هذه الحركة يمكن مراجعة الفقرة التي خصصها الطبري في تاريخه في أحداث سنة (٢٠١١م) وموضوعها (ذكر خبر خروج المطوّعة للنكير على الفساق): الطبري، تاريخ الرسل والملوك، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، (ص ٨/٥٥١). ↩
-
Lpidus, Separation of State and Religion in the Development of Early Islamic Society, International Journal of Middle East Studies, 6 (1975), p. 382. ↩
-
Van Ess, Une Lecture à rebours de l’histoire du mu’tazilisme, Paul Geuthner, 1984, p. 127. ↩
-
Patton W., Ahmed Ibn Hanbal and The Mihna, Brill, 1897, p. 130. ↩
-
مقدمة المحققين في كتاب: أبو رشيد النيسابوري، المسائل في الخلاف بين البصريين والبغداديين، تحقيق رضوان السيد ومعن زيادة، معهد الإنماء العربي، الطبعة الأولى، ١٩٧٩م، (ص ٣). ↩
-
Jadaane، Étude sur la création de la parole divine selon le mu’tazilite ’Abd al-Jabbār à travers son ouvrage Al-mughnī. ↩
-
Jadaane, L’influence du stoïcisme sur la pensée musulmane. ↩
-
Vajda G., Fehmi Jadaane, L’influence du stoïcisme sur la pensée musulmane, Revue de L’histoire des Religions, tome 177 no 2 (1970) p. 203 ↩
-
Neuwirth A. & Pflitsch A. (ed), Crisis and Memory in Islamic Societies, Ergon, 2001, p. 188. ↩
-
Van Ess, Dirār b. ’Amr und die “Cahmiya”, p. 34. ↩
-
EI², Vol. 7, p. 5. ↩
-
المصدر السابق، (ص ١٥٣). ↩
-
جدعان، المحنة، مصدر سابق، (ص ١٥٢). ↩
-
المصدر السابق، (ص ٢٧٣). ↩
-
Van Ess, Die Erkenntnislehre des ’Adudaddin al-Ici, Franz Steiner, 1966, P. 192 ff. ↩
-
Vajda G., Die Erkenntnislehre des ’Adudaddin al-Ici, by Josef van Ess, Arabica, T. 14, Fasc. 3 (Oct., 1967), pp. 328-330. ↩
-
Van Ess, Dirār b. ’Amr und die “Cahmiya”. Biographie einer vergessenen Schule, Der Islam, 43 (1967), p. 245. ↩
-
جدعان، المحنة، مصدر سابق، (ص ٨٩). ↩
-
المصدر السابق، (ص ١٠١) وصرح في هذا الموضوع بمصدرية «زيترشتين» لهذه الفكرة. ↩
-
المصدر السابق، (ص ٤٣). ↩
-
فان إس، معبد الجهني، مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، القسم الأول من البحث: أبريل ١٩٧٨م، المجلد (٥٣) الجزء (٢) (ص ٢٧٩)؛ والقسم الثاني من البحث: يوليو ١٩٧٨م، المجلد (٥٣) الجزء (٣) (ص ٥٢٧). ↩
-
Van Ess, Ibn Kullab und die Mihna, Oriens 18-19, 1965-1966. ↩
-
Van Ess, Dirār b. ’Amr und die “Cahmiya”. Biographie einer vergessenen ↩
-
Van Ess, Un sermon du Mu’tazilite Murdar, Arabica, T. 30, Fasc. 2 (1983), pp. ↩
-
Van Ess, Abu l-Hudhayl in Contact: The Genesis of an Anecdote, in: Michael ↩
-
Van Ess, Une Lecture à rebours de l’histoire du mu’tazilisme, Paul Geuthner, ↩
-
جدعان، المحنة، (ص ٨٩-٩٠). ↩
-
المصدر السابق، (ص ٢٧٢)، وانظر تكرار استخدام جدعان لمصطلح «صوفية المعتزلة» في مواضع أخرى من كتابه: ص ٢٦٩، ٢٧٠. ↩
-
Crone P., Ninth-Century Muslim Anarchists, Past and Present, No. 167 (2000), p. 4 ff. ↩
-
جدعان، المحنة، (ص ٢٦٩). ↩
-
المصدر السابق، (ص ٢٣٩) وقد صرح جدعان بإطراء بحث ماديلونغ في (ص ٢٠). ↩
-
Van Ess, Une Lecture à rebours de l’histoire du mu’tazilisme, Paul Geuthner, 1984, p. 127. ↩
-
جدعان، المحنة، (ص ٢٨٠-٢٨٩). ↩
-
المصدر السابق، (ص 331). ↩
-
المصدر السابق، (ص 14). ↩
-
المصدر السابق، (ص 12). ↩
-
المصدر السابق (ص 44). ↩
-
Van Ess, TG, p. 3:446. ↩
-
الجابري، المثقفون في الحضارة العربية: محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، ١٩٩٥م، (ص ٨٩). ↩
-
حوار مع فهمي جدعان، صحيفة الشرق الأوسط، العدد (5946)، 10/3/1995م، نص الحوار معاد نشره في كتاب: علي العميم، العلمانية والممانعة الإسلامية، دار الساقي، 1999م، (ص125). ↩
-
المصدر السابق، (ص ١٢٤). ↩
-
Gimaret D., F. Gadân: al-Mihna, Baht fi gadaliyyat al-dini wal-siyâsi fi l-Islâm, Bulletin Critique des Annales Islamologiques 8 (1991), p. 87. ↩
-
حوار مع رضوان السيد في صحيفة الشرق الأوسط العدد (٥٩٨٨) بتاريخ ٢١ أبريل ١٩٩٥م، ونص الحوار معاد نشره في كتاب: علي العميم، العلمانية والممانعة الإسلامية، دار الساقي، ١٩٩٩م، (ص ١٦٧). ↩
-
جريدة الرياض، ٢٤/٧/٢٠٠٣م. ↩
-
رحلتي مع الكتاب، ٢، صحيفة عاجل. ↩
-
البلخي، ذكر المعتزلة، تحقيق فؤاد سيد، الدار التونسية للنشر، (ص ٧٣). ↩
-
أبو حيان التوحيدي، البصائر والذخائر، تحقيق وداد القاضي، دار صادر، (ص ٢/٢٦). ↩
-
الجاحظ، خلق القرآن، رسالة منشورة في: رسائل الجاحظ، تحقيق عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، الطبعة الأولى، ١٣٩٩هـ، (ص ٣/٢٩٢). ↩
-
الجاحظ، خلق القرآن، مصدر سابق، (ص 394/3). ↩
-
الجاحظ، خلق القرآن، مصدر سابق، (ص 300/3). ↩
-
الجاحظ، نفي التشبيه، رسالة منشورة في: رسائل الجاحظ، تحقيق عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، الطبعة الأولى، 1399هـ، (ص1/287). ↩
-
القاضي عبد الجبار، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، تحقيق فؤاد سيد، الدار التونسية للنشر، (ص258). ↩
-
ابن المرتضى، طبقات المعتزلة، (ص 80). ↩
-
ابن المرتضى، طبقات المعتزلة، (ص 84). ↩
-
ابن المرتضى، طبقات المعتزلة، (ص ٥٠). ↩
-
انظر هذه الأمثال المضروبة للإلزام في: القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، تحقيق عبد الكريم عثمان، مكتبة وهبة، الطبعة الرابعة، ١٤٢٧هـ، ص: (٩١)، (١١٤)، (١٣٢)، (٢١٤)، وأمثالها كثير. ↩
-
ابن سلام، طبقات فحول الشعراء، تحقيق محمود شاكر، (ص ١/١٤)؛ القفطي، إياه الرواة على أنباء النحاة، تحقيق محمد إبراهيم، دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، الطبعة الثانية، ١٤٢٦هـ، (ص ٢/١٠٥). ↩
-
عبد الجبار، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، (ص ٢٥٤)؛ ابن المرتضى، طبقات المعتزلة، (ص ٤٤). ↩
-
الأشعري، مقالات الإسلاميين، (ص ٢/٣٦٤)؛ ويرى ابن تيمية أن أبا الهذيل أخذها من قول أرسطو أن «العقل والعاقل والمعقول شيء واحد»، الفتاوى الكبرى، (ص ٦/٤٠٨). ↩
-
الدينوري، الأخبار الطوال، تحقيق فلاديمير جرجاس، بريل، الطبعة الأولى، ١٨٨٨م، (ص ٣٩٦). ↩
-
انظر مثلاً: الدميري، حياة الحيوان الكبرى، تصحيح محمد قطة العدوي، دار الطباعة المصرية، ١٢٨٤هـ، (ص ١/٧٢)؛ الدياركري، تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس، تصحيح مصطفى محمد، المطبعة الوهبية، ١٢٨٣هـ، (ص ٢/٣٣٤). ↩
-
المصدر السابق، (ص ٤٨). ↩
-
الملقبي، التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع، تحقيق محمد عزب، مكتبة مدبولي، الطبعة الأولى، ١٤١٣هـ، (ص ٣٢). ↩
-
ابن المرتضى، طبقات المعتزلة، (ص ١٢٣). ↩
-
المصدر السابق، (ص ٦١). ↩
-
المصدر السابق، (ص125)، (78). ↩
-
الجاحظ، رسالة في النابتة، منشورة ضمن رسائل الجاحظ، تحقيق عبد السلام هارون، (ص ٢٠/٢). ↩
-
القاضي عبد الجبار، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، (ص ٢٢٧). ↩
-
ابن المرتضى، طبقات المعتزلة، (ص ١٢٩). ↩
-
الحاكم الجشمي، رسالة الشيخ إبليس إلى إخوانه المناحيس، (ص ٨٣) [رسالة مصورة]. ↩
-
يحيى الحسيني، الانتصار على علماء الأمصار، تحقيق عبد الوهاب المؤيد وزميله، مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية، (ص ٣/٥٤٢). [رسالة مصورة]. ↩
-
القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، تحقيق د. عبد الكريم عثمان، مكتبة ↩
-
الخياط، الانتصار والرد على ابن الراوندي، تحقيق محمد حجازي، مكتبة الثقافة ↩
-
ابن النديم، الفهرست، تحقيق أيمن سيد، مؤسسة الفرقان للتراث، 1430هـ، ↩
-
القاضي عبد الجبار، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، مصدر سابق، (ص 275). ↩
-
ابن المرتضى، طبقات المعتزلة، (ص 64). ↩
-
المصدر السابق، (ص 65)، وانظر: الزبير بن بكار، الأخبار الموقفيات، تحقيق د. سامي العاني، دار عالم الكتب، الطبعة الثانية، 1416هـ، (ص 46)؛ ابن طيفور، كتاب بغداد، مصدر سابق، (ص 60). ↩
-
الجاحظ، رسالة البغال، منشورة في: رسائل الجاحظ، تحقيق عبد السلام هارون، (ص 266/2). ↩
-
ابن المرتضى، طبقات المعتزلة، مصدر سابق (ص 46). ↩
-
ابن النديم، الفهرست، تحقيق أيمن فؤاد سيد، مؤسسة الفرقان، 1430هـ، (ص 3/594). ↩
-
المصدر السابق، (ص 592) ويبدو أن ابن النديم لخص هذه المعلومات من البلخي. ↩
-
ابن المرتضى، طبقات المعتزلة، (ص ٧٢). ↩
-
عبد الجبار، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، (ص ٢٨٣). ↩
-
ابن المرتضى، طبقات المعتزلة، (ص ٧٧). ↩
-
الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، تحقيق بشار عواد، دار الغرب، (ص ٨/٤٣). ↩
-
مسكويه، تجارب الأمم وتعاقب الهمم، تحقيق سيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ١٤٢٤هـ، (ص ٤/٩٦). ↩
-
القاضي عبد الجبار، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، (ص ٢٨٢). ↩
-
الزمخشري، ربيع الأبرار ونصوص الأخبار، تحقيق عبد الأمير مهنا، مؤسسة الأعلمي، الطبعة الأولى، ١٩٩٢م، (ص ٢/٤٣٤). ↩
-
القاضي عبد الجبار، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، (ص ٢٦٧)؛ ابن المرتضى، طبقات المعتزلة، (ص ٥٧). ↩
-
ابن المرتضى، طبقات المعتزلة، (ص ٨٩). ↩
-
الخياط، الانتصار والرد على ابن الراوندي، تحقيق محمد حجازي، مكتبة الثقافة الدينية، (ص ٢١٩). ↩
-
ابن المرتضى، طبقات المعتزلة، (ص ٩٢). ↩
-
وكيع، أخبار القضاة، تحقيق سعيد اللحام، دار عالم الكتب، الطبعة الأولى، ١٤٢٢هـ، (ص ٣٤٧). ↩
-
وكيع، أخبار القضاة، مصدر سابق، (ص ٦١٠). ↩
-
القاضي عبد الجبار، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، (ص ٢٥٥)؛ ابن المرتضى، طبقات المعتزلة، (ص ٤٩). ↩
-
إبراهيم البيهقي، المحاسن والمساوى، دار إحياء العلوم، الطبعة الثانية، ١٤١٦هـ، (ص ٤٩٢)؛ الأصفهاني، محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء، دار مكتبة الحياة، (ص ٢/٦٤٧)؛ الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، تحقيق بشار عواد، دار الغرب، (ص ٥/٢٤٠). ↩
-
ابن النديم، الفهرست، تحقيق أيمن فؤاد سيد، (ص ٥٨٢). ↩
-
ابن تيمية، الصفدية، تحقيق محمد رشاد سالم، دار الهدى النبوي ودار الفضيلة، ↩
-
القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، تحقيق عبد الكريم عثمان، مكتبة وهبة، ↩
-
ابن تيمية، الفرقان، تحقيق عبد الرحمن اليحيى، دار المنهاج، ١٤٢٨هـ، (ص ١٤١). ↩
-
البلخي، ذكر المعتزلة، (ص ٦٦). ↩
-
القاضي عبد الجبار، ذكر الاعتزال وطبقات المعتزلة، (ص ٢٤١). ↩
-
ابن المرتضى، طبقات المعتزلة، (ص ٧١). ↩
-
الجاحظ، البيان والتبيين، تحقيق درويش جويدي، المكتبة العصرية، (ص ٦٦). ↩
-
حول الخلاف التقليدي في مسألة (تحريم المكاسب) انظر: الأشعري، مقالات الإسلاميين، تحقيق ريتر، (ص ٤٦٧). ↩
-
الجاحظ، الحيوان، تحقيق عبد السلام هارون، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، الطبعة الثانية، ١٣٨٤هـ، (ص ٢١٩/١). ↩
-
القاضي عبد الجبار، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، (ص 282)، ابن المرتضى، ↩
-
ابن المرتضى، طبقات المعتزلة، (ص 74). ↩
-
الأصفهاني، الأغاني، تحقيق عبد مهنا، دار الكتب العلمية، الطبعة الرابعة، 1422هـ، (ص 270/270)؛ وانظر: الصفدي، الوافي بالوفيات، نشرة المعهد الألماني للأبحاث الشرقية، حقق هذا الجزء فاينترت، (ص 192/27). ↩
-
ابن المرتضى، طبقات المعتزلة، (ص 49). ↩
-
القاضي عبد الجبار، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، (ص 302). ↩
-
انظر مثلاً: البلخي، ذكر المعتزلة، تحقيق فؤاد سيد، الدار التونسية للنشر، (ص 105)؛ ابن المرتضى، طبقات المعتزلة، (ص 62). ↩
-
ابن خلكان، وفيات الأعيان، (ص1/81). ↩
-
ابن خاقان، مطعم الأنفس ومسرح التأس في ملح أهل الأندلس، تحقيق محمد علي شوابكة، مؤسسة الرسالة ودار عمار، الطبعة الأولى، ١٤٠٣هـ، (ص ٢٩٧). ↩
-
ابن خلكان، وفيات الأعيان، (ص ٨٣/١). ↩
-
الزمخشري، ربيع الأبرار، مصدر سابق (ص ٦٧/٥). ↩
-
الدينوري، الأخبار الطوال، تحقيق عبد المنعم عامر، الهيئة المصرية للكتاب، ٢٠١٠م، (ص ٤٠٦). ↩
-
اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، طبعة بريل-ليدن، ١٨٨٣، (ص ٥٨٤/٢). ↩
-
مسكويه، تجارب الأمم وتعاقب الهمم، تحقيق سيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ١٤٢٤هـ، (ص ٩٦/٤). ↩
-
يعقوب الفسوي، المعرفة والتاريخ، تحقيق خليل المنصور، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ١٤١٩هـ، (ص ٦٨/١). ↩
-
الجاحظ، نفي التشبيه، رسالة منشورة في: رسائل الجاحظ، تحقيق عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، الطبعة الأولى، ١٣٩٩هـ، (ص ٢٨٥/١). ↩
-
التنوخي، نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة، تحقيق عبود الشالجي، دار صادر، ↩
-
ابن النديم، الفهرست، تحقيق أيمن فؤاد سيد، (ص3/589). ↩
-
المسعودي، التنبيه والإشراف، (ص 162)؛ وانظر: مسكويه، تجارب الأمم وتعاقب الهمم، تحقيق سيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1424هـ، (ص 4/99). ↩
-
أبو داود السجستاني، مسائل الإمام أحمد، تحقيق طارق عوض الله، مكتبة ابن تيمية، الطبعة الأولى، 1420هـ، (ص 354). ↩
-
EI¹, vol. 1, p. 187; EI², vol. 1, p. 271. ↩
-
انظر حاشية المترجم عبد العزيز عبد الحق المطولة في ترجمته لكتاب: باتون، أحمد بن حنبل والمحنة، ترجمة عبد العزيز عبد الحق، دار الهلال، ١٩٥٨م، (ص١٧٧). ↩
-
التنوخي، الفرج بعد الشدة، مصدر سابق، (ص٢/٥٦). ↩
-
ابن المرتضى، طبقات المعتزلة، (ص ١٢٣). ↩
-
الأصفهاني، الأغاني، تحقيق عبد مهنا، دار الكتب العلمية، (ص ١٨/١٥٩). ↩
-
ابن المرتضى، طبقات المعتزلة، (ص ٦٥)، وانظر: الزبير بن بكار، الأخبار الموفقيات، تحقيق د. سامي العاني، دار عالم الكتب، الطبعة الثانية، ١٤١٦هـ، (ص ٤٦)؛ ابن طيفور، كتاب بغداد، تحقيق إحسان الثامري، دار صادر، الطبعة الأولى، ١٤٣٠هـ، (ص ٦٠). ↩
-
الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، تحقيق بشار عواد، دار الغرب، (ص ١٦/٢٩٢). ↩
-
اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، مطبعة بريل-ليدن، ١٨٨٣م، (ص ٥٩٧/٢، ٥٩٩). ↩
-
القاضي عبد الجبار، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، (ص 227). ↩
-
ابن المرتضى، طبقات المعتزلة، (ص ١٢٧). ↩
-
القاضي عبد الجبار، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، (ص ٢٥٦). ↩
-
القاضي عبد الجبار، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، (ص ٢٧٣)، ابن المرتضى، طبقات المعتزلة، (ص ٦٢). ↩
-
الزبير بن بكار، الأخبار الموقفيات، تحقيق د. سامي العاني، دار عالم الكتب، الطبعة الثانية، ١٤١٦هـ، (ص ١٠١). ↩
-
اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، طبعة بريل-ليدن، ١٨٨٣م، (ص ٥٧١/٢). ↩
-
المسعودي، مروج الذهب، تحقيق أمير مهنا، مؤسسة الأعلمي، الطبعة الأولى، ١٤٢١هـ، (ص ٣٣٨/٤). ↩
-
ابن المرتضى، طبقات المعتزلة، (ص ١٢٢). ↩
-
الجاحظ، الحيوان، تحقيق عبد السلام هارون، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، الطبعة الثانية، ١٣٨٤هـ، (ص ١/٧). ↩
-
ابن تيمية، مجموع الفتاوى، (ص ١٤/٣٥٢). ↩
-
ابن تيمية، منهاج السنة، تحقيق محمد رشاد سالم، الطبعة الأولى، ١٤٠٦هـ، (ص ٦٠٤/٢). ↩
-
ابن تيمية، مجموع الفتاوى، (ص ١٧/٣٠٠). ↩
-
انظر مثلاً: ابن تيمية، درة تعارض العقل والنقل، تحقيق محمد رشاد سالم، (ص ٧/٢٥٧). ↩
-
رواه عن وكيع: أبو نعيم، ذكر أخبار أصبهان، دار الكتاب الإسلامي، (ص ٢/١٩). ↩
-
ابن تيمية، درة تعارض العقل والنقل، تحقيق محمد رشاد سالم (٧/٢٧٨). ↩
-
نقلها عنه: ابن عساكر، تبيين كذب المفتري، مطبعة التوفيق بدمشق، ١٣٤٧هـ، ↩
-
المصدر السابق، (ص ٣٣٧). ↩
-
ابن تيمية، النبوات، تحقيق أبو صهيب الرومي وعصام الحرستاني، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، ١٤٢٢هـ، (ص ٢١١). ↩
-
ابن تيمية، درة تعارض العقل والنقل، تحقيق محمد رشاد سالم، (ص ٧/٢٧٥)؛ وانظر أيضاً (٧/٢٥٠-٢٥١). ↩
-
ابن تيمية، مجموع الفتاوى، (ص ٥/٢٣) مختصراً. ↩
-
المقبلي، العلم الشامخ، دار البيان، (ص ٣٢٨). ↩
-
جمال الدين القاسمي، تاريخ الجهمية والمعتزلة، مجلة المنار، يونيو، ١٩١٣م. ↩
-
الجاحظ، رسائل الجاحظ، تحقيق عبد السلام هارون، (ص1/342). ↩
-
ابن تيمية، الفتاوى الكبرى، (ص 6/370-372). ↩
-
الدميري، حياة الحيوان الكبرى، تصحيح محمد قطة العدوي، دار الطباعة المصرية، ↩
-
البلخي، ذكر المعتزلة، (ص ٧٥). ↩
-
ابن تيمية، شرح الأصبهانية، تحقيق د. محمد السعوي، دار المنهاج، الطبعة الأولى، ١٤٣٠هـ، (ص ٤٩٠). ↩
-
القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، تحقيق عبد الكريم عثمان، مكتبة وهبة، الطبعة الرابعة، ١٤٢٧هـ، (ص ١٢٢). ↩
-
ابن الجوزي، المنتظم، تحقيق محمد ومصطفى عطا، دار الكتب العلمية، (ص ١٤/٣٩١). ↩
-
حيث وصف مداعس في كتابه «الكاشف الأمين عن جواهر العقد الثمين» غيلان بن مسلم ومحمد بن شبيب بأنهما من «مرجئة المعتزلة». [رسالة مصورة]. ↩
-
القاضي عبد الجبار، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، (ص ٢٢٩)؛ ابن المرتضى، طبقات المعتزلة، (ص ٢٥). ↩
-
القاضي عبد الجبار، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، (ص ٢٦٨)؛ ابن المرتضى، طبقات المعتزلة، (ص ٥٧). ↩
-
فضل الاعتزال، (ص ٢٧٠)؛ طبقات المعتزلة، (ص ٥٨). ↩
-
فضل الاعتزال، (ص ٢٧١)؛ طبقات المعتزلة، (ص ٦٠). ↩
-
فضل الاعتزال، (ص ٢٧٩)؛ طبقات المعتزلة، (ص ٧١). ↩
-
ابن المرتضى، طبقات المعتزلة، (ص ٧٢). ↩
-
القاضي عبد الجبار، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، (ص ٢٨٤). ↩
-
الخياط، الانتصار والرد على ابن الراوندي، تحقيق محمد حجازي، مكتبة الثقافة الدينية، (ص 190). ↩
-
البلخي، ذكر المعتزلة، (ص 75). ↩
-
القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، تحقيق عبد الكريم عثمان، مكتبة وهبة، الطبعة الرابعة، 1427هـ، (ص 122). ↩
-
النوبختي، فرق الشيعة، تحقيق ريز، جمعية المستشرقين الألمانية، ١٩٣١م، (ص ١١). ↩
-
المصدر السابق، (ص ١٣). ↩
-
ابن المرتضى، طبقات المعتزلة، (ص٧٢)، وانظر قصة صحبة ضرار لواصل وبدء ↩
-
الشهرستاني، الملل والنحل، تحقيق كسرى العلي، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، ↩
-
المصدر السابق، (ص١٠٥). ↩
-
المصدر السابق، (ص١٠٣). ↩
-
الخياط، الانتصار والرد على ابن الراوندي، تحقيق محمد حجازي، مكتبة الثقافة الدينية، (ص 64). ↩
-
البلخي، ذكر المعتزلة، (ص ٨٥). ↩
-
الخياط، الانتصار، (ص ٢٠٢). ↩
-
القاضي عبد الجبار، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، (ص ١٦٣). ↩
-
نقلها عنه في رده عليه: الخياط، الانتصار، (ص ٢٠١). ↩
-
ابن النديم، الفهرست، تحقيق أيمن فؤاد سيد، (ص ٥٩٤/٢). ↩
-
المصدر السابق، ذات الصفحة. ↩
-
المصدر السابق، (ص ٥٩٦/٢). ↩
-
الجشمي، شرح العيون، تحقيق فؤاد سيد، الدار التونسية للنشر، (ص ٣٩١). ↩
-
الجاحظ، الحيوان، تحقيق عبد السلام هارون، (ص 7/7). ↩
-
القاضي عبد الجبار، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، (ص 291). ↩
-
Van Ess, Un sermon du Mu’tazilite Murdâr, Arabica, T. 30, Fasc, 2 (1983), p. 111-124; Van Ess, Dirâr b. ’Amr und die “Cahmiya”, Der Islam, 44 (1968): p. 59; van Ess, TG, p. 3-134; van Ess, FMT, p. 150, 184. ↩
-
الجاحظ، رسالة النابغة، منشورة ضمن رسائل الجاحظ، تحقيق عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، (ص ٢/١٨). ↩
-
القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، تحقيق عبد الكريم عثمان، (ص ٤٣١). ↩
-
الجاحظ، رسالة «خلق القرآن»، منشورة في: رسائل الجاحظ، تحقيق عبد السلام هارون، (ص ٢٩٢-٢٩٦). ↩
-
Van Ess, Theologie und Gesellschaft, p. 3: 462. ↩
-
Hurvitz N., Who is the accused? The interrogation of Ahmad Ibn Hanbal, Al-Qantara 22 (2001): p. 360. ↩
-
الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، تحقيق بشار عواد، دار الغرب، (ص ٦/٩٨)؛ ابن عساكر، تاريخ دمشق، تحقيق محب الدين العمروي، دار الفكر، (ص ٥/٢٧٨). ↩
-
ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، تعليق عبد الرحمن المعلمي، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، (ص ٢٩٨/١). ↩
-
البخاري، التاريخ الأوسط، تحقيق د. يحيى الثمالي، مكتبة الرشيد، (ص ٤/١١١٠). ↩
-
أبو نعيم، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، دار الكتب، العلمية، الطبعة الأولى، ١٤٠٩هـ، (ص ٩/١٦٩). ↩
-
ابن قتيبة، تأويل مختلف الحديث، تحقيق محمد الأصفر، المكتب الإسلامي وؤسسة ↩
-
الطبري، تاريخ الأمم والملوك، دار الكتب العلمية، أحداث سنة 218هـ. ↩
-
العجلي، معرفة الثقات، تحقيق عبد العليم البستوي، ١٤٠٤هـ، (ص ١٩٥/١). ↩
-
مسكويه، تجارب الأمم، تحقيق سيد كسروي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ١٤٢٤هـ، (ص ٣/٤١٦). ↩
-
انظر مثالًا لشرعته للتفحش وأن الاحتشام عن التفحش مجرد تصنع في: الجاحظ، مفاخرة الجواري والغلمان، منشور ضمن رسائل الجاحظ، تحقيق عبد السلام هارون، (ص ٢/٩٢). ↩
-
رسائل الجاحظ، تحقيق عبد السلام هارون، (ص ١/٣٤٢). ↩
-
أبو منصور الأزهرى، تهذيب اللغة، دار إحياء التراث، (ص ١/٢٦). ↩
-
الجاحظ، رسالة «فضل هاشم علي عبد شمس»، منشورة ضمن: رسائل الجاحظ: الرسائل السياسية، تحقيق علي أبو ملحم، دار الهلال، ١٩٨٧م. ↩
-
ابن قتيبة، تأويل مختلف الحديث، تحقيق سليم الهلالي، دار ابن القيم وابن عفان، الطبعة الثانية، ١٤٣٠هـ، (ص ١٤٣) نقلاً عن نسخة تشستريتي (ش). ↩
-
الجابري، العقل السياسي العربي: محدداته وتجلياته، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الخامسة، (ص 353). ↩
-
أحمد أمين، ضحى الإسلام، دار الكتاب العربي، الطبعة العاشرة، (ص 1/392). ↩
-
ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، تحقيق محمد نصر وعبد الرحمن ↩
-
الذهبي، تاريخ الإسلام، تحقيق بشار معروف، دار الغرب، (ص ١٤/٨٢٩). ↩
-
ابن تيمية، منهاج السنة النبوية، تحقيق محمد رشاد سالم (٤/٨٤). ↩
-
الشهرستاني، الملل والنحل، تحقيق كسرى العلي، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، ١٤٣٢هـ، (ص ٥٣). ↩
-
الشوكاني، البدر الطالع، تحقيق محمد حلاق، دار ابن كثير، (ص ١٥٦). ↩
-
الذهبي، سير أعلام النبلاء، أشرف على تحقيقه شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، الطبعة العاشرة، ١٤١٤هـ، (ص ١٣/٤٦٩). ↩
-
روى قصة التهديد بالقتل ووضع السيف على عنق الإمام أحمد عدد من الرواة عنه، انظر: أبو العرب في المحن (ص ٤٥٢)، ابن بطة في الإبانة (ص ٢/٢٧٥)، أبو نعيم في الحلية (ص ٩/٢٠٢)، حنبل بن إسحاق في ذكر محنة أحمد (ص ٥٦)، سيرة الإمام أحمد لصالح (ص ٦٢). ↩
-
الذهبي، سير أعلام النبلاء، أشرف على تحقيقه شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، (ص ١١/٢٥٨). ↩
-
ابن تيمية، مجموع الفتاوى، (ص ١٢/٤٣٩). ↩
-
الذهبي، سير أعلام النبلاء، (ص ١١/٢٥٥). ↩
-
المصدر السابق، ذات الصفحة، وانظر قريباً من هذه العبارة في: تاريخ الإسلام لذات المؤلف (ص ١٠/١٠٤٥). ↩
-
ابن الجوزي، مناقب الإمام أحمد، تحقيق عبد الله التركي، دار هجر، (ص ٤٥٤). ↩
-
فهمي جدعان، المحنة، مصدر سابق (ص 281). ↩
-
الطبري، تاريخ الأمم والملوك، (5/191). ↩
-
حنبل بن إسحاق، ذكر محنة أحمد، (ص ٥١). ↩
-
المصدر السابق، ذات الصفحة. ↩
-
الجاحظ، الحيوان، تحقيق عبد السلام هارون، مطبعة البابي الحلبي، الطبعة الثانية، ١٣٨٤هـ، (ص ٢١٩/١). ↩
-
الورع للإمام أحمد، رواية أبي بكر المروذي، (٤٩٤). ↩
-
حنبل بن إسحاق، ذكر محنة أحمد، (ص ٥٤). ↩
-
القاسمي، تاريخ الجهمية والمعتزلة، مجلة المنار، يوليو، ١٩١٣م. ↩
-
الدوري، العصر العباسي الأول، دار الطليعة، الطبعة الثالثة، (ص ١٧٣). ↩
-
الذهبي، تاريخ الإسلام، تحقيق د. بشار معروف، دار الغرب الإسلامي، (ص ٩/٣٥٩). ↩
-
الخوارزمي، رسائل أبي بكر الخوارزمي، مطبعة الجوائب، الطبعة الأولى، ١٢٩٧هـ، (ص ١٧٨). ↩
-
المصدر السابق، ذات الصفحة. ↩
-
الطبري، تاريخ الأمم والملوك، دار الكتب العلمية، (ص ٥/١٩٦). ↩
-
السرخسي، المبسوط، دار إحياء التراث، (ص ٢/٦٤). ↩
-
ابن الأثير، جامع الأصول، تحقيق عبد القادر الأرنؤوط، دار الفكر، (ص 11/323). ↩
-
Cook M., Early Muslim Dogma: A Source-critical Study, Cambridge University Press, 1981, p. 153. ↩
-
ابن تيمية، درة تعارض العقل والنقل، تحقيق محمد رشاد سالم، (ص ٣٧٧/١). ↩
-
Sprenger A., The Life of Mohammad: From Original Sources, Presbyterian Mission Press, 1851, p. 99. ↩
-
جولدزيهر، العقيدة والشريعة في الإسلام، ترجمة محمد يوسف موسى وزملائه، دار الكتاب المصري، ١٩٤٦م، (ص ١٦٧). ↩
-
نولدكة، تاريخ القرآن، ترجمة جورج تامر، دار جورج ألمز، ٢٠٠٠م، ص xxxi. ↩
-
الجاحظ، رسالة النابتة، منشور في رسائل الجاحظ، تحقيق عبد السلام هارون، (ص ٢/٢٠). ↩
-
الجاحظ، رسالة النابتة، منشورة في رسائل الجاحظ، تحقيق عبد السلام هارون، (ص ٢/١١). ↩
-
المصدر السابق، (ص ٢/١٢). ↩
-
المصدر السابق، (ص 2/14). ↩
-
الجاحظ، خلق القرآن، رسالة منشورة في: رسائل الجاحظ، تحقيق عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، الطبعة الأولى، 1399هـ، (ص 3/296). ↩
-
الجاحظ، المصدر السابق، (ص 3/294). ↩
-
القاضي عبد الجبار، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، (ص ٣٠٩)؛ ابن المرتضى، طبقات المعتزلة، (ص ٩٦). ↩
-
ابن المرتضى، طبقات المعتزلة، (ص ٧٧). ↩
-
الخياط، الانتصار، تحقيق محمد حجازي، مكتبة الثقافة الدينية، (ص ١١٨). ↩
-
القاضي عبد الجبار، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، (ص ٣١١)، ابن المرتضى، طبقات المعتزلة، (ص ١٢٦). ↩
-
الخياط، الانتصار، تحقيق حجازي، مكتبة الثقافة الدينية، (ص ١٢٠). ↩
-
ابن طيفور، كتاب بغداد، تحقيق د. إحسان الثامري، دار صادر، الطبعة الأولى، ١٤٣٠هـ، (ص ٦١)؛ ابن المرتضى، طبقات المعتزلة، (ص ٦٧). ↩
-
ابن المرتضى، طبقات المعتزلة، (ص ٩٣). ↩