تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة أبو عمر

احتجاجات المناوئين للخطاب الشرعي — مناقشة علمية

رابعاً: الخطاب الشرعي والعلوم غير الشرعية

نُسخت من مصدر نصيالصفحات 35-37 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 4 دقائق

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتاباحتجاجات المناوئين للخطاب الشرعي — مناقشة علمية

يرى مناوئوا الخطاب الشرعي بأننا (اليوم في تخلف مدني شديد وبحاجة ماسة إلى العلوم المدنية المعاصرة، ولكن أزمة الخطاب الشرعي أنه يزهد الشباب المسلم في تعلم العلوم المدنية، وأنها ضياع وقت، وأنه لا ثواب فيها)، ولذلك يعتقد هؤلاء النقاد أن ضعف الجوانب المدنية في المجتمع المسلم المعاصر ليست أولاً بسبب ضعف كفاءة المسؤولين عن التعليم، وإنما بسبب الخطاب الشرعي الذي يضخ -ولا يزال- صورة منحطة عن العلوم المدنية.

هل يا ترى كان الخطاب الشرعي فعلاً يشيع التزهيد في العلوم المدنية وأنه لا ثواب فيها؟ هذا تصوير غير دقيق للواقع، فرموز الخطاب الشرعي لديهم تكييف فقهي شائع جداً لا يوجد أحد منهم يخالف فيه البتة، وهي أنهم يلخصون رؤيتهم بقولهم (العلوم المدنية التي يحتاجها المسلمون في حياتهم “فرض كفاية” يجب شرعاً أن يوجد في المسلمين من يقوم بها) هذا التكييف الفقهي لمنزلة العلوم المدنية محل الاحتياج -أعني اعتبارها “فرض كفاية”- هو كالمسَلَّمة العريقة داخل الخطاب الشرعي، وسنستعرض هاهنا شواهد مختارة على ذلك:

يقول الأب العلمي للخطاب الشرعي المعاصر الإمام ابن باز عليه رحمات الله في محاضرة بعنوان (العلم وأخلاق أهله)، وهي موجودة كمادة صوتية وكنص مكتوب:

(أنواع الصناعات المباحة، واستخراج المعادن، والزراعة، وغير ذلك، كلها أمور مطلوبة ومع صلاح النية تكون عبادة، ومع خلوها من ذلك تكون أموراً مباحة، وقد تكون “فرض كفاية” في بعض الأحيان إذا دعت الحاجة إليها)

ولننتقل إلى رمز آخر من رموز الخطاب الشرعي وهو الإمام ابن عثيمين الذي يمثل مرتبة الفقيه رقم واحد في الخطاب الشرعي المعاصر، حيث يقول مؤكداً مفهوم “الفرض الكفائي” للعلوم المدنية التي يحتاجها المسلمون:

(قال بعض أهل العلم: “إن تعلم الصناعات والطب والهندسة والجيولوجيا وما أشبه ذلك من فروض الكفايات” لا لأنها من العلوم الشرعية، ولكن لأنها لا تتم مصالح الأمة إلا بها، ولهذا أنبه الإخوان الذين يدرسون مثل هذه العلوم أن يكون قصدهم بتعلم هذه العلوم نفع إخوانهم المسلمين ورفع أمتهم الإسلامية، فالأمة الإسلامية الآن ملايين، لو أنها استغلت مثل هذه العلوم فيما ينفع المسلمين لكان في ذلك خير كثير، ولا ما احتجنا إلى الكفار في تحصيل كمالياتنا، بل وفي تحصيل ضرورياتنا أحيانًا، فهذه العلوم إذا قصد بها الإنسان القيام بمصالح العباد صارت مما يقرب إلى الله، لا لذاتها ولكن لما قصد بها) [مجموع فتاوى ابن عثيمين، 26/50]

ونهى الشيخ عما يقع من البعض من ازدراء العلوم الدنيوية:

(وإذا كانت العلوم التي تتعلق بالدنيا نافعة للخلق ولا تشغل عما هو أهم منها كان طلبها محموداً لما توصل إليه من النفع العام أو الخاص، ولا ينبغي لنا أن نحتقرها حتى لا نجعل لها قيمة في حال تكون مفيدة للخلق) [فتاوى ابن عثيمين، 26/31]

ويقول ابن عثيمين أيضاً في حكم تعلم الطب:

(لا شك أن لهم –أي الأطباء- أجراً بحسب نيتهم وعملهم لأن الطب نفسه ليس مقصوداً لذاته ولكنه مقصود لغيره، لهذا ذهب بعض أهل العلم إلى أن تعلم الطب “فرض كفاية”، لا بد للمسلمين أن يكون فيهم أطباء، فألحقوه بفرض الكفاية، لأن هذا مما تحتاجه الأمة، فإذا قصد الإنسان بعمله هذا القيام بهذا الفرض والإحسان إلى الخلق فسينال أجراً كثيراً) [ارشادات للطبيب المسلم]

ولا أعتقد أنه من المنطقي التوسع في نقل اقتباسات أخرى، لأن هذه القضية -أعني اعتبار العلوم المدنية التي يحتاجها المسلمون فرض كفاية- أشبه بالثابت الفقهي الراسخ.

ولكن من الطريف أن نحاول التقاط الصورة من زاوية أخرى، ذلك أننا حين نتأمل كتابات المفكرين العلمانيين العرب المعاصرين نجد أنهم كثيراً ما يطرحون إشكالية للتساؤل مؤداها (أن الإسلاميين يتواجدون بكثافة في ميدان العلوم الطبيعية/التجريبية/التطبيقية كالطب والحاسب والهندسة ونحوها، ويسيطرون على أنشطتها الطلابية، بينما نجد غيابهم الفادح في حقول الإنسانيات كالفلسفة والأنثروبولوجيا والقانون ونحوها؟ فهل هذا هو السبب في دوغمائيتهم؟) هذا السؤال الذي يطرحه الفكر العربي المعاصر بإلحاح يحمل داخله شهادة ضمنية بأن الخطاب الشرعي لم يكن منفّراً عن العلوم غير الشرعية كما يزعم أحياناً، ونحن هاهنا لن نناقش هذا السؤال لكن سنكتفي فقط بالتقاط ما يعنينا منه وهو هذا الاعتراف الضمني الذي سبقت الإشارة إليه، وتأتي أهمية شهادة مثل هؤلاء المفكرين العلمانيين في كونهم ألد خصوم الاتجاه الإسلامي عقائدياً، وبالتالي فليسوا محل تهمة في هذه الشهادة.

بطاقة الاقتباس

حد البطاقة 340 حرفًا، بما فيها المسافات. يُختصر التحديد تلقائيًا عند فتح المعاينة.

حرفًا

المعاينة ستظهر هنا

أبلغ عن خطأ