تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة أبو عمر

احتجاجات المناوئين للخطاب الشرعي — مناقشة علمية

ثامناً: الخطاب الشرعي ومعارك الصفات

نُسخت من مصدر نصيالصفحات 78-100 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 35 دقيقة

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتاباحتجاجات المناوئين للخطاب الشرعي — مناقشة علمية

تتفق جمهور الطوائف الفكرية المعاصرة على نقد علاقة الخطاب الشرعي بمباحث “الأسماء والصفات الإلهية”، ويرون أن الخطاب الشرعي يقيم معارك لا داعي لها حول قضايا المعطلة والممثلة ونحوهم، في زمن نحن بأمس الحاجة فيه إلى تكثيف الجهود في قضايا المدنية والحقوق والأخلاق.

ولكن هذا الاتفاق العام بين هذه الطوائف الفكرية على إدانة الخطاب الشرعي في علاقته بمباحث الصفات يخفي خلفه تفاوتاً جوهرياً في طرح رؤيتهم حول قضية “الأسماء والصفات الإلهية”، وعبر حوارات متعددة مع هذه الأطياف الفكرية اتضح لي أنهم ليسوا على مرتبة واحدة في النظر لهذه القضية، بل هم –حتى نكون موضوعيين أكثر- يتفاوتون إلى ثلاث مراتب، كل مستوى منها يطرح الإشكالية بمنظور مختلف، وهذه الإشكاليات الثلاث هي: عدم شرعية المبحث، وغياب المخالف، ومغالاة الجهد المبذول.

وللتوضيح أكثر، فالمرتبة الأولى منهم يرون أن مبحث الصفات الإلهية من الأساس هو مبحث ترفي لا قيمة له، وأن اشتغال أئمة السلف به كان من الأصل خطأً تاريخياً يجب ألاّ نكرره.

وأما المرتبة الثانية: فيرون أن هذا المبحث مشروع ومحترم، وأن اشتغال أئمة السلف به كان اشتغالاً مبرراً ويعكس عمق فقههم في دين الله، ولكننا في عصرنا اليوم لا نحتاجه لغياب المخالف فيه، فلم يعد لدينا اليوم “جهم بن صفوان” ولا “المريسي”، ولا يوجد أحد في عالم اليوم كله يتبنى “خلق القرآن”.

وأما المرتبة الثالثة: فيرون أن هذا المبحث مشروع ومبرر، وأن المخالف فيه موجود وحاضر في عالم اليوم، لكنهم ينتقدون الخطاب الشرعي باعتبار أنه أولى هذا الموضوع أكبر من حجمه، فحجْم التعبئة الصفاتية يفوق حجم المخالف في الصفات في عالم اليوم، فهم لا يدْعون إلى إلغائه، وإنما إلى تقليص الجهود العقدية فيه لتتناسب مع حجم المخالف.

هذه ثلاثة مراتب من النقاد يتفاوتون هرمياً في نمط النظرة إلى قضية الصفات، فبعضهم ينكر شرعية المبحث من الأساس، وبعضهم يثبت شرعية المبحث وينكر وجود المخالف، وبعضهم يثبت شرعية المبحث ووجود المخالف لكن ينكر تضخيم الجهود بما يفوق الاحتياج الفعلي.

يبدو لي أنه لا يمكن أن نناقش هذه القضية إلا بفرز المناقشة حسب هذه المراتب الهرمية الثلاث، وهذا ما سنحاوله في الفقرات التالية.

-شرعية مبحث الصفات:

فأما الإشكالية الأولى المتعلقة بجدوى هذا المبحث العلمي من الأساس فهي تقودنا إلى التساؤل حول قيمة الصفات الإلهية ذاتها، أين تقع “الصفات الإلهية” في جدول أولويات الوحي؟ أو ما الموقع الذي تحتله “الصفات الإلهية” من الإسلام؟

حسناً، حين نتأمل (أركان الإيمان الستة) التي يقوم عليها الدين كله نجد أن أعظم ركن من أركان الإيمان هو (الإيمان بالله) والإيمان بالله ليس إيماناً مجرداً، أي ليس إيماناً بجهل أو تحريف، بل هو إيمان مبني على العلم بالله، وبأسماء الله، وصفات الله التي تليق به والصفات التي لا تليق به، فلو أن إنساناً يؤمن بالنبي محمد ﷺ لكنه يحرف أوصافه فيصفه بصفات لا تليق به، أو يجحد صفات الكمال التي اختص بها نبينا محمد ﷺ ؛ فإن إيمانه بالنبي ﷺ يكون إيماناً مقدوحاً فيه بقدر ما جحد من أوصافه صلى الله عليه وسلم، وكل من كان بأوصاف النبي ﷺ أعلم فإنه في الإيمان به أكمل.

وكذلك (ركن الإيمان بالملائكة)، فلو أن إنساناً يؤمن بالملائكة لكن ينسب إليهم أعمالاً وأوصافاً لا تليق بهم، أو يجحد أوصافهم اللائقة بهم والتي أتت في النصوص؛ فإن إيمانه بالملائكة يكون مقدوحاً فيه بقدر ما جحد، وكل من كان بأوصاف الملائكة اللائقة أعلم كان إيمانه بهم أكمل.

وهكذا (ركن الإيمان بالله) ولله سبحانه المثل الأعلى، فكل من كان بأوصاف الله اللائقة به أعلم كان إيمانه أكمل، وكل من جحد شيئاً من صفات الله اللائقة به نقص إيمانه بقدر ما جحد.

وحين نحاول تحليل مبحث “الصفات الإلهية” نجد أنه ببساطة يدور كله حول ركن الإيمان بالله، أي حول تحقيق الصفات الإلهية اللائقة بالله، والرد على التحريفات والشبه التي تريد جحد شيء من هذه الصفات العظيمة، ولم يأخذ هذا المبحث وزنه عند السلف إلا لتعلقه بأعظم أركان الإيمان وهو الإيمان بالله، وكل مساس بالصفات فهو مساس بالموصوف جل وعلا.

فهل يمكن أن يكون العلم المسؤول عن أعظم أركان الإيمان “الإيمان بالله” مبحثاً ترفياً لا قيمة له؟

ثم إذا تدبر المرء كتاب الله فلا بد أن يلفت انتباهه عناية القرآن الشديدة بتضمين أغلب الآيات شيئاً من أسماء الله وصفاته، فكثير من الآيات تختم بمثل قوله تعالى (السميع البصير)، (عليم خبير)، (غفور شكور)، إلخ. فهل يمكن أن يكون حضور الأسماء والصفات الإلهية بمثل هذه الكثافة في القرآن وتكون شيئاً ثانوياً لا قيمة له؟

ثم إذا تدبر المرء الآيات والسور التي عظمها رسول الله، والتي بين أنها أعظم القرآن، رأى ذلك راجعاً لما تضمنته من الصفات الإلهية، وسنشير لبعض الأمثلة:

فأعظم آية في كتاب الله هي آية الكرسي، وإذا حاول القارئ تحليل مضامين آية الكرسي وجدها من أولها إلى آخرها في توصيف الله سبحانه وتعالى، بل الآية أصلاً مخصصة لسرد أوصاف الله جل وعلا، فذكرت من أوصافه جل وعلا إثباتاً أو سلباً: الألوهية، الحياة، القيومية، نفي السنة والنوم، ملك السماوات والأرض، العلم، نفي الأود، العلو، العظمة.

والحديث الذي بين فيه النبي ﷺ أن هذه الآية أعظم آية؛ كان لي معه قصة طريفة، لنقرأ الحديث سوياً، حيث جاء في صحيح مسلم:

(عن أبى بن كعب قال قال رسول الله: “يا أبا المنذر أتدرى أي آية من كتاب الله معك أعظم؟” قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال “يا أبا المنذر أتدرى أي آية من كتاب الله معك أعظم؟” قال: قلت: الله لا إله إلا هو الحى القيوم. قال” فضرب في صدرى وقال: “والله ليهنك العلم أبا المنذر” ) [صحيح مسلم، 1921]

وأما قصتي مع هذا الحديث فهو أنني حين قرأته لأول مرة، كنت مشدوداً لجواب أبي بن كعب، كيف عرف أبيّ بمحض تأمله الشخصي أن آية الكرسي هي أعظم آية؟ كنت أقول لاحقاً ربما لو سئلت أنا مثل هذا السؤال لدار في خلدي أنها “آية الدين” لما فيها من تنظيم الحياة العامة، أو آية “يا أرض ابلعي ماء ويا سماء اقلعي” لما فيها من روعة البيان التصويري الأدبي، أو نحوها من الآيات، لكن أن تكون آية الكرسي فليس لدي أي خلفية توحي لي بأنها أعظم آية، لكن أصحاب النبي ﷺ لما كانت تربيتهم على يدي رسول الله علموا أن “الأسماء والصفات الإلهية” هي أعظم موضوع من موضوعات القرآن، وبالتالي فالآية التي تتضمن ذلك ستكون حتماً هي أعظم آية، وهذا الحديث لا أعرف حديثاً في التدليل على عبقرية فقه أصحاب النبي ﷺ وعمق فقههم في دين الله وتبحرهم في حقائق الوحي أكثر منه، ولذلك ظهر في هذه القصة التي رواها أبيّ شدة عجب النبي ﷺ وفرحه بجواب أبيّ حتى أنه ضرب في صدره وقال “ليهنك العلم”، ولاحظ أنه خص “العلم” أي أن معرفة أن الأسماء والصفات الإلهية هي أعظم موضوع من موضوعات القرآن يدل على علم صاحبه.

لننتقل لقصة أخرى تتحدث عن أعظم آيات القرآن وسوره وسنرى فيها –أيضاً- حضور موضوع الصفات الإلهية وعمق فقه الصحابة في دين الله، هذه القصة هي القصة التي تضمنت منزلة سورة الإخلاص، دعونا نطالع القصة، حيث جاء في صحيح البخاري في مطلع كتاب التوحيد:

(عن عائشة أن النبي ﷺ بعث رجلا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاته فيختم بـ“قل هو الله أحد” فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي فقال: “سلوه لأى شيء يصنع ذلك؟” فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأ بها. فقال النبي ﷺ : “أخبروه أن الله يحبه”) [صحيح البخاري، 7375]

هذه القصة يقشعر لها جسد المؤمن، فسورة الإخلاص بآياتها الثلاث كلها مكرسة لصفات الله، من مفتتحها إلى ختامها، فوصفت الله بأنه: أحد، صمد، نفي الوالدية والولدية، نفي المكافئ والمثيل.

فانظر بالله عليك كيف كان عمق فقه هذا الصحابي في تعظيم هذه السورة لما تضمنته من الصفات الإلهية.

فهذه النماذج في عناية الصحابة وتعظيمهم لسور وآيات معينة بسبب تضمنها للصفات الإلهية، ثم سرور النبي ﷺ لذلك ومدحهم بكمال العلم، وإخباره عن حب الله لصنيعهم، كل ذلك يؤكد أن أصحاب النبي ﷺ لا مقارنة بينهم وبين من بعدهم في الوقوف على أسرار معاني الإسلام والإيمان وأولويات الوحي، فإذا قارنت ذلك بكثرة من يتساءل اليوم متهكماً بجدوى العناية بالصفات الإلهية انكشف للباحث فعلاً حجم الفارق الفلكي بين الصحابة وبين الطوائف الفكرية في فهم الإسلام.

ثم إذا تدبر المرء –أيضاً- كيف نبه النبي ﷺ أصحابه على أن عامة المطالب الشرعية هي أصلاً من مقتضيات أسماء الله وصفاته، فالتشريعات هي آثار لصفات الله، ويربط النبي ﷺ كثيراً بين (الصفة الإلهية) وبين (التشريعات) ليبين هذه العلاقة، ومن ذلك مثلاً أنه قال كما في البخاري:

(إن الله وتر، يحب الوتر) [صحيح البخاري، 6410]

وقال أيضاً في ربط آخر كما في مسلم:

(إن الله جميل يحب الجمال) [صحيح مسلم، 275]

فانظر في هذه النماذج كيف أن تشريع فضيلة الوتر إنما هو فرع عن كون الله موصوف بكونه وتراً، وتشريع فضيلة الجمال فرع عن كون الله سبحانه من صفاته أنه جميل، وهكذا، بل حتى (الرحم) التي أمر الله بصلتها؛ إنما هي مشتقة من اسمه تعالى كما في البخاري:

(إن الرحم شجنة من الرحمن) [صحيح البخاري، 5988]

والمراد أن هذا الربط بين (الصفة الإلهية) و (التشريع) له نظائر كثيرة في النصوص، كما أن الله يحب المؤمن القوي لأنه سبحانه موصوف بأنه القوي، ويحب المحسن لأنه سبحانه موصوف بأنه المحسن.

وهكذا سائر المطالب الشرعية الأخرى تراها في حقيقتها “فرع عن صفات الله”، فتوحيد الألوهية هو موجب أسماء الله (الأحد، الإله) ونحوها.

وتوحيد التشريع، أعني إفراد الله بالحكم والتشريع؛ هو موجب ومقتضى أسماء الله (الحكم، السيد) ونحوها.

ورجاء الله هو مقتضى أسماء الله (الرحمن، الرحيم) ونحوها.

والخوف من الله هو مقتضى أسماء الله (الجبار، المنتقم) ونحوها.

وهذا المعنى في علاقة (الصفات الإلهية) بـ (التشريعات) وأن سائر أنواع العبودية هي من آثار صفات الله؛ أشار له أئمة السنة كثيرا، حتى قال ابن القيم في مدارج السالكين: (رجعت العبودية كلها إلى مقتضى الأسماء والصفات) ولذلك كله قال تعالى (وَلِلَّهِ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) [الأعراف:180] فأمرنا أن نتعبده بمقتضى أسمائه جل وعلا.

ومن أشد الأمور إثارة للانتباه في موضوع الصفات الإلهية مقارنة موقف السلف من (فاعل الكبيرة) و (فاعل التأويل)، فنحن نعرف أن السلف وقفوا مدافعين ضد تكفير أصحاب الكبائر كالزاني والمرابي وشارب الخمر، وحشدوا النصوص الكثيرة التي تدل على أن أصحاب الكبائر لا يجوز تكفيرهم.

ضع هذه الصورة السابقة في ذهنك، ثم قابلها بموقف السلف حين ظهرت أفكار (تأويل الصفات الإلهية) وكيف استفظعوا الأمر وحاربوه ووقفوا جميعاً بحزم صارم ضد المؤولين، وأطبق جماهير السلف على تكفير الجهمية، وكفّروا شخصيات أخرى اشتهرت بتعطيل الصفات.

يا ترى هل كان هذا التطابق في الموقف مجرد توافقٍ عرضي؟ هل يقف أئمة أتباع التابعين المنتشرون في أمصار الإسلام في الشام والحجاز ومصر وغيرها ذات الموقف الرهيب ويكون هذا شيئاً عرضياً وليس هناك مبررات موضوعية دفعته إلى الوجود؟

لماذا شنع أئمة الإسلام في توافق عجيب وأطلقوا عبارات غليظة في شأن من أنكر صفة الكلام أو الاستواء ونحوها، ولم يقولوا عشر معشار هذه العبارات في الزاني والمرابي وشارب الخمر؟

يستحيل بحسب العادة أن لا يكون هناك براهين ظاهرة جداً قادتهم إلى هذا التوافق، يستحيل أن لا تكون هناك أدلة قاطعة حملتهم على تعظيم باب العلم بالله وشناعة تأويل الصفات وأن الضلال فيه أشنع من الكبائر.

نحن بحاجة هاهنا إلى نماذج من مواقف السلف، ولكن نصوص السلف في هذه الإشكالية غزيرة جداً، لذلك سنكتفي بشواهد من مواقف (الأئمة الأربعة) الذين سارت الأمة على مذاهبهم، وسنرى كيف استفظعوا تأويل الصفات الإلهية.

فأما الإمام (ابوحنيفة) فقد جاء إليه جهم بن صفوان شخصياً وتناقش معه في وجوب تأويل الصفات الإلهية لتنزيه الله فلما سمع ابوحنيفة مقالته قال له (اخرج عني يا كافر) [المسايرة لابن الهمام، وأصول البزدوي].

وأما عمرو بن عبيد أشهر شخصيات المعتزلة في عصره فقال عنه ابوحنيفة (لعن الله عمرو بن عبيد فإنه فتح للناس الطريق إلى الكلام) [ذم الكلام للهروي، وابن أبي العز على الطحاوية].

بل نهى عن الصلاة خلف من يعطل الصفات الإلهية فقال ابوحنيفة (من قال القرآن مخلوق فلا يصلين أحد خلفه) [تاريخ بغداد للخطيب]

وأما الإمام (مالك بن أنس) فوصل الأمر عنده إلى الفتيا بالقتل لمن جحد الصفات، كما سئل مرة عن صفة الرؤية (قيل لمالك: إنهم يزعمون أن الله لا يرى؟ فقال مالك: السيف السيف) [ اللالكائي]

وأفتى مرة أخرى بالسجن والجلد حتى الموت (عن ابن نافع قال: كان مالك بن أنس يقول: من قال القرآن مخلوق يوجع ضرباً ويحبس حتى يموت) [ الاعتصام للشاطبي المالكي، الشريعة للآجري]

وكان يعرف المتأثرين بأفكار التأويل ويغلظ عليهم، كما قال عبد الرحمن بن مهدي:(دخلت على مالك وعنده رجل يسأله، فقال: لعلك من أصحاب عمرو بن عبيد لعن الله عمرو بن عبيد) [ذم الكلام للهروي]

وأكثر ما يلفت الانتباه في تعامل الإمام مالك مع الصفات الإلهية ما يعتريه من الرهبة من الله عندما يسمع كلام المؤولين، كما في قصته المشهورة:

(عن جعفر بن عبد الله قال: كنا عند مالك بن أنس فجاءه رجل فقال: يا أبا عبد الله {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} كيف استوى؟ فما وجد مالك من شيء ما وجد من مسألته، فنظر إلى الأرض، وجعل ينكت بعود في يده، وقد علاه الرحضاء -أي العرق-، ثم رفع رأسه ورمى بالعود، وقال ..) والقصة بطولها معروفة. [التمهيد لابن عبدالبر المالكي ]

فانظر بالله عليك هذه القلوب الحية، وستعرف لم اختصهم الله بالإمامة في الدين؟! وقارن هذا التعظيم لباب العلم بالله بما تتجرأ به الطوائف الفكرية من استهتار بمنزلة هذا الباب العظيم.

ويهمنا هاهنا بالطبع أن نشير إلى أن الإمام مالك نفسه نبه إلى أن الخطأ الاعتقادي أفدح من الكبائر ذاتها، كما يقول:

(عن ابن نافع قال: سمعت مالكا يقول: لو أن رجلا ارتكب الكبائر كلها بعد ألاَّ يشرك بالله، ثم تخلى من هذه الأهواء والبدع دخل الجنة) [حلية الأولياء لأبي نعيم]

وأما الإمام (الشافعي) رحمه الله فقد جاءه حفص الفرد وكان يتبنى –أيضاً- تأويل الصفات لتنزيه الله عن مشابهة المخلوقين، ولذلك كان يجعل القرآن مخلوقاً ليسلم من إثبات كلام مسموع، فكفّره الشافعي صراحة:

(سمعت الربيع يقول: لما كلم الشافعي حفص الفرد، فقال حفص: القرآن مخلوق. فقال له الشافعي: كفرت بالله العظيم). (قال الربيع: فلقيت حفصاً، فقال: أراد الشافعي قتلي) [تبيين كذب المفتري لابن عساكر، سير النبلاء للذهبي]

ومن أخطر الأمور التي نبه إليها الشافعي هي أن تحريف الصفات يفضي إلى اختلاف الموصوف ذاته:

(قال الجارودى: ذُكر عند الشافعي ابراهيم ابن اسماعيل بن علية، فقال: أنا مخالف له في كل شيء، وفي قول لا إله إلا الله، لست أقول كما يقول، أنا أقول لا إله إلا الله الذى كلم موسى عليه السلام تكليما من وراء حجاب، وذاك يقول لا إله إلا الله الذى خلق كلاما أسمعه موسى من وراء حجاب) [الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء، لابن عبدالبر]

ونبّه الشافعي أيضاً على قضية أن التأويلات في الذات الإلهية أخطر من الكبائر، كما يقول الشافعي بعد أن تناقش مع المعطّلة:

(لقد اطلعت من أهل الكلام على شيء والله ما توهمته قط، ولأن يبتلى المرء بجميع ما نهى الله عنه ما خلا الشرك بالله؛ خير من أن يبتليه الله بالكلام) [تبيين كذب المفتري لابن عساكر]

وأما الإمام أحمد فنصوصه في هذا الباب أشهر من أن تذكر، ومعروف أنه كفّر من أنكر الصفات وقال بخلق القرآن، وتعرض للاعتقال الشهير على يد ثلاثة خلفاء المأمون والمعتصم والواثق.

وهذا القول ليس خاصا فقط بـ(الأئمة الأربعة) أصحاب المذاهب التي سار عليها المسلمون، بل حتى أصحاب المذاهب الفقهية المتبوعة التي اندثرت، ولاحظ معي هذا العرض التاريخي الذي يلخصه الإمام ابن تيمية:

(وقد حكى الأوزاعي وهو أحد الأئمة الأربعة في عصر تابع التابعين: الذين هم مالك إمام أهل الحجاز، والأوزاعي إمام أهل الشام، والليث إمام أهل مصر، والثوري إمام أهل العراق؛ حكى شهرة القول في زمن التابعين بالإيمان بأن الله تعالى فوق العرش وبصفاته السمعية، وإنما قال الأوزاعي هذا بعد ظهور مذهب جهم، ليعرف الناس أن مذهب السلف خلاف ذلك) [الفتاوى 5/39]

الشواهد السابقة كانت لتوضيح الموقف الجذري لـ(أئمة الفقه المتبوعين) من قضية تعطيل الصفات، وأما موقف (أئمة الحديث) فسنأخذ النماذج من أصحاب الكتب الستة التي عليها مدار الإسلام، فأما الإمام البخاري فقد ختم صحيحه بـ(كتاب التوحيد والرد على الجهمية)، وأما الإمام مسلم فلم يضع أبواباً لصحيحه أصلاً، وأما الإمام ابوداود فقد بوب في سننه وقال (باب في الرد على الجهمية). وأما الإمام الترمذي فبعد أن ساق أحاديث الصفات الإلهية قال (وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات وقالوا هذا تشبيه)، وأما الإمام ابن ماجة فقال (باب فيما أنكرت الجهمية).

فهؤلاء هم أئمة الفقه المتبوعين، وهؤلاء أئمة الحديث المعتمدون، وكلهم مطبقون على استفظاع تعطيل الصفات الإلهية، فهل يمكن أن يكون هؤلاء كلهم ضلوا في هذه القضية، ومنحوا الصفات الإلهية أكبر من حجمها؟!

وسنضطر هاهنا أن نتوقف عن عرض المزيد من الشواهد، ولكن كلي أمل في القارئ الكريم أنه إن أراد المزيد من الشواهد أن يراجع واحداً من ألذ المصادر في عرض معالجات أئمة السلف للصفات بنزعة تاريخية مرهفة، وهو كتاب (العلو) لمؤرخ الإسلام الذهبي.

والمراد أننا حين نرى كيف تتابع أئمة السلف المتبوعين في التشنيع البليغ على تأويل الصفات الإلهية، وأنهم قالوا فيها ما لم يقولوه في المرابي والزاني وشارب الخمرة، واعتبروها قضية في غاية الخطورة، واستحضر الإنسان مع ذلك عبقرية أولئك الأئمة، وسعة إحاطتهم بالنصوص، ودقة معرفتهم بلسان العرب، وصدقهم في البحث عن مراد الله ورسوله بعيداً عن ضغوط الأهواء الخارجية، وكمال ورعهم وتقواهم وعبوديتهم، وإطباق أمة محمد ﷺ على التدين بفقههم، وشهادة الشارع لهم بأنهم خير القرون، وتوافقهم العجيب مع تباعد الأمصار على ذات الموقف، حين يجمع الباحث أطراف الصورة التاريخية، ثم ينتقل للطوائف الفكرية المعاصرة ويرى كيف يستهترون بباب الصفات الإلهية، ويستهينون بالغيرة والحمية لباب العلم بالله، ويتهكمون بسعي أهل السنة لإصلاح التصورات الخاطئة حول هذا الباب العظيم، إذا جمعت ذلك كله فإنك لا يمكن أن تنفك عن الشعور بالرثاء والشفقة لهؤلاء المساكين، كيف بلغوا هذه المراتب من الجهل الفظيع في دين الله.

وخلاصة ذلك أنه إذا كانت “الأسماء والصفات الإلهية” هي طريق العلم بالله الذي هو أعظم أركان الإيمان بالله، وإذا كانت أعظم آيات القرآن وسوره إنما استمدت عظمتها مما تضمنته من الصفات الإلهية، وإذا كانت العبودية كلها اتباع لمقتضى الأسماء والصفات الإلهية، وإذا كان أئمة السلف المتبوعين عظموا شأن الصفات الإلهية وقالوا في تأويلها ما لم يقولوه في أصحاب الكبائر؛ فكيف يقول مسلم عاقل بأن الأسماء والصفات الإلهية موضوع هامشي لا قيمة له ولا داعي لتصحيح التصورات الخاطئة حوله؟

وبعض الناس -نتيجة جهلهم بمنزلة الصفات الإلهية في الوحي- لو جاءهم رجل وأنكر (اليوم الآخر) لوقع في أنفسهم وقعاً شديداً أعظم مما لو أنكر (صفات الله) سبحانه وتعالى، وهذا بسبب غياب الوعي بتراتبية القضايا في الوحي، ولذلك يقول ابن تيمية:

(إنكار صفات الله أعظم إلحاداً في دين الرسل من إنكار معاد الأبدان؛ فإن إثبات الصفات لله أخبرت به الرسل أعظم مما أخبرت بمعاد الأبدان) [درء التعارض، 5/309]

ثم استدل ابن تيمية على ذلك بأن السور التي عظمها الله ورسوله كآية الكرسي والفاتحة والإخلاص كلها تتضمن من أسماء الله وصفاته أعظم مما تتضمن من تفاصيل اليوم الآخر.

وبعض الناس يقول: (حسناً نحن نعرف أن الصفات الإلهية لها منزلة عظيمة، لكن ما علاقة ذلك بكوننا يجب أن نحارب التأويل فيها) وهذا في الحقيقة كلام غير علمي بتاتاً، فأهمية الصفات الإلهية تقتضي أهمية تنقيتها من أي تحريف تحت أي غطاء كان، وهل يعقل أن يكون الموضوع في غاية الأهمية، ويكون تحريف نصوصه في غاية الهامشية؟! ولذلك قال تعالى (وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ) [الأعراف:180] فأي تحريف لأسماء الله إلحاد فيها، وأمر النبي ﷺ بحفظ الأسماء الإلهية كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: (لله تسعة وتسعون اسماً من حفظها دخل الجنة) [مسلم،6985] وحفظها يتضمن حفظها من التحريف في معانيها.

والحقيقة أن الاستهانة في صيانة الصفات الإلهية من التحريف لا يصدر إلا عن شخص تساهل أصلاً في قيمة الصفات الإلهية ذاتها وعظمت في قلبه شؤون دنيوية أخرى، ويستحيل أن نصدق عقلاً أن ثمة شخصاً يعظم صفات الله، ويستهين في ذات الوقت بتحريف نصوصها! هذا افتراض لا يقبله العقل.

وثمة فريق آخر يقول: (أن ما جرى من الفرق العقدية المخالفة لأهل السنة في الصفات الإلهية لم يكن تحريفاً عن عمد، بل نيتهم حسنة، وإنما أرادوا تنزيه الله عن مشابهة المخلوقين، فلماذا نضخم ونشنع على أقوالهم؟) وقائل هذا الكلام لم يستوعب تفريق أهل السنة بشكل إجمالي بين الفعل والفاعل، أو بين النوع والعين، فكون الإنسان نيته حسنة ووقع في مخالفة شرعية متأولاً فهذا لا يبرر هذه الفعلة، وإنما هذا قد ينفعه عند الله في العفو عنه، فحسن النية لا يبرر أن نترك الخطأ على ما هو عليه، وكون مقصوده “التنزيه عن مشابهة المخلوقين” لا يعني صحة عمله.

ولنضرب مثلاً يوضح ذلك، لو أن إنساناً جاءنا وقال أنا أؤمن بالنبي (محمد ﷺ ) لكني أنكر أن يكون من صفاته أنه أسري به إلى بيت المقدس وعرج به إلى السماء في ليلة، لأنني لو أثبت له هذه الصفة فسيفضي به ذلك لكونه يشابه الطيور، ولتنزيه النبي ﷺ عن مشابهة الطيور فإني أنكر الإسراء والمعراج وأتأول الآية (سبحان الذي أسرى بعبده) بأن المراد بها سمو روحه وصفاء نفسه وامتدادها ونحو ذلك، ولغة العرب لا تأبى مثل هذه المجازات. فمثل هذا الكلام هل سيقبله العاقل؟! بل سيبلغ هذا الجحد في نفوس المؤمنين مبلغاً عظيماً، وسيستبشعون أن تنكر صفات النبي ﷺ التي أثبتها القرآن لمجرد توهمك أنه سيشابه من هو دونه بذلك. والمراد أنه لو قام هذا الشخص وقدم لنا مئات التأويلات لتأويل قوله تعالى (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً) مشفوعة بعشرات القرائن الدالة على حسن نيته في هذا التأويل، لما شفع ذلك في قبح فعله عند أهل الإيمان، فكذلك من جاءنا وجحد كون الله في العلو، أو أن الله مستوٍ على عرشه، أو أن الله يتكلم، أو أن الله ينزل للسماء الدنيا، وجاءنا بالأدلة العقلية الكثيرة لتأويل نصوص هذه الصفات مبيناً حسن نيته في تنزيه الله عن مشابهة المخلوقين، لما كان ذلك كله شافعاً له في قبح هذه الفعلة، وإن كنا نكل الفاعل إلى الله.

وهكذا أيضاً لو جاءنا شخص وألغى “الحدود الجنائية الشرعية” كلها كقطع السارق ورجم المحصن ونحوها، وأقام من القرائن ما لا يحصى على أن مقصوده حسن، وإنما أراد دفع الشناعة عن الإسلام بأنه دين وحشي ونحو ذلك، فهل نيته الحسنة تبرر فعلته وتأويلاته تلك؟ والمراد أن حسن نية المؤولين لا تشفع لهم في ترك التأويلات على ما هي عليه.

والحافظ ابن حجر حين رأى أئمة القرن الثالث الذين رجع الناس إليهم في الفتيا مطبقين على التشنيع على هذه التأويلات احتج بذلك على رفض التأويل إجمالاً في عبارة تضمنت تصويراً تاريخياً أخاذاً كما يقول في فتح الباري:

(وقد تقدم النقل عن أهل العصر الثالث، وهم فقهاء الأمصار كالثوري والأوزاعي ومالك والليث ومن عاصرهم، وكذا من أخذ عنهم من الأئمة؛ فكيف لا يوثق بما اتفق عليه أهل القرون الثلاثة، وهم خير القرون بشهادة صاحب الشريعة)

وجوهر المسألة كلها وسرها الدقيق أن تحريف الصفات الإلهية تحريف لباب العلم بالله، والعلم بالله أشرف وأجل مطلوب للعباد، وكلما عظم الموصوف عظمت صفاته، وكلما عظمت الصفات عظم شأن التحريف فيها، فإذا كان الملك من ملوك الأرض لا يرضى تحريف أوصافه ومناقبه، فكيف بملك الملوك –ولله المثل الأعلى- أن يرضى بتحريف صفاته جل وعلا.

حسناً، انتهينا الآن من الإشكالية الأولى في الصفات الإلهية وهي (منزلة الصفات الإلهية في الإسلام)، لننتقل الآن إلى إشكالية الفريق الثاني الذي يقر بأهمية الصفات الإلهية وتنقيتها من التصورات الخاطئة، ولكنه ينكر وجود المخالف في هذه القضايا في عالم اليوم.

-هل هناك معطلة للصفات في هذا العصر؟

هذا الفريق الذي ينكر وجود المعطلة في هذا العصر يردد دوماً: أن قضية (خلق القرآن) صارت جزءاً من التاريخ والماضي، ولم يعد أحد في عالم اليوم يدعو أو يكتب أو يقرر مسألة (خلق القرآن)، ويقول بعضهم: (أنتم تصارعون المقابر، فكل الذين يقولون بخلق القرآن قد واراهم الثرى منذ قرون)، ويؤكد هؤلاء أيضاً أنه لم يعد هناك جهم ولا جهمية، ولا بشر المريسي، إلخ. وقد لاحظت شخصياً أن أكثر مثال يشنعون به على قضية الصفات الإلهية هي مسألة (خلق القرآن) وأنها قضية ولدت في قصر المأمون وقبرت في قصر المتوكل.

والحقيقة لا أخفي أن مناقشة هذا الفريق تسبب لي شيئاً من الحساسية والحرج، لأن ذكر واقع التعطيل المعاصر يجرنا إلى ذكر شخصيات لها فضل وجهود في أبواب فقهية ودعوية أخرى، وذكرها هاهنا قد يفهم منه التقليل من قدر جهودها الأخرى، لكني أثق كثيراً بسعة أفق القارئ الكريم بأن يضع هذا الكلام في سياقه العلمي دون أية امتدادات أخرى.

لو أجرينا استطلاعاً سريعاً لواقع التعليم في المعاهد الشرعية التقليدية في العالم الإسلامي اليوم لرأينا (تعطيل الصفات الإلهية) منتشراً بشكل واسع ومؤلم جداً، ففي الأزهر والزيتونة ونحوها من معاهد العلم العريقة ينتشر تعطيل الصفات بسبب الاعتماد على متون كلامية في مناهج التعليم الرسمية مثل جوهرة التوحيد وأساس التقديس ونحوها من كتب التعطيل.

وأما قول من يقول بأن “خلق القرآن” قضية تاريخية طواها إيوان المتوكل ولم يعد لها ذكر اليوم، فهذا كلام شخص بعيد كلياً عن متابعة الرموز الدينية في العالم الإسلامي، وسنذكر بعض النماذج على مضض:

فهذا الإمام العلامة الطاهر ابن عاشور يرى أن القرآن الذي سمعه جبريل، وكلام الله الذي سمعه موسى، أنه مخلوق، كما يقول: (يجوز أن يخلق الله الكلام في شيء حادث سمعه موسى) [التحرير والتنوير، 8/274]

ولكن ابن عاشور كان يتوهم –غفر الله له اللهم آمين- أن أئمة أهل السنة لم يصرحوا بأن القرآن مخلوق لكي لا يشوشوا على العامة فقط، كما يقول:

(وهذا –أي كلام الله- لا يمتري في حدوثه من له نصيب من العلم في الدين، ولكن أمسك بعض أئمة الإسلام عن التصريح بحدوثه، أو بكونه مخلوقاً، في مجالس المناظرة التي غشيتها العامة) [التحرير والتنوير، 4/320]

وهذا الإمام الجهبذ محمد أبو زهرة، كان يتوهم أيضاً صحة القول بـ(خلق القرآن) فيقول غفر الله له:

(ولكن إن نظرنا من وجهة الحكم في القضية، من حيث كون القرآن مخلوقاً أو غير مخلوق، فإن الأدلة التي ساقها ابن أبي دؤاد في تلك الكتب، والعقل والبداهة؛ تحملنا على الحكم للمعتزلة بصحة نظرهم، فإن القرآن وإن كان كلام الله؛ مخلوق) [ابن حنبل، ابوزهرة، ص67]

وهذا الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي وهو أكثر الشخصيات الفقهية نفوذاً في بلاد الشام، ردد في مواضع كثيرة ظنه بأن القرآن مخلوق، ويقول في كتابه واسع الانتشار، والذي تعاد طباعته دورياً، والمسمى “كبرى اليقينيات”؛ مقرراً صحة القول بـ“خلق القرآن” ما يلي:

(وأما الكلام الذي هو اللفظ، فاتفقوا -أي المعتزلة والأشاعرة- على أنه “مخلوق” وعلى أنه غير قائم بذات الله سبحانه، باستثناء أحمد بن حنبل وبعض أتباعه) [كبرى اليقينيات، البوطي، 126]

وهذا الشيخ الفاضل المفسر عبدالرحمن حبنكة الميداني يقول في كتابه الشهير (العقيدة الإسلامية وأسسها) مقرراً “خلق القرآن” ما يلي:

(النوع الثاني –أي من الوحي- ما كان بواسطة إسماع الكلام الإلهي من غير أن يرى السامع من يكلّمه، كأن يخلق الله الأصوات في بعض الأجسام من حجر أو شجر، ومن هذا النوع ما كان لموسى عليه السلام حين مناجاته ربه في جانب الطور، وهذا النوع الثاني هو ما أشار إليه الله بقوله في الآية “أو من وراء حجاب” أي وحياً من وراء حجاب، بواسطة خلق الله الأصوات كما ذكرنا، أو بصورة أخرى يختارها الله عز وجل) [ص2/249]

فالشيخ حبنكة هاهنا –عفى الله عنه- يعتبر تكليم الله لموسى صوت خلقه الله في الشجر والحجر وسمعه موسى، وليس الكلام الذي سمعه موسى هو كلام الله حقيقة، فهو كلام مخلوق.

والمراد أن تعطيل الصفات الإلهية الواردة في نصوص القرآن والسنة وقع من كثير من المعاصرين المنتسبين للفقه والحديث والتفسير والدعوة، ومن ذلك الشيخ المفسر الصابوني في تفاسيره الكثيرة الشائعة، ومنهم الشيخ المحدث عبدالفتاح أبو غدة، ومنهم الشيخ الداعية الحركي سعيد حوى في كتابه “الله جل جلاله”، ومنهم الشيخ حسن أيوب صاحب الكتاب المنتشر بين عامة الناس في العالم الإسلامي المسمى “تبسيط العقائد الإسلامية”، وغيرهم.

بل هذه الأيام القريبة تفاجأ أهل السنة بصدور كتاب جديد بعنوان (القول التمام في إثبات التفويض مذهباً للسلف الكرام) يدعي أن أئمة السلف رضوان الله عليهم لم يكونوا يعرفون معاني الصفات أصلاً (=التفويض)، وقد استاء الكثير من المحبين أن يكون قدم للكتاب الدكتور الفاضل يوسف القرضاوي وأثنى عليه، فكيف يقدم لكتاب يحرف أعظم مطلوب للعباد، وهو العلم بالله، وعهدنا بالدكتور يوسف أنه كان إذا رأى أهل السنة يتكلمون في هذه المباحث أوصاهم بأن لا يشغلوا الأمة في قضايا لا جدوى منها، ثم نراه اليوم يساهم في ترويج كتاب يخلط الأمور ويعيد دعوى التفويض من جديد!

لست أفهم كيف يدعونا الدكتور الفاضل يوسف القرضاوي إلى ترك الانشغال بتصحيح التصورات العقدية في باب الصفات الإلهية، ثم نراه يشارك في نقيض ذلك، أي يشارك في دعم بدعة ضلالة في أعظم باب من أبواب الدين وهو باب صفات ملك الملوك سبحانه وتعالى، فلا هو الذي ساهم في تصحيح التصورات، ولا هو الذي ترك الباب كله من أصله، بل ذهب يعزز أحد أنواع الخلل في هذا الباب، ألا سامحك الله وغفر لك يا شيخ يوسف.

هذه نماذج ولا نريد أن نتوسع أكثر من ذلك.

وأمثال هذه النماذج المذكورة –حفظ الله الأحياء ورحم الله الأموات- هم أهل فضل ولهم جهود في أبواب شرعية أخرى، وما نشروه من تعطيل الصفات (سواء تعطيلاً صريحاً كما في التأويل، أو تعطيلاً ضمنياً كما في التفويض) لم يكن مقصوداً لهم –إن شاء الله- بالأصالة بل كان شيئاً عرضياً لمشروعاتهم، ولذلك لا يزال أهل السنة يأملون أن يجتمع الجميع على طريقة أصحاب النبي ﷺ ومن تبعهم بإحسان من التابعين وأئمة الأمصار، في تعظيم (الصفات الإلهية) ومقاومة كل أشكال تحريفها تحت أي غطاء كان، ليسلم لنا باب العلم بالله نقياً صحيحاً وهو أشرف معلوم.

وفي النماذج السابقة إنما تداولنا أسماء شخصيات فاضلة لها حضور وقراء، وهي تتبنى تعطيل الصفات أو القول بخلق القرآن أو تجويز القول بأن الصحابة كانوا يجهلون معاني الصفات، وقد أعرضنا عن ذكر (الأشاعرة العدوانيين) كسعيد فودة والسقاف وأضرابهم، ممن يصرحون بتسفيه أئمة السلف، ويحتقرون الإمام الدارمي ويبالغون في الإزراء به (بسبب تأثر ابن تيمية بطريقة الدارمي في كتابه النقض على المريسي) ولهم اليوم مواقع إلكترونية، وحضور على بعض الفضائيات، ومطبوعات متنوعة، يصرحون فيها بتضليل الإمام ابن تيمية وابن القيم واعتبارهما منحرفين، نسأل الله العافية.

والمعاصرون الذين صرحوا بالقول بـ“خلق القرآن” تسرب إليهم هذا القول من كتب متأخري الأشعرية الذين وثقوا فيهم، لكن المشكلة أن متأخري الأشعرية انحرفوا كثيراً كثيراً عن الأشعرية المتقدمين، فالأشعرية المتقدمون كالبيهقي وابن عساكر ونحوهم كانوا قريبين من السنة، ولم يبلغ خطؤهم هذا المبلغ، ولكن الأشعرية المتأخرين بلغوا مراحل في غاية الخطورة، وخصوصاً بعدما أدخل عليهم الرازي إلهيات ابن سينا متظاهراً بأنه يرد عليه، ولذلك وصل متأخرو الأشعرية إلى القول بـ“خلق القرآن” بكل صراحة كما يقول الإيجي في المواقف:

(فاعلم أن ما يقوله المعتزلة وهو خلق الحروف والأصوات فنحن نقول به ولا نزاع بيننا وبينهم في ذلك) [ص 294]

والأشاعرة المتأخرون يعلمون حساسية هذا الموضوع، وهو أن يعيدوا قول المعتزلة في خلق القرآن، ولذلك قال البيجوري شارح الجوهرة:

(لكن يمتنع أن يقال “القرآن مخلوق” إلا في مقام التعليم) [شرح الجوهرة، ص73]

وأما في الداخل السعودي فيوجد في بعض مناطق المملكة اليوم ما يسمى (المدارس الشرعية) تدرس فيها تقاليد بعض المذاهب الفقهية كالمالكية والشافعية ونحوهم، ويدرس في هذه المدارس تعطيل الصفات الإلهية، كما كتب الأستاذ الباحث (حسن فرحان المالكي) عدة كتب يرى فيها أن طريقة نفي الصفات أصح من طريقة أهل السنة في إثباتها، كما أنني قرأت عدة أبحاث نشرت في الشبكة الليبرالية كتبها كتّاب سعوديون (يغلب على الظن أنهم من الشيعة) يستدلون فيها على وجوب نفي الصفات الإلهية الواردة في القرآن.

وبصورة بعامة فإن كثيراً من الفرق العقائدية المعاصرة تتبنى تعطيل الصفات الإلهية عن معانيها، ولذلك تلجأ إلى القول بخلق القرآن، ومن ذلك الإباضية في عمان وفي المغرب العربي، كما يقول الخليلي مفتي عمان:

(إن المحقق الخليلي رحمة الله عليه قال: قد اتفقنا نحن والأشعرية أنه مخلوق، واتفق عليه أصحابنا المغاربة، وفاقاً للمعتزلة، ولا منكِر ذلك فيما قيل إلا بعض الحنابلة) [الحق الدامغ، 113]

هذا ما يتعلق بقضية (خلق القرآن)، وأنها نتيجة وثمرة لتعطيل الصفات، فمن أنكر أن يكون الله متكلماً فإنه سيلجأ إلى أن يجعل القرآن مخلوقاً وأن الله لم يتكلم به، ولذلك فإن تكليم الله لموسى يعتبرونه صوتاً خلقه في الشجرة فسمعه موسى (كما سبق النقل عن ابن عاشور والشيخ عبدالرحمن حبنكة الميداني عفا الله عنهم اللهم آمين)، ونحو هذه التأويلات.

وإذا تأمل المرء الآيات التي تمدّح الله فيها بكلامه، وفخم شأن كلامه سبحانه وتعالى كقوله:

(وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ) لقمان:27

ومثل قوله تعالى:(قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي) الكهف،109

فإنه يحزن لحال كثير ممن آثر تقليد المذاهب الكلامية وسلب الله تعالى هذه الصفة العظيمة التي يحبها.

ولكن من الموضوعية أن نثبت هاهنا أنه برغم اتفاق المعتزلة والأشاعرة على القول بخلق القرآن، إلا أن بينهم فرقاً دقيقاً وهو أن الأشاعرة يجعلون لله (كلاماً غير مسموع)، فيثبتون لله كلاماً لا يسمعه أحد يسمونه الكلام النفسي، فإذا سئلوا عما سمعه جبريل وموسى ومحمد ليلة المعراج قالوا هذه أصوات مخلوقة خلقها الله في الشجر أو الحجر أو السحاب أو غير ذلك وليست كلام الله، لأن كلام الله لا صوت له فلا يسمع، ووالله لا أدري كيف يتجرأ المرء على الذات الإلهية ويتحدث عن الله وكأنه مجال للتنظيرات والفرضيات.

ومن أخطر نتائج هذا التأويل الذي ذهبت إليه الأشاعرة أنه يتضمن الإساءة إلى الذات الإلهية، ذلك أن الله جل وعلا احتج على بطلان آلهة المشركين بكونها لا تتكلم بصوت يسمعونه فقال:

(وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ) الأعراف، 148

وجاء في القرآن في موضع آخر يعيب آلهة المشركين بكونها لا تتكلم بصوت مسموع:

(فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ) الأنبياء، 63

فإذا كان الله جل وعلا يعتبر عدم الكلام المسموع بصوت صفة عيب ونقص وقصور يكشف بطلان آلهتهم، فكيف ننسب هذا العيب والنقص والقصور إلى الله؟! الله سبحانه يعيب آلهة المشركين بكونها (لا تتكلم بصوت مسموع)، ثم نأتي نحن ونقول (إن الله لا يتكلم بصوت مسموع)!، كيف ننسب صفة النقص هذه إلى الله؟! أين ذهب توقير الله من القلوب؟!

والله إن القلب الحي المؤمن المعظّم لله -جل وعلا- إذا رأى مثل هذه اللوازم البشعة فإنه لابد أن يجد في نفسه وحشة ونفوراً من التأويل، والحقيقة أن هذا شأن شائع في غالب تأويلاتهم حيث يلزم عليها الإساءة للذات الإلهية ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وبالتالي فإن من يقول أن (تأويل الصفات) وجهة نظر يجب أن لا نتوتر إزاءه، هو كمن يقول أن (الإساءة إلى الذات الإلهية) إذا كان بتأويل فهو وجهة نظر يجب أن لا نتوتر تجاهها!

وأما ما يتعلق بـ(الجهم بن صفوان)، وقولهم لم يعد هناك وجود لجهم ولا للجهمية، فقائل هذا الكلام واضح أنه بعيد عن حقل العقيدة، ومعرفة الاصطلاحات الفنية فيها، فكثير ممن ينكر وجود جهم والجهمية يتوهم أن هذا الوصف علَمٌ على فرقة معينة انتهت، وهذا تصور خاطئ كلياً، فوصف الجهمية والتجهم هو المظلة العامة الذي يدخلون فيها كل فرق التعطيل، بدأً من الجهمية المحضة وانتهاء بالجهمية الجزئية كالأشعرية والماتريدية. وفي كلام طويل للإمام ابن تيمية شرح فيه مراتب التجهم نجتزئ منه هذه العبارات:

(الجهمية على ثلاث درجات، فشرُّها “الغالية” الذين ينفون أسماء الله وصفاته..، والدرجة الثانية من التجهم: هو “تجهم المعتزلة” ونحوهم، الذين يقرون بأسماء الله الحسنى في الجملة لكن ينفون صفاته..، وأما الدرجة الثالثة: فهم الصفاتية المثبتون المخالفون للجهمية لكن فيهم نوع من التجهم، كالذين يقرون بأسماء الله وصفاته في الجملة لكن يردون طائفة من أسمائه وصفاته الخبرية، أو غير الخبرية، ويتأولونها كما تأول الأولون صفاته كلها..، وفي هذا القسم يدخل أبو الحسن الأشعري وطوائف من أهل الفقه والكلام والحديث والتصوف) [الفتاوى الكبرى، 6/370-372]

وكان الإمام ابن تيمية يشير دوماً إلى اختلاف نفاة الصفات في مراتب التجهم، كما يقول مرة:

(ليس الناس في التجهم على مرتبة واحدة) [الفتاوى الكبرى، 6/368]

ولذلك فإن أئمة السنة اعتبروا من أنكر صفة إلهية واحدة فقد دخل التجهم، ولذلك كانوا يرددون: من قال القرآن مخلوق فهو جهمي، برغم أنها صفة واحدة وهي صفة الكلام، ومع ذلك أدخلوه في وصف التجهم.

وسبب إطلاق أئمة أهل السنة وصف التجهم على التعطيل الجزئي هو كونه ذريعة إلى التعطيل الكلي، أي أن الجهمية الجزئية ذريعة إلى الجزئية المحضة، كما يقول الإمام ابن تيمية:

(فالكلام الذي فيه تجهم هو دهليز التجهم، والتجهم دهليز الزندقة) [الفتاوى، 2/230]

وبسبب مثل هذه الأوهام والتصورات المغلوطة لدى الطوائف الفكرية تجدهم يقولون (أنتم ترددون الجهمية.. الجهمية.. ولا يوجد جهمية اليوم!)، حتى أن أحدهم يقول (كتاب ابن تيمية “بيان تلبيس الجهمية” لم يعد له أهمية لأن الجهمية انتهت)، ولا يعرف أن هذا الكتاب رد في الأصل على (تأسيس التقديس) للرازي الأشعري، لكن سماه ابن تيمية رداً على الجهمية جرياً على طريقة أئمة أهل السنة في تسمية كل فرق التعطيل جهمية.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن أصول مقالات جهم بن صفوان ثلاثة مقالات: (التعطيل والجبر والإرجاء)، وكلها اليوم تشربتها الأشعرية المتأخرة، كما يقول الإمام ابن تيمية:

(والأشعرية الأغلب عليهم أنهم: مرجئة في باب الأسماء والأحكام، جبرية في باب القدر، وأما في الصفات فليسوا جهمية محضة، بل فيهم نوع من التجهم) [الفتاوى، 6/55]

وأما ما يتعلق بـ(بشر المريسي)، فمن يقول أنه لا وجود اليوم للمريسي ولا للمريسية؛ فهو في الحقيقة لا يعرف بالضبط ماهي إشكالية بشر المريسي، وأنا هنا أعني ما أقول، وحاول عزيزي القارئ أن تتحقق من ذلك بنفسك، فأي شخص يقول لك لم يعد وجود اليوم لبشر المريسي، فاسأله ما هي أصلاً أقوال بشر المريسي؟ وستتفاجأ بالنتيجة!

فالتأويلات التي أخذ بها بشر المريسي وصار بسببها النزاع الشديد بينه وبين أئمة السنة في عصره، هي الآن بعينها موجودة في كتب متأخري الأشاعرة، وهذه مشكلة معقدة فعلاً، ولذلك يقول الإمام ابن تيمية:

(وهذه التأويلات الموجودة اليوم بأيدي الناس، مثل أكثر التأويلات التي ذكرها أبو بكر بن فورك في كتاب التأويلات، وذكرها أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي في كتابه الذي سماه “تأسيس التقديس”، ويوجد كثير منها في كلام خلق كثير غير هؤلاء، مثل أبي علي الجبائي وعبدالجبار بن أحمد الهمداني وأبي الحسين البصري وأبي الوفاء بن عقيل وأبي حامد الغزالي وغيرهم: هي بعينها تأويلات بشر المريسي التي ذكرها في كتابه..،وإن كان قد يوجد في كلام بعض هؤلاء رد التأويل وإبطاله أيضاً ولهم كلام حسن في أشياء، فإنما بينت أن عين تأويلاتهم هي عين تأويلات بشر المريسي، ويدل على ذلك كتاب الرد الذي صنفه عثمان بن سعيد الدارمي -أحد الأئمة المشاهير في زمان البخاري- صنف كتابا سماه “رد عثمان بن سعيد على الكاذب العنيد فيما افترى على الله في التوحيد”، حكى فيه هذه التأويلات بأعيانها عن بشر المريسي، بكلام يقتضي أن المريسي أقعد بها وأعلم بالمنقول والمعقول من هؤلاء المتأخرين الذين اتصلت إليهم من جهته وجهة غيره، ثم رد ذلك عثمان بن سعيد بكلام إذا طالعه العاقل الذكي: علم حقيقة ما كان عليه السلف، وتبين له ظهور الحجة لطريقهم، وضعف حجة من خالفهم، ثم إذا رأى الأئمة - أئمة الهدى - قد أجمعوا على ذم المريسية، وأكثرهم كفروهم أو ضللوهم، وعلم أن هذا القول الساري في هؤلاء المتأخرين هو مذهب المريسي: تبين الهدى لمن يريد الله هدايته ولا حول ولا قوة إلا بالله) [الفتاوى،5/23]

حسناً، انتهينا الآن من ذكر الإشكاليتين الأوليين في موضوع الصفات الإلهية وهما شرعية مبحث الصفات الإلهية، وغياب التعطيل في هذا العصر، لنناقش الآن الإشكالية الثالثة، وهي إشكالية الفريق الذي يستنكر فقط الجهود العقدية المبذولة لمقاومة بدع الصفات بأنها تفوق الاحتياجات الفعلية.

-الجهود الصفاتية وحجم الاحتياجات:

الحقيقة أننا حين نحاول تحليل أنشطة الخطاب الشرعي كالدروس والخطب والبرامج الدعوية التلفزيونية والإذاعية ونحوها، نلاحظ بشكل واضح أن قضية “الصفات الإلهية” لا تملك إلا حضوراً ثانوياً تماماً.

فالدروس العلمية الشرعية –مثلاً- متنوعة بين دروس العقيدة، والفقه (وخصوصاً فقه المعاملات المالية المعاصرة) والحديث، والمصطلح، وأصول الفقه، وقواعد الفقه، ونحوها.

وأما دروس العقيدة فهي ليست كلها في “الصفات الإلهية”، فبعضها في كتب الألوهية (كتاب التوحيد، كشف الشبهات، الأصول الثلاثة، ونحوها) وبعضها في كتب العقيدة العامة (الطحاوية الواسطية ونحوها)، وما يُجعل للعقيدة العامة ليس كله في الصفات الإلهية، بل يعم مباحث القدر، والصحابة، وأمور البرزخ، وأمور المعاد (كالحوض والشفاعة والميزان والصراط)، والأسماء والأحكام (التكفير) وطاعة ولاة الأمور، وأشراط الساعة (الدجال وعيسى والدابة وخروج الشمس من مغربها ونحوها) وأمثال هذه المسائل.

والشاهد من ذلك أن الصفات الإلهية لا تشكل إلا مبحثاً واحداً من مباحث العقيدة، ودروس العقيدة لا تشكل إلا فناً واحداً من فنون الشريعة.

وأما الخطب، فأكثر الخطباء يهتمون بموضوعات المواسم كرمضان، وعشر ذي الحجة والحج، والاختبارات، والإجازة الصيفية، وأحداث العنف، ونحوها، ويندر أن تجد خطيباً مهموماً بقضية الصفات الإلهية.

وأما البرامج الشرعية التلفزيونية فأكثرها حول قضايا العلاقة الزوجية والإيمانيات وقصص السيرة والتاريخ ونحوها، وأما برامج الفتيا فهي مرتبطة بأسئلة عامة الناس في الطهارة والصلاة والبيوع وأحكام الزينة والتجمل للنساء، ونحوها.

وأما مجالس المتخصصين العقديين فأكثرها تدور حول الرافضة والعلمانيين والليبرالية وحوار الأديان ونحوها.

فلا أدري أين هذه الكثافة في التعبئة الصفاتية كما يقولون؟ بل إن من تأمل حال المعاهد الفقهية التقليدية في العالم الإسلامي وما فيها من مناهج كلامية عريقة تبث التعطيل، ثم رأى الجهود المبذولة في قضايا الصفات؛ تأكد له قطعاً أن هناك تقصيراً فادحاً في إصلاح التصورات في أعظم أركان الإيمان وأعظم مطلوب للبشرية كافة.

بطاقة الاقتباس

حد البطاقة 340 حرفًا، بما فيها المسافات. يُختصر التحديد تلقائيًا عند فتح المعاينة.

حرفًا

المعاينة ستظهر هنا

أبلغ عن خطأ