احتجاجات المناوئين للخطاب الشرعي — مناقشة علمية
أولاً: وظيفة العلوم الشرعية
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
لا يمكننا أن نبدأ باستعراض موضوعات واهتمامات البحث الشرعي المعاصر قبل أن نحدد بالضبط المعيار الذي نجري عملية التقييم على أساسه، أعني بالضبط تعيين (مهمة العلوم الشرعية)، أي أننا يجب أولاً أن نجيب على “سؤال الوظيفة”، فما هي وظيفة الفقيه تجاه قضايا العلوم المدنية وأسئلتها وإشكالياتها؟ فإذا حددنا وظيفة العلوم الشرعية والدور الذي يجب أن تقوم به أمكننا علمياً حينئذٍ أن ننتقل إلى دراسة نمط تعاطي الباحثين الشرعيين مع الأسئلة والإشكاليات المدنية المعاصرة.
في اعتقادي أن “المفتاح الذهبي” لاستيعاب إشكالية (ما وظيفة العلوم الشرعية؟) هو التمييز العلمي الواضح بين محورين: (المحور الموضوعي) و (المحور الفني)، فالمحور الموضوعي هو الذي يدرس الحكم التكليفي الشرعي لمعطيات العلوم المدنية باعتماد الوحي بشكل رئيس، أما المحور الفني فهو الذي يدرس التفاصيل التقنية للعلوم المدنية باعتماد الخبرة البشرية بشكل رئيس.
ومن الواضح أن المحور الموضوعي/التكليفي هو مهمة الفقيه الشرعي، والمحور الفني/التقني هو مهمة الخبير المسلم.
ولذلك إذا كان الفقيه جاهلاً بالتفاصيل الفنية لعلم مدني معين فلا يجوز له شرعاً أن يضلّل الناس، وإنما يجب عليه أن يرجع لكلام الخبراء، فالشريعة أسست مرجعية الخبراء كما أشار لذلك قوله تعالى: {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} [الفرقان: 59] وقوله تعالى: {وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر:14].
ولذلك لو جاءنا فقيه وقال: “هذا العقد فيه جهالة”، وجاءنا اقتصادي أو محاسب موثوق وقال: “هذا العقد ليس فيه جهالة؛ لأننا نستطيع قياس المخاطر بنظريات علمية منضبطة”، فهاهنا تقرير الخبير الموثوق مقدم على رأي الفقيه، تبعاً لمرجعية الخبراء التي أسستها الشريعة.
ولذلك يقول الإمام ابن تيمية:
(وكون “المبيع معلوماً أو غير معلوم” لا يؤخذ عن الفقهاء بخصوصهم، بل يؤخذ عن أهل الخبرة بذلك الشيء، وإنما المأخوذ عنهم ما انفردوا به من معرفة الأحكام بأدلتها، فإذا قال أهل الخبرة أنهم يعلمون ذلك كان المرجع إليهم في ذلك، دون من لم يشاركهم في ذلك، وإن كان أعلم بالدين منهم، كما قال النبي ﷺ لهم في تأبير النخل: “أنتم أعلم بدنياكم فما كان من أمر دينكم فإلي”، ثم يترتب الحكم الشرعي على ما تعلمه أهل الخبرة) [الفتاوى، 29/493]
وحين تحدث الإمام ابن تيمية عن تفريقات الفقهاء بأنه ينظر في سبب التفريق، فإن فرقوا بين أمرين لسبب شرعي فالقول قول الفقيه، وإن فرقوا بين أمرين لسبب تجريبي فالقول قول أهل الخبرة:
(إن كان سبب الفرق مأخذاً عاديا أو حسيا -ونحو ذلك مما قد يكون أهل الخبرة به أعلم من الفقهاء الذين لم يباشروا ذلك- فهذا في الحقيقة لا يفرق بينهما شرعاً، وإنما هو أمر من أمر الدنيا لم يعلمه العالم) [الفتاوى،29/40]
وهذه القضية، في تقديم رأي الخبير المدني على رأي الفقيه الشرعي فيما يختص به الخبراء المدنيون من التفاصيل الفنية، أكدها الإمام ابن القيم في كتابه الدقيق “إعلام الموقعين” حيث يقول:
(وقول القائل “إن هذا غرر ومجهول” فهذا ليس حظ الفقيه، ولا هو من شأنه، وإنما هذا من شأن أهل الخبرة بذلك، فإن عدُّوه قماراً أو غرراً فهم أعلم بذلك، وإنما حظ الفقيه يحل كذا لأن الله أباحه، ويحرم كذا لأن الله حرمه، وقال الله وقال رسوله وقال الصحابة، وأما أن يرى هذا خطراً وقماراً أو غرراً فليس من شأنه، بل أربابه أخبر بهذا منه، والمرجع إليهم فيه، كما يرجع إليهم في كون هذا الوصف عيباً أم لا؟ وكون هذا البيع مربحاً أم لا؟ وكون هذه السلعة نافقة في وقت كذا وبلد كذا؟ ونحو ذلك من الأوصاف الحسية والأمور العرفية، فالفقهاء بالنسبة إليهم فيها مثلهم بالنسبة إلى ما في الأحكام الشرعية) [إعلام الموقعين، 4/5].
وقد عقد الإمام ابن القيم لتوضيح ذلك فقرة مكثفة في غاية الدقة التنظيرية في كتابه بدائع الفوائد، حيث يقول:
(الفرق بين “دليل مشروعية الحكم” وبين “دليل وقوع الحكم”: فالأول متوقف على الشارع، والثاني يعلم بالحس أو الخبر أو العادة..، فدليل مشروعية الحكم: يرجع فيه إلى أهل العلم بالقرآن والحديث، ودليل وقوع الحكم: يرجع فيه إلى أهل الخبرة) [بدائع الفوائد].
ونص ابن القيم السابق أطول من ذلك، وفيه روعة أصولية في تصوير هذه القضية، أعني التمييز بين حدود سلطة الفقيه الشرعي وسلطة الخبير المدني، لكني لجأت لاختصاره لضرورة الإيجاز في مثل هذه الورقة.
ولما حاول بعض متأخري الفقهاء أن يحدد نسبةً معينة للغبن في العقود التجارية، انتقد الإمام ابن عثيمين ذلك وجعل المرجع فيه أهل الخبرة المهنية، كما يقول:
(وقال بعض العلماء: إن الغبن الذي يخرج عن العادة هو واحد من خمسة، ونسبة واحد من خمسة إلى المائة عشرون في المائة، ولكن في القلب من هذا شيء، بل يقال: إذا جعلنا الأمر مرتبطاً بالعادة فهو أحسن، فإن اختلفنا نرجع إلى أهل الخبرة، إلى الدلالين المعتبرين في البلد) [الشرح الممتع، 8/296]
ويلاحظ الدارس لعلم الفقه الإسلامي في شتى أبواب الفقه - كجزاء الصيد الذي يحكم به ذوا عدل منكم، وخرص الثمار، وتقويم العيوب، وتقدير الشجاج، والقيافة، وضابط الغرر والغبن والحرز، واختلاف المتبايعين في الجودة والرداءة، وتعيين أنواع الأضرار الطبية التي تسبب الحرج، ومعيار التفريط في يد الأمانة كالوديعة والمضاربة ونحوها،..الخ - يجد أن المحققين من الفقهاء يحيلون الأمر دوماً إلى مرجعية الخبراء من أطباء ومهندسين واقتصاديين وغيرهم، ولذلك فأي دارس للفقه الإسلامي يلاحظ تكريس الفقهاء لـ“سلطة الخبير” في التفاصيل الفنية والتقنية والإجرائية والتجريبية للعلوم المدنية.
والمراد أن هذا أصل شرعي معتبر، وهو التمييز بين وظيفة الخبير المسلم (الطبيب، الاقتصادي، المهندس، الإعلامي، الخ) المختص بالتفاصيل الفنية للعلوم المدنية، ووظيفة الفقيه الشرعي المختص ببيان حكم الله ورسوله في الوقائع، والذي يعتمد على ما يقرره الخبراء المدنيون في حقولهم، كما يقول ابن تيمية: (ثم يترتب الحكم الشرعي على ما تعلمه أهل الخبرة). [الفتاوى،29/493]
ومما يلفت الانتباه في هذه القضية أن الشريعة حين أسست مرجعية الخبير فهذا يعني أن له حقاً وعليه واجباً، بمعنى أن هذه القضية تتضمن معطيين متقابلين، فحق الخبير أن يكون هو المرجع في التفاصيل الفنية، وواجبه أن يرجع إلى أهل العلم في معرفة الحكم الشرعي، بمعنى أنه لا يفتي نفسه ولا يفتي غيره.
حسناً، يبدو لي أننا الآن انتهينا من تعيين وظيفة الفقيه الشرعي (المختص ببيان الحكم التكليفي في الإشكاليات المدنية) وتمييزها عن وظيفة الخبير المسلم (المختص بالتفاصيل الفنية في العلوم المدنية)، ولننتقل الآن إلى استعراض واقع الخطاب الشرعي في علاقته بالعلوم والأسئلة والمستجدات والإشكاليات المدنية المعاصرة، وبطبيعة الحال لا يمكننا استعراض كافة الدراسات الشرعية لكن سننتقي عينات كاشفة في بعض الحقول المدنية محل النقد والاحتجاج.