التأويل الحداثي للتراث — التقنيات والاستمدادات
الباب الأول: مسبقات الاستمداد
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
مسبقات الاستمداد: الفصل الأول: أجواء الفيلولوجيا في القرن التاسع عشر
صعد نجم علم الفيلولوجيا (philology) في الفكر الغربي، وصار موجة العصر، والفيلولوجيا بالمعنى المباشر هي (علم التحليل الثقافي للنصوص اللغوية المبكرة) حيث تقوم أساساً على دراسة النصوص المكتوبة والمبكرة، وتحقيق نسبها، وتحليل محتواها الثقافي والحضاري، واستكشاف علاقتها بما سبقها من نصوص.
ونذكر هنا بأنه -وكما هو شأن عامة العلوم الإنسانية الغربية- تتفاوت محددات هذا العلم بين الأكاديميات الغربية، وقد نبه إلى هذه الفروق الغربية في تعريف الفيلولوجيا تفصيلاً اللغويون الغربيون مثل أوتو جسبرسن (ت ١٩٤٣م) وروبرت روبنز (ت ٢٠٠٠م) وغيرهم.
ومن الجيد الاعتراف أننا أمام معضلة في ترجمة هذا المصطلح، حيث تواضع التراجمة العرب المحدثون على تعريب مصطلح الفيلولوجيا بـ (فقه اللغة) والواقع أن هذه الترجمة أحدثت لوناً من اللبس، ذلك أن مصطلح (فقه اللغة) مصطلح تراثي مسبق معروف بمحدداته، حيث استعمله ابن فارس في كتابه (الصاحبي في فقه اللغة) بمعنى (علم أصول اللغة) حيث قال في أوله (إن لعلم العرب أصلاً وفرعاً) ثم بين أن كتابه هذا في الأصول، وهو تأثر واضح بالفرق بين علمي (أصول الفقه) و(فروع الفقه).
وهكذا استعمله الثعالبي في كتابه (فقه اللغة) بهذا المعنى ولكنه غلب عليه التصنيف الموضوعي لألفاظ اللغة، والواقع أن هذا التفاوت بين فقه اللغة بمعناه التراثي، والفيلولوجيا المعاصرة، تنبه له عدد من علماء اللغة المعاصرون، حتى قال العالم الفاضل عبده الراجحي (ما قدمه العرب تحت «فقه اللغة» لا يمت إلى ما يعرف الآن بهذا الاسم، والربط بين المصطلحات الغربية والعبارات العربية التي قد تعني شيئاً آخر؛ يؤدي إلى ما أدى إليه من خلط)1.
ولذلك آثرنا إجرائياً استعمال اللفظ المعرب (الفيلولوجيا) دفعاً لهذا اللبس وريثما تنتج معامل التعريب اللفظ المناسب.
وبسبب تألق الفيلولوجيا على مسرح المعرفة الغربية في القرن التاسع عشر، فقد تزاحم المستشرقون على توظيف أدوات هذا العلم الصاعد في دراسة موضوعهم، وهو الشرق وثقافته، ورزح الاستشراق ردحاً من الزمن تحت مظلة دراسة اللغات السامية، فصاروا يحققون المخطوطات والنصوص، لكنهم يتكلفون رد مضامينها إلى ثقافات وحضارات سابقة، وتضاعف انهماك المستشرقين في الفيلولوجيا، حتى أنه من شدة الارتباط بينهما جعل المستشرق رودي بارت الفيلولوجيا أحد مكونات تعريف الاستشراق! حيث يقول بارت (الاستشراق هو: علم يختص بفقه اللغة «الفيلولوجيا» خاصة)2.
ويتحدث سوموجي عن شيخ المستشرقين، وهو أستاذه جولدزيهر، فيقول (والمهمة الرئيسية للمستشرق كما يراها جولدزيهر: هي دراسة تاريخ الشعوب الشرقية، وثقافتها، بأداة «فيلولوجية» سليمة)3.
ويشرح المستشرق ماكسيم رودنسون كيف كان الإيمان العميق الشائع بين المستشرقين بقدرات المدخل الفيلولوجي في دراسة الثقافات، حيث يقول: (كان ثمة عيب رئيس وهو الاعتقاد بكلية علم الفيلولوجيا، كان اختصاصي في اللغة الصينية -مثلاً- يعتبر أهلاً لأن يكتب أعمالاً عن الفلسفة الصينية، وعلم الفلك الصيني، الزراعة الصينية، إلخ)4. ويرصد إدوارد سعيد أيضاً هذه العلاقة بين التأهيل العلمي للمستشرق ومهمته فيقول (وبلا استثناء تقريباً، كان كل مستشرق يبدأ حياته العملية باعتباره باحثاً في فقه اللغة «الفيلولوجيا»)5.
ويمكن اعتبار الممثل النموذجي والمنظر الأبرز لـ (الاستشراق الفيلولوجي) هو آرنست رينان (ت ١٨٩٢م) ومن يطالع كتاب رينان (مستقبل العلم) ويرى تثمين رينان للفيلولوجيا ومدائحه وإطراءه لها، فسيشعر أن موقف رينان من الفيلولوجيا يتجاوز الإعجاب العلمي إلى الهيام الوجداني! حتى أن رينان يقول مثلاً: (من غير الفيلولوجيا لن يكون العالم الحديث كما هو عليه الآن، وقد مثلت الفيلولوجيا الفارق الأبرز بين القرون الوسطى والعصر الحديث)6، وثمة عبارات من هذا النوع كثيرة في هذا الفصل من كتاب رينان.
ورينان هو صاحب النظرية العنصرية التمييزية بين السامية والآرية، بما يتضمن هجاء اللغة العربية بأنها لغة مفتتة متذررة، لا علمية، عاجزة عن استخلاص الكليات والتجريد الذهني، وراجت نظريته بعد أن تبناها ونشرها بصيغة مخففة أحمد أمين7، ومحمد عابد الجابري8، ثم راجت بواسطتهما للمستهلك النهائي.
والحقيقة أن رينان، الذي يعتبر رمز الاستشراق الفيلولوجي، كان ينضح حقداً مقطراً ضد الإسلام، فتكوينه النفسي تجاه الإسلام يجعل من الصعب توقع المعرفة الموضوعية منه، لنقرأ سوياً هذه المشاعر التي يدلي بها رينان، يقول موريس أولندر في كتابه ذائع الصيت: (أما فيما يتعلق بالإسلام، فغالباً ما أظهر رينان عنفاً بشكل لا يصدق، حسناً مثلاً على ذلك تلك الملاحظة التي أوردها هنرييت بسيكاري، نقلاً عن مذكراته المدونة، والتي لا تزال محفوظة في أحد دفاتره المجلدة بالأسود، والمحفوظة في المكتبة الوطنية، حيث يقول رينان «أنا المعروف بوداعتي مع جميع الناس، والذي أعاتب نفسي على عدم كرهي الشر، أعلن أنني لست أشفق على الإسلام، وإني أتمنى للإسلام الموت المخزي، أتمنى إذلاله»)9.
وهنرييت بسيكاري هذه التي نقل عنها أولندر هي حفيدة رينان! وهي التي أشرفت على نشر الأعمال الكاملة لجدها رينان، والحقيقة أن هذا الفصل في كتاب أولندر فصل متميز في تفكيك أطروحات رينان التمييزية العنصرية بين السامية والآرية، من منطلق علمي متخصص.
وهذا الحق الرياني الكفيف لا يقتصر على مذكرات شخصية تكشف عنها حفيدته، بل نشر رينان مثل ذلك في كتبه المطبوعة، يقول مثلاً: (إن الشرط الضروري الوحيد، في عصرنا الحاضر، لنشر الحضارة الأوروبية هو تحطيم العنصر السامي، تحطيم القوة الثيوقراطية للإسلام، وبالتالي تحطيم الإسلام نفسه، ثمة حرب لا تتوقف، ولن تتوقف هذه الحرب إلا حينما فقط يموت آخر ولد من ذرية إسماعيل بؤساً، أو أن يدفعه الإرهاب إلى أعماق الصحراء)10.
فرجل يحمل في قلبه هذه الأحاسيس العرقية الملحمية ضد الإسلام، وهو عراب المنهج الفيلولوجي الاستشراقي، كيف يُظن أن قلمه يطاوعه ليجري مع الموضوعية والنزاهة العلمية؟!
حسنًا، يمكن لنا الآن بعد هذا التمهيد الموجز عن ظروف علاقة الاستشراق بالفيلولوجيا في القرن التاسع عشر وما بعده، أن نضع تقنية (التوفيد) التي يستعملها المستشرقون في محطتها الدقيقة على الطريق، وأنها كانت جزءًا منظمًا من منهجية البحث الاستشراقي، يستهدف إعادة الموروث الإسلامي إلى ثقافات وافدة سابقة، بمعنى أن المستشرقين نظروا إلى العلوم الإسلامية باعتبارها مجرد مزيج من عناصر موجودة مسبقًا أصلاً قبل الإسلام، ولم يقم علماء المسلمين إلا بتركيبها وخطها فقط.
ولكن من هو أول باحث عربي طبق المنهج الفيلولوجي على اللغة العربية؟ الحقيقة أنني لا أملك رصدًا أطمئن إليه، ولكن شيخ المستشرقين الروس إغناطيوس كراتشكوفسكي (١٨٨٣-١٩٥١م) يرى أن أول من طبق الفيلولوجيا هو جرجي زيدان في كتابه «فلسفة اللغة العربية» (١٨٨٦م)11.
الفصل الثاني: سؤال معدات الاستشراق
هاهنا استفسار يلح بنفسه علينا، وهو تفسير سبب اكتظاظ المستشرقين في عنق الزجاجة الفيلولوجية، وعدم تسلحهم بالأدوات العلمية الأخرى، فما المعينات التي وجهتهم بهذا الاتجاه؟ هذا السؤال حول سبب ازدحام المستشرقين على آلات الفيلولوجيا، والفجوة الواقعة بينهم وبين أدوات العلوم الإنسانية، يمكن أن نسميه (سؤال معدات الاستشراق)، هو سؤال صار مألوفًا منذ أن أشهره في وجوه المستشرقين عالم الاجتماع المصري اليساري أنور عبد الملك (١٩٢٤-٢٠١٢م) في مقالته الشهيرة الاستشراق في أزمة (١٩٦٣م).
دعنا نتناول أولًا كيف فكر المستشرقون في هذه الإشكالية، ففي تفسير أشار له المستشرق ماكسيم رودنسون، وذلك حينما تحدث رودنسون عن حقبة (الاستشراق الكلاسيكي) واضطرار المستشرق لتعلم اللغة الأجنبية، ودراسة المخطوطات، وكونها تلتهم عمره العلمي، فلا يتسع له الوقت للتزود بأدوات علمية أخرى، قال معقبًا: (إن هذه الشروط هي التي تعلل أولوية الفيلولوجيا المطلقة تقريبًا، خلال كل ذلك العصر)12.
ويقع المستشرق المخضرم برنارد لويس على ذات الملاحظة السابقة التي ذكرها رودنسون، وذلك في كتابه «عودة الإسلام» حيث يقول لويس: (فالمستشرق الكلاسيكي كان قد تربّى في أحضان علم اللاهوت والفيلولوجيا، وأحيانًا علم التاريخ، وفجأة راحوا يطلبون منه أن يتحمل مسؤولية السياسة الحديثة والاقتصاد والمجتمع، وقبل المستشرق بذلك طوعًا أو كرهًا، وراح يتدخل في كل شيء، ويناقش كل شيء، من المعلقات الجاهلية، إلى الصناعات البترولية والبنك الحديث! وظهرت نواقص هذه العلمية بسرعة جلية للعيان)13.
أما نقد أنور عبد الملك فيبدو لي أن دلالاته فُهمت بأوسع مما كان أنور نفسه يتصور، فأنور كان مأخوذًا بالمنهجية الماركسية في العلوم الاجتماعية، أكثر من كونه يفكر بالانقلابات المنهجية في العلوم الإنسانية، وأيضًا فقد كان يفكر في وسائل علم الاجتماع الحديثة في جمع المعلومات/منهج البحث أكثر من كونه يفكر في الثراء المفهومي/النظري للإنسانيات، وكذلك فإنه كان يفكر في طريقة الاستشراق في تصوير المجتمعات العربية المعاصرة أكثر من كونه يفكر في تاريخ الثقافة والتراث.
ومما يزكي هذه الملاحظات إشارة أنور في نفس نقده إلى التقليل من البنيوية مقابل التاريخية الماركسية، والبنيوية في تلك المرحلة كانت جزءاً من تطورات العلوم الإنسانية أصلاً، ونتيجة لذلك فإنه ينوّه بالاستشراق اليساري في تلك الحقبة، وهذا كله يعني أن أنور عبد الملك لم يكن يفكر في تقابل بين الاستشراق القديم والإنسانيات الحديثة، بقدر ما كان خياله اليساري يغتذي بتقابل مفترض بين الاستشراق المثالي والاستشراق المادي.
وهكذا أيضاً فإن بحث المفكر المغربي عبد الله العروي في نقد المستشرق النمساوي غوستاف فون غرونباوم (١٩٠٩-١٩٧٢م)
والذي نشر عام (١٩٧٤م) إنما يفهم ضمن هذا الخط، خط نقد الماركسيين للبنيويين14، والبنيوية عند غورنباوم كان يسميها العروي في بحثه (النظمية)، وكما كان أنور عبد الملك يبشر بالاستشراق اليساري فقد كان العروي كذلك إذ يقول في نفس بحثه (يبدأ يبزغ منذ سنوات، إلى جانب الاستشراق الغربي المتصل -مباشرة أو بواسطة- مع الامبريالية، ظهر استشراق أوروبي شرقي، آسيوي، وفي أميركا اللاتينية، وأعمال هذه المدارس تتحسن سنة بعد سنة)15.
وهكذا أيضاً فإن نقد طيب تيزيني، وحسين مروة، للاستشراق، هو في جوهره تبشير بالاستشراق اليساري، أي تحول في التشجيع من فريق إلى الفريق الآخر، وليس تركاً لذات الحلبة، كما سيأتي تفصيل نماذج ذلك.
وعلى أية حال فهناك عناصر كامنة في جوف هذا السؤال وهو سؤال معدات الاستشراق، نبدأ تصورها من خلال وضع المادة التي يدرسها الاستشراق على الطاولة، فما هي المادة التي يدرسها الاستشراق؟ يمكن القول أن الاستشراق يدرس مستويين: (النص) و(التاريخ).
فأما (التاريخ) فما مدى صلة المستشرق بمناهج التاريخ وعلى الخصوص مدرسة الحوليات؟ وكأمثلة عملية على ذلك: هل انفتح المستشرقون على التاريخ لموضوعات مهمشة في نطاق الكتابة التاريخية؟ هل استوعب المستشرقون اتساع نطاق مفهوم الوثيقة التاريخية؟ ماذا لو استوعب المستشرقون التمييز بين الزمن الطويل والقصير في فهم حراك بعض الظواهر التراثية فهل ستتغير بعض نتائجهم؟
وأما بخصوص (النص) فإن المستشرق يتماس داخل أضابير
التراث الإسلامي مع نصوص دينية مؤسسة، قرآنية ونبوية، ومع نصوص فنية في الشعر والنثر، ومع آداب حِكْمية أنشأها فلاسفة ساردون، ومع نماذج نصية حوارية تقتبسها كتب التراجم تتجسد فيها طبيعة حياة الناس وأنماط تفكيرهم وأقيستهم واستعاراتهم وخيالهم اللغوي وكامل آفاقهم الدلالية، ومع كل هذا الغنى النصوصي فقد كان عامة المستشرقين -حتى لحظة كتابة هذه المقدمة- يقرؤون هذه المعطيات النصية بما يمكن تسميته «أدوات المثقف العام» ولا يوظف بشكل منهجي منظم كل المخزون التنظيري في علوم الدلالة في الفكر الغربي (فلسفة اللغة، اللسانيات، النقد الأدبي، الهرمنيوطيقا).
وربما يكون السؤال أكثر إلحاحًا فيما يتعلق بالهرمنيوطيقا، لأنها على الأقل هي العلم المخول في الفكر الغربي بدراسة «نظرية التفسير»، فكيف لم يتفاعل المستشرقون مع هذا التخصص وهم يدرسون النصوص؟ كيف أفلتوا من إغراءات أدواته وعالمه النظري وجدله الساخن وهم بالجوار منه؟ هذه مسألة تستحق التفسير، وقد طرح لها نظائر كثيرة حول علاقة الاستشراق بحقول إنسانية تبنت قوالب منهجية جديدة، وسأحاول الإجابة بقياس الاستشراق إلى حقل مشابه داخل الفكر الغربي يدرس النص.
ولأوضح أولًا مسار الخط الهرمنيوطيقي، وهو ذلك الخط الممتد خلال المائتي سنة الماضية منذ شلايرماخر (ت ١٨٣٤م) وصولًا إلى ريكور ورورتي وفاتيمو، مرورًا بتركيز دلتاي (١٨٣٣-١٩١١م)
على فكرتي الخبرة المعيشة والفهم في خلق الشرعية الفلسفية وتشديد إستمولوجيا للعلوم الإنسانية أو علوم الروح، وتميزه بين الفهم في الإنسانيات والتفسير في الطبيعيات، ولو سميت التعليل أو التسبب في الطبيعيات لكان أدق، ومفهوم رؤية العالم، والدائرة التأويلية والعلاقة المتساندة بين الجزء والكل.
ثم قصدية الشعور عند هوسرل (ت ١٩٣٨م)، والمنعطف الأنطولوجي (الوجودي) مع مارتين هايدغر في كتابه عام (١٩٢٧م)، حيث غالى في تصعيدها من مستوى اللغة والمنهج إلى مستوى الشروط الجذرية للوجود البشري، ثم المرافعات التي صاغها غادامير (١٩٠٠-٢٠٠٢م) لاستعادة المفاهيم التي اضطهدتها عقلانية التنوير كالخبرة الجمالية والأحكام المسبقة والتراث والسلطة، وكذلك طرحه لمفهوم الفاصل الزمني ونقد فكرة المنهج، وتوسيع نزع الأسطرة مع بولتمان (ت ١٩٧٦م)، وتراجع الحرفي ومركزية البلاغي كالرمز والتشبيه والاستعارة وتخلق الإشارات عند ريكور (ت ٢٠٠٥م) كما شرحها في رمزية الشر، ويمكن القول أن هايدجر وغادامير جسدا الفضاء الذي تغذت منه أطروحات ريكور وروترتي وفاتيمو الهرمنيوطيقية، ونحو هذه الآفاق والمفاهيم والمخزون النظري.
فأين كان المستشرقون المعاصرون في قراءتهم للنصوص في التراث الإسلامي عن كل هذا الجدل والتنظير في حقل الهرمنيوطيقيا الذي يمثل (علم نظرية التفسير) في الفكر الغربي؟
قد يقال في الجواب عن هذا الإشكال أن الفيلولوجيا أصلاً لونٌ من الهرمنيوطيقيا، وهذا فيه جزء من الحقيقة، فشلايرماخر كان يعتبر الفيلولوجيا كذلك، لكن هذه التقاسيم لدى شلايرماخر دواعيها الاستيعاب النظيري، وإلا فالهرمنيوطيقيا في الخط المشار إليه تجاوزت كلياً آفاق الفيلولوجيا التقليدية، وقد يقال أن ذلك بسبب الارتباط التاريخي بين الهرمنيوطيقيا واللاهوت، والواقع أن ذلك أيضاً غير دقيق ففي نفس الحقبة التي كانت الهرمنيوطيقيا مرتبطة فيها عضوياً باللاهوت لم يكن اللاهوت مصدر حساسية الكبرياء العقلانية أصلاً في الفكر الغربي.
وهناك جواب شائع وجاهز في علاقة الاستشراق بالعلوم الإنسانية يختصر المسألة في كونها مسألة «تخلف» لا أكثر ولا أقل، فالمستشرقون غير مواكبين لتطور العلوم الإنسانية، وفي تقديري أن هذا جواب غير دقيق ومنشأ الخلل في هذا الجواب هو النظرة الجزئية لعلاقة حقل بحقل، والغفلة عن النظر لهذه المسألة في كامل السياق الفكري الغربي.
فالجواب الذي أقترحه في الفجوة بين الاستشراق والهرمنيوطيقيا هو أن هذه أصلاً ليست ظاهرة مخصصة بالاستشراق، بل هذه ظاهرة عامة في الحقول الإنسانية الغربية، وهي الفجوة بين المنظرين في مستوى (الأدوات المفهومية) والباحثين الميدانيين في مستوى (الدراسات التطبيقية).
وسأضرب على ذلك مثلاً من حقل قريب يتعامل مع (نصوص)، وهو حقل القانون في الفكر الغربي، وما يحرره القضاة من مستندات وأحكام يفسرون فيها «النص القانوني» وينزلونه على الواقعة، فهم في كل هذه العملية لا يرفعون رأساً بكامل المنظومة النظرية الهرمنيوطيقية الفلسفية، وهكذا ما يكتبه المحامي الغربي من مذكرات يجادل فيها القاضي بالتحاكم لنص القانون، بل وهكذا كتب القانون المعتمدة التي يكتبها شراح التشريعات (فقهاء القانون) لا يفسرون النصوص القانونية بالهرمنيوطيقيا الفلسفية.
ومن المتخصصين المعروفين في تفسير القانون، أستاذ الحقوق الأمريكي وليام إسكردج (و١٩٥١م) وقد كتب بحثاً في التسعينات مع زميله فريكي، يدعو فيه لتطوير آليات تفسير القانون باستثمار الهرمنيوطيقيا والبراجماتية، ومن أطرف ما في هذا البحث أنه يخاصم فيه المحكمة العليا، واستفتح البحث بشرح الفرق بين القضاة والمحامين من جهة، وبين الأكاديميين من جهة أخرى، في تفسير القانون، وأن القضاة والمحامين (أي الواقع العملي) لا يأخذون بنظريات تفسير القانون أصلاً، فضلاً عن النظريات المابعد حداثية(١). وهكذا يقول شيرمان المحاضر في جامعة برونيل (هناك الكثير من الكلام حالياً عن الهرمنيوطيقيا في القانون، ولكن أليست لا تتجاوز كونها زخرفة أكاديمية..؟)16.
بل إنني أصعد بهذه الملاحظة وأقول أن القضاة الغربيين في المحاكم العليا والفيدرالية لو جاءهم من يفلسف النص القانوني بلغة فينومينولوجيا هوسرل ودازين هايدجر ورمزية ريكور والوجود الهش لفاتيمو؛ لعدوا ذلك لونًا من الطرائف ولفحصوا الأرض بأقدامهم ضحكًا.
ومدارس القانون، كمدرسة الوضعية القانونية (بنتام وأوستين) أو مدرسة القانون الطبيعي أو مدرسة التفسيرية (دوركين)، كلها لا تصل لمستويات الهرمنيوطيقا الفلسفية بما فيها من المكون الذاتي المفرط والنسبية المستكنة وذوبان المعايير، وأغلب النزاع في تفسير القانون في الفكر القانوني الغربي هو بين النصية والغرضية، فالنصيون (Textualists) يرون الأولوية لألفاظ القانون، والغرضيون (Intentionalists) يرون الأولوية لغرض مُصدر القانون.
نعم، توجد مقالات أكاديمية قانونية تطرح مقترحات في تفسير القانون متأثرة بمناهج التفسير في الهرمنيوطيقا والنقد الأدبي والمفاهيم المابعد حداثية، كأطروحات الناقد الأدبي والقانوني الأمريكي ستانلي فيش (و١٩٣٨م)، ولكن «عمليًا» في المحاكم الغربية العليا والفيدرالية، وكتب القانون المعتمدة؛ لا تعامل هذه الأطروحات بجدية، وكما يلخص أحد أساتذة القانون الموقف المألوف للقانوني الغربي بشكل عام من ذلك بقوله (القانون عكس الأدب، فوظيفة الأدب أن يفتح ذهن القارئ للتفسير الذاتي، بينما وظيفة القانون عكس ذلك، فالتشريعات والسوابق القضائية تسعى لضبط الأنشطة، ولذلك فإن التشريعات يجب أن تخضع لتفسير محدد ومعقول إذا أريد لها تحقيق وظيفتها، وأية محامٍ ممارس يعرف ذلك)17.
وبسبب هذه الروح المتزنة في التفسير التشريعي لدى المشاركين فعلياً في ميدان القانون فإن بعض من شارك في الكتابة في الهرمنيوطيقا من أساتذة الحقوق ظهرت عليه آثار النفرة من أسلوب الهرمنيوطيقا الفلسفية ونسبيتها المفرطة، ويمكن أن نضرب مثلاً لذلك بالقانوني الإيطالي إيميليو بيتي (١٨٩٠-١٩٦٨م)، الذي شارك في الكتابة في الهرمنيوطيقا، ووجه نقداً جذرياً لكل الخط الهرمنيوطيقي المنبثق عن هايدجر، حتى جعل بعض الباحثين هذا الخلاف معلماً حديثاً في تاريخ الهرمنيوطيقا وعقد فصلاً بعنوان (المعركة المعاصرة حول الهرمنيوطيقا: بيتي ضد جادامير)18.
واعتبر بيتي أن هذا الخط المنبثق عن هايدغر ألغى الأسس الموضوعية للتفسير، وجعل بيتي التفسير على ثلاثة أنواع، ومنها (التفسير المعياري) وهو التفسير الذي يسعى لتطبيق النص على حالة محددة19، وليس من العسير ملاحظة أثر ضغط القانون العملي على بيتي إلى درجة أن أصر على نوع من التفسير يكون موضوعيًا لحاجته للتطبيق على حالة معينة، ورفضه للذاتية المفرطة، والحقيقة أن غادامير اضطر لمناقشة نقد بيتي في الطبعة الجديدة لكتابه الحقيقة والمنهج (1).
حسنًا، لاحظنا في هذا النموذج كيف أن حقل القانون في الفكر الغربي (في مستواه الميداني/التطبيقي) يعيش فجوة تجاه المخزون النظري المنهمر في علوم الدلالة في الفكر الغربي (فلسفة اللغة، اللسانيات، النقد الأدبي، الهرمنيوطيقيا).
وهكذا أيضًا نجد قريبًا من هذه الظاهرة في حقل اللاهوت، فإن غالب الكتابات اللاهوتية الرسمية الصادرة عن الكنائس الغربية لا توظف عمليًا هذه المنظومة الهرمنيوطيقية الأنطولوجية بمنزعتها الفلسفي (خط هايدغر) في قراءة النصوص في موروثهم الديني، بل قد يستعملون أساليب التفسير المباشرة أو قواعد التفسير التقليدية في التاريخ الكنسي، وصحيح أنه يوجد مقالات وأبحاث نظرية، وأقل منها تطبيقية، تستعمل الهرمنيوطيقيا الأنطولوجية في اللاهوت، لكن الواقع العملي العام خلاف ذلك.
بل إن حقل قراءة (النصوص الأدبية) الذي هو ألصق الحقول بالخزان النظري في علوم الدلالة الغربية، وبالخصوص النقد الأدبي، ومع ذلك فإن جماهير متذوقي الأدب في الثقافة الغربية الذين يقرؤون الأعمال الأدبية والفنية الكبرى لا يعرفون رطانة رولان بارت وأضرابه، وإنما يستمتعون بالنصوص الأدبية ويحللونها بأدوات المثقف العام، وليس بالعدة النقدية المعقدة في النقد الأدبي البنيوي وما بعد البنيوي.
حسنًا، هذا المشهد الذي استعرضناه حول الفجوة بين التنظير المفهومي والتطبيق التفسيري في الفكر الغربي، أو ما يمكن تسميته (عزلة النظرية الغربية)، في القانون واللاهوت والتذوق الأدبي، هو نموذج شديد الدلالة على نتيجتين: النتيجة الأولى أن السؤال المطروح حول عزلة الاستشراق عن المفاهيم النظرية في العلوم الإنسانية أنه سؤال خاطئ، لأنه يتضمن فرضية خاطئة، وهي فرضية انفراد الاستشراق بذلك، والواقع أن هذه ظاهرة في الفكر الغربي.
بل إن بعض المستشرقين يصرح بأن هذه النظريات في التأويل والقراءة مجرد صيحات مؤقتة وموجات عارضة، وليست مناهج علمية مبرهنة ومحكمة جاهزة للتطبيق، وقد كان هذا الموقف يحزن محمد أركون المهزوم أمام هذه الموجات التأويلية، وإن كان يتحدث عن المناهج الإنسانية دومًا بلغة غنائية هاتفية لا بتحليل علمي معمم، وقد قال أركون يومًا (إن المستشرقين، مع بعض الاستثناءات القليلة، يستمرون في تجاهل المكتسبات الإيجابية لعلوم الإنسان والمجتمع، وعدم الثقة بها، بحجة أنها تمثل «زِيًّا أو موضة عابرة»)(١). وهذه الشهادة تحمل دلالةً تهز الوعي الرزين حول جاهزية الصراعات التأويلية الغربية.
وأما النتيجة الثانية فهي أن الدعوات المحمومة لتطبيق نظريات الهرمنيوطيقيا والنقد الأدبي الغربي ونحوها في تفسير الشريعة الإسلامية؛ أنها دعوات فيها سذاجة دعائية مفلطحة، فهذه النظريات الهرمنيوطيقية والنقدية والمابعد حداثية لم يطبقها الغربيون أنفسهم في تفسير تشريعاتهم، فكيف نطبقها نحن في تفسير شريعة الله؟ بل لم تطبقها عامة الكنائس الغربية في تفسير كتابها المحرّف فكيف يراد منا أن نطبقها في تفسير كتاب الله المحفوظ؟ بل إن عامة الباحثين الغربيين أنفسهم الذين يدرسون التراث الإسلامي يرون هذه النظريات التأويلية الغربية «زياً أو موضة عابرة» فكيف يوجد فينا من يستبدل علمي الدلالة (أصول الفقه، وعلم البلاغة) وما فيهما من الإنتاج الجاد المتبحر والاختبار الزمني الطويل بهذه الموضات التأويلية غير المبرهنة والتي لم تمخّص مقدرتها التفسيرية تطبيقاً؟
والواقع أن من يهتف باستبدال علوم الدلالة في التراث الإسلامي (أصول الفقه وعلم البلاغة) بعلوم الدلالة الغربية (فلسفة اللغة، اللسانيات، النقد الأدبي، الهرمنيوطيقيا) أنه يكشف عن جهله بكلا الحقلين الدلاليين التراثي والغربي، فقواعد التفسير في علمي أصول الفقه والبلاغة ليست معطيات يقررها شخص بعينه من العلماء، بل هي ميدان تحاكم فيه أية قاعدة بصرامة ويطالب من يعرضها بالبرهان الشرعي على صحتها، ويمكن للقارئ مراجعة الدراسات الأصولية التي تعرضت لهذا المبحث، أعني مبحث الاستدلال على شرعية وصحة القاعدة الأصولية20، فليس أصول الفقه حمى مستباحاً تطبق فيه أية قاعدة تفسيرية بمجرد تدوينها من أحد العلماء، وأما هذه النظريات التأويلية الغربية فلا يوجد إلى الآن من فحص شرعيتها وعرض الأدلة من الكتاب والسنة على صحتها، فكيف تطبق هكذا؟! فضلاً عن أن هذه الحقول مليئة بالنظريات المتضاربة، وكل فيلسوف ينقض ما قال سابقه.
الفصل الثالث: صعود حقل «تاريخ التراث»
- أولاً: مفهوم تاريخ التراث:
يمكن القول أن مستويات التعاطي والمعالجة والنظر في العلوم الإسلامية تنقسم إلى مستويين، مستوى «المحور الموضوعي»، ومستوى «المحور التاريخي»، فأما المحور الموضوعي فهو الذي يدرس ويحلل آحاد وأفراد ومسائل العلم، واحدة بعد أخرى، ويستعرض مفهومها والخلاف فيها وأدلة كل قول والترجيح في ذلك، ونموذج ذلك أن ترى الفقيه يبتدئ درسه لطلابه بمسائل كتاب الطهارة وينتهي بمسائل كتاب القضاء، يمر على المسائل مسألة مسألة.
وأما المحور التاريخي فهو الذي ينأى بنظره عن المشاركة «المباشرة» في تحليل مسائل العلم موضوعيًا، ولا يدخل كطرف في النزاع حول المسائل، وإنما يرقب سير وتطورات هذا العلم، ويبذل جهداً في التفتيش خصوصاً في مرحلة البدايات، ونقاط التلاقي والتأثير والتأثر، والرموز الذين قدموا إضافات أو ألهموا التحولات.
ويلاحظ أن طالب العلم الشرعي المنهمك في التخصص يغلب عليه الاستغراق في المحور الموضوعي لمسائل العلم، بينما المثقف العام تخلب فضوله رواية نشأة علم من العلوم وأحداثه الكبرى والاستعراضات التاريخية لمؤسسيه وملهميه.
- ثانياً: تاريخ التراث في التفكير الاستشراقي:
في تطور مناهج علم التاريخ ظهرت في القرن التاسع عشر موجة وروح جديدة جذابة عزفت عن التاريخ الحدثي الذي يسجل الوقائع السياسية بشكل خاص، أو ما يسمى بـ «التاريخ السياسي»، إلى الاهتمام بـ «التاريخ الثقافي»، وقد ألهمتها أعمال المؤرخ السويسري جاكوب بوركهارت (١٨١٨-١٨٩٧م).
والمؤرخ الثقافي المعروف غومبريتش في ورقته النظرية المشهورة في هذا الحقل والتي عنوانها بـ «بحثاً عن التاريخ الثقافي» التي ألقاها عام (١٩٦٧م) ناقش بتوسع الدور التأسيسي لبوركهارت في ظهور مفهوم التاريخ الثقافي وأسسه الهيجلية المضمرة، ثم أشار إلى موقع الفيلسوف الهرمنيوطيقي المعروف ديلتاي (١٨٣٣-١٩١١م) في هذا المسار حيث ذكر أن «ديلتاي هو الأب لكامل الاتجاه التاريخي الألماني الذي يطلق عليه التاريخ الفكري»21.
وفي العام ١٩٦٦م نشر المستشرق الألماني رودي بارت (١٩٠١-١٩٨٣م) دراسته المعروفة عن «المستشرقين الألمان منذ نولدكة» وهي دراسة اعتمد فيها على كتاب يوهان فوك، ثم واصل ما بعده وضع ملاحظات وتقييمات كثيرة، وقد أشار رودي بارت في هذا الكتاب إلى كيفية توصل المستشرق النمساوي ألفرد فون كريمر (١٨٢٨-١٨٨٩م) إلى أهمية العناية بالتاريخ الثقافي، حيث يقول كريمر (الإسلام في العصر الحاضر لا يمكن الحكم عليه حكماً صائباً إلا إذا ربط بمجموع «التاريخ الثقافي» للشعب العربي)22، وهو تأثر واضح بروح فكرة التاريخ الثقافي في هذا العصر، وهذا الزوج (التاريخ الثقافي/التاريخ السياسي) وما يحمله في جوفه من تناظر؛ استمر حاضراً في كتاب رودي بارت المشار إليه، في قراءته لتطور الاهتمامات البحثية الاستشراقية.
وفي مطلع التسعينات حين كتب المستشرق الهولندي واردنبرج مقالة «المستشرقون» لصالح دائرة المعارف الاستشراقية الثانية (EI$^{2}$) أشار لهذا الدور الريادي لكريمر في «التاريخ الثقافي»، حيث يقول: (دراسة التاريخ الإسلامي يتطلب نشر وتحليل النصوص التاريخية، والرواد المهمون في هذا الحقل هم ألفرد فون كريمر (١٨٢٨-١٨٨٩م) في «التاريخ الثقافي الإسلامي»، ويوليوس فلهاوزن (١٨٤٤-١٩١٨م) في «التاريخ السياسي» المبكر للإسلام)23.
وبعد العاصفة الجدلية التي أهاجها كتاب إدوارد سعيد عن الاستشراق (١٩٧٨م) عقد بعض المستشرقين مؤتمراً عن تقاليد ومشكلات هذا الحقل، وطبعت أعماله في (١٩٨٠م) وكان من بينها ورقة للمستشرق الألماني «فان إس» بعنوان (من فلهاوزن إلى بيكر: ظهور «التاريخ الثقافي» في الدراسات الإسلامية)24، وقد اختار «فان إس» شخصيتين تمثيليتين لدراسة التطور كليهما ذوي صلة بأبعاد خارج حقل الاستشراق، أحدهما فلهاوزن (١٨٤٤-١٩١٨م) اللاجئ للاستشراق بعد تجربة مريرة في اللاهوت، والثاني بيكر (١٨٧٦-١٩٣٣م) الذي غادر الأكاديميا لمنصب وزير في وزارة الثقافة والتعليم، ولفت فيها «فان إس» الانتباه إلى أثر المكون الاجتماعي/المؤسسي في شخصية بيكر في تفسير أثره في هذا الحقل فيما يتعلق بالتاريخ الثقافي.
ولقد كثر في عناوين المستشرقين في تلك الحقبة تركيب العنوان بأسلوب الإضافة بين مفردة مستمدة من معجم التاريخ (نشأة، تطور، اتجاهات، إلخ) وإضافتها لمفردة مستمدة من أحد التشكيلات الثقافية والمعرفية.
ويبدو ملموسًا فعلًا أن المزاج العام لاهتمامات المستشرقين يميل لعدم المشاركة الموضوعية «المباشرة» في العلوم الإسلامية، ولكن يستحوذ على اهتمامهم دراسة «تاريخ العلم» نفسه، وهذا الميل ذاته يلاحظه المراقب أيضًا بين الحداثيين العرب الذين كتبوا في برامج «إعادة قراءة التراث».
وهذا لا يعني طبعًا أن المعنيين بتاريخ العلم لا يطرحون رؤية في موضوعات العلم، بل إنهم يطرحون ولكن بشكل غير مباشر، وذلك من خلال دور «المقيم»، فالتقييمات المتناثرة التي يضيفها مؤرخ العلم بين ثنايا روايته، تتضمن رفعًا لمدارس ومناهج ووضعًا لأخرى، وتثمينًا لرموز وتهجينًا لآخرين، وتكثيف حضور أسئلة وتغيبًا لأخرى، ونحو ذلك، وهذه كلها تحمل في داخلها محتوى موضوعي يتشربه القارئ وتتغير من خلاله اتجاهاته ونمط تفكيره دون شعور كافٍ، لأن القارئ عادةً أقل احتراسًا وممانعة تجاه الرسائل غير المباشرة، ولذلك -مثلاً- فإن كتب «تاريخ» العقيدة التي يكتبها مؤرخون مستشرقون، أكثر تأثيرًا من كتب «مسائل»
العقيدة التي يكتبها علماء من خارج أهل السنة.
- ثالثاً: البرامج العربية الشاملة لـ «تاريخ التراث»
- ١ - ليس من ريب في أن رائد مشروعات «تاريخ التراث» المستلهمة للمناهج الاستشراقية هو الأديب الصحفي اللبناني جورجي زيدان (١٨٦١-١٩١٤م)، وقد كان له نهم كبير في مطالعة البحوث الاستشراقية وخبرة عالية بها، وهو مكثر جداً من التأليف، ويتصل بجرجي زيدان موضوعات ليست محل اهتمامنا هنا، مثل ريادته لفن «الرواية التاريخية»، ودوره في «الصحافة الأدبية» في مجلة الهلال، وكلاهما خارج نطاق دراستنا هنا، وإنما موضوعنا هو ريادته في فن «تاريخ التراث» المعتمد على التركة الاستشراقية، وأهم كتبه في هذا الموضوع هما: تاريخ التمدن الإسلامي، وتاريخ آداب اللغة العربية، وثمة تداخل بين الكتابين.
فأما كتابه «تاريخ التمدن الإسلامي» (١٩٠٢-١٩٠٦م) فهو يقع في خمسة أجزاء، مجموع صفحاتها (١١٠٠ صفحة)، وهو أعم من كونه عن العلوم الإسلامية بل هو عن الثقافة والحضارة في تاريخ الإسلام بما فيها من علوم شرعية وطب وفلك واقتصاد وسياسة، وفيه أبحاث عن الثقافات السابقة للإسلام وذات الصلة به كالعرب في الجاهلية، والآداب اليونانية والهندية، ونحو ذلك. ومن طريف ما مررت به في كتابه أنه عقد مبحثاً بعنوان «الميثولوجيا»25، وتحدث فيه عن الميثولوجيا عند العرب، وبعض المفكرين الحداثيين اليوم يتحدثون عن الميثولوجيا باعتبارها مفهوماً حديثاً لا يعرفه المعاصرون، وهذا جرجي زيدان ينقله، ويصدر ذلك بقوله «ما يعبر عنه الإفرنج بالميثولوجيا»، ويستعمله في البحث داخل التراث منذ زهاء مائة عام!
وهل جرجي زيدان يخفي أنه استعار من المستشرقين؟ وهل المستشرقون ينفون أن السلعة سلعتهم؟ الجواب عن السؤالين كليهما: لا، فلا المقترض ولا المقرض ينكر ذلك، بل جرجي زيدان صرح في مقدمات كتبه وفي حواشيها بالمصادر الاستشراقية التي نقل عنها، من كتب أو مجلات علمية، وقد ساعده على ذلك ثلاثة عوامل: صلاته الحميمة الوثيقة بالمستشرقين، وإتقانه لثلاث لغات أوروبية (الانجليزية والفرنسية والألمانية)، والمشترك الديني بينهم، فهو نصراني.
وممن كانت بينه وبين جرجي زيدان صلة شيخ المستشرقين الروس «كراتشكوفسكي» (١٨٨٣-١٩٥١م)، وقد التقيا في مصر، وقدم زيدان خدمات لكراتشكوفسكي في الوصول لبعض المخطوطات، ويبدو أن العلاقة بينهما توثقت، حتى أن كراتشكوفسكي نقل حدثاً عاطفياً عن زيدان في كتابه الذي روى فيه مغامراته في الوصول للمخطوطات، حيث يقول كراتشكوفسكي (كان -أي جرجي زيدان- في ذلك الوقت قد وصل إلى أوج شهرته، لكنه مع هذا كان لا ينسى أنه قد أغلق في وجهه طريق العودة إلى وطنه، وكانت الدموع تترقرق في عينيه عندما سمعني أتحدث باللهجة السورية، لهجة وطنه)26.
ثم إن كراتشكوفسكي كتب ترجمة تبجيلية عن جرجي زيدان لصالح دائرة المعارف الاستشراقية الأولى، نشرت عام (1936م)، وهي ترجمة رجل ليس أجنبيًا عن زيدان، كما أنه ليس مستشرقًا هامشيًا، وأوضح فيها كراتشكوفسكي ضخامة اعتماد صديقه زيدان فيما كتبه عن «تاريخ التراث» على المستشرقين، حيث يقول كراتشكوفسكي عن صديقه زيدان: (وكتابه «تاريخ التمدن الإسلامي»، 5 أجزاء، 1902-1906م، هو أهم مصنفاته التاريخية جميعًا، وقد بناه على المصنفات الأوروبية المشهورة، التي وضعها سديو وكريمر وجولدزيهر وغيرهم، وقد أضاف إليه كثيرًا من المعلومات استقاها من المصادر العربية)27.
لكن متى بدأت صلة زيدان العميقة بأعمال المستشرقين؟ ذكر المستشرق والتر في الدائرة الاستشراقية الثانية أن زيدان «سافر صيف ١٨٨٦م إلى لندن، وأصبح ملماً بأعمال المستشرقين الأوروبيين»28، وهذا يعني أنه حين كان عمره ٢٥ عاماً.
وقد ذكر جرجي زيدان في الجزء الثالث من «تاريخ التمدن» أنه بعد صدور ما سبق وصلته رسائل الشكر والثناء من المستشرقين، ثم سرد أسماءهم، وكان منهم جولدزيهر ومرجليوث29.
- ٢ - وإذا كنا لا نشك أن أول من رفع راية «تاريخ التراث» المستمد من المادة الاستشراقية هو «جرجي زيدان»، فإننا لا نشك أيضاً أن من استلم الراية بعده هو «أحمد أمين» (١٨٨٦-١٩٥٤م)، حيث كتب سلسلته المشهورة: فجر الإسلام (جزء واحد: ١٩٢٩م)، ضحى الإسلام (ثلاثة أجزاء: ١٩٣٣-١٩٣٦م)، ظهر الإسلام (أربعة أجزاء: ١٩٤٥-١٩٥٣م)، يوم الإسلام (جزء واحد: ١٩٥٢م)، وتلاحظ أن مدة إخراج هذه السلسلة استغرق (٢٤) سنة، تخللها انقطاع بين الضحى والظهر بسبب قيلولته بعمادة كلية الآداب، ثم استيقظ وعاد لمواصلة التأليف، وتقع مجموع صفحات هذه السلسلة كلها في (٢٨٣٣ صفحة).
فأما كتابه «فجر الإسلام» فاستعرض فيه الثقافات السابقة على الإسلام (الجاهلية العربية، والفرس، واليونان، والرومان)، ثم انتقل لعرض نشأة العلوم الإسلامية في القرن الأول الهجري، وظهور الفرق العقدية، ثم في كتابه «ضحى الإسلام» تابع تطور العلوم والظواهر الاجتماعية في العصر العباسي الأول، وهو في نظره يقف عند نهاية عصر الواثق، ثم في كتابه «ظهر الإسلام» جعل الجزء الأول والثاني منه في الحياة العلمية والاجتماعية في العصر العباسي الثاني، وهو عنده يبدأ من عصر المتوكل، وأما الجزء الثالث فجعله عن الأندلس: علماً ومجتمعاً، وفي الجزء الرابع جعله عرضاً عاماً للمذاهب العقدية (المعتزلة، الأشاعرة، الماتريدية، الشيعة، الصوفية) وهذا الجزء الرابع طبع بعد وفاته بتحرير تلميذه الأهواني.
وفي جميع هذه الأجزاء السابقة من هذه السلسلة كان أحمد أمين يقسم كل حقبة قسمين، قسم لرصد الظواهر الاجتماعية وقسم لرصد تطور الحركة العلمية، والحركة العلمية ينظر إليها مرتين، مرة نظرة مجملة، ثم يعود لها بعروض تفصيلية. وكان عازماً على المواصلة في أجزاء إضافية لظهر الإسلام يتابع فيها تطور الحركة العلمية والمظاهر الاجتماعية إلى عصره، ولكن وقع له كلل في بصره وإعياء فمنعه الأطباء من القراءة، فتوقف عن المواصلة وكتب ملخصاً وجيزاً جعله شاملاً منذ بدء الإسلام إلى عصره اعتمد فيه على ما في ذهنه من مقروءاته السابقة يتحدث فيه عن المذاهب والعلوم والدول والغرب والتقاتل العقدي والتسامح المذهبي ونحوها من اهتماماته.
والحقيقة أن سلسلة أحمد أمين هذه كادت أن تكون إضافة علمية مميزة في «تأريخ التراث» لولا أنه كان مهزومًا أمام تحليلات المستشرقين، مدعًّا لطعونهم في العلوم الإسلامية وخصوصًا السنة النبوية، كما سيأتي نماذج ذلك خلال فصول الكتاب، ولكنه والحق يقال كان يعيد عرض التحليلات الاستشراقية بلغة دبلوماسية غالبًا فلا يجرح القارئ ولا يثير سكينته وهو يدني تحته الطبق المسموم.
وهذا الأسلوب اللبق المهذب في تغذية القارئ بالنتائج الاستشراقية دون استثارة ممانعته واحتراسه ليس سلوكًا عابرًا لدى أحمد أمين، بل هو استراتيجية واعية صرّح بها لبعض خاصته، ففي نهاية الثلاثينات الميلادية ألقى الأستاذ علي حسن عبد القادر محاضرة في الأزهر لخص فيها طعن جولدزيهر في الإمام الزهري، فكتب الشيخ السباعي -وكان آنذاك طالبًا- بحثًا رد فيه على أستاذه، فثار جدل في الأزهر ضد الأستاذ علي حسن عبد القادر، فنصحه أحمد أمين بسلوك استراتيجيته في عرض النتائج الاستشراقية، حيث يروي القصة الشيخ السباعي لاحقًا ويقول:
(ولما ثار النقاش في الأزهر حول الإمام الزهري عام ١٣٦٠هـ) قال الأستاذ أحمد أمين للدكتور علي حسن عبد القادر، وهو الذي أثيرت الضجة حوله «إن الأزهر لا يقبل الآراء العلمية الحرة، فخير طريقة لبث ما تراه مناسبًا من أقوال المستشرقين ألا تنسبها إليهم بصراحة، ولكن ادفعها إلى الأزهريين على أنها بحث منك، وألبسها ثوبًا رقيقًا لا يزعجهم مسها، كما فعلت أنا في فجر الإسلام وضحى الإسلام»، هذا ما سمعته من الدكتور علي حسن يومئذٍ، نقلاً عن الأستاذ أحمد أمين)30
ولكن متى وكيف بدأت علاقة أحمد أمين بالمستشرقين؟ بدأت صلة أحمد أمين بالمستشرقين من سماعه لصديقه القاضي أحمد بك أمين (ت1936م)، صاحب شرح قانون العقوبات، ينوّه ببحث لأحد المستشرقين في تاريخ التراث، فعزم على تعلم اللغة الانجليزية لأجل ذلك، كما يروي أحمد أمين نفسه القصة عن صديقه القاضي أحمد بك أمين فيقول: (ويومًا قابلت صديقي أحمد بك أمين، وجلسنا في مقهى، وذهب الحديث فنونًا إلى أن وجدته يقول إنه عثر على كتاب انجليزي قيم لمستشرق أمريكي اسمه مكدونالد، وأنه قسم كتابه إلى ثلاثة أقسام: قسم يتعلق بنظام الحكم في الإسلام، وقسم في تاريخ الفقه الإسلامي، وقسم في المذاهب والعقائد الإسلامية، وأخذ يطري الكتاب، ويحكي بعض آرائه، فاستفزني الموضوع وقلت: هل تستطيع الآن أن تذهب معي إلى مدرسة «برليتز» لأرتب دروسًا لي في الانجليزية؟ فقبل، وأقسمت أن أتعلم، وأن أقرأ هذا الكتاب في لغته)31.
وهل أتم أحمد أمين ما بذل اليمين عليه؟ نعم، وقد ذكر تجربته الطويلة في تعلم الانجليزية، وقرأ كتاب ماكدونالد (1863- 1943م) هذا، وهو مستشرق أمريكي مشهور، بل وملأ كتابه (فجر
الإسلام) بالإشارة إلى هذا المرجع32، حيث كان يلخص ما في المصادر بأسلوبه وتعليقاته، ثم يسرد أسماء المصادر في نهاية كل فصل.
ويبدو لي أن كثرة إحالة أحمد أمين لكتاب ماكدونالد هذا33 في كتابه «فجر الإسلام» ليس لأن كتاب ماكدونالد تضمن أفكاراً جديدة في هذا الحقل، وإنما لأنه أول كتاب استشراقي شامل شربه في لغته الأصلية، والكتاب الأول في أي فن يفرض حضوره على الذهن بشرعية الأسبقية (primacy effect)، بل هو الكتاب الذي حمل أحمد أمين على تكبد معاناة تعلم اللغة الإنجليزية، ومن العوامل أيضاً سلاسة أسلوب ماكدونالد وتلخيصه الأبحاث التي سبقته، وأحمد أمين من رموز السلاسة الأدبية، وقد قال عبد الرحمن بدوي عن ماكدونالد (كان شديد التقوى المسيحية، وصرف نشاطاً كبيراً في التبشير المسيحي، وفي إعداد المبشرين، وإنتاجه يتسم بالوضوح في العرض، لكنه خالٍ من التعمق)34.
ولم يقتصر الاستمداد من دراسات المستشرقين في التقاط اقتباساتهم المهمة من كتب التاريخ والأدب، وإعادة إنتاج تحليلاتهم لدلالاتها الاجتماعية والسياسية، بل ويصرح أحمد أمين أنه يطبق منهج البحث الاستشراقي نفسه، كما يقول عن نفسه (كتاب «تاريخ الفلك عند العرب» للأستاذ نلنينو، قرأته بإمعان، واستفدت منه كيف يبحث كبار المستشرقين …، فإن قلت أنني استفدت منهج البحث من هذا الكتاب لم أبعد عن الصواب)35.
وثمة مصادر استشراقية أخرى اعتمد عليها أيضاً مثل دائرة المعارف الاستشراقية الأولى، وكتابي أوليري «العرب قبل الإسلام» و«الفكر العربي»، وكتابي جولدزيهر «العقيدة والشريعة» و«دراسات محمدية»، وكتاب فلهاوزن، وكتاب براون «التاريخ الأدبي لفارس»، كما ينقل عن بعض المجلات الاستشراقية.
ومن المهم الإشارة إلى صلة أحمد أمين بالمشروعات العربية لتاريخ التراث التي سبقته، وأنه لم يكن يجهل كتاب جرجي زيدان «تاريخ التمدن الإسلامي» الذي سبقه، بل أشار إليه لماماً36.
ولا أدري هل واصل أحمد أمين تعلم لغات أوروبية أخرى أم لا؟ لأنني رأيته ينقل من كتاب جولدزيهر «العقيدة والشريعة» في طبعته الفرنسية، ويشير لبحث لنلنينو بالإيطالية، ونقل مرة من كتاب متز «نهضة الإسلام» بالألمانية، ولكنه أشار في موضع آخر بأنه من ترجمة خدابخش للكتاب إلى الانجليزية.
هذه الاستراتيجية التي وظفها أحمد أمين في ضخ طعون المستشرقين في العلوم الإسلامية بلغة وديعة غير مستفزة، وهي التي نصح بها علي حسن عبد القادر حين قال له «لا تنسبها للمستشرقين صراحة، ولكن ادفعها للأزهريين على أنها بحث منك، وألبسها ثوبًا رقيقًا لا يزعجهم مسها»؛ لا يمكن للباحث المنصف إلا أن يسمي هذا «مكرًا وغشًا»، فكيف تقبل أحمد أمين أن يقوم بهذه المهمة المنخفضة؟
الحقيقة أن مستوى التدين الشخصي لدى أحمد أمين قد يفسر لنا كيف استجاز لنفسه أن يصنع ذلك، حيث ينقل ابنه جلال أمين شهادة مهمة، وجلال هو أستاذ الاقتصاد في الجامعة الأمريكية، ومؤلف معروف، وهو قريب من خط اليسار الإسلامي وأدخل معهم بالخطأ تحت لافتة التراثيين الجدد، ويقول جلال في هذه الشهادة عن أبيه أحمد أمين:
(في كتاب «حياتي» وصف أبي البيت الذي نشأ فيه بقوله «إنك إذا فتحت بابه شمت منه رائحة الدين ساطعة زاكية». أما أنا فلا أستطيع بالمرة أن أقول إن هذا الوصف ينطبق على البيت الذي نشأت فيه، فأبي على الرغم من نشأته هذه، وشدة تدين أبيه وأمه، ورغم أن أهم كتاباته كانت تدور حول الإسلام، لم يكن متدينًا بمعظم المعاني الشائعة اليوم، إني لا أتذكر مثلًا أني رأيت أبي وهو يصلي، ولا أذكر أني رأيته يقرأ في المصحف. إني أتذكر اعتذاره عن الصوم بسبب مرض أو آخر كان يفرض عليه نظامًا معينًا في الأكل، أو بسبب التدخين، ولكني لا أتذكره وهو ينتظر حلول المغرب ليتناول إفطاره في رمضان…، إن هذا لا ينفي ما كان يتحلى به أبي من صفات قريبة من التصوف، كما لا يتعارض مع ما أتذكره من أقواله الكثيرة التي تنم عن إيمان عميق بالله…، وعلى أي حال فإني لا يخامرني أي شك في أن أبي كان يعلق على أخلاق المسلم أهمية أكبر مما يعلقه على شعائر الدين)37.
هذه الشهادة التي يقدمها أستاذ الاقتصاد جلال أمين، عن واقع أبيه أحمد أمين، وبعده عن أركان الإسلام، لا يناسب التعليق عليها، فالوحشة التي ترتعد في نفس المؤمن وهو يقرأ هذه الحال المروعة أبلغ من كل تعليق، ولا يناسب أمام هذه الصورة إلا أن يرفع المؤمن يديه بالدعاء بالثبات على دينه، ولندع هذه الصورة ذاتها تفسر لنا لماذا رضي أحمد أمين لنفسه أن يكون معطفًا يندس فيه المستشرقون بين أهل الإسلام.
- ٣ - وبعد كتابي جرجي زيدان مطلع القرن، ثم سلسلة أحمد أمين في العشرينات إلى الخمسينات، ظهرت في السبعينات والثمانينات المشروعات اليسارية لقراءة التراث، وهي مشروعات جاء أصحابها من خلفيات ماركسية، وفكروا في التراث في حقبة جاذبية الماركسية، ومن أشهر هؤلاء خمسة: طيب تيزيني (و١٩٣٤م)،
وحسين مروة (١٩٠٨-١٩٨٧م)، وأدونيس (و١٩٣٠م)، وحسن حنفي (و١٩٣٥م)، ومحمد عابد الجابري (١٩٣٦-٢٠١٠م).
فأما طيب تيزيني فهو مفكر سوري ماركسي، وقد نشر عام (١٩٧١م) كتابه (مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط)، ووضع فيه هيكلاً مقترحاً عاماً لدراسة التراث الإسلامي والفلسفة اليونانية والجاهلية العربية على أساس الزوج الماركسي المثالية/ المادية، وكان ينتقد المستشرقين والعرب في قراءة التراث نقداً ماركسيًا باعتبار أنهم كلهم «انطلقوا في أبحاثهم من أطر مثالية، أو غيبية، ساذجة»(١) وهو يقصد بالمثالي ما يقابل المادي، وبالغيبي الموقف المعتمد على الوحي، وقد كان تيزيني يتهم الباحثين العرب بأنهم قد صاغ أفكارهم «الفكر الليبرالي البرجوزاي حين درسوا في الغرب»(٢)، وينتقد أحمد أمين باعتباره مثالي لا مادي! كما يقول تيزيني «أحمد أمين يصنف التاريخ العقلي الإسلامي تصنيفاً مثالياً، لا تاريخياً، يبعده عن تفهم هذا التاريخ بشكل دقيق»(٣).
ثم بدأ تيزيني يصدر دراسات تطبيقية لهذه الرؤية التي نشرها، وكان قد وضع البرنامج تحت لافتة عامة بعنوان (من التراث إلى الثورة)، وصدر منه خمسة أجزاء.
- ٤ - وأما حسين مروة (١٩٠٨-١٩٨٧م) فهو شيعي ماركسي لبناني، وقد درس في جامعة النجف العلوم الشيعية الدينية، ثم اعتنق الماركسية وأصبح أحد القيادات في الحزب الشيوعي اللبناني، وكتب كتابه النزعات المادية في الفلسفة العربية-الإسلامية (١٩٧٨م)، مجلدان في أربعة أجزاء، وأشار في أوله أنه لم ير دراسة للتراث توظف المادية التاريخية إلا دراسة تيزيني السابقة (١٩٧١م)38.
وبرنامج حسين مروة في هذا الكتاب هو إعادة عرض لبعض المشاهد في تاريخ الفلسفة وعلم الكلام والتصوف والتشيع والمنطق على أساس المفاضلة الماركسية المعروفة بين المثالية/المادية، واستحضار بقية مفاهيم المعجم الماركسي في ثنايا التحليلات، ويكرر حسين مروة في هذا الكتاب النقد الماركسي للمستشرقين والحداثيين العرب، ولم يكتف بتقسيم التراث على أساس القرب والبعد من المفاهيم الماركسية، بل ذهب للمستشرقين أنفسهم وقسمهم إلى المستشرقين الماركسيين وغير الماركسيين، فأما غير الماركسيين فأفرد صفحات طويلة لنقدهم الذي لخصه بأنهم يدورون حول ثلاث إشكاليات: العرق/الجنس، المركزية الغربية، إبراز الرجعي في التراث(٢).
وأما أصحابه المستشرقون الماركسيين فقد عقد لهم مبحثاً بعنوان (الدراسات الاستشراقية الماركسية) وفخم شأنهم وقال عنهم (أما المستشرقون الماركسيون فقد تفرّدوا في تاريخ الحركة الاستشراقية بالتوجه إلى تراثنا الفكري بمختلف أشكاله، من وجهة نظر ماركسية، على أساس مادي تاريخي من حيث المنهج، وعلى أساس الاشتراكية العلمية من حيث الأيديولوجية، ذلك يعني أننا لن نجد في دراستهم تلك الوجوه السلبية التي وجدناها لدى المستشرقين الغربيين، والباحثين العرب المحدثين)39 إلا أنه استثنى بعض الهتات اليسيرة التي يقبل فيها الخلاف الاجتهادي في الداخل الماركسي.
والمهم هاهنا أن حسين مروة انتقد بعض المستشرقين، ولكن لا من زاوية التراثيين أو الإسلاميين، ولكن من زاوية الاستشراق الماركسي، ويبدو هاهنا متقاطعاً مع جزء من نقد أنور عبد الملك (١٩٦٣م) فقد كان أنور يرجع سبب أزمة الاستشراق إلى نجاح حركات التحرر الوطني، وظهور الاشتراكية في أوروبا، وثورة العلوم الاجتماعية، وقريباً أيضاً من نقد طيب تيزيني (١٩٧١م) كما سبق عرضه.
والحقيقة أنني لا أعرف أحداً في محيطنا الثقافي المحلي قرأ أو تفاعل مع هذين المشروعين، وإنما أسمع اسمهما يترددان إذا عرض أحدهم لتأريخ مشروعات قراءة التراث، ويغلب على ظني أنهما أطروحتان للتنشئة اليسارية الداخلية، وليس للاستقطاب الخارجي، فهما موجَّهان للقارئ الماركسي المحرَّب، وكأنهما يتحدثان في أحد قاعات اللجنة المركزية، ولذلك يبدو في لغتهما عدم مداراة القارئ الخارجي أو المثقف الإسلامي، وليس فيهما برهنة نجاعة المفاهيم الماركسية، بل هي معطيات ناجزة تنتظر التطبيق المتلهف فقط، بشيء من المزايدة على الولاء والتعظيم للمفاهيم الماركسية، كما أن لغة المؤلفين تقريرية مباشرة ولا يتحليان بمسحة أدبية، بل لا يوضحان هذا المعجم الماركسي الفني للقارئ العام، وهذه الأسباب المتضافرة في تقديري هي ما يفسر عدم تأثير هاتين الأطروحتين اليساريتين.
- ٥ - وأما أدونيس فهو مفكر سوري/لبناني، نصيري ملحد، وبرغم أنه قادم أيضًا من خلفية ماركسية إلا أن إشكاليته المركزية تختلف، فهو يدور حول الزوج الاتباع/الإبداع، أو الثابت/المتحول، والثابت أو الاتباع عنده هو «الفكر الذي ينهض على النص»(١)، وأما الإبداع أو المتحول عنده فهو «الفكر الذي ينهض على النص لكن بتأويل يجعله قابلاً للتكيف مع الواقع، أو الفكر الذي لا يرى في النص أية مرجعية»(٢)، وعلى هذا كتب كتابه الثابت والمتحول:
بحث في الإبداع والاتباع عند العرب (١٩٧٣م) وهو التقاط لبعض المشاهد من التراث والتاريخ وإعادة صياغتها وقراءتها على ضوء هذا الزوج وتفخيم شأن من يخرج عن النص، وتهجين من يتبع النص، كما في العقل-النقل عند المعتزلة، والحقيقة-الشريعة عند الصوفية، وهكذا، واستعرض هذه المفاضلة في عدة حقول: العلوم الإسلامية، والفنون الأدبية، والسياسة، الحركات الثورية، والمدارس الأدبية الحديثة، ولكن يغلب على شواهد أنها من التراث الأدبي.
وكتاب أدونيس هذا لاحظت له حضوراً في أوساط المدرسة الحداثية الأدبية التي كانت تتعاطى قضايا الشعر الحر وعنصر الغموض الفني وتنوُّئ القصيدة العمودية، وتنعنى على التقليد والتراثية، وهي معارك دارت رحاها محلياً في التسعينات كما سبقت الإشارة لذلك.
- ٦ - وأما حسن حنفي (و١٩٣٥م) فهو قد نشأ نشأة ماركسية، وفي نفس الوقت شاهد الحركات الشبابية الإسلامية وكيف تلهيها المعطيات الدينية، وبين هذين المحورين (الفكر اليساري) و(العلوم الإسلامية) انهمك حسن حنفي في التفكير والاهتمام، فقرر أن يعيد صياغة العلوم الإسلامية صياغة تنتهي بها إلى مطالب الفكر اليساري، ليستثمر طاقة الحماس والتضحية في المعطيات الدينية كوقود للفكر اليساري، وهو ما يسميه «إعادة بناء العلوم».
وحنفي يرى أن هذا مسلك استثمره رفاقه الماركسيون في البلدان الأخرى، ولذلك يقول في كتابه الذي يعتبره المدخل النظري للمشروع ونشره عام (١٩٨٠م): (وقد لجأ الثوريون المعاصرون إلى المأثورات الشعبية وإلى تراث الجماعة الممثل في أمثلتها العامة ودياناتها القديمة من أجل تجنيد الجماهير)40، ثم ذكر أمثلة ونماذج لذلك (يتضح هذا في أعمال ماوتسي تونج المبكرة لإعادة تفسير الكونفيوشية تفسيراً ثورياً، وكذلك إعادة تفسير البوذية في فيتنام، والكاثوليكية الرومانية في أمريكا اللاتينية … والأمثلة كثيرة من «دين التحرر»)41.
ونتيجة لذلك فقد صار حنفي يتبنى نتائج في تأويل العلوم الإسلامية فيها إفراط مبتذل، كقوله مثلاً عن أصل العقيدة الإسلامية وهي الألوهية (كل ما نعتقده ثم نعظمه تعويضاً عن فقد يكون في الحس الشعبي هو الله، وكل ما نصبوا إليه ولا نستطيع تحقيقه فهو في الشعور الجماهيري هو الله …، فالله تعبير أدبي أكثر من كونه وصفاً لواقع …، فالله عند الجائع هو الرغيف، وعند المستعبد هو الحرية، وعند المظلوم هو العدل …، فإذا كان الله هو أعز ما لدينا فهو: الأرض والتحرر والتنمية والعدل)42.
ويقول في نموذج آخر (العلمانية هي أساس الوحي، فالوحي في جوهره علماني، والدينية طارئة عليه من صنع التاريخ)43.
وهو يستعمل إجرائياً المنهج الفينومينولوجي الذي يمنح الأولوية للشعور، وقد كان أصلاً هو موضوع رسالته للدكتوراه، وإن كان يطبقه بمعناه العام، أو بطريقة التوظيف التأويلي التحصيبي، أكثر من كونه تطبيقاً فنياً.
ثم بدأ في نشر موسوعاته تباعاً في «إعادة بناء العلوم الإسلامية» لتكون مصوغة بشكل موجه إلى مطالب الفكر اليساري، فحاول إعادة بناء علم العقيدة في كتابه (من العقيدة إلى الثورة: ٥ أجزاء)، ثم إعادة بناء الفلسفة في (من النقل إلى الإبداع: ٩ أجزاء)، ثم إعادة بناء علوم التصوف والسلوك في (من الفناء إلى البقاء:
جزآن)، ثم إعادة بناء علم أصول الفقه في (من النص إلى الواقع:
جزآن)، ويلاحظ في عناوين هذه الكتب أنها تحمل رسالتها النهائية، فعلم العقيدة مثلاً يدور حول الله جل جلاله، وهو يريد أن يصبح الإله هو «الثورة»، وعلم أصول الفقه يدور حول مصدرية النص الشرعي، وهو يريده يدور حول مصدرية «الواقع»، وهكذا.
وأفكاره هذه حصدت سخرية حتى من أصدقائه اليساريين، حتى قال أحد القريبين من هذا الاتجاه وهو جلال أمين متهكماً به (ومنهم من يفسر الدين تفسيراً غريباً مثل قوله «إن الله هو الثورة»)44.
وحنفي يعشق الألفاظ الكبرى والمقابلة بين العناوين والأسماء لخلق صورة سردية وهمية الترابط، ليس فيها إلا التشابهات اللفظية فقط، ويلاحظ لدى حسن حنفي خصوصاً، والمشروعات الحداثية الكبرى لقراءة التراث عموماً، كثرة النقول والاقتباسات والمعلومات التي ينقلونها أحياناً من العلوم الإسلامية بشكل مستغرب، برغم أنها في غالبها ليست للبرهنة على أصل الفكرة، وقد يتساءل بعض القراء عن تفسير ذلك؟ والحقيقة أن الدافع المضمّر خلف هذه العملية إنما هو الرغبة في عرض بطاقة ترخيص لمزاولة التحريف أمام القارئ، فهي في حقيقتها تنغيا الإيحاء للقارئ بأن المؤلف يعرف هذا العلم وبالتالي فيحق له طرح الشذوذات المخالفة لبديهيات هذا العلم.
وجوهر الأزمة في موسوعات حسن حنفي كلها هي «أزمة عقلية» مرتبطة بلا مبالاة حسن حنفي بغزارة التناقض الحاد، فيقول الشيء ونقيضه، ويتوسع في التأويلات الغرائبية الصارخة حتى يشعر القارئ بابتذال العلم والتاريخ، وبسبب وفرة التناقضات بسخاء في كتب حسن حنفي فقد كانت كافية ليجعلها المفكر النصراني جورج طرايشي موضوعاً لرسالة أكاديمية له، سماها (ازدواجية العقل:
دراسة تحليلية نفسية لكتابات حسن حنفي) والنتيجة التي خلص فيها طرايشي من دراسة مواقف حسن حنفي لخصها بقوله:
(ما من كاتب مفكر أتقن فن «رقصة المتناقضات» كما أتقنها حسن حنفي، وهذا ليس فقط بين مؤلف وآخر، وطور سابق ولاحق، بل بين فصول الكتاب الواحد، وأحياناً بين صفحات الفصل الواحد..، كتابات حسن حنفي تنفرد بميزة لا مماراة فيها: فهي لن تحيجنا للدخول في أي نقاش وحجاج مع كاتبها، لأن حسن حنفي هو الذي يتولى الرد في كل مرة على حسن حنفي)45.
وهذه الظاهرة عند حسن حنفي سبك لها دارسه طرابيشي مصطلحاً سماه (وحدة الأضداد)، وحين كان طرابيشي في طور إعداد هذه الدراسة التقى به حسن حنفي ودار بينهما حوار طريف، حيث يروي طرابيشي القصة فيقول:
(في ندوة «العقلانية» في تونس في ١٩٨٦م، كان بيني وبين د. حسن حنفي لقاء وجولة ليلية في شوارع العاصمة، وضع يده على كتفي وقال: أيها الأخ جورج، لقد علمت أنك تعدُّ أطروحة جامعية عني؟ قلت: بلى. قال: لي عندك طلب. قلت: على الرحب والسعة. قال: أيها الأخ جورج، أترى هذا الذي يكلمك؟ إنه ليس حسن، بل حسان، فهناك حسن حنفي الفيلسوف، وهناك حسن حنفي النبي، وما دمت قد عقدت العزم على الكتابة عن حسن حنفي، فرجائي عندك أن تدع حسن حنفي النبي جانباً، وأن تكتب فقط عن حسن حنفي الفيلسوف. قلت: كما صارحتني، أصارحك، فأنا لا أستطيع تلبية هذا الرجاء، فمعقد أطروحتي كلها على هذه الازدواجية بين الاثنين، وبدون هذه الازدواجية لن يعود لأطروحتي من معنى)46.
وكنا قد رأينا أسلوب المراوغة الذي كان أحمد أمين يصرح أنه يستعمله وينصح غيره باستعماله، حين قال أحمد أمين «لا تنسبها للمستشرقين صراحة، ولكن ادفعها للأزهريين على أنها بحث منك، وألبسها ثوباً رقيقاً لا يزعجهم مسها»، والواقع أن حسن حنفي يصرح أيضاً أنه يستعمل هذا الأسلوب وبوعي وبسباق قصد وتخطيط، حيث يقول حسن حنفي:
(نصر أبو زيد قال أشياء كنت أتمنى أن أقولها، ولكن ربما استخدامي لآليات التخفي حال بين فهم ما أردت أن أقول، نحن مجموعة من الأفراد لو اصطادونا لتم تصفيتنا واحداً واحداً، ولذلك أرى أن أفضل وسيلة للمواجهة هي استخدام أسلوب «حرب العصابات»، اضرب واجر، ازرع قنابل موقوتة في أماكن متعددة، تنفجر وقتما تنفجر، ليس المهم هو الوقت، المهم أن تغير الواقع والفكر، ولذلك يسمونني «المفكر الزئبقي»، لا أحد يستطيع أن يمسك علي شيئاً، الجماعات الإسلامية تراني ماركسي، الشيوعيون يرون أنني أصولي، الحكومة تتعامل على أنني شيوعي إخواني)47.
ونصر أبو زيد، الذي يثني عليه حسن حنفي في هذا النص، هو من أفراد المدرسة التي تمارس التطويع الحداثي للتراث، ومع ذلك فإنه لم يستطع استيعاب التفسيرات البهلوانية للتراث التي
ينشرها صاحبه حسن حنفي، فكتب نصر أبو زيد ورقة بعنوان (التراث بين التأويل والتلوين: قراءة في مشروع اليسار الإسلامي) وهي منشورة ضمن كتابه نقد الخطاب الديني48، وبرغم أن أبو زيد يتهم حنفي بـ «تلوين النصوص وطلائها» إلا أن دافع الورقة الحقيقي شعور أبو زيد أن حنفي قدم بعض التنازلات والمجاملات في تأويلاته للتيار الديني.
ويقدم هذا اليساري العلماني نصر أبو زيد شهادة عامة على كل أصحابه العلمانيين ونمط استغلالهم للتراث الإسلامي، فيقول: (اتجهت التيارات العلمانية إلى مواجهة الحاضر بآليات ذات طابع عصري، لكنها أحست بضرورة طرح هذه الآليات طرحاً يسوغ قبولها من الجماهير، فوجدت في بعض اتجاهات التراث «سنداً» لتوجهاتها … حيث تحول -التراث- لدى السلفيين إلى إطار مرجعي، بينما تحول عند العلمانيين إلى غطاء)49. بل ويعترف نصر أبو زيد أن الحداثيين والعلمانيين طوال القرنين الماضيين كانوا ينفذون هذا الاستغلال للتراث لشرعنة التغريب كما يقول (إن الاستخدام النفعي الذرائعي للتراث كان نهج مفكري التنوير، وهو الذي عاقهم عن تحقيق انقطاع جذري عن النقيض السلفي)50.
والحقيقة أن نصر أبو زيد من أقل هؤلاء الحداثيين إمكانيات فكرية، فليس له خبرة عميقة بالتراث الإسلامي ولا بالفلسفة الغربية، وإنما هو أكاديمي متواضع، أقحم بين المفكرين العرب أصحاب مشروعات إعادة قراءة التراث لأسباب لا صلة لها بنوعية الإنتاج العلمي، وإنما بسبب الدوي الإعلامي المصاحب لحكم المحكمة عليه بالكفر والتفريق بينه وبين زوجه، فالمستند الحقيقي لحضوره هو لعبه دور الضحية للاضطهاد الفكري، وأظن السبب في ضعفه الفكري هو تأخر تأهيله الفكري حيث قضى شطر عمره خارج هذه الاهتمامات، حيث عمل (فني لاسلكي) حتى عام (١٩٧٢م) وكان عمره حينها قرابة ثلاثين عاماً، ثم التحق بعدها بالسلك الأكاديمي.
وأما بخصوص موسوعات حسن حنفي فإنني لم ألاحظ حفاوة وقبولاً بين الشباب المثقف العربي لها، ولم أر أحداً يحمل نتائجه وأحكامه على محمل الجدية، وقد يكون السبب «فارق التوقيت»، ذلك أنها موسوعات شرح مؤلفها محدداتها النظرية حين كان اليسار على المسرح، ولكن تم تنفيذها بعدما أسدل الستار عن اليسار وفتحت فقرة الليبرالية، فنبتت في غير موسمها.
ولكن الغريب أنني وجدت بعض الاهتمام بموسوعات حسن حنفي خارج النطاق العربي، وتحديداً لدى المدرسة التنويرية (الليبروإسلامية) في شرق آسيا في أندونيسيا وماليزيا ونحوها، وهم يأخذون نتائج المكتبة الحداثية العربية في تأويل التراث كحسن حنفي ونصر أبو زيد ونحوهم، ويتسلحون بها في مصارعة ما يسمونه الأصولية الإسلامية والتزمت الديني، وقد قام لهم في أندونيسيا تكتلان فاعلان في الترويج للمنهج الليبروإسلامي، وهما: شبكة الإسلام الليبرالي (JIL)، وشباب المحمدية، ومن رموز هذا الاتجاه الليبروإسلامي في أندونيسيا نور خالص مجيد (و١٩٣٩م)، وهو تلميذ لفضل الرحمن تخرج على يديه في جامعة شيكاغو، وفضل الرحمن (١٩١٩-١٩٨٨م) مفكر باكستاني من آباء التأويل الحداثي للإسلام في أمريكا وذو علاقة وطيدة بالنتاج الاستشراقي في تأويل التراث.
وقد شرح محمد علي في بحثه (الإسلام الليبرالي في شرق آسيا)51 ظروف تشكل تيار «الإسلام الليبرالي» في: ماليزيا وسنغافورة وأندونيسيا، ولا يمكن للباحث أن لا يقع في ذهنه الربط بين نشأة أكثر التكتلات الليبروإسلامية الأندونيسية فاعلية وهي «شبكة الإسلام الليبرالي» في العام (٢٠٠١م) في نفس العام الذي أعلنت فيه الولايات المتحدة الحرب على الإرهاب ودعم حركات الإسلام الليبرالي في العالم.
- ٧ - وأما محمد عابد الجابري (١٩٣٦-٢٠١٠م) فهو صاحب سلسلة (نقد العقل العربي) في أربعة أجزاء، وبرغم أنه يشارك مع اليساريين الذين استعرضناهم في القدوم من خلفية ماركسية، إلا أنه يختلف عنهم كلهم في مكونات ومعطيات جديدة، وهو يمثل بداية مرحلة فارقة، ومنعطف في التاريخ الحداثي للتراث، وسيأتي الإشارة لشيء من ذلك.
فأما المضمير الماركسي في خطاب الجابري، فالجابري عميق في تكوينه الحزبي الماركسي، حيث التحق بالحزب الاشتراكي وهو يافع عام ١٩٥٨م(١)، وعمره آنذاك ٢٢ سنة، وأصبح أحد قياداته، بل أبرز منظريه الذين صاغوا أدبياته، وكان الكاتب الرئيسي لبيانات الحزب بل قد قال عن نفسه مرة (عندما أكتب نصاً سياسياً، بيان المكتب السياسي، أو اللجنة المركزية لحزبنا مثلاً، يوم كنت أقوم بهذه المهمة، كانت تتحرك في عقلي ميكانيزمات أخرى خاصة)52، حتى أن بعض الصحفيين المغاربة أطلق على الجابري لقب (الآلة الكاتبة للاتحاد الاشتراكي)!
وتركه للحزب كان «لأسباب صحية» عام ١٩٨١م كما ذكر ذلك نصاً(٣)، حيث بقي في الحزب الاشتراكي فاعلاً قرابة ربع قرن! وبسبب هذه النشأة الاشتراكية العميقة فقد بقيت في خطاب الجابري أوشاب ماركسية لم يستطع التخلص منها في كتاباته الفكرية اللاحقة، حتى أنه في نص طويل استعرض فيه النبوة والخلافة الراشدة في قالب تفسيري ماركسي/اقتصادي، وهو ما يسميه الماركسيون منهج «المادية التاريخية» في التفسير53، ثم ختم الجابري ذلك كله بهذه العبارة الجامعة: (تاريخ الإسلام منذ قيام الإسلام إلى اليوم صراع بين الطبقات)54.
ومن له أدنى خبرة بالمكتبة اليسارية يدرك فوراً أن هذا التفسير الطبقي الشامل للتاريخ لا يخرج إلا من معجم ماركسي كث الشارب. ونظير هذا أنه في كتابه العقل السياسي العربي، رد التاريخ السياسي الإسلامي كله إلى ثلاثة محددات (العقيدة والقبيلة والغنيمة) ولو تمسك بهذه النظرية التفسيرية المتنوعة، والتزم بها إلى نهايتها المنطقية، لكان -على الأقل- خروجاً عن التفسير الماركسي التقليدي، لكن الجابري غلبته ماركسيته فعاد وفرغ هذه العوامل الثلاثة من معناها، وجعلها كلها تابعة لعامل واحد هو (الغنيمة)، فعندنا مرة أخرى للمربع الأول، مربع المادية التاريخية الماركسية، المختزل في العامل الاقتصادي في تفسير التاريخ، حيث يقول الجابري في تفسير تاريخ الدولة الإسلامية: (لقد بقيت «القبيلة» تفعل فعلها كإطار محدد، وبقيت «الغنيمة» تقوم بدورها كمحدد حاسم عند نهاية التحليل، وكان لـ «العقيدة» دورها كغطاء أيديولوجي)55.
وهكذا فالغنيمة (الاقتصاد) هي المحدد الحاسم في «نهاية التحليل» وأما القبيلة فمجرد إطار، والعقيدة مجرد غطاء.
وفي ماركسية صريحة في تفسير التاريخ الإسلامي يقول الجابري: (الدعوة المحمدية قد أفصحت عن مشروعها السياسي، وهو الاستيلاء على كنوز كسرى وقيصر)56، مع إقراره ببعض الاستثناءات، لكن تظل استثناءات طبعاً.
وأما (دافع القبيلة) فقد عاد وفرغه كلياً أيضاً كما يقول: («القبيلة» ليست في نهاية التحليل إلا الإطار الاجتماعي الذي بواسطته يتم كسب «الغنيمة»، وبالتالي فـ «الغنيمة» هي التي تحكم في نهاية التحليل، إن «القبيلة» معزولة عن الغنيمة مقولة مجردة وقالب فارغ)57.
والموضوعية تقتضي أن نذكر أن الجابري لم يكن ماركسياً تقليدياً متخشباً، بل يصنف ضمن من حاولوا التجديد والإضافة في الداخل الماركسي العربي، ولذلك على الصعيد النظري يسعى الجابري دومًا للحفاوة بالمجددين في الفكر الماركسي الغربي، مثل لوكاتش ودوبريه وموريس غودليه ونحوهم، باعتبار أنهم يمثلون نفس هاجسه في تخصيب النص الماركسي وفتح إمكانياته التأويلية ليتقبل مستجدات الحداثة الفكرية، ويتعجب القارئ لهذه الشريحة التجديدية الماركسية حين يراهم يحاولون إقناع رفقاءهم بالأفكار الجديدة من خلال تأصيلها بنصوص ماركس! وأن نصوص ماركس تدل عليها، أو لا تتعارض معها على الأقل.
وقد لاحظ الماركسي ردونسون هذا التنافس المحموم بين التوجهات الماركسية في تأويل نصوص ماركس، بحيث يسعى كل توجه لشرعنة أفكاره عبر إظهار أن نصوص ماركس تدل عليه، كما يقول رودنسون: (من اليسير أن نجد في تراث ماركس ما نبرر به أية فكرة، إن هذا التراث كالكتاب المقدس، حتى الشيطان يستطيع أن يجد فيه نصوصًا تؤيد ضلالته)58
فكم هو مهيج للشفقة والرثاء أن يكون المفكر العربي الذي يرى نفسه تجسيدًا للحداثة والعقل يسعى لإثبات شرعية أفكاره من خلال معادلة: العموم والخصوص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، في نصوص ماركس!
وتبني الجابري للمزاوجة بين المنهج البنيوي والمنهج التاريخي/التكويني، كما بنى عليها كتابيه التكوين والبنية مثلًا، هو في جوهره مجرد قمح في عجينة الخط الاجتهادي الماركسي الفرنسي، فإن هذا الخط هو الذي زاوج بين الماركسية والبنوية، وقد نبه الأنثروبولوجي المشهور إريك وولف (١٩٩٩م) تنبيهاً ذكياً على أثر هذا المزج بين الماركسية والبنوية في البيئة الفرنسية على إعادة تنصيب بعض المفاهيم الماركسية المتقاعدة59، وهو متعاطف معها طبعاً.
ورأس هذا الاتجاه كما هو مشهور هو ألتوسير الذي حاول إعادة تأويل ماركس بنوياً، بل إن موريس غودليه الذي جعل الجابري نظريته في (أصل الدولة) أحد النماذج التفسيرية المعتمدة عنده وشرحها بشكل خاص60، هو في حقيقة مشروعه محاولة لحل ما فشل فيه ألتوسير! فكلاهما أصلاً من رموز (الماركسية البنيوية الفرنسية)61، فالجابري حتى في ماركسيته مرتبط بالتلوين الفرانكفوني!
والمهم أن الجابري تبعاً لنزعته للتجديد في الداخل الماركسي والتخفيف من إطلاقه وحسمة العامل الاقتصادي أدخل استثناءات في تفسير التاريخ الإسلامي، وأعاد بعض اللحظات التاريخية المحدودة لعوامل أخرى لا اقتصادية، ولكن تظل استثناءات محدودة، ويظل الجابري يرى في التاريخ ما تراه فيه المادية التاريخية الماركسية.
وأما استمداد الجابري من المستشرقين فيحدثنا الجابري أن وعيه في وقت التشكل المعرفي تكون من خلال كتب المستشرقين، كما يقول: (إنني لا أنكر أنني استفدت كثيرًا من كتابات المستشرقين، وقد حصل هذا خصوصًا عندما كنت طالبًا، وأيضًا في المراحل الأولى من عملي الجامعي)62.
وقد استمر الجابري منزعجًا من ملاحقة المتابعين له وإدانته بابتلاعه الاستشراق، حتى أنه قال ذات مرة: (أؤكد اليوم، كما سبق أن أكدت بالأمس، عندما سئلت عن مدى حضور فكر المستشرقين فيما كتبت، أؤكد أنني أبذل كل جهدي عندما أشرع في التفكير والكتابة في موضوع ما لأنسى جميع ما كتب في الموضوع)63.
ولكن هاهنا فارق بين الجابري وبين الحداثيين العرب في العلاقة مع الاستشراق، فالجابري يعتمد غالبًا على «الاستشراق المُترجم»، بخلاف بقية الحداثيين العرب المنشغلين بتاريخ التراث.
فهم يرجعون غالبًا للاستشراق الأعجمي، أو الاستشراق في لغاته الأصلية، حيث يعتمد الجابري على مترجمات محمد عبد الهادي أبو ريدة مثل (تاريخ الفلسفة في الإسلام: دي بور؛ الحضارة الإسلامية في القرن الرابع: آدم متز، مذهب الذرة عند المسلمين: بينس)، ومترجمات عبد الرحمن بدوي وهي (تراث الأوائل: كارل بيكر، من الإسكندرية لبغداد: ماكس مايرهوف، موقف السنة من علوم الأوائل: جولدزيهر، التراجم الأرسطاطاليسية المنسوبة لابن المقفع: بول كراوس، الإنسان الكامل عند المسلمين: هانز هينرش شيدر، سلمان الفارسي والبواكير الروحية في إيران: ماسينيون).
كما يعتمد أيضًا على غيرها من المترجمات من كتب المستشرقين مثل: تاريخ الفلسفة الإسلامية: هنري كوربان، ترجمة نصير مروة وحسن قبيسي؛ الفكر العربي ومركزه في التاريخ: أوليري ترجمة إسماعيل البيطار؛ في التصوف وتاريخه: نيكلسون ترجمة أبو العلا عفيفي؛ أصول الإسماعيلية: برنارد لويس ترجمة خليل حلو وجاسم الرجب؛ القرامطة: ميكائيل خويه ترجمة حسني زينة؛ تاريخ الفكر الاندلسي: بالنثيا ترجمة حسين مؤنس؛ فلسفة الفكر الديني بين الإسلام والمسيحية: غارديه وقواتي ترجمة صبحي الصالح وفريد جبر؛ الفلسفة في الشرق: بول ماسون اورسيل ترجمة محمد يوسف موسى؛ القانون والمجتمع: سانتلانا ترجمة جرجيس فتح الله.
ونتيجة لاعتماد الجابري الأساسي على «الاستشراق المترجم»
فإن وزن المنقول عن المستشرقين في كتبه لا يعتمد على وزن المستشرق ذاته داخل تخصصه، بل على تيسر وجود الترجمة من عدمه، ولذلك مثلاً أكثر الجابري من الاعتماد على كتاب دي بور «تاريخ الفلسفة في الإسلام» (المنشور عام ١٩٠٣م، وترجم عام ١٩٣٨م) والذي ترجمه وحشّاه محمد عبد الهادي أبو ريدة (١٩٠٩-١٩٩١م).
وبالرغم من أن دي بور ليس من كبار المستشرقين، وليس كتابه من الكتب المركزية في هذا الحقل، وإنما هو ملخص مرتب لما سبقه من أبحاث وأعمال، ومع ذلك تجد الجابري يقول (ديبور.. أحسن من كتب في الفلسفة الإسلامية من المستشرقين)64، بل ويزري الجابري على من حاول من الباحثين العرب أن يلحق بديبور ويرى أنهم أقل من ذلك! كما يقول (ومنهم من اقتدى بديبور فقرأ فيها تاريخ الفلسفة اليونانية، قراءة أقل ذكاءً في الغالب من قراءة ديبور وشارحه أبو ريدة)65.
وحقيقة الأمر أن ترجمة أبي ريدة لكتاب ديبور لم تكن اختياراً أصلاً من أبي ريدة، بل هي توجيه وطلب من أستاذه أحمد أمين، كما شرح ذلك أحمد أمين في تقديمه لترجمة أخرى لأبي ريدة، حيث يقول أحمد أمين: (فلما سنحت لي الفرصة لترجمته -أي كتاب آدم متز- برغبة بيت المغرب في نشر كتب قيمة في هذا الموضوع، انتدبت له الأستاذ محمد عبد الهادي أبا ريدة، كما انتدبته من قبل لترجمة كتاب الفلسفة الإسلامية للأستاذ ديبور)66، وليس من العسير إدراك سبب اختيار أحمد أمين لكتاب ديبور، فهذا مزاج أحمد أمين أصلاً، وهو حبه للعرض الميسر المهيكل الذي يلخص أطراف الموضوع، وهكذا كان كتاب ديبور، فهو اختيار للكتاب لأغراض تعليمية لا لمنزلة إبداعية.
وفي خصوص تاريخ الفلسفة فإن المصدر الثاني في استمداد الجابري بعد دي بور هو المستشرق والفيلسوف الفرنسي هنري كوربان (١٩٠٣-١٩٧٨م) فقد التقط الجابري كثيراً من تصويراته واستعاراته، في خصوص الفلسفة الشيعية والعلاقة بالغنوصية والهرمسية، مع فارق الاتجاه طبعاً، فكوربان تيوصوفي روحاني متعاطف مع الغنوص والمزدكية المتسربة للإسلام الشيعي، تفتنه التهويمات، حتى أن أستاذه ماسينيون شعر بانجرافه وقال له مرة «لا تتمزدك كثيراً»67، وقد حدث له هذا الانعطاف المشبوب للعرفانيات بعد تأثره بأستاذه جيلسون، ولذلك اعتنى الشيعة والإيرانيون بترجمة بعض أعمال هنري كوربان، لكنهم لم يتفطنوا إلى أنها تدينهم في قالب مدحهم، فكوربان يتغنى بفلاسفة الشيعة ويجهلهم لكنه يربطهم بالغنوص السابق على الإسلام لأن كوربان يرى ذلك كله تجليات روحانية رائعة.
وأما المادة والمعلومات الخام فبالإضافة للمصادر الاستشراقية السابقة فقد عوّل الجابري أيضاً على سلسلتين: سلسلة (فجر الإسلام وضحاه وظهره) لأحمد أمين، وسلسلة (نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام) لعلي سامي النشار، والجابري شديد التعظيم لسلسلة أحمد أمين، حتى أنه قال مرة عنها (أما سلسلة أحمد أمين فما زالت لم تتجاوز رغم كل ما يمكن أن يؤخذ عليها)68، وقال في موضع آخر عن أحمد أمين (أحد كبار الباحثين العرب في العصر الحديث، بل لعله أكثرهم إنتاجاً وجدية)69. وهذه الشهادة لها دلالة مضاعفة فالجابري شحيح في الثناء على المعاصرين، بل يوسعهم لمراً سواء في كتابه الخطاب العربي المعاصر، أو في ثنايا برنامجه في تاريخ التراث.
ويمكن لنا في هذا التصفح العام لخطوط الاتصال بين برنامج الجابري والخزان الاستشراقي أن نستعرض بعض النماذج والشواهد على استمداد الجابري تصويرات وتحليلات المستشرقين:
من الأفكار التي كررها المستشرق والفيلسوف الفرنسي هنري كوربان فكرة المقابلة بين ابن سينا وابن رشد كرمزين، الأول رمز مشرقي روحاني غنوصي سلك طريقه العرب، والثاني رمز مغربي عقلاني أرسطي غادر إلى الغرب، ففي الفصل الذي عقده بعنوان «الفلسفة العربية في الأندلس» يلخص هنري كوربان هذه النتيجة فيقول (يمكن أن يُؤخذ ابن سينا وابن رشد كرمزين للقدرين الروحيين، اللذين كان أحدهما ينتظر الشرق، والآخر ينتظر الغرب)70.
ويقول كوربان مؤكداً ذات التصوير (بينما يغطي فيض مدرسة ابن رشد على تأثير مدرسة ابن سينا في الفكر المسيحي، نرى أن آثارها كانت في الشرق على عكس ذلك)71.
وهكذا كرر كوربان هذا التقابل طوال كتابه72، وهذه الفكرة التي كررها كوربان لم يأخذها الجابري فقط، بل جعلها العمود الذي نصب خيمته الفكرية فوقه، حيث جعل الجابري الفكر العربي ينقسم إلى مشرقي غنوصي جذر مشكلته جاءت من ابن سينا الذي روج بضاعته الغزالي، ومغربي عقلاني مظلته العامة هي ابن رشد، وهذه ليست فكرة عارضة بل أساس يكرره الجابري طوال برنامجه، ومن نماذج ذلك قول الجابري محاكياً عبارة كوربان السابقة:
(قضينا نحن العرب حياتنا بعد ابن رشد خارج التاريخ في جمود وانحطاط، لأننا تمسكنا بلحظة ابن سينا، بعد أن أدخلها الغزالي في الإسلام، وعاش الأوروبيون التاريخ الذي خرجنا منه، لأنهم أخذوا منا ابن رشد فعاشوا لحظته، ومازالوا يفعلون)73.
وكوربان ليس مجرد مستشرق بل هو فيلسوف، ولم يكن أجنبيًا عن الخط الهرمنيوطيقي فقد كان من أوائل مترجمي هايدغر للداخل الفرنسي، وقد تحدث في كتابه عن مدخل الفهم والتأويل وأشار لاستعماله أسلوب الأزواج المعرفية لتحليل وفهم مادته، كما يقول في المبحث المعقود لذلك (وتشكّل بعض الأزواج الأخرى من المصطلحات: كلمات-مفاتيح من المصطلحات…، وباختصار فإن في هذه الأزواج الثلاثة من المصطلحات التالية: الشريعة في مقابل الحقيقة، والظاهر في مقابل الباطن، والتنزيل في مقابل التأويل، علاقة كعلاقة الرمز بالمجاز..)74.
ثم استمر كوربان في استخدام هذه الأزواج في تفسير وتحليل مادته كقوله مرةً ملخّصًا (مثنوية الشريعة والحقيقة، والظاهر والباطن، وفكرة دور الولاية الذي يلي دور النبوة..)75.
وهذه الأزواج لم يأخذها الجابري عرضًا، بل جعلها بعض
عناوين الفصول التي تمثل هيكل الكتاب، كما يقول الجابري مثلاً في هيكل كتابه بنية العقل العربي: (الفصل الأول: الظاهر والباطن) (الفصل الثالث: النبوة والولاية) ويقول الجابري أثناء توظيفه وتوسيعه لذلك (إذا كان وضع الزوج الظاهر/الباطن في الفكر العرفاني يماثل وضع الزوج اللفظ/المعنى في الحقل البياني؛ فإن وضع الزوج النبوة/الولاية في العرفانيات يماثل وضع الزوج الأصل/الفرع في الفكر البياني)76.
إلا أن الجابري يتظاهر بأن هذه الأزواج التي تلخص بعض أفكار العرفان إنما هي من ابتكاره كما يقول (لقد محورنا الفكر العرفاني في الإسلام حول قضايا معينة نعتبرها القضايا الأساس من الناحية الإيستمولوجية)77.
وأثناء دراسة هنري كوربان للفكر العرفاني الشيعي لاحظ مفهومهم للولاية فيه معنى الاتصال التاريخي منذ آدم الأول بأنوار تنتقل من حقبة لحقبة في حدود باطنية تتعاقب من ستر لكشف، فأسقط على هذه الظاهرة مصطلح الزمان الدائري (cyclical time) وهو مفهوم قديم مرتبط بجدل فلسفي حول مفهوم الزمن، وقد عقد فقرة في كتابه تاريخ الفلسفة بهذا العنوان (الزمان الدائري)78 وسمى أحد كتبه باسم (الزمان الدائري والغنوص الإسماعيلي)79.
فجاء الجابري أيضًا والتقط هذا الإسقاط في دراسة العرفان وجعله في عنوان أحد فصول كتابه (العرفان الشيعي والزمان الدائري)80.
وفي رصد مشهور لهنري كوربان حول نقطة الاتصال بين الفكر الإسلامي والهرمسية، ومن هي أول فرقة تشربت الأفكار الهرمسية السابقة على الإسلام؟ يقول كوربان (وليس من العجب أن يكون الشيعة أول من «تهرمس» في الإسلام) ويقول (دخلت الهرمسية إلى الإسلام عن طريق الشيعة)81، وهكذا اعتمد الجابري هذا الرصد الكورباني حيث يقول الجابري (بل لقد كان الشيعة «أول من تهرمس في الإسلام»)82.
ويصل الانكباب على التلقي عن كوربان حتى في تفسير معاني عناوين الكتب التراثية كما يقول الجابري (اختلف المستشرقون في معنى «تهافت» في كتاب تهافت الفلاسفة، ولكن هنري كوربان يرى أنها تعني «التحطيم الذاتي»، ونحن نعتقد فعلا أن ابن سينا هي فلسفة التحطيم الذاتي فعلا)83.
ولما كتب جولدزيهر كتابه «دراسات محمدية» جعل المجلد الأول دراسة لحقبة الجاهلية، واعتبر في الفصل التمهيدي أن المفهوم الأخلاقي المركزي في الجاهلية -أو ما يسميه «نظام القيم العربي»- هو (المروءة) وجعل عنوان الفصل: «مروءة ودين» (Muruwwa and Din)84، فجاء الجابري وكتب كتابه العقل الأخلاقي العربي، وذكر أنه سيدرس «نظام القيم»، واعتبر هو أيضاً أن الجوهر الأخلاقي العربي هو المروءة، وجعل الباب الرابع منه بعنوان (الموروث العربي الخالص: أخلاق المروءة)85.
وفي القسم الخاص بالسنة النبوية من كتاب جولدزيهر أنف الذكر ذكر جولدزيهر أن حجية السنة تتأسس على الإجماع، ولذلك سماه جولدزيهر «سلطة الإجماع» كما يقول (إن القبول الذي ناله هذا الكتاب -صحيح البخاري- كان موجهاً لمجموع الكتاب، وهذا التقدير تجذر بفعل إجماع الأمة، وهو السمة الحقيقية لـ «سلطة الإجماع»، الذي كان الفقه السلفي يطلبه ويسأل عنه عند الاختلاف في دقائق الصحيح، قبل قبولها وعدها صحيحة)86.
فجاء الجابري وتأثر بطريقة عرض جولدزيهر لذلك وأخذ مصطلح «سلطة الإجماع» حيث يقول (الإجماع إذن هو الذي يؤسس «الخبر»، متواتراً كان أو غير متواتر…، فما الذي يؤسس «سلطة الإجماع»
نفسه؟)87، ثم واصل الحديث عن «سلطة الإجماع» طوال الكتاب. وهكذا لما كتب الجابري كتابه «مدخل إلى القرآن» أخذ من كتاب نولدكة «تاريخ القرآن» وغيره من كتابات المستشرقين، وليس هذا موضع تفصيل ذلك، وإنما أردنا أن نذكر أمثلة فقط لعلاقة الجابري بالنتاج الاستشراقي، وسيأتي أمثلة تفصيلية أخرى في فصول الكتاب.
ومن الفروق الجوهرية بين الجابري ومن سبقه توظيفه لبعض مفاهيم العلوم الإنسانية وإشاعتها وترويجها، بشيء من التبسيط طبعاً، مثل مفهوم القطيعة الإستمولوجية (باشلار)، الإستيما (فوكو)، اللاشعور المعرفي (بياجيه)، اللاشعور السياسي (دوبريه)، الكتلة التاريخية (غرامشي)، المماثلة (بيريلمان)، ونحوها.
وهذه المفاهيم ليس هو أول من ترجمها جميعاً، ولكنه والحق يقال أنشط هؤلاء في الاستدماج والترويج والتبينة، وإلا فإن مفهوم «القطيعة الإستمولوجية» مثلاً، وهو مفهوم أفرط الجابري في كثرة استخدامه، كان قد سبقه غيره إليه، وقد رأيت العروي وظفه في كتابه عن الفكر التاريخي (١٩٧٤م)، وسماه آنذاك «القطيعة المنهجية» (Coupure épistémologique)88.
كما أن الجابري بحسب متابعتي هو أول حداثي عربي يكتب برنامجًا شاملًا في التراث وعينه على القارئ الإسلامي/السلفي، يستهدف تغيير مساره، وقد شرح شيئًا من دوافعه هذه في خاتمة كتابه «بنية العقل العربي» الذي نشره منتصف الثمانينات، أوج اكتساح الصحوة الإسلامية للعالم العربي، حيث ذكر أن الدعوات العلمانية لمقاطعة التراث لم تنجح بل زاد التعلق بالتراث، كما يقول الجابري (ألم تسفر مثل هذه الدعوات عن نتائج عكسية تمامًا؟ ألم يتعاظم مفعول السلطات المذكورة، سلطات مرجعيتنا التراثية، حتى أصبحت تكسح الساحة اكتساحًا؟)89، والذي يقترحه الجابري هو استثمار التراث لاستقطاب القارئ السلفي من الحركات الإسلامية لأحزابهم اليسارية، كما يقول الجابري موجّهًا الرسالة لزملائه العلمانيين واليساريين (إنه بدون التعامل النقدي العقلاني مع تراثنا لن نتمكن قط من تعميم الممارسة العقلانية على أوسع قطاعات فكرنا العربي المعاصر، القطاع الذي ينعت بـ«الأصولي» حيًّا، وبـ«السلفي» حيًّا آخر)90.
وواضح أن هذه رسالة يرسلها الجابري لأصحابه اليساريين والحداثيين حول أن أفضل طريقة لمواجهة اكتساح الصحوة الإسلامية هو مواجهتها من داخل التراث نفسه بزعزعة السلطات الشرعية التي تحكم العقل العربي كما يسميها الجابري (سلطة النص) و(سلطة السلف)، وليس سرًا من هو التيار الذي يعظم النص والسلف، وقد كان العلمانيون قبل الجابري يستعملون أسلوب المراغمة والمناكفة، ويقدحون في الأحكام الشرعية قدحاً حاداً صريحاً جارحاً لمشاعر القارئ المسلم، فانعطف الجابري إلى أسلوب آخر تماماً.
ويعترف الجابري أن كل ما يقوله عن الإبستمولوجيا هو للاستهلاك وأنه أيديولوجي إلى نخاعه حيث يقول: (هل يمكن الادعاء بأن قراءة ما تصدر عنا نحن العرب المعاصرين، يمكن أن تكون متحررة من الهاجس الأيديولوجي…؟ لقد سبق أن صرحنا بالطابع الأيديولوجي لقراءتنا، ونحن نؤكد هنا مرة أخرى: أنه لأفضل ألف مرة أن نحاول قراءة تراثنا قراءة أيديولوجية تريد أن تكون واعية، من أن نستمر في قراءته قراءة أيديولوجية غير واعية)91
ويكشف الجابري نفسه بكل وضوح عن سوء قصده في قراءته (لا ندعي أننا نقوم بعمل «بريء»، أي بقراءة لا تسهم في إنتاج المقروء، فمثل هذه القراءة لا وجود لها…، بل إننا على العكس نحاول أن نسهم بوعي وتصميم في إنتاج مقروءنا)92
ووضوح التوظيف والاستغلال في برنامج الجابري لقراءة التراث وأنها محاولة لضخ العلمانية الغربية في مصطلحات تراثية تستهدف غسيل عقل القارئ السلفي ليس استنتاج خصوم، بل الجابري ذاته يصرح كما سبق باستهدافه القارئ السلفي/الأصولي، وزملاء الجابري من العلمانيين يصرحون كثيرًا بأن الجابري يمارس القراءة التوظيفية الاستغلالية للتراث لا القراءة العلمية، فالعلماني المعروف جابر عصفور يقول عن الجابري، ومعه عامة خط التأويل الحداثي للتراث، بأن قراءتهم للتراث (تكشف عن نزعة نفعية، انتقائية بالضرورة، لا تفارق مزلق الإسقاط…، توقعها على قراءات متعارضة متباعدة، تسرب فيها بدرجات متباينة مراوغة)93.
وهذا مجرد تجلٍ لخلاف قديم متجدد بين العلمانيين: هل نطرح العلمانية بصورة مباشرة ونفصل الشريعة بكاملها عن الدولة ونجعل الدين علاقة روحية شخصية، أم نقرر علنًا تحكيم الشريعة ونعيد صياغتها بشروط تجعلها عمليًا موافقة للنتائج العلمانية؟
لكل اتجاه فريق من العلمانيين يميل إليه، وهو خلاف تكتيكي لا اختلاف أهداف، والرأي الذي ينتشر بين العلمانيين هو بحسب قوة الاتجاه الإسلامي وتراجعه، وإذا كان الجابري يميل للاتجاه الثاني كما عبّر مرارًا في كتبه عن ذلك، فثمة من يميل للرأي الأول كالحداثي التونسي هشام جعيط كما يقول مثلًا: (كل محاولة في مجال العلمانية التشريعية تستهدف الرجوع إلى تأكيد ما نصت عليه الشريعة من حيث المبادئ، وتحويرها على صعيد النتيجة العملية بحيث نكون قد
بلغنا غايات التحديث؛ ينبغي تجنبها حسب رأينا)94.
وكمثال يؤكد أن رواج التفسير الحداثي للتراث هو في لحظات قوة الحركة الإسلامية كتعويض علماني: يذكر صلاح الدين الجورشي أن انفجار الاهتمام الحداثي بمقاصد الشريعة مرتبط بتهديدات الصحوة الإسلامية للوجود العلماني كما يقول الجورشي (بدأ وكأن الشاطبي يتعرض لعملية استكشاف جديدة…، ولعل الدواعي التي بررت هذا الاهتمام؛ لها علاقة مباشرة، أو غير مباشرة، بتوسع وامتداد «الحالة الإسلامية»، إلى درجة تهديد موازين القوى السياسية في أكثر من قطر إسلامي)95.
وعلى أية حال، فهذه البرامج التراثية السابقة، لم أر تأثيراً لها في الداخل الإسلامي إلا مشروعين، سلسلة أحمد أمين، ومجموعة الجابري، فأما سلسلة أحمد أمين فرأيت لها حضوراً بين الأكاديميين في الأقسام الشرعية والتراثية فينقلون منها كلامه عن الفرق والعلوم وأحوال العصر الأموي والعباسي ونحوها، وأما مجموعة الجابري فرأيت تأثيرها في شريحة الشباب الإسلامي المتطلع للثقافة والنهضة.
وأما جرجي زيدان فقد أسدل عليه الستار مبكراً ولم يتضح لي تفسير لذلك، وأما طيب تيزيني وحسين مروة فإن خطابهما أصلاً موجه للداخل اليساري فيما يبدو، ولذلك لم يؤثر في العقل الإسلامي، وأما أدونيس فإن بجاحة الألفاظ الإلحادية في كتابه يقشعر لها قلب القارئ المؤمن بالله ورسوله فصنع الحاجز بينه وبين الإسلاميين بنفسه، وأما حسن حنفي فليست مشكلته قطعاً نقص الاطلاع، بل لاشك عندي أنه أكثر هؤلاء اطلاعاً، وإنما مشكلته النزعة الهرائية في استنتاجاته التي تخجل الباحث أن يستشهد به على أية فكرة إذ يعاني خطابه من نقص مرموقية فادح.
- رابعاً: البرامج العربية الحقلية لتاريخ التراث
ما سبق كان جولة عابرة في المشروعات الحداثية الكبرى لقراءة التراث ذات العروض الشاملة أو الواسعة، وعلاقتها بالخزان الاستشراقي، وأما القراءات الحداثية الجزئية للتراث التي أخذت حقلاً محدداً أو موضوعات محددة أو لم تكتب عروضاً تفصيلية شاملة، فقد اشتهر فيهم كثيرون ومنهم: محمد أركون (١٩٢٨-٢٠١٠م)، فهمي جدعان (و١٩٤٠م)، عبد المجيد الشرفي (و١٩٤٢م)، عبد المجيد الصغير، ومن آخر من صدرت أعماله بالعربية ممن اهتم بتاريخ التراث وائل حلاق (و١٩٥٥م). ونحوهم ممن سنشير لهم لاحقاً في ثنايا فصول الكتاب.
أما محمد أركون (١٩٢٨-٢٠١٠م)، فهو يكرر كثيراً في كتبه أنه مدين للمستشرقين في فهم ومعرفة القرآن، وهو يقصد طبعاً فهم ومعرفة «الطعون» في القرآن، وليس الفهم العلمي الموضوعي للقرآن للأسف، كقول أركون مثلاً: (تقدم الدراسات القرآنية قد تم بفضل التبحر الأكاديمي الاستشراقي منذ القرن التاسع عشر)96.
ويردد أركون -أيضاً- ذات الفكرة فيقول: (كنت قد ذكرت آنفاً لائحة بأسماء الباحثين الرواد، الذين ساهموا في الدراسات القرآنية بشكل علمي، وأدوا إلى تقدمها، وإلى تقدم معرفتنا العلمية بالقرآن، وربما كان القارئ قد لاحظ أنني لم أذكر إلا أسماء مستشرقين)97.
وأركون يبدي الحزن والرثاء لأن المسلمين لا يشاركونه العشاء على مائدة المستشرقين، كقول أركون في لغة جنائزية مثلاً: (حتّام يستطيع المسلمون أن يستمروا في تجاهل الأبحاث الأكثر خصوبةً وتجديداً؟ قصدت بالطبع أبحاث العلماء الغربيين الذين يدعونهم بالمستشرقين، أقول ذلك وأنا أفكر بأبحاث نولدكة، وجوزيف شاخت، وجوينبول عن الحديث النبوي، وغيرهم كثير، كلهم متجاهلون تماماً من قبل المسلمين، أو يُهاجمون من قبل الفكر الإسلامي دون تمييز. حتّام يُهملون، أو يُمررون تحت ستار من الصمت، أو يحذفون كلياً من الساحة الثقافية العربية أو الإسلامية؟ هل يمكن أن يستمر هذا الوضع إلى أبد الآبدين؟ ولمصلحة من؟)98.
ونماذج هذا الاعتراف والإقرار الأركوني بمديونيته للمستشرقين كثيرة جداً في كتبه، وليست استنتاجاً بحثياً، ويتعذر هاهنا أن نسترسل في الحديث عن برنامج أركون، إذ كنت قد كتبت بحثاً موسعاً عنه بعيد وفاته بأيام، في شوال ١٤٣١هـ، بعنوان (مصحف البحر الميت)، والبحث منشور على شبكة الإنترنت.
وأما فهمي جدعان (و١٩٤٠م) فقد كرست الباب الثالث لتحليل أطروحته عن المحنة باعتبارها في هذا البحث «دراسة حالة» كما سبق بيانه.
وأما عبد المجيد الشرفي (و١٩٤٢م) فهو صريح في كثرة الإحالة إلى كتب المستشرقين والتنويه بها، وعلى سبيل المثال عقد فصلاً عن أصول الفقه قال في أول مراجعه (انظر بالخصوص كتابي شاخت: أصول الفقه المحمدي، ومدخل إلى القانون الإسلامي)99.
ولما تعرض عبد المجيد الشرفي لتاريخ العقيدة وعلم الكلام قال (لا غنى للباحث اليوم من الرجوع إلى الموسوعة التي وضعها «يوسف فان إس» بالألمانية في ستة أجزاء، ولم تترجم إلى أي لغة أخرى، بعنوان «علم الكلام والمجتمع في القرنين الثاني والثالث للهجرة»)100.
وإدخال الشرفي وأمثاله هاهنا مبعثه الرغبة في عرض أعلام يعبرون عن الخريطة الحداثية العربية المعنية بإعادة قراءة التراث، وإلا فالشرفي يجحد نبوة محمد ﷺ صراحة، ويعتبرها فكرة تخمرت في ذهن نبينا ﷺ، جمعها من الثقافة الدينية بمجتمعه مع طول التأمل، واعتقد صحتها، لا أن الله سبحانه أوحى له حقيقة، حيث يقول الشرفي (لقد كانت المعلومات التي تلقاها محمد من حوله، واطلع عليها في أسفاره، وعن طريق الأحناف أو أهل الكتاب، ومن نتائج تأمله الطويل عندما كان ينقطع عن الناس ويتحنث في غار حراء؛ كان كل ذلك المادة التي تخمرت في ذهنه، ووصل بها إلى اليقين بأن الله اصطفاه لتبليغ رسالته)101.
والحقيقة أنني لا أحصي كم تصفحت بحثاً حداثياً لباحث أو باحثة من حداثي تونس إلا ووجدت في مقدمته الإشارة إلى إشراف عبد المجيد الشرفي على البحث! وقد ذكر تلامذته كثرة إشرافه على البحوث الحداثية في تأويل التراث، كما ذكر ذلك مثلاً تلميذه حمادي ذويب وغيره.
وفي المقابل حين تطلع كتابات الشرفي تلاحظ أنها أشبه بالملخصات العاجلة، ولذلك فالذي يبدو لي أن عبد المجيد الشرفي دوره (الحركي/الأكاديمي) أكبر بكثير من دوره (العلمي/البحثي)، فهو يقوم على تدريب طلاب الدراسات العليا على الأساليب الحداثية الفرانكوفونية في تقويض التراث، أكثر من كونه ينتج أبحاثاً رصينة مؤثرة في هذا المضمار، فما طبع له في مجال القراءة الحداثية للتراث هي كتيبات مستهلكة المحتوى وباهتة اللغة، ولا يوجد فيها إضافة البتة، بخلاف دوره في تدريب طلاب الدراسات العليا، فقد ظهر أثره في بروز ثكنة باحثين حداثيين في تونس يدينون لمنهجه بالولاء والعصبية، وقد ظهر أثر هذا عليه في كتبه هو، فتراه يحيل كثيراً إلى رسائل أكاديمية (مرقونة) في أحد الكليات، وأحياناً تكون لأحد تلاميذه.
بل إن أكثر كتب الشرفي اكتمالاً رؤيوياً وهو (الإسلام بين الرسالة والتاريخ) يستند فيه إلى معاصرين قريبين مثل أركون ونصر أبو زيد وخليل عبد الكريم، بل وبعضهم حداثيون متواضعون في موقعهم المعاصر، وكأن الشرفي لم يكتب (الفكر الإسلامي في الرد على النصارى) مطلع الثمانينات، وعلى أية حال، ففي رأيي أن عبد المجيد الشرفي (مدرس حداثي) أكثر من كونه (مؤلف حداثي).
ويذكر بعض الباحثين الملتزمين بالإسلام في تونس أنهم يعانون من اضطهاد غير صريح في الدراسات العليا بسبب هذه التكتل من الحداثيين العلمانيين الشرفيين، حتى أن الدكتور المغاربي أحمد الريسوني في بحثه الذي بعنوان «الحداثيون ومقاصد الشريعة» وصف هؤلاء بأنهم «شبكة» كما يقول الريسوني (خدمة المشروع الحداثي لعبد المجيد الشرفي، لا تقف عند مجهوده الشخصي، في مؤلفاته ومقالاته ومحاضراته، بل هي تقوم على شبكة مذهبية واسعة من تلاميذه وأتباعه، ممن درّسهم وأشرف عليهم، أو ممن يقوم بتوظيفهم ورعايتهم ماديًا ومعنويًا)102.
وأما عبد المجيد الصغير فله كتاب مشهور في تاريخ علم أصول الفقه ومقاصد الشريعة اسمه «الفكر الأصولي» (١٩٩٤م) يحاول فيه تفسير نشأة هذا العلم تفسيرًا سياسيًا استشراقيًا، ويكشف عبد المجيد الصغير بكل وضوح أن وعيه بتسييس العلم في الإسلام اتصل له من جهة المستشرقين، فهو ينعى في كتابه على من يسميهم «القدماء» في عدم اتهامهم العلوم الإسلامية بالدوافع السياسية، وأن المستشرقين هم من فتحوا عينيه على مثل ذلك! كما يقول الصغير: (.. العلاقة الممكن رصدها بين الطرف السياسي، وبين مناسبة تصدّر رجل العلم لبث علمه، أو انكبابه على التأليف وتشكيل نظرياته، غير أنه على الرغم من هذه الإمكانيات المتاحة لتأطير العلم الإسلامي، اجتماعيًا وسياسيًا، فإن اهتمام القدماء برصد ذلك يكاد يكون منعدمًا! وإذا كانت هذه المشكلة لم تعد مجهولة اليوم بالنسبة لتاريخ العلم في الإسلام، منذ أن فتح المستشرقون من قبيل جيب H.GIBB، وشاخت SCHACHT، وروزنتال F.ROSENTAL، وبرانشفيك BRANSCHVIG، ..، البحث في هذا المجال)103.
فعبد المجيد الصغير يكشف بكل وضوح أنه لم يعرف تسييس التراث إلا من خلال جيب وشاخت وروزنتال وبرانشفيك.
ولسنا بحاجة للتذكير بأن هذا الاتجاه في تعظيم المستشرقين وابتلاع نتائجهم ليس جديداً على الاتجاه المتغرب، فهذا عميد أدبهم طه حسين منذ عشرينيات القرن الماضي يرتفع كعادته بالتصعيد التغريبي ويقرر أن العلم إنما يلتمس عند هؤلاء المستشرقين! حيث يقول: (وكيف تتصور أستاذاً للأدب العربي لا يلم بما انتهى إليه الفرنج من النتائج العلمية حين درسوا الشرق وآدابه؟! وإنما يلتمس العلم عند هؤلاء الناس، ولا بد من التماسه عندهم)104.
وأما وائل حلاق (و١٩٥٥م) فهو مؤلف نصراني فلسطيني، وأستاذ كرسي الدراسات الاستشراقية في جامعة مكجيل في كندا، وترجمت كتبه مؤخراً في تاريخ الفقه الإسلامي (٢٠٠٧م)، والحقيقة أن وائل حلاق شدني في أول لحظات التعرف على أطروحته أنه ينتقد أطروحة شاخت الجاثمة فوق عقول المستشرقين، ولكنني بعد أن طالعت دراسته أصبت بخيبة أمل، فنقد وائل حلاق لشاخت يعتمد على إدخال معطى إضافي على المسألة، وهو فكرة تأجيل اكتمال النظم الفقهية عن اللحظة الزمنية التي افترضها شاخت إلى القرن الرابع، وبالتالي قلب الحجة عليه بالمزايدة عليه.
كما أن حلاق يقابل بين السنة العملية والحديث النبوي ليقف في المنتصف بين شاخت وأهل الحديث، والتمييز بين السنة والحديث موضوع رثّ مغبرّ في الموروث الاستشراقي، ومحاولة حلاق لتجاوز شاخت ليست باتجاه التصور العلمي الموضوعي لنشأة السنة والفقه، بل المؤلف يكرس التفسير السياسي لنشأة الحديث والفقه من جوانب أخرى، ويمارس التوفيد الفيلولوجي المستهلك في كون الفقه الإسلامي اقتبس أعراف عرب شبه الجزيرة وشرائعهم، ويقول وائل حلاق مثلاً في سياق تسييس دوافع الفقهاء (كانت السلطة الفقهية جزءاً من استراتيجيات الفقهاء في سعيهم نحو تقوية نفوذهم الفقهي)105.
ويتعامل وائل حلاق مع رسول الله ﷺ بلغة غير مهذبة، ولا يتحرى الأدب، وهذا مفهوم للأسف نتيجة كونه نصراني عربي، كقوله عن رسول الله (لم يكن بإمكان محمد أن يفكر في تشريع من خلال هذه المصطلحات المتطورة)106.
وهكذا يتعامل بقلة أدب مع أئمة السلف كقوله عن الإمام شريح (القاضي شريح عُرف بممارساته التي تتضمن خرقاً صارخاً للقرآن)107. وقوله عن قضاة السلف (المعرفة بالقرآن، يجب أن لا نفهم منها أن القضاة الأوائل كانوا يقومون دائماً بتطبيق الشرع القرآني)108.
والفكرة المركزية لدى وائل حلاق أن ما نعرفه اليوم من الحديث والفقه كان شيئاً متأخراً، وأن العامل الجوهري في صياغة التشريع هو (العادات الاجتماعية السائدة) في الثقافة العربية، وأن الصدر الأول كانت السلطة فيه لخلفاء الصحابة، وليست للحديث النبوي، ثم انقلب الأمر وصارت السلطة للأحاديث! وهذه فكرة إذا قورنت بالمعطيات التاريخية فهي أشبه بالهذيان، كما يقول حلاق: (تحول آخر تعلق بمركز السلطة، ويتمثل في تعويض سلطة الصحابة والخلفاء وغيرهم، بسلطة مثل النبي محورها، فهذه العلاقة العضوية إنما هي ضرورية لفهم الدوافع التي تقف وراء التحول الديني-الفقهي من سلطة الصحابة إلى سلطة الرسول، وقد انطلق هذا التحول خلال النصف الثاني من القرن الأول للهجرة)109.
هذا يعني أنه إلى سنة (٥٠هـ) كانت السلطة العلمية للصحابة، ثم صارت السلطة للنبي! هل هناك باحث شمّ تاريخ التشريع يخطر بباله أن الفقه الإسلامي تحوّل من سلطة الصحابة لسلطة الرسول ﷺ؟! هذا الكلام يدخل فيما يقال فيه (يكفي تصوره لإبطاله).
والمراد أن نقد وائل حلاق لشاخت أشبه بمحاولة للبحث عن شرعية التجديد والإضافة داخل السياق الغربي بالمزايدة عليه، أكثر من كونها تصحيحًا علميًا موضوعيًا لأخطاء المستشرقين، والدافع الذي دفعني لكتابة مثل هذا التعقيب هو أنني كنت أحسن الظن بوائل حلاق حين اطلعت أول مرة على نقده لشاخت، ثم لما استكملت مطالعة كتبه اكتشفت أنه بعيد عن الموضوعية العلمية، وأنه يعيد إنتاج الاستشراق بتلوينات أخرى، وقد وجدت أيضًا من لايزال مغترًا بكتاباته.
الفصل الرابع: ما بعد الفيلولوجيا
كنا رأينا فيما سبق تطورات الاستشراق الفيلولوجي وصعود الاهتمام فيه بتاريخ التراث، ثم علاقة برامج الحداثيين العرب بذلك بصورة مجملة، وبهدف استكمال الصورة التاريخية فإنني أجدها هاهنا مناسبة ملائمة لعرض ماذا تطور في الاستشراق في مرحلته الأخيرة؟ وأين ذهبت قنوات تأثيره؟
الحقيقة أنه في النصف الأخير من القرن العشرين برزت مدرستان استشراقيتان أرادتا تجاوز الاستشراق الفيلولوجي، وهما: مدرسة أنثروبولوجيا الإسلام، ومدرسة المراجعين.
فأما مدرسة أنثروبولوجيا الإسلام فهي تهتم بدراسة المجتمعات المسلمة المعاصرة بتوظيف بعض النماذج التفسيرية في العلوم الاجتماعية، ونتاج هذه المدرسة لم ألاحظ له تأثيراً على الحداثيين العرب، بل تأثيره الأساس على النخب الغربية، كالدبلوماسيين والأكاديميين، وبالتالي فتأثر تصوراتهم وقراراتهم طبقاً لما يقرؤونه لدى هذه المدرسة.
وأما مدرسة المراجعين فهي تقوم على الشك في كل المصادر الإسلامية والبحث عن مصادر تاريخية أخرى لدى الأمم المجايلة لحقبة ظهور الإسلام، وأطروحات هذه المدرسة لم ألاحظ أن الحداثيين العرب يستمدون منها، بل لاحظت أن نتاجهم يستخدم كذخيرة يوظفها: دعاة الإلحاد والمناظرون النصارى وتستعمل للإثارة الإعلامية الغربية، فالكتبة المتبنون لقضية الإلحاد ينشرون بعض نتائج مدرسة المراجعين المستشرقين في المنتديات، وهكذا المناظرون على الشبكة من النصارى يترجمون ويبنون المقاطع التي تهز يقين المسلم بدينه من نتائج هذه المدرسة وشكياتها وريبياتها، والنتائج الصادمة في هذه المدرسة تستثمرها القنوات الإعلامية الغربية كمادة للإثارة، وسأحاول أن أعرض بعض قسما هاتين المدرستين مصحوبة بتعليقات وتعقيدات عابرة.
- أولاً: مدرسة «أنثروبولوجيا الإسلام»:
يشير المؤرخ والمستشرق الأمريكي إدموند بيرك (و١٩٤٠م) إلى أنه مع حملة نابليون على مصر (١٧٩٨م) وصولاً إلى الذروة في تحرير الجزائر من الاستعمار الفرنسي (١٩٦٢م) ومع بروز الحاجة في فرنسا إلى دراسة المجتمعات الإسلامية المستعمرة، تشكل خلال ذلك ما أطلق عليه بعض الباحثين: المدرسة الفرنسية في «علم اجتماع الإسلام»، وكان هذا الحقل مرتبطاً بأغراض الاستعمار واحتياجاته متشرباً روحه الكولونيالية مرتبطاً ببنيته المؤسسية، وأنه مرّ بثلاث موجات، السياسيون، ثم الهواة، ثم الأكاديميون، وفي خلال هذه الدراسات ظهرت مفاهيم وتمييزات وتقابلات ونماذج لفهم المجتمعات المسلمة مثل التمييز بين الإسلام الشعبي وإسلام النخبة، والقبيلة والدولة، وإسلام المدن وإسلام الريف، وتكوين الطرق الصوفية وموقع الولي فيها، وإدموند بيرك هو من الاتجاه النقدي المعروف الذي يرى في هذه التخصصات -كعلم اجتماع الإسلام بنسخته الفرنسية مثلاً- أنه علم كولونيالي/استعماري (colonial science)110.
ونبه طلال أسد (١٩٨٦م) إلى أن إرنست غلنر (١٩٢٥-١٩٩٥م) استلهم النماذج الاجتماعية التي صاغها «علم اجتماع الإسلام» بنسخته الفرنسية ودمجها بعلم اجتماع الدين والأنثروبولوجيا البريطانية وبعض مفاهيم ابن خلدون، خلال أعماله النظرية والحقلية المعروفة التي جمعها في كتابه «مجتمع مسلم»(2)، وقد أشار غلنر نفسه إلى علم اجتماع الدين وابن خلدون في كتابه نفسه، ولدي شعور، لست متأكداً منه، أن غلنر نوه بابن خلدون ووظف مفاهيمه لأسباب حركية تتعلق بشرعية العلاقة بين المجهر والعينة، فبدا وكأنه يفحص العينة المسلمة المدروسة بمجهر من تراث المسلمين ذاته.
والحقيقة أن غلنر تحول إلى أيقونة لهذا الحقل «أنثروبولوجيا الإسلام» وأصبحت الأعمال بعده مع أو ضد، ولأن غلنر طور تركيبات مفاهيمية لدراسة المجتمعات الإسلامية ومن زاوية الأنثروبولوجيا فقد جذب اهتمام الباحثين المستشرقين المبتدئين لاستلهام نموذجه في دراسات حقلية أخرى مماثلة في المجتمعات المسلمة.
وأرنست غلنر هو يهودي بريطاني من أصل تشيكي، ولد ومات في براغ، وشكل مفاصله الفكرية منعطفان، الأول عدم انسجامه مع تيار فتجنشتين في فلسفة اللغة والذي كان غالباً في أيامه، والثاني تعرفه على دائرة مالينوفسكي الأنثروبولوجية وانجذابه لها وانخراطه فيها، وأما فلسفياً فقد تأثر باقترابه وحضوره لدروس كارل بوبر.
والمفهوم المركزي في عمل غلنر هو مفهوم (التطهرية/ البيوريتانية) وهو يطلقه على ما يسمونه الإسلام النصوصي الرافض للطقوسية، وموضوعات غلنر المفضلة اختلاف نمط الإسلام بين المدن والأرياف، ودور الولي الصوفي، والنسب الانقسامي (المكون القبلي)، والنموذج الانقسامي مفهوم سبكه دوركايم وطوره بريتشارد في الأنثروبولوجيا البريطانية.
وذكر غلنر عن نفسه أن التمييز بين التدين الشعبي/تدين العلماء كان هو المفهوم الذي يخترق أعماله كلها، كما يقول (العلاقة بين العالم الشعبي «folk world»، وعالم العلماء، وهم الذين يحملون الإسلام الرفيع، تعتبر بعداً مركزياً حاسماً لفهم الإسلام، كما أنها بالتأكيد بعد مركزي حاسم في كل كتاباتي عن الإسلام)111.
ويتضح للقارئ أن المفهوم المركزي عند غلنر وهو مفهوم «التطهرية/البيوريتانية» إنما استعاره المستشرقون من التاريخ الكنسي وحولوه إلى أداة لقراءة التاريخ الإسلامي، والحقيقة أن غلنر لا ينكر أنه استمد مفهوم التطهرية/البيوريتانية من تجربته الدينية المبكرة، حيث يقول غلنر في حوار معه: (لقد قمت بالاستبطان العميق لقيم الجناح التطهري/البيوريتاني في التوحيدية الإبراهيمية، وتعليمي المبكر كان هوسيتياً)112.
والهوسيتية حركة دينية نصرانية نسبة للتشيكي ليان هوس (١٣٦٩-١٤١٥م) الذي حاول إصلاح الكنيسة الكاثوليكية على ضوء الكتاب المقدس، فحُكِم عليه بالهرطقة وأُعْدِم.
وهذا السلوك في تفسير التاريخ الإسلامي بالنماذج الكنسية له نظائر كثيرة، مثل مفهوم الأرثوذكسية والبطريركية والإكليروس ولوثر الإسلام والكالفينية واليعاقبة والكاتدرائية والمدارس، ومفاهيم
الخلاص والتجسد والخطيئة الأصلية ونحوها، وهذا مبحث يستحق أن يدرس، وهو تتبع النماذج المأخوذة عن التاريخ الغربي لقراءة التاريخ الإسلامي، وهي استعمالات فيها سطحية واستعجال لأنها تهدر الفارق الجوهري بين صيغ العلاقات في التاريخ الكنسي ونظيرها في التاريخ الإسلامي.
ومن أمثلة هذه الظاهرة لدى المستشرقين قول فلهاوزن (وكان موقفهم -أي علماء الشريعة- من الأمويين شبيهاً تمام الشبه بموقف علماء الكتاب والفاروسيين اليهود، إزاء بيت الحشمونيين)113، فمن الواضح أن فلهاوزن يقرأ تاريخ الطبري وذاكرته الروحية تنهمر بصور من التاريخ المسيحي الذي تشبع به في نشأته، وهكذا أيضاً يقول جولدزيهر (من الممكن أن يدعى -عمر بن عبد العزيز- «حزقيال البيت الأموي»)114.
بل إن الأمور قد تصل إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث لا يستطيع المستشرق التخلص من تكوينه النفسي والذوقي ونزواته الذاتية، ومن أطرف ذلك أن هاملتون جب نسي نفسه أثناء البحث وأخذ يتخيل حذف بعض أحكام الشريعة فانظر أين قاده الخيال حيث يقول (وبطبيعة الحال فإن أحب ما يمكن أن ينبذ من أحكام الشريعة، وألذها إلى النفس؛ هي أحكام تحريم شرب الخمر)115، فهاملتون جب يبدو أن علاقته بالمشروبات المحرمة وطيدة وحميمية!
ولتقريب سطحية هذه النماذج للقارئ فإنها مثل من يدرس التاريخ الغربي النصراني ويبحث عن التيارات المحافظة ويسميهم حنبالة المسيحيين، أو مثل من يسمي من يتمسك بظواهر نصوص الإنجيل المدرسة الحزمية النصرانية، أو من يطالع مدارس تفسير القانون في الفكر الغربي ويسمي المدرسة التي تأخذ روح النص «المدرسة الشاطبية الغربية»، فهل هذه نماذج فكرية دقيقة تعبر فعلاً عن تعقيدات التاريخ الغربي؟ لا، قطعاً.
بل هذا الأسلوب يتسبب في تفويت وإضافة بسبب عدم تلاؤم المقاس بين النموذج التفسيري والموضوع المدروس، فيفوت إدراك بعض عناصر الموضوع لأنه ليس في النموذج التفسيري ما يمثلها، وبعض الرواسب المضمونية في النموذج التفسيري المستعمل تسقط على الموضوع المدروس وهو لا يمت لها بصلة، وحصيلة هاتين العمليتين المتعاكستين هو التفويت والإضافة في تصور المعطيات محل الدراسة.
والمثال الصادم لهذه العملية هو مفهوم البيوريتانية ذاته الذي استله غلنر من فيبر، فغلنر يفترض أن النصوصية البيوريتانية التي أسقطها على الإسلام نزعة مضادة للشعائرية والطقسية، والواقع أن الفقه السلفي الحنبلي ذاته، الذي يجعلونه نموذجاً صارخاً للنصوصية؛ يضح بألوان الشعائر والممارسات الدينية المناسبة الاحتفالية، وفيها مكونات حسية، ويمكن للقارئ غير المتخصص مراجعة كتاب «الطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف»
للعلامة المحدث السلفي ابن رجب رحمه الله، وبشكل أعم مراجعة كلام المفسرين السلفيين لآية ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢].
والمكونات الجماعية في الصلوات كالجمعة والتراويح والكسوف وقلب الرداء في الاستسقاء وتجمير المساجد واحتفالية الأعياد الدينية والأضاحي ولباس الإحرام وإشعار الهدي وتقبيل الحجر الأسود ورمي الجمار وبركة زمزم وطريقة الكفن واللحد الخ كلها مفاهيم عميقة في الفقه النصي السلفي، وهذا يعني عدم تلاؤم مفهوم البيوريتانية التطهيرية في التاريخ الكنسي كنموذج تفسيري للتاريخ الإسلامي البتة.
وما يثار دومًا ضد الاستشراق أنه يطبق أفكاره وتصوراته وانحيازاته وتاريخه على تاريخ وحضارة أخرى، ليست تهمة يدفعها المستشرق الغربي عن نفسه، بل هو يعترف بها ويصر عليها في غطرسة واستعلاء غربيين، تأمل مثلًا كيف يعبر عن ذلك غابرييلي في دفاعه عن الاستشراق ضد نقد أنور عبد الملك:
(الواقع أنه يحق للغرب أن يطبق على الشرق مفاهيمه ومنهجياته وأدواته الخاصة، كما يحق له أن يطبق معاييره الخاصة على ما ندعوه بالتاريخ والحضارة، وإذا كان البعض يحلمون بإمكانية جعل الفكر الغربي يتراجع عن نتائج دراسته التاريخية الطويلة للبشرية، وتفسيرها؛ فإنهم واهمون، إذا كانوا يحلمون بجعل الغرب ينظر إلى الشرق بعيون شرقية وعقلية شرقية فإنهم يطلبون المستحيل، منذ أربعة قرون على الأقل كانت المفاهيم الأساسية للبحث العلمي قد بلورت في الغرب، وفي الغرب وحده)116.
والمراد أنك تجد المستشرقين يأتون للتاريخ الإسلامي ويجعلون أحد المذاهب الشرعية أرثوذكسياً، والآخر بيوريتانياً، وحالات السلطة يسمونها بطريركية، ويلقبون العالم المجدد لوثر الإسلام، وهكذا، ولو كانت مثل هذه الألفاظ استعارات عابرة مبررة موضوعياً لكان الأمر مفهوماً، فاللغة التوصيفية للتاريخ الفكري غنية بالاستعارات المتبادلة بين سياقات مختلفة، أما أن تكون نماذج تفسيرية لفهم تاريخ معين، فهذا تضليل وتشويش، وليس فهماً وتفسيراً، لأنها تتسبب في التفويت والإضافة في المعطى المدروس، ثم يأتي الحداثيون العرب ممن لم يعش النصرانية أصلاً، وليست جزءاً من ذاكرته الروحية، ويكرر بأعين معصوبة هذه النماذج الكنسية التفسيرية (الأرثوذكسية، البيوريتانية، البطريركية، الخ)، وهي ليست له، وليس لها.
ومن نماذج استمداد الحداثيين من استوديو الصور التاريخية الغربية، وإسقاطها على التاريخ الإسلامي المختلف، ما يكرره طرابيشي من قوله «لا يمكن تصور فولتير عربي قبل أن يوجد لوثر مسلم»117، وفي استعارة تاريخية أخرى يقول الجابري (فلماذا لا نرى
في الفارابي روسو العرب في القرون الوسطى؟)118، ويكرر أركون بكثافة مفرطة ومبتذلة استخدام المستشرقين لمفهوم الأرثوذكسية النصراني، كقوله (منذ المرحلة القرآنية راحت تتجمع وتشكل عناصر «الأرثوذكسية» الصارمة التي نقلت وكأنها يقينيات إلهية، وسوف تضغط هذه العناصر فيما بعد بكل ثقلها على القراءات المؤمنة وتلعب دور الدعائم والسند لـ «الأرثوذكسيات» العديدة التي راحت تضيق وتجف وتستمر حتى يومنا هذا، إن «الأرثوذكسيات» الحالية، أقصد الحركات الإسلامية الناشطة حاليًا، إذ تغلب ديكتاتورية الغاية السياسية على كل شيء وتبرزه في تعابير دينية، هي في الواقع مخلصة لسورة التوبة شكلاً ومضمونًا)119. وكتب الحداثيين العرب في قراءة التراث تعج بمثل هذه النماذج التفسيرية المنتزعة من تاريخ اللاهوت الكنسي وشبكة علاقته، والمستوردة من كتب المستشرقين.
وعلى أية حال، فقد استمر «علم اجتماع الإسلام» حاليًا يتابع ويدرس تطورات المجتمعات المسلمة في ظل التغيرات المعاصرة كالعلاقة بين المجتمع المسلم والعولمة والاقتصاد النيوليبرالي وآلة السوق كمحرك للتغيرات، مضيفًا لخط ماكس فيبر، أطروحات بورديو وبيرغر وأنتوني جدنز وغيرهم، كمسألة العلاقة بين الفعل والبنية (structure and agency) مثلاً، وغير ذلك من الأدوات، ويشارك فيها باحثون في علم اجتماع الإسلام من غير الغربيين أيضاً120.
وأما الخط الموازي لخط غلنر داخل حقل أنثروبولوجيا الإسلام فهو خط الأنثروبولوجي الأمريكي كليفورد غيرتز (١٩٢٦-٢٠٠٦م)، وهو أضخم أثراً من غلنر في مجال التنظير الأنثروبولوجي، فهو رائد المدرسة الأنثروبولوجية الرمزية، وقام غيرتز بدراسات حقلية، حيث مكث مدة أثناء الخمسينات في أندونيسيا، ومثلها في الستينات في المغرب121، وأصدر كتباً سجل فيها نتائج دراسته.
والنواة المفهومية في أنثروبولوجيا غيرتز هي مفهوم (الرمز)، وقد انطلق غيرتز من ملاحظة للفيلسوفة الأمريكية لانغر (١٩٦٢م) حول مركزية المعنى في الفلسفة المعاصرة، حيث يقول غيرتز (إذا كانت لانغر على صواب بأن «مفهوم المعنى بكل تنوعاته هو المفهوم الفلسفي المهيمن على عصرنا» ذلك أن «الإشارة، والرمز، والدلالة، والمغزى، والاتصال هي البضاعة الفكرية في تجارتنا» فلربما أنه حان الوقت لتكون الأنثروبولوجيا الاجتماعية، سيما ذلك الجزء المعني بدراسة الدين؛ واعياً بهذه الحقيقة)122.
والحقيقة أن المفاهيم الفلسفية في عمل غيرتز واضح فيها الصلة بكتابات لانغر123، والمهم هاهنا أن غيرتز عكس هذه المركزية للمعنى في الفلسفة المعاصرة على نظريته حول «الدين» وجعل المركز فيه للرموز، إذ يدور تعريفه للدين على أربعة محاور، وهي أن الدين «نظام من الرموز، يصوغ المفاهيم العامة للوجود، ويؤسس الدوافع النفسية الدائمة، ويكسوها بهالة الواقعية»124.
ثم خلص غيرتز من هذا التسلسل إلى أن وظيفة الأنثروبولوجي في دراسة الدين هي تسجيل ورصد وتوصيف ثقافة العينة المدروسة ومحاولة قراءة وتفسير وتأويل نظام الرموز التي تمنح المعنى وتحرك الدافع وتسبغ الواقعية، ثم ربط هذه الأنظمة الرمزية بالتركيب الاجتماعي، والمرحلة الأولى هي الإضافة لدى غيرتز التي جعلته رائداً خلاباً للباحثين الأمريكيين الشباب في الأنثروبولوجيا، ومن الملاحظ أن هذه النزعة الرمزية الثقافية غائبة عند غلنر في مقابل حضور التعليل الاجتماعي لدى الأخير، كما لاحظ هذا التقابل عدد من الراصدين الغربيين.
ومن المفاهيم الأساسية لدى غيرتز مفهوم التصوير الكث، أو التوصيف الكثيف (thick description)125 ويعني به غيرتز أن السلوك الإنساني المدروس في الأنثروبولوجيا لا يكتسب معناه من وصفه مجرداً، بل بوصفه ضمن شبكة سياقه، كما يركز غيرتز على أهمية استعمال اللغة الاستعارية في الكتابة.
ومن المسائل المفتاحية في حقل أنثروبولوجيا الإسلام إشكالية «تعريف الإسلام» ذاته، فتطبيق الإسلام في أصقاع العالم الإسلامي له مذاهب واتجاهات شتى، فأيها الإسلام حتى ندرسه؟ كان غلنر يميل إلى أن في الإسلام مركز نصوصي ثابت كما سبق، يتم العودة إليه بطريقة الدورات والاستجابة للتحدي والمثير، كما يقول مثلاً (الأثر الأضخم كيفياً للمجتمع الصناعي بما لا يدرك مداه، أرغم وبقوة الإسلام في مصر والشمال الأفريقي، وأيضاً، وعلى سبيل المثال، الإسلام في جنوب شرق آسيا؛ إلى النزوع باتجاه النهاية النصوصية القصوى)126.
بينما كانت مدرسة غيرتز تميل إلى أن كل التطبيقات المنتسبة للإسلام هي من الإسلام، سواء كانت سلفية نصوصية، أم كانت صوفية خرافية، أم عقلانية علمانية، أم غير ذلك، فهؤلاء كلهم الإسلام، وليست وظيفة الأنثروبولوجي أن يحدد أيها الإسلام الصحيح وأيها الباطل، كما كان يقول الأنثروبولوجي المستشرق جيلسان أنه «لا يوجد أية صيغة للإسلام يمكن أن تستبعد من اهتمام الأنثروبولوجيين على أساس أنها ليست من الإسلام الصحيح»127.
والحقيقة أن اتجاه غلنر الذي جعل الإسلام قائماً على أساس نصوصي يعود إليه المسلمون بطريقة الدورات كلما واجهوا الضغوط تطورت في سياق هذا التقليد لتصبح آلية لتشويه الإسلام في الثقافة الغربية، حيث يصور الإسلام على أنه قائم على العنف واضطهاد المرأة ونحو ذلك، وأن هذه ثوابت في الدين الإسلامي لا تتغير، وأن المسلمين يعودون لمثل هذه الثوابت ويرجعون لها، وأنه لا أمل في تغيرهم للأحسن، وأن تغيراتهم مؤقتة، وإن كان غلنر نفسه لم يقصد هذه النتيجة بمداها الأبعد فيما يبدو، ذلك أنه سبق أن قال في كتابه ذاته أن (الإسلام، من بين الديانات التوحيدية الغربية الثلاث الكبرى؛ هو الأقرب للحداثة)128.
وفي المقابل فإن طريقة مدرسة غيرت في اعتبار الإسلام موسوعة عقائد غير متجانسة، يضاف له كل من ينتسب إليه، وأن كل من يظهر بعقيدة وينسبها للإسلام فهي منه، سواء كان موحداً أم وثنياً، سنياً أم بدعياً، إسلامياً أم علمانياً؛ هي طريقة غير علمية، تجعل الإسلام نصاً عائماً يقبل أي فكرة ومذهب، وهي تهرب من عبء التحليل العلمي الموضوعي، ورميه على الثيولوجيا.
وفي هذا السياق الذي تطورت فيه مدرسة غلنر التي تبنى فكرة الجوهر النصوصي البيوريتاني الثابت للإسلام نشأت مدرسة مضادة يمكن تسميتها «مدرسة نقاد أنثروبولوجيا الإسلام»، ومنهم طلال أسد وسامي زبيدة وأمثالهم، ونقدهم يتركز أكثره على نموذج غلنر، ويشاركهم في نقد الاستشراق الأنثروبولوجي النقاد اليساريون الذي يستمدون من المعجم الماركسي ضد الامبريالية، ونقاد «مابعد الكولونيالية» الذين يتغذون من أفق فوكو/غرامشي في علاقات السلطة بالمعرفة، وغيرهم.
فأما طلال أسد (و١٩٣٣م)، فهو أنثروبولوجي من أصل نمساوي، وقد كتب نقداً أساسياً لهذه المدرسة في منتصف الثمانينيات بعنوان (فكرة أنثروبولوجيا الإسلام)129 وجوهر بحث طلال أسد هو خفض الأسس النظرية لاتجاه أنثروبولوجيا الإسلام وفروضه الضمنية الكبرى، ويدور بحث طلال أسد حول عدة حجج، منها نقد التعريف الضدي للإسلام بمقابلته بالمسيحية، ونقد جغرافة الإسلام بالشرق الأوسط، ونقد تعريفات الإسلام في الدراسات الأنثروبولوجية، ونقد الصيغ التي اقترحها الأنثروبولوجيون لحل مشكلة تعدد تفسير الإسلام، مع تركيز واضح على نقد نموذج غلنر بشكل خاص، وانتهى طلال أسد بعد هذه الجولات النقدية إلى أن الإسلام يجب أن يدرس لا كبناء اجتماعي ولا كمزيج من مضامين غير متجانسة، وإنما كـ «تقليد» إرشادي مستوحى من القرآن والسنة، وفي اللغة العربية يفضل طلال أسد استعمال مصطلح «التقليد» على مصطلح «التراث»، كما أشار إليه في مقدمته لترجمة كتاب وليامز «الكلمات المفاتيح»130.
ومما يركز عليه طلال أسد في معالجته تكثيف الضوء على غنى التفاصيل وإبراز الاختلافات في الداخل الإسلامي لتقويض الصور الكلية النمطية السارية في الثقافة الغربية عن الإسلام، كما في نقده مثلاً لفكرة صدام الحضارات بهذه الآلية131.
ومن التيار اليساري الناقد للاستشراق، فرد هاليداي، وهو شديد الشغف والحماس لظهور حركات يسارية في الواقع العربي والخليجي، بل إنه انتقد الناصرية لأنها خالفت في تفسير الماركسية، وأنها زعمت أن هناك عدة اشتراكيات وأنه لا مانع للاشتراكية أن تتصالح مع الإسلام132.
وقد كان هاليداي أكد أن خط نقد الاستشراق في هذه الحقبة إنما كان من خلفية يسارية كما يقول (كجزء من التغيرات السياسية والفكرية في حقبة الستينات، تنامى نقاش حول طبيعة الكتابة عن الشرق الأوسط، وبصورة أعم: نقد من منظور يساري ومناهض للإمبريالية ضد الدراسات المهيمنة في العلوم الاجتماعية حول العالم الثالث)133.
ومن الأمور اللافتة أن الظواهر الجديدة في العالم الإسلامي تحولت إلى مادة إثبات جديدة يستعملها كل طرف من الأطراف المشاركة في الاستشراق ونقده لبرهنة تفسيراتهم ومواقفهم السابقة، كما يقول هاليداي مثلاً (وإذا كان المستشرقون حصدوا الدعم بسبب صعود الحركات السلفية والأصولية في المنطقة، وعلى الأخص الثورة الإيرانية، فإن السعديين «نسبة لإدوارد سعيد» ساندهم نمو حركة ما بعد الحداثة في الدوائر الأكاديمية وتحليلاتها للخطاب والذاتية)134.
وهذه المقابلة بين مصادر الدعم للاستشراق ونقاده، أكد شطراً منها سامي زبيدة إذ يقول: (التقدم المطرد للتيار الإسلامي منذ ظهور أبحاث هذا الكتاب أول مرة، بدا لعدد من المراقبين والباحثين، في الشرق الأوسط والغرب، كتأكيد لقراءة الاستشراق الجديد عن «المجتمع المسلم»، وهي قراءة ترى أن الأنماط الاجتماعية والذهنيات والأخلاقيات تنبعث من ماهية تاريخية مستمرة في الإسلام)135.
والحقيقة أن هذا التيار الذي ينتقد الاستشراق الجديد أو أنثروبولوجيا الإسلام، مثل سامي زبيدة على وجه الخصوص، يتضمن نقده مفارقة محيرة، فهو مشغول بنقد قراءة الغربيين للإسلام، والدفاع عن المسلمين، لكنه -وهاهنا المفارقة- يدافع عن المسلمين بمحاولة برهنة أنهم غير إسلاميين، فهو يدافع عن المجتمع المسلم بإبراز ما لا يمت للإسلام في حياة المسلم المعاصر، فيحتاج زيادة ضد جوهرانية/ماهوية غلنر بعدة أمور يريد أن يثبت فيها بطلان فكرة عدم تغير المسلمين، وأنهم يتطورون، مثل: ظهور نظم الحكم العلمانية في العالم الإسلامي، وأن نمط ظهور الشيخ في الفضائيات هو نمط علماني لأنه يظهر على قدم المساواة مع الأخبار والموسيقى والأفلام، وأن المستويات الشعبية مستهلكة للسينما المصرية، وأن الأحزاب السياسية فيها أحزاب ذات طابع علماني136، بل إنه في بحث آخر خصصه لجلنر يحتاج بظواهر المجون والخمريات في التاريخ الإسلامي للدفاع عن المسلمين137 بل ومن أغرب محاججات زيادة، في كتاب آخر له، أنه يفسر صعود الحركات الإسلامية بأنها لا تدل على أن المجتمع المسلم يمانع وينبذ العلمانية، بل تدل على رسوخ العلمانية في المجتمع المسلم، لأن هذه الحركات موجهة كما يقول ضد «الإصلاحات المعلمة»138، وهو يعرض ذلك كله في سياق الدفاع عن المسلمين أمام القارئ الغربي! فهذا يشبه من يريد أن يدافع عن أهل السنة أمام الشيعة فذهب يحاول الإثبات أن هناك الكثير من أهل السنة يسب الصحابة!
وعامة المستشرقين لا يخرجون عن رأيين: إما التنديد بالإسلام وتشويهه والتحذير منه بلغة مواربة تتصنع الرصانة العلمية، أو مرحبين بالإسلام لكن يرحبون بالصيغة المحرفة للإسلام وهي الصيغة التغريبية، ويندر جداً في المستشرقين من يرحب بالصورة الصحيحة وهي مذهب أهل السنة، وهي طريقة النبي ﷺ وأصحابه، وغالب من يتصل من الحداثيين العرب بالمستشرقين ويزعم أنه يستميلهم للإسلام، إنما يستميلهم للإسلام المعاد تصنيعه طبقاً للذوق الغربي، وهو الإسلام الملبول، وليس إسلام محمد ﷺ وأصحابه، كما فعل سامي زبيدة في مرافعاته السابقة المشار إليها.
- ثانياً: مدرسة المراجعين الشكوكيين:
بات من المعروف أنه قد ظهرت في الاستشراق الفيلولوجي التقليدي بذور الشكية وأجثة الارتياب تجاه ما تحمله المصادر الإسلامية من معطيات حول العلوم الشرعية، ومن ذلك مثلاً تشكيك نولدكة في بعض سور القرآن وآياته وأنها أقحمت في القرآن لاحقاً139، وتشكيك جولدزيهر وشاخت في موثوقية نقل السنة
النبوية وأنها كلها أسانيد مختلفة140، وتشكيك مرجليوث وأضرابه في صحة وجود الشعر الجاهلي وأنه كله منحول141، ونحو ذلك، ولكن كما يشاهد القارئ أنها كانت شكوك «جزئية» إما في أحاد المسائل أو في أجزاء كبرى من علم معين.
ومن المشاهد في تاريخ الأفكار ما يمكن تسميته (المزايدة لتجاوز الاستهلاكية) وفحوى هذه الظاهرة أن الأطروحة التي تستهلك وتدوي جدتها، وتأتي أجيال لاحقة من الباحثين ولا تجد لديها أطروحة جديدة، فإنها تقوم بتصعيد الأطروحة السابقة والإفراط في المبالغة فيها، لكي تستمد شرعية التجديد بذلك، وهذا ما وقع من مدرسة المراجعين.
فمدرسة المراجعين في حقيقتها هي مستوى من المزايدة في الشكائية على دراسات المستشرقين الفيلولوجيين، فالفيلولوجيون يحققون المخطوطات والنصوص المبكرة، ثم يبحثون في محتوياتها ومضامينها للتشكيك في موثوقية المعلومات وضرب بعضها ببعض، أو الطعن في مقاصد وأغراض علماء التراث، ونحو ذلك، أما المراجعون فهم يرفعون الشك من الجزئي إلى الكلي، فيشكون في أصل الثقة بهذه المخطوطات والمصادر كلها، وأن كافة ما فيها مفبرك لاحقاً لأغراض سياسية، وسبق أن قدم المستشرقون ريبيات كثيرة لكنها لم تصل إلى هذا الطوفان الشكوكي في مدرسة المراجعين، فالمستشرقون الفيلولوجيون يشكون في صفحات داخل بعض الكتب الإسلامية، أو في رفي كامل من المكتبة، أما مدرسة المراجعين فقد أغلقت المكتبة الإسلامية كلها، وجعلوها مكذوبة جميعاً، وفي مقابل هذا الشك الجنوني يتفنن المراجعون في نسج الخيالات السينمائية حول أصل الإسلام والنبي محمد ﷺ والقرآن ومكة.
حسنًا، فإذا كانت كل المصادر الإسلامية مفبركة لأغراض سياسية، فكيف سيصلون إلى كتابة تاريخ ظهور الإسلام ورجاله وعلومه؟ يقولون نرجع للكتب اليهودية والنصرانية ونحوها التي عاصرت مرحلة ظهور النبي محمد ﷺ، وهذا غاية ما يمكن من الغرابة، لأنه إن كانت المخطوطات الإسلامية مشكوكاً فيها، فلماذا تكون المخطوطات اليهودية والنصرانية موثوقاً فيها؟ وكلاهما كتباً في حقبة زمنية واحدة ويتتميان لذات الأفق التاريخي، وإذا كان المسلمون عند المستشرقين المراجعين متهمين بتلميع أنفسهم، فالكتب اليهودية والنصرانية متهمة بتشويه خصومهم، هذه بديهية سيتساءل بها فوراً من يقرأ خطوط منهجيتهم هذه.
ويتواطأ الراصدون لهذا الاتجاه على أن الرمز الملهم فيه هو المستشرق الأمريكي جون وانسبرو (١٩٢٨-٢٠٠٢م)، وأما المستشرقون الفاعلون في هذه المدرسة فمنهم: الإسرائيلي يهودا نيفو (١٩٣٢-١٩٩٢م) وتشاركه جوديث كورين، والدنماركية باتريشيا كرون (و١٩٤٥م)، والبريطاني مايكل كوك (و١٩٤٠م)، وكريستوف لوكسينبيرغ (اسم قلمي)، والبريطاني جيرالد هاوتينج (و١٩٤٤م)، والإسرائيلي موشي شارون (و١٩٣٧م)، وغيرهم142، وأنشطهم في الكتابة والتفريع على أصول المذهب هي باتريشيا كرون.
ومن الأفكار الرائجة بين مدرسة المراجعين الاستشراقية أن النبي محمد ﷺ غير موجود تاريخيًا أصلاً، وأن مكة ليست في الحجاز أساسًا بل هي في الأردن، وأن القرآن الكريم الموجود الآن إنما ألفه الحجاج بن يوسف في زمن بني أمية، وربما ظن القارئ أنني ألقي ببعض الطرائف، ومن حقه ذلك، فهؤلاء المعتوهون بلغوا درجة من السخف يخجل منها المهرج، وسأشير لبعض مواقفهم.
تشير باتريشيا كرون إلى قول بعض أصحابها بإنكار أصل الوجود التاريخي للنبي محمد ﷺ فتقول (بحسب العملات العربية والنقوش والبرديات والأدلة الوثائقية اللغوية الأخرى، فإن محمداً لم يظهر إلا في سنة ٦٨٠م، أي بعد خمسين عاماً من وفاته تقريباً، أيّا يكن سنة وفاته بالضبط، وهذا هو الباعث الذي جعل البعض، وخصوصاً يهودا نيفو وجوديث كورين، يشكان في وجوده)143.
وأما عن وجود مكة في الأردن في مقاطعة البتراء فتقول باتريشيا كرون (إذا كان بطليموس أشار لمكة، فإنه كان يدعوها «Moka»، وهي مدينة في البترائية العربية)144.
ثم قبل سنتين جاء المستشرق الكندي دان جيبسون في كتابه «الجغرافيا القرآنية»145 وطم الوادي على القرى وزعم أن مساجد المسلمين كلها إلى سنة (٢٠٧هـ) كانت تتجه باتجاه مدينة البتراء في الأردن! أي أن المسلمين إلى عصر أئمة المذاهب الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد كانوا يصلون في مساجدهم باتجاه الأردن، ولم تكن قبلتهم إلى مكة!
وأما القرآن فإنهم يزعمون أن الحجاج بن يوسف أتلف الكتابات الهاجرة القديمة، وانتخب نصوصاً توراتية سابقة، نسق بينها بمزاجه الشخصي، وسماها القرآن، وفرضها على الناس146. وأما دين (الإسلام) فإنما تم اختراعه زمن حكم عبد الملك بن مروان147، وأما ما قبل ذلك فهم الهاجريون، وهم عندهم عرق عربي في الشام يتحدر من هاجر أم إسماعيل، استعاروا الأفكار الدينية عن سامرية اليهود وانشقوا عنهم لتشكيل هوية دينية مستقلة للعرب148.
لكن لماذا اختار الأمويون أن تكون مكة في الحجاز؟ هناك أسباب متعددة، ومن ضمنها أن تكون مكة بجانب الطائف، فتكون مشابهة لمدينة شيكيم/شيخيم، وهي المدينة اليهودية المقدسة لدى «السامريين» اليهود في فلسطين، في كونهما كليهما -أي شيكيم ومكة- مطلان على منطقة خضراء! كما تقول كرون وكوك (مدينة الطائف تطرح توازياً مريباً مع مدينة شيكيم، حيث أنهما كليهما، شيكيم ومكة، حرمان مقدسان يقعان في محيط يشتهر بالخضرة)149.
وبصراحة هذا مستوى من الخيال الجامح يتعذر على أطرف الكوميديين أن يبدع مثله، ويطيع وينتج ويناقش باسم البحث العلمي وفي الأكاديميات الغربية الكبرى!
والنتيجة النهائية عندهم اعتبار الإسلام حركة عرقية عربية في الشام تتحدر من هاجر أم إسماعيل خططت لتخلق لنفسها هوية دينية مستقلة فقامت بمؤامرة كبرى زمن عبد الملك بن مروان شاركت فيها أجيال بالاقتباس وإعادة الإنتاج للموروث اليهودي، أي في المحصلة النهائية «الإسلام اختراع أموي لأسباب سياسية»150.
ويعتمد المراجعون على «لعبة التشابهات اللغوية»، فيأتون مثلاً لاسم هاجر أم إسماعيل، ويربطونه باسم «المهاجرين» الذين هاجروا لرسول الله ﷺ، وما دام أن الجذر اللغوي واحد أو متقارب، فهذا يعني أنهم منسوبين لهاجر وهم عرب الشمال، وليسوا مهاجرين من مكة إلى المدينة!
ويأتون لاسم مكة، واسم مدينة في البتراء العربية «Moka» ويربطون بينهما لتكون مكة في الأردن لا في الحجاز!
والطريقة المثلى لمناقشة أفلام المراجعين الخيالية هي تطبيق منهجهم على نظائر مماثلة، ليظهر لهم حجم الهزال والسخف فيها، فيمكن لنا مثلاً أن نطبق منهجهم ونقول:
إن مدينة الفاتيكان المقدسة عند الكاثوليك لا يوجد نص تاريخي موثوق به يحدد موقعها وأنها في روما في إيطاليا، والواقع التاريخي يطرح خيوطاً تدلنا على موقع آخر، حيث أن المؤرخين
ذكروا أن مرو يوجد فيها نصارى كما قالوا في قصة مقتل يزدجرد (فأمر المطران فبنى في جوف بستان المطارنة بمرو ناووسا، ومضى بنفسه ومعه «نصارى مرو»، حتى استخرج جثة يزدجرد)151. وفي ذات الوقت ذكر الجغرافيون القدماء أن «مرو» يوجد فيها مدينة اسمها فنجكان كما يقولون (فنجكان: قرية من قرى مرو)152، فإذا كانت مرو يوجد فيها نصارى قدماء، ويوجد فيها قرية اسمها «فنجكان»، وليس لدينا نص تاريخي يحدد أن مدينة الفاتيكان موجودة في إيطاليا، فمن المحتمل أن تكون «الفاتيكان» هي أصلاً «فنجكان» التي في مرو، ولكنها نقلت وحرف اسمها، ولكن من الذي نقلها وما مصلحته في ذلك؟ من المحتمل أن يكون هذا النقل تم في «عصر النهضة» الذي انطلق في إيطاليا في القرن الرابع عشر الميلادي لأغراض سياسية. حسناً، هذه القصة المتخيلة السابقة تبرهن أن الخيال في ربط الألفاظ وتبديل مواقع المدن على الخريطة، وتحريك عقارب القرون من قرن زمني إلى قرن آخر؛ عملية مجانية ولا تستحق أي جهد، ولا يمنع منها إلا مستوى من احترام المرء لذاته ولقارئه ولمكانة البحث العلمي في النفوس السوية.
والطريف في الأمر أن كبار المستشرقين الفيلولوجيين تهكموا بخيالات المراجعين واستخفوا بها، لأنها خيالات متطرفة بالنسبة لهم، ومنهم أشهر مستشرق ألماني متخصص في علم الكلام، وهو جوزيف فان إس، ففي مراجعته لكتاب الهاجرة لكرون وكوك، والمنشورة في الملحق الأدبي للتايمز يقول (لا حاجة لتفنيد الكتاب ما دام أن المؤلفين لم يبدلا جهداً لبرهنة فرضيتهم …، ولكن حين تقلب الحقائق رأساً على عقب، وبوعي، فهذا يعني أن منهجما كارثي)153.
وثمة نقاد كثيرون اعتبروا كتاب الهاجرة أشبه بالطرائف كما قال ذلك المستشرق الأسكوتلندي روبرت سيرجنت (١٩١٥-١٩٩٣م) المتخصص في جنوب الجزيرة العربية، وليس هدفنا هاهنا استيعاب النقد الفيلولوجي لمنهج المراجعين الشكوكيين، وإنما المراد التمثيل فقط.
وأما الحداثيون العرب فلم أجد صيتاً بينهم لمدرسة المراجعين، إلا إشارات قليلة، ومن ذلك مثلاً أن أركون كان ينوه ببعض أطروحاتهم كما يقول أركون مثلاً «إن من بين المساهمات التي تسترعي الانتباه كتاب باتريسيا كرون: عبيد فوق الأحصنة»154.
أما أول كاتب عربي رأيته كتب نقداً مفصلاً عن مدرسة المراجعين فهو -بحسب اطلاعي- المؤرخ اللبناني الماروني «فكتور سحاب» (و١٩٤٢م)، حيث عقد فصلاً في كتابه «إيلاف قريش»155 وناقش فيه كتاب كرون عن «تجارة مكة وظهور الإسلام»، وقد قامت د. آمال الروبي بأخذ نقد فكتور سحاب والزيادة عليه، وهو منشور أيضاً.
وقد ظن بعض الباحثين أن اسم «الهاجريّة» الذي استخدمه كوك وكرون عنواناً لكتابيهما أنه من اختراعهما، وهذا غير دقيق، بل هذا لقب قديم يطلقه النصارى على العرب، وقد استخدمه يوحنا الدمشقي (ت ١٣٢هـ) القسيس المشهور في التاريخ الكنسي، والذي كان يعمل في البلاط الأموي، في كتابه ينبوع المعرفة، في الجزء الثاني الذي كرسه للهرطقات المخالفة للمسيحية، ومنها الإسلام، وكان تارة يسميهم: الهاجريون (Agarenes) نسبة لهاجر، والإسماعيليون (Ishmaelites) نسبة لإسماعيل، والساريون (Saracens) نسبة لسارة156، وقد اتصل هذا اللقب للمستشرقين من تكويناتهم اللاهوتية، فاستخدموه في دراستهم.
حتى أن جولدزيهر لما انصرف عن الدراسات العربية، وانكب كلياً على دراسة التاريخ العربي والإسلامي؛ طلب منه أحد أصدقائه أن يتناول مواضيع يهودية، فرد جولدزيهر متفكهاً (إني وُلدت تحت نجم هاجر!)157، وأشار رودنسون حول إشكالية ازدواج النسبة إلى هاجر وسارة حيث يقول (كان الباحثون وحدهم هم الذين يتجادلون حول اسمهم المشتق من سارة، زوجة إبراهيم، برغم أنهم من سلالة هاجر، كما يدل على ذلك اسمهم الثاني «Agareni»)158، وذات هذا التساؤل نقله المؤرخ البريطاني ريتشارد ساوذرن (1912-2001م) حيث يقول (إذا كان المسلمون أعقاباً لهاجر، وليس لسارة، فلماذا يُسمّون سرازانيين، وليس هاجرين؟)159.
وقد رأيت بعض الباحثين يحاولون استخلاص مؤثرات فكرية وفلسفية دفعت مدرسة المراجعين للظهور، فبعضهم يتحدث عن تأثير المنهج التفكيكي، أو الشكية الديكارتية، وآخرون يردون الأمر للتجريبية الانجليزية باعتبار النشأة الأنجلوساكسونية لهم، ومنهم من يربط منهج المراجعين ببروز تأثير الأركيولوجيا (علم الآثار والأحافير)، والواقع أن كل هذه الربطيات مهلهلة.
فالتفكيك آلية نقدية فلسفية تعوّم المعنى وتفتح القراءات إلى نهاية الطريق، بينما المراجعون يزيفون ويدحضون القراءات الأصيلة ويجزمون بطلانها، وليست هذه طريقة التفكيك، وهكذا الشك الديكارتي هو آلية منظمة وليست شكاً انتقائياً كما يفعل المراجعون، حيث أغلقوا باب المكتبة الإسلامية كلها بأقفال الشكوك، ودخلوا باب المكتبة اليهودية والنصرانية بعدسات الوثوقية الدوغمائية، وهذا سلوك لا صلة له بالشك الديكارتي، وأما التجريبية الإنجليزية فهي أشد ما تكون تناقضاً مع خيالات المراجعين، وقصصهم التاريخية التي ينسجونها.
وأما الأركيولوجيا فهي شعار يكرره المراجعون، كما ردوه في الهاجرة مثلاً، والواقع أنه محاولة لإرهاب القارئ بأن ثمة أدلة مادية محسوسة على صحة الدعوى، والحقيقة أنها مجرد استراتيجيات تهويلية، فلا يوجد عينات تثبت قصصهم الهوليودية، والعينات الموجودة إما تدحض القصة، أو قابلة لقراءات وتأويلات، والقضية أيسر من ذلك كله، فمنهج المراجعين مزايدات شكية انتقائية مرتبطة بخلفيات دينية حاقدة ومضمرة لا يشك في ذلك من قرأ أبحاثهم ورأى الخلفيات اليهودية لبعضهم وحضور الأكاديميا الإسرائيلية والصلات بالخط الأمريكي-البريطاني، فما سر هذا المكون الأنجلوسكسوني لدى المراجعين؟ وأكثر ملمح غريب في هذه الظاهرة هي انقلابهم على أنفسهم، فبعد عقود من التشهير بزملائهم المستشرقين الفيلولوجيين بأنهم وثقوا بالمصادر الإسلامية، وإضرام الشك في المكتبة الإسلامية كلها، وأنها مصادر مزيفة لا يمكن الاعتماد عليها، عادوا ليشاركوا في موضوعات تراثية معتمدين فيها على المصادر التي كانوا يقذفونها بالفقرة والانتحال! فكتبت باتريشيا كرون كتابها «الفكر السياسي الإسلامي الوسيط» (٢٠٠٤م)، وكتب زميلها في الهاجرة مايكل كوك كتابه «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الفكر الإسلامي» (٢٠٠١م)، واعتمدا في كتابيهما على عشرات المصادر الإسلامية التي كانوا يتهمون بمن يعتمد عليها، وكأن صراخهم الشكي خلال السبعينات والثمانينات كان مجرد مزحة ثقيلة الظل!
Footnotes
-
الراجحي، فقه اللغة، دار النهضة، ١٩٧٢م، ص (٤). ↩
-
رودي بارت، الدراسات العربية والإسلامية في الجامعات الألمانية، ترجمة مصطفى ماهر، دار الكاتب العربي، ١٩٦٧م، ص (١١). ↩
-
جوزيف سوموجي، ترجمة حياة جولدزيهر، ترجمة الصديق بشير نصر، ملحق منشور ضمن كتاب دراسات محمدية، مركز العالم الإسلامي لدراسة الاستشراق، ص (٣٨٩). ↩
-
رودنسون، جاذبية الإسلام، ترجمة إلياس مرقص، دار التنوير، الطبعة الثانية، ٢٠٠٥م، ص (٧٦). ↩
-
إدوارد سعيد، الاستشراق، ترجمة عناني، دار رؤية، ٢٠٠٦م، ص (١٧٧). ↩
-
Ernest Renan, The Future of Science: Ideas of 1848, trans. Alfred Vandam & C.B. Pitman, Chapman and Hall, 1891, p. 128. ↩
-
أحمد أمين، فجر الإسلام، مكتبة النهضة، الطبعة الخامسة عشر، فصل بعنوان (طبيعة العقلية العربية)، ص (٣٠). وأظن أن أفكار رينان اتصلت لأحمد أمين بواسطة ديلاسي أوليري، حيث عدلها أوليري ونزع عنها الطابع اللاسامي عبر مقارنته بين عروبة الكندي وبقية الفلاسفة الإسلاميين (أوليري، الفكر العربي، ص ١٥٠)، ولا أعلم هل اطلع أحمد أمين على أطروحة رينان مباشرة أم لا. ↩
-
الجابري، تكوين العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة السابعة، ١٩٩٨م. ↩
-
أولندر، لغات الفردوس، ترجمة جورج سليمان، المنظمة العربية للترجمة، الطبعة الأولى، ٢٠٠٧م، ص (١٥٥). ↩
-
Renan, Lecture on the position of the Shemitic nations in the history of civilization, London, 1862, p142-143; Renan, Studies of Religious History and Criticism, Carleton, 1864, trans. Frothingham, p. 164. ↩
-
كراتشكوفسكي، زيدان، فقرة منشورة في: دائرة المعارف الإسلامية «الاستشراقية»، تحرير هوتسما وزملائه، ترجمة إبراهيم خورشيد وزملائه، مركز الشارقة، (ص ١٦/٤٩٠٨). ↩
-
رودنسون، جاذبية الإسلام، ترجمة إلياس مرقص، دار التنوير، الطبعة الثانية، 2005م، (ص73). ↩
-
برنارد لويس، حالة الدراسات المتعلقة بالشرق الأوسط، ترجمة هاشم صالح، فصل مستل من كتابه «عودة الإسلام» ومنشور ضمن كتاب: الاستشراق بين دعائه ومعارضيه، (ص139). ↩
-
لمطالعة نموذج لمآخذ الماركسيين على البنيويين، انظر: جارودي، البنيوية: فلسفة موت الإنسان، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة، الطبعة الثالثة، ١٩٨٥م. ↩
-
العروي، العرب والفكر التاريخي، المركز الثقافي العربي، الطبعة الخامسة، ٢٠٠٦م، (ص١١٨). ↩
-
Sherman B., ‘Heremenutics in Law’, Modern Law Review, 51 (1988), p. 386. ↩
-
Reynolds W., Practical Guide to Statutory Interpretation Today, West Virginia Law Review, 927 (1991-1992), P, 932. ↩
-
Palmer R., Hermeneutics: Interpretation Theory in Schleiermacher, Dilthey, Heidegger and Gadamer, Northwestern University Press, 1969, p. 46. ↩
-
Thiselton A., The Hermeneutics of Doctrine, Wm. B. Eerdmans Publishing, 2007, p. 87. ↩
-
انظر مثلاً البحث الذكي لشيخنا: د. عياض السلمي، استدلال الأصوليين بالكتاب والسنة على القواعد الأصولية، الطبعة الأولى، ١٤١٨هـ؛ وأيضاً: د. فخر الدين المحسي، أدلة القواعد الأصولية من السنة النبوية، الدار الأثرية، الطبعة الأولى، ١٤٣١هـ. ↩
-
Gombrich E., “In Search of Cultural History”, in Ideals and Idols: Essays on Values in History and in Art, Phaidon, 1979, p. 43. ↩
-
رودي بارت، الدراسات العربية والإسلامية في الجامعات الألمانية، ترجمة مصطفى ماهر، دار الكتاب العربي، ١٩٦٧م، (ص ٢٤). ↩
-
Waardenburg J., “Mustashrikun”, art in EI2, Brill, 1993 p. 7: 731. ↩
-
van Ess J., “From Wellhausen to Becker The Emergence of Kulturgeschichte in Islamic Studies”, in Kerr M. (ed.), Islamic Studies: A Tradition and its Problems, Undena Publications, 1980. ↩
-
جرجي زيدان، تاريخ التمدن الإسلامي، دار الهلال، (ص ١٧/٣). ↩
-
كراتشكوفسكي، مع المخطوطات العربية: صفحات من الذكريات عن الكتب والنشر، ↩
-
كراتشكوفسكي، زيدان، فقرة منشورة في: دائرة المعارف الإسلامية «الاستشراقية»، ↩
-
Walther W., Zaydan, Djurdji, art in EI$^{2}$, 2002, p. 11: 477. ↩
-
جرجي زيدان، تاريخ التمدن الإسلامي، دار الهلال، (ص ١٧/٣). ↩
-
السباعي، السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، المكتب الإسلامي، الطبعة الرابعة، ↩
-
أحمد أمين، حياتي، مكتبة النهضة، الطبعة السابعة، (ص107). ↩
-
انظر مثلاً: أحمد أمين، فجر الإسلام، (ص ١٣٩)، (٢٥١)، (٣٠٤). ↩
-
MacDonald D., Development of Muslim Theology, Jurisprudence and Constitutional Theory, Charles Scribner’s Sons, 1903. ↩
-
بدوي، موسوعة المستشرقين، دار العلم للملايين، الطبعة الثالثة، ١٩٩٣م، (ص ٥٣٨). ↩
-
أحمد أمين، حياتي، مكتبة النهضة، الطبعة السابعة، (ص ١٠٦). ↩
-
انظر مثلاً: أحمد أمين، ضحى الإسلام، دار الكتاب العربي، الطبعة العاشرة، (ص ٢٦٥/١). ↩
-
جلال أمين، ماذا علمتني الحياة: سيرة ذاتية، دار الشروق، الطبعة الثانية، ٢٠٠٧م، (ص٣٠٣). ↩
-
حسين مروة، النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية، دار الفارابي (ص ١/٨). ↩
-
المصدر السابق، (ص ١/١٧٤). ↩
-
حسن حنفي، التراث والتجديد، (ص ١٩). ↩
-
المصدر السابق، ذات الصفحة. ↩
-
المصدر السابق، (ص ١١٣). ↩
-
المصدر السابق، (ص ٦٣). ↩
-
جلال أمين، ماذا علمتني الحياة: سيرة ذاتية، دار الشروق، الطبعة الثانية، ٢٠٠٧م، (ص٣٠٣). ↩
-
طرابيشي، ازدواجية العقل: دراسة تحليلية نفسية لكتابات حسن حنفي، رابطة العقلانيين العرب، الطبعة الأولى، ٢٠٠٥م، (ص ١٠). ↩
-
طرابيشي، المصدر السابق، (ص ٧). ↩
-
صحيفة أخبار الأدب، ٢٨/١٢/٢٠٠٣م، نقلاً عن: صحيفة الشعب، ممدوح الشيخ، ٢١/١/٢٠٠٤م. ↩
-
نصر أبو زيد، نقد الخطاب الديني، مكتبة مدبولي، الطبعة الثالثة، ١٩٩٥م، (ص ١٣٧). ↩
-
المصدر السابق، (ص ١٥٤). ↩
-
المصدر السابق، (ص ٢٠٢). ↩
-
Ali M., Islamic Liberalism in Southeast Asia, Oxford Islamic Studies Online, ↩
-
أشار لتاريخ بدء تجربته السياسية في: الجابري، حفريات في الذاكرة، مركز دراسات الوحدة، الطبعة الأولى، ١٩٩٧م، (ص ١٧٦). ↩
-
من أجل مناقشة إسلامية موسعة لمنهج التفسير المادي للتاريخ انظر: أحمد العوايشة، موقف الإسلام من نظرية ماركس للتفسير المادي للتاريخ، رسالة ماجستير، جامعة الملك عبد العزيز، ١٤٠٠هـ، الباب الثاني، (ص ٢١١). ↩
-
الجابري، التراث والحداثة، مركز دراسات الوحدة، الطبعة الثانية، ١٩٩٩م، (ص ١١٣). ↩
-
الجابري، العقل السياسي العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الخامسة، ٢٠٠٤م، (ص ٢٣٤). ↩
-
المصدر السابق، (ص ٥٨). ↩
-
المصدر السابق، (ص ٩٨) وانظر أيضاً: (٩٥)، (٩٦)، (١٦٤). ↩
-
رودنسون، الإسلام والرأسمالية، ترجمة نزيه الحكيم، دار الطليعة، (ص 24). ↩
-
Eric Wolf, Europe and the People Without History, University of California Press, 1982, p. 400. ↩
-
الجابري، العقل السياسي العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الخامسة، ٢٠٠٤م، (ص ٣٠). ↩
-
عقد جارودي فصلين طريفين ناقش فيهما محاولتي ألتوسير وغودليه في بنية الماركسية. انظر: جارودي، البنيوية: فلسفة موت الإنسان، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة، الطبعة الثالثة، ١٩٨٥م، (ص ٤٩)، (١٠٨). ↩
-
الجابري، التراث والحداثة: دراسات ومناقشات، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الثانية، 1999م، (ص 308). ↩
-
الجابري، حفريات في الذاكرة، مركز دراسات الوحدة، الطبعة الأولى، 1997م، (ص226). ↩
-
الجابري، نحن والتراث، المركز الثقافي العربي، الطبعة السادسة، ١٩٩٣م، (ص٣٢). ↩
-
المصدر السابق، ذات الصفحة. ↩
-
مقدمة أحمد أمين لترجمة كتاب: آدم متز، الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري، ترجمة محمد عبد الهادي أبو ريدة، مطبعة لجنة التأليف والترجمة، الطبعة الثالثة، ١٩٥٧م، (صر). ↩
-
Henry Corbin, ‘PostScriptum biographique à un entretien philosophique’, in Henry Corbin, éditeur Christian Jambet, Paris, 1981. ↩
-
الجابري، تكوين العقل العربي، مركز دراسات الوحدة، الطبعة السابعة، ١٩٩٨م، (ص ٩٤). ↩
-
المصدر السابق، (ص ٩٣). ↩
-
هنري كوربان، تاريخ الفلسفة الإسلامية، ترجمة نصير مروة وحسن قيسي، دار عويدات، ٢٠٠٤م، (ص ٣٧٩). ↩
-
المصدر السابق، (ص ٢٧٦). ↩
-
المصدر السابق، انظر مثلاً المواضع التالية: (ص ٤٣)، (٢٤٧)، (٣٥٦). ↩
-
الجابري، نحن والتراث، المركز الثقافي العربي الطبعة السادسة، 1993م، ↩
-
كوربان، تاريخ الفلسفة، مصدر سابق، (ص65). ↩
-
المصدر السابق، (ص300). ↩
-
الجابري، بنية العقل العربي، مركز دراسات الوحدة، الطبعة الخامسة، ١٩٦٥م، (ص ٣١٧). ↩
-
المصدر السابق، (ص ٢٧٠). ↩
-
كوربان، تاريخ الفلسفة الإسلامية، مصدر سابق، (ص ١٦٠). ↩
-
Corbin H., Cyclical Time and Ismaili Gnosis, Kegan Paul International, 1983. ↩
-
الجابري، بنية العقل العربي، (ص317). ↩
-
كوربان، تاريخ الفلسفة الإسلامية، (ص210-211). ↩
-
الجابري، بنية العقل العربي، (ص274) مصرحًا بمصدره. ↩
-
الجابري، تكوين العقل العربي، (ص267) مختصرًا. ↩
-
Goldziher I., Muslim Studies, trans. Stern S. & Barber C., Aldine Publishing Company, 1966, p. 1:11. ↩
-
الجابري، العقل الأخلاقي العربي، مركز دراسات الوحدة، الطبعة الأولى، ٢٠٠١م، (ص ٤٨٩). ↩
-
جولدزيهر، دراسات محمدية، ترجمة الصديق نصر، (ص ٣٥٣). ↩
-
الجابري، بنية العقل العربي، (ص ١٢٥). ↩
-
العروي، العرب والفكر التاريخي، المركز الثقافي العربي، الطبعة الخامسة، ٢٠٠٦م، (ص ١٤٤)، (٢٢٩). ↩
-
الجابري، بنية العقل العربي، الطبعة الخامسة، 1996م، (ص568). ↩
-
المصدر السابق، (ص552). ↩
-
الجابري، نحن والتراث، المركز الثقافي، الطبعة السادسة، 1993م، (ص7). ↩
-
الجابري، الخطاب العربي المعاصر، الطبعة السادسة، 1999م، (ص12). ↩
-
جابر عصفور، قراءة التراث النقدي، مؤسسة عيال للدراسات والنشر، الطبعة الأولى، 1991م، (ص 67). ↩
-
هشام جعيط، الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي، دار الطليعة، الطبعة الثانية، ١٩٩٠م، (ص ١١٤). ↩
-
صلاح الدين الجورشي، مقاصد الشريعة بين ابن عاشور والفاسي، مجلة الاجتهاد، العدد التاسع، السنة الثالثة، خريف ١٩٩٠م، (ص ١٩٥). ↩
-
أركون، الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، ترجمة هاشم صالح، دار الساقي، الطبعة الأولى، 1999م، (ص 70). ↩
-
المصدر السابق، (ص 39). ↩
-
أركون، قضايا في نقد العقل الديني، ترجمة هاشم صالح، دار الطليعة، (ص 54). ↩
-
عبد المجيد الشرفي، الإسلام والحداثة، دار الجنوب للنشر، الطبعة الثالثة، ١٩٩٨م، ص (١٠١). ↩
-
عبد المجيد الشرفي، لبنات: في الثقافة والمجتمع، دار المدار الإسلامي، (ص ٢٣٨). ↩
-
عبد المجيد الشرفي، الإسلام بين الرسالة والتاريخ، مصدر سابق، (ص ٣٤). ↩
-
الريسوني، الحداثيون ومقاصد الشريعة، الجزء الأول، الموقع الرسمي للدكتور الريسوني. ↩
-
عبد المجيد الصغير، الفكر الأصولي وإشكالية السلطة العلمية في الإسلام، دار المنتخب العربي، الطبعة الأولى، ١٤١٥هـ، (ص ٨٠). ↩
-
طه حسين، في الأدب الجاهلي، الأعمال الكاملة، دار الكتاب اللبناني، الطبعة الأولى، (ص ١٨/٥). ↩
-
وائل حلاق، نشأة الفقه الإسلامي وتطوره، ترجمة رياض الميلادي، دار المدار، الطبعة الأولى، ٢٠٠٧م، (ص ٢٧٨). ↩
-
المصدر السابق، (ص ٢٦٧). ↩
-
المصدر السابق، (ص ٧٣). ↩
-
المصدر السابق، (ص ٧٣). ↩
-
المصدر السابق، (ص ٢٦٩). ↩
-
Burke E., France and the Classical Sociology of Islam, 1798-1962, The Journal of North African Studies, Vol. 12, No. 4, (2007), p. 560. ↩
-
John Davis, “An interview with Ernest Gellner”, Current Anthropology, 1991: 31 1, p. 68. ↩
-
Ibid., p. 69. ↩
-
فلهاوزن، تاريخ الدولة العربية، ترجمة أبو ريدة، (ص 60). ↩
-
جولدزيهر، دراسات محمدية، ترجمة الصديق نصر، (ص 58). ↩
-
هاملتون جب، المجتمع الإسلامي والغرب، (ص 235). ↩
-
منشور في: الاستشراق بين دعائه معارضيه، ترجمة هاشم صالح، (ص 26). ↩
-
هذه العبارة متناثرة في كتب ومحاضرات طرابيشي ينوع عليها بصيغ مختلفة انظر مثلاً: طرابيشي، إشكاليات العقل العربي، دار الساقي، الطبعة الأولى، 1998م، (ص 60). ↩
-
الجابري، نحن والتراث، المركز الثقافي العربي، الطبعة السادسة، ١٩٩٣م، (ص ٨٦). ↩
-
أركون، الفكر الإسلامي: قراءة علمية، مركز الإنماء القومي، الطبعة الثانية، ١٩٩٦م، (ص ٩٦). ↩
-
Keskin T. (ed), The Sociology of Islam: Secularism, Economy and Politics, Ithaca Press, 2012, p. 1 ff. ↩
-
Geertz C., Islam Observed: Religious Development in Morocco and Indonesia, University of Chicago Press, 1971, P. vi. ↩
-
Geertz C., The Interpretation of Cultures: Selected Essays, Basic Books, 1973, p. 89. ↩
-
Austin D., Symbols and Culture: Some Philosophical Assumptions in the Work of Clifford Geertz, Social Analysis, No. 3, 1979, p. 45. ↩
-
Geertz C., The Interpretation of Cultures: Selected Essays, Basic Books, 1973, p. 90. ↩
-
Ibid, p. 3 ff. ↩
-
Gellner E., Muslim Society, Cambridge University Press, 1983, P. 51 f. ↩
-
Asad T., The Idea of an Anthropology of Islam, Center for Contemporary Arab Studies, Georgetown University Press, 1986, P. 2. ↩
-
Gellner E., Muslim Society, Cambridge University Press, 1983, P. 7. ↩
-
Ibid. ↩
-
رايموند وليامز، الكلمات المفاتيح: معجم ثقافي ومجتمعي، ترجمة نعمان عثمان، تقديم طلال أسد، المركز الثقافي العربي، ٢٠٠٧م. ↩
-
Talal Asad, On Suicide Bombing, CUP, 2007, p. 10. ↩
-
Halliday F., Arabia Without Sultans, Penguin, 1974, p. 21.. ↩
-
Halliday F., ‘Orientalism’ and Its Critics, British Journal of Middle Eastern Studies, Vol. 20, No. 2 (1993), p, 148.. ↩
-
Ibid., p, 149. ↩
-
Zubaida S., Islam: the People and the State, I.B. Tauris, 1993, p.xiii. ↩
-
Ibid. ↩
-
Zubaida S., Is there a Muslim Society? Ernest Gellner’s sociology of Islam, Economy and Society, 2:24 (1995), P. 169, ff. ↩
-
Zubaida S., Law and Power in the Islamic World, I.B.Tauris, 2005, p. 5. ↩
-
نولدكة، تاريخ القرآن، ترجمة جورج تامر وزملائه، مؤسسة كونراد-أدنأور، الطبعة الأولى، ٢٠٠٤م، (ص ٢٧٤)، (٢٧٦). ↩
-
جولدزيهر، دراسات محمدية، ترجمة الصديق بشير نصر، مركز العالم الإسلامي لدراسة الاستشراق، الطبعة الثانية، ٢٠٠٩م. ↩
-
انظر: دراسات المستشرقين حول صحة الشعر الجاهلي، ترجمها عن الألمانية والإنكليزية والفرنسية: عبد الرحمن بدوي، دار العلم للملايين، الطبعة الأولى، ١٩٧٩م، (ص ٨٧). ↩
-
Cf. Johns J., ‘Archaeology and the Early History of Islam’, in Yoffee N. & Crowell B. (eds.), Excavating Asian History: Interdisciplinary Studies in Archaeology and History, University of Arizona Press, 2006, p. 160; Berg H., The Development of Exegesis in Early Islam: The Authenticity of Muslim Literature from the Formative Period, Psychology Press, 2000, p. 78 ff.; Sivers P., The Islamic Origins Debate Goes Public, History Compass, No. 1 (2003), p. 9. ↩
-
Crone P., What do We Actually Know About Mohammed?, In OpenDemocracy.net, 2006. ↩
-
Crone P., Meccan Trade and the Rise of Islam, Gorgias Press LLC, 2004, P. 136. ↩
-
Gibson D., Quranic Geography, Independent Scholars Press, 2011. ↩
-
Crone P. & Cook M., Hagarism: The Making of the Islamic World, CUP Archive, 1977, p. 17-18, 168. ↩
-
Ibid., p. 29. ↩
-
Ibid., 21. ↩
-
Ibid., p2 22. ↩
-
Cf. Orcel M., L’invention de l’islam: Enquête historique sur les origines, Perrin, Paris, 2012. ↩
-
الطبري، تاريخ الأمم والملوك، دار الكتب العلمية، (ص ٦٢٤). ↩
-
ياقوت الحموي، معجم البلدان، دار صادر، (ص ٤/٢٧٧). ↩
-
Van Ess J., The Making Of Islam, Times Literary Supplement, (Sep. 8, 1978), col. 988. ↩
-
أركون، تاريخية الفكر العربي الإسلامي، ترجمة هاشم صالح، مركز الإنماء القومي، الطبعة الثالثة، ١٩٩٨م، (ص ٢٢٤). ↩
-
فكتور سحاب، إيلاف قريش، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، ١٩٩٢م، (ص ٤٢١). ↩
-
Saint John Of Damascus, The fount of Knowledge, Fathers of the Church, 1958, p. 153. ↩
-
شلومو جويتاين، جولدنتسهر: أبو الدراسات الإسلامية، مجلة الكاتب المصري، 1946م. معاد نشره كملحق للترجمة العربية لكتاب جولدزيهر «دراسات محمدية» ترجمة الصديق نصر، مركز العالم الإسلامي لدراسة الاستشراق، (ص400). ↩
-
رودنسون، الصورة الغربية والدراسات الغربية الإسلامية، منشور في: شاخت وبوزورث (محرران)، تراث الإسلام، ترجمة محمد السمهوري وزملائه، دار عالم المعرفة، (ص1/30). ↩
-
ساوذرن، صورة الإسلام في أوروبا في العصور الوسطى، ترجمة رضوان السيد، دار المدار الإسلامي، الطبعة الثانية، 2006م، (ص54). ↩