تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة أبو عمر

التأويل الحداثي للتراث — التقنيات والاستمدادات

الباب الثاني: تقنية التوفيد

حُوّلت من نسخة مصورةالصفحات 131-176 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 42 دقيقة

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابالتأويل الحداثي للتراث — التقنيات والاستمدادات

تقنية التوفيد: الفصل الأول: التوفيد في الاستشراق الفيلولوجي

سبق أن رأينا كيف تشكل التوفيد عند المستشرقين في معامل الفيلولوجيا، ونحتاج هاهنا لعرض شواهد على تتبع المستشرقين للعلوم والتصورات الإسلامية وإحالتها للثقافات السابقة، ثم نستعرض كيف انتقلت هذه الآلية للمفكرين العرب، فلنلق نظرة على هذه النماذج.

لما شاهد المستشرقون عظمة الفقه الإسلامي، بحثوا عن أقرب ثقافة تشريعية سابقة، وحاولوا اتهام الفقهاء بالاقتراض منها، كما يصوّر نللينو ذلك بقوله (كان دومينيكو غاتيسكي -إن لم أخطئ- أول من زعم أن القانون الإسلامي في جوهره، مأخوذ من القانون الروماني، وذلك في كتابه المطبوع في الإسكندرية سنة ١٨٦٥م)1.

ثم انظر كيف يفترض نللينو التخرصات فيقول (ونذكر أخيراً أن في بلاد ما بين النهرين والعراق، في المنطقة التي كان فيها قلب دولة الساسانيين، نشأ وعلم مؤسسا المذهبين السنيين: أبو حنيفة وابن حنبل، وكذلك الشافعي في أول أمره، فمن المعقول نظرياً أن يكون هناك إمكان لتأثير القانون الساساني)2.

ويؤكد كبار المستشرقين هذه الفرضية الإرجاعية، حيث يقول آدم متز، وهو مستشرق جاد في جمع المادة: (والواقع أنه ظهر في الميدان الفقهي ما ظهر في غيره من الميادين، وأهم ما حدث هو تسرب آراء في التشريع مما كان قبل عهد الإسلام إلى الفقه الإسلامي، كما حيث من جديد بعض النظريات اليونانية والرومانية القديمة)3.

بل إن أوليري يستعرض حتى أبواب الفقه الداخلية ليردّها إلى الثقافات السابقة، حيث يقول (أثر الفكر اليوناني في الفقه، فجاءت نظريات فقهاء المسلمين مصطبغة بالآراء المستقاة من القانون الروماني، الذي ينطوي هو نفسه على عناصر مأخوذة من الفلسفة الرواقية، وعلى هذا النحو انتقلت التعاليم الفلسفية اليونانية إلى العرب عن طريق القانون . . . ، والأرجح أن أكثر المسائل القانونية التي تتناول ملكية الأرض والالتزامات وحقوق الانتفاع «الرهن» والميراث وغيرها، قد أخذها العرب رأساً من القوانين التي كان معمولاً بها في سوريا ومصر عندما فتح العرب هذين البلدين)4.

بل يصل الغلو بالمستشرقين للادعاء بأن كل «مسألة» في الفقه الإسلامي يلمس فيها القارئ أعمدة الرومان!، كما يقول كارل هينريش بكر: (القانون الروماني رُتِّبَ ونُظِّمَ قبل قيام النبي بدعوته بزمن قليل، وأثره من بعد في الشريعة الإسلامية واضح في كل مسألة، حتى إنه ليكاد يكون لكل مبدأ من مبادئها ما يناظره في القانون الروماني)5.

وبينما كان بروكلمان يتجول في شعائر الإسلام، ويرجعها للاقتباس من أهل الكتاب، وصل إلى الصوم، ولاحظ اختلاف صوم المسلمين عن صوم النصارى، فشعر بورطة، فلم تطاوعه نفسه أن يعترف على الأقل بأن هذا الصوم شرعه محمد ﷺ ابتداءً، بل راح يتخيل أن هناك ثقافة سابقة أخذ عنها محمد! حيث يقول:

(بينما يكتفي النصارى بمجرد الامتناع عن أكل اللحم خلال صومهم الكبير، نجد أن محمداً كلف أتباعه الامتناع عن كل ضروب الغذاء، ولسنا نعرف حتى الآن ما إذا كان محمداً قد اقتبس هذه الفريضة عن إحدى الفرق الغنوصية، أم عن المانيين)6.

تلاحظ أنه لا يعرف ثقافة تصوم كصوم المسلمين، ولكن في ذات الوقت عزّ عليه أن يجعل شعيرة الصوم شريعة إسلامية أصيلة، بل يجب في ظنه أن تكون مقتبسة عن ثقافة سابقة، وإن كان لا يعرف أي ثقافة هي، أ يوجد بعد هذا دوغمائية توفيدية أكثر من ذلك؟!

وأنا شخصياً يدهشني كثيراً اللغة الوثوقية اليقينية التي يعبر بها بعض المستشرقين عن هذه السيناريوهات المتخيلة، تأمل مثلاً كيف يعبر أحد كبارهم، وهو جولدزيهر: (واستعارة هذه المذاهب والقواعد الفقهية التي تعلمها المسلمون من رجالات القانون الموجودين بالبلاد المفتوحة مسألة مؤكدة في الغالب)7.

وحين لاحظ المستشرقون غزارة النظر العقلي في مدرسة الرأي، وما فيها من قياس وتعليل إلخ، تعسفوا في إلحاقها بمصدر أجنبي، ولكن كيف يمكن أن يتجرأ باحث ويزعم مثلاً أن أبا حنيفة قرأ الفلسفة اليونانية؟ هذا كلام لا يمكن أن يقبله أحد، فابتكر ديلاسي أوليري طريقة للإيحاء بأثر الفلسفة الإغريقية على أبي حنيفة، فحاول أن يمرر للقارئ أن أبا حنيفة تشرب الفلسفة الإغريقية لكن بطريق غير مباشر، ثم بنى عليها فقهه، حيث يقول أوليري بروح بوليسية:

(حين نوازن بين آراء أبي حنيفة وبين تعاليم واصل بن عطاء المتوفى عام ١٣١هـ، والذي كان معاصراً له؛ لا نملك إلا أن تندفع إلى استنتاج أن نفس الآثار تظهر عند كليهما، وأنها عند واصل مشتقة من الفلسفة الإغريقية، ولا مبرر لنا في افتراض أن أبا حنيفة قد قرأ شيئاً لفلاسفة الإغريق أو القانون الروماني، ولكنه عاش في زمن بدأت فيه المبادئ العامة المستنبطة من هذه المنابع تتغلغل في الفكر الإسلامي)8.

وحتى مفاهيم أصول الفقه الدقيقة المرتبطة أصلاً بتوازنات الأدلة الشرعية، يتم إرسالها إلى الماضي، وتعزى لثقافة سابقة، كما يقول أوليري مثلاً عن قاعدة الاستحسان عند فقهاء الحنفية (ويبدو في الاستحسان كما فهم في أول الأمر أثر القانون الروماني والفلسفة الإغريقية)9.

بل إن بعض المستشرقين يصرح بأن هذا هو عملهم فيما يخص الفقه والشريعة، وهو البحث في استيراد المسلمين لعلومهم! كما يقول جوزيف شاخت (العلم الأوروبي يبحث فيما يسمى بالعلاقات بين الشريعة، والشرائع التي سبقتها)10.

وبرغم أنه لا يعرف علم في تاريخ العالم نهض فيه متخصصون لتمحيص وتدقيق وفحص مضامينه لفظة لفظة، مثل علم الحديث الشريف في هذه الأمة، إلا أن المستشرقين يصرون على إدخال الحديث النبوي في الاستعارة من الثقافات السابقة، يقول جولدزيهر: (هناك جمل أخذت من العهد القديم والجديد، وتعاليم من الفلسفة اليونانية، وأقوال من حكم الفرس والهنود؛ كل ذلك أخذ مكانه في الإسلام عن طريق «الحديث»)11.

ومن النماذج -أيضاً- أن المستشرقين لما رأوا روعة كتب السيرة النبوية، وكيف سجل علماء المغازي الحوادث والغزوات بدقة وترتيب؛ تطلب المستشرقون فناً مشابهاً في ثقافة سابقة، بحيث يتهم علم السيرة بأنه اقتبس منه، فابتكروا هذه القصة المتخيلة: (والراجح أن السيرة أطلقت على الروايات الخاصة بحياة النبي محمد، أسوة بـ «سير الملوك» البهلوية الأصل، التي كان العرب يعرفونها، في مطلع الإسلام)12.

ومن النماذج فيما يتعلق بعلوم الإسلام أن المستشرقين لما لاحظوا عبقرية الخليل بن أحمد في إبداعه اللغوي في علم المعاجم وعلم العروض تطلبوا مصدراً يتهمون الخليل بأنه استورد منه هذه الأفكار، فاخترعوا هذه القصة، كما يقول بعض المستشرقين: (ابن المقفع الأديب الشهير، والذي كان صديقًا للخليل بن أحمد، يسر للخليل هذا الاطلاع على كل ما في اللغة الفهلوية من أبحاث لغوية ومنطقية)13.

وقريب من هذا الموقف يقول آدم متز (أئمة اللغة في القرن الرابع شعروا بالحاجة إلى منهج يسيرون عليه، وقد كان لمعرفة العرب بعلوم اليونان اللسانية أثرٌ كبير في ذلك…، وإذا وجدنا ابن فارس (ت ٣٩٥) يؤلف لأول مرة «مقدمة في النحو» فينبغي ألا نرى في هذا سوى وليد للمقدمات «إيساغوجي» التي كتبها علماء اللغة اليونان)14.

وحتى العقيدة والغيبيات القرآنية لم تسلم من هذا التوفيد والإرجاع لثقافات سابقة، كما يقول بروكلمان مثلاً (وإنما ترجع معتقدات محمد في ما يتعلق بالعالم الآخر إلى مصادر يهودية، وهكذا تتصل بصورة غير مباشرة بمصادر فارسية وبابلية قديمة)15.

وفي القرآن سورة كاملة اسمها (سورة الجن) وحكى الله في كتابه شيئاً من خبر الجن، ويقول جولدزيهر في كتاب آخر له (بعض الآراء المتصلة بالإيمان بالجن وتأثيرهم في أعمال المجتمع الإنساني، وقد أخذ الإسلام هذه الأفكار من الجاهلية السابقة)16.

ولما راعهم جماليات الورع والزهد في سيرة الأتقياء في صدر الإسلام تطلب المستشرقون جذوراً لذلك في الثقافات السابقة أيضاً، حتى قال جولدزيهر (أقدم مؤلفات الزهد في الإسلام تحوي، كما أوضح مرجليوث، شواهد خفية كثيرة منتحلة من أسفار العهد الجديد)17.

وحتى ما ينقل عن أئمة السلف من مشاهد الورع يصر المستشرقون على ربطه بثقافة سابقة، فلما رأى المستشرقون النصوص الغزيرة المروية عن السلف في التورع عن ولاية القضاء تطلبوا كعادتهم مؤثراً خارجياً، فتوقع المستشرق آدم ميتز أن يكون علماء السلف تأثروا بما في الإنجيل من النهي عن التصدر للحكم والقضاء بين الناس، حيث يقول آدم ميتز: (أما المسلمون فإنهم تمسكوا بالوصية التي جاءت في خطبة الجبل «إنجيل متى» من عدم التعرض للحكم على الناس، ويحكي لنا من ورع المسلمين وخوفهم من ولاية القضاء ..)18.

وبخصوص تصور المستشرقين حول منبع الزهد التصوف وهل هو مفهوم أصيل؟ أم ثقافة وافدة؟ تقتضي الموضوعية أن نشير إلى حدوث تطور في موقف بعض المستشرقين باتجاه إسباغ صفة الأصالة على الزهد والمحدثات الصوفية في الإسلام! وقد ناقش ذلك نيكلسون، حيث قال (دعنا نعالج وجهة النظر القائلة بأن أصول الصوفية هي إسلامية بحتة بالدرجة الأولى)19.

ومناقشة نيكلسون تكتسب أهمية مضاعفة في دلالتها نتيجة وزنه التمثيلي في هذا الحقل، فهو أشهر مستشرق في ميدان التصوف الإسلامي، حتى قال جولدزيهر ذات مرة (وننتظر بيانه وشيكاً من أقدر المتضلعين في تاريخ التصوف الإسلامي، وهو الأستاذ رينولد نيكلسون)20.

كما أشار لهذا التطور متخصص آخر، وهي المستشرقة أنا ماري شيمل، حيث استعرضت تاريخياً هذا التطور في القراءة الاستشراقية لأصالة الزهد والتصوف في الإسلام، ووافديته21، وبغض النظر عن دقة ما ذكره نيكلسون وشيمل، فالمقصود فقط الإشارة للتطور في المواقف.

ومن المشاهد الطريفة في مغالاة الاستشراق الفيلولوجي في توفيد تراث الإسلام لثقافات سابقة، أن المؤرخين الإسبان كانوا يعترفون ويبرزون الدور العربي والإسلامي في الأندلس وأثره في التراث الإسباني، ثم انقلبوا وصاروا يعيدون كل شيء إلى ثقافات سابقة لتجريد العرب والمسلمين من منقبة التأثير، وهذه ليست قراءة شخصية، بل هذا اعتراف كتبه أحد المستشرقين مندهشاً من هذا التحول، حيث يقول جون ترند المتخصص المرموق في تاريخ إسبانيا:

(إن المدرسة الحديثة الإسبانية لا تقرر البتة بفضل لتراث الإسلام، منذ مائة سنة خلت، كانت الآراء تسرف وتبالغ كثيراً في تقدير أهمية العرب في إسبانيا) ثم ذكر بعض أسباب ذلك، وعدّ منها (زد على ذلك الميل الشديد لنسبة كل ما يمكن نسبته إلى أصول لاتينية، بتأثير جامعات فرنسا وأمريكا)22.

ومن لطيف ما وقع أن المستشرقين وهم يتبعون ما ورد في القرآن من أخبار الأمم السابقة وقصص الأنبياء ليرجعوا ذلك كله إلى أن النبي ﷺ استعار المادة من كتب اليهود والنصارى المقدسة، تفاجأوا بقصة قوم عاد في القرآن، ونبيهم هود عليه السلام، ولم يجدوها فيما بين أيديهم من بقايا التوراة والإنجيل المحرفة، فقوم عاد ونبيهم هود غائبان في البايبل الحالي، فاحتاروا واضطربوا اضطرابًا شديدًا كيف يتعاملون مع خبر القرآن عن قوم عاد، فماذا صنعوا؟ تأمل هذا الفيلم الخيالي الذي نسجوه ليكابروا وجود قوم اسمهم عاد!:

(أما مسألة هل وجدت حقًا أمة تسمى «عاد»؟ وفي أي مكان عاشت؟

فلا تزال بلا حل، وأنساب قوم عاد التي قال بها العرب لا قيمة لها بطبيعة الحال…، على أن فلهاوزن قد بين أن القول المأثور «من العاد» يرد أيضًا بدلًا من عبارة «من عهد عاد»، ومن ثم ذهب إلى أن عاد كانت في الأصل اسم جنس، أي الزمن القديم، والصفة منه «عادي» أي قديم جدًا، وأن هذه الأمة الأسطورية نشأت من تفسير خاطئ لهذا التعبير)23.

كل هذه التكلفات والالتواءات الاشتقاقية لأن قوم عاد لم يذكروا فيما بين أيديهم من كتبهم المقدسة المحرفة! هذا يعني أنه إن كان ما في القرآن يوجد له مشابه في التوراة والإنجيل فمحمد ﷺ اقتبسها منهم، وما لم يكن في التوراة والإنجيل فهو تفسير خاطئ لعبارة ملتبسة! هذا هو البحث العلمي في العقلية الاستشراقية!

ولم يوجد شيء أحرج المستشرقين مثل الكشوفات الأركيولوجية (الحفريات) الحديثة التي كشفت عن آثار قوم عاد الذين ذكرهم القرآن، فإن كذب المستشرقون هذه الكشوف المادية ظهرت مكابرتهم للحسيات، وإن أقروا بنتائج هذه الكشوف أقروا ضمنًا بصدق خبر القرآن عن هذه الأمم، بما يعني صحة نبوة محمد ﷺ.

وهل يتوقف البحث عند هذه العلوم والمعطيات الجزئية؟ لا، قطعًا، فالمستشرقون الفيلولوجيون يمارسون التعميم الشديد في توفيد علوم الإسلام، يقول شيدر في تعميم لافت (نظام التصورات اليوناني هو الأساس في كل الأعمال الفكرية العالية التي قام بها الشرق في عهده المتأخر)24.

بل يجري التطرف الاستشراقي إلى نهاية المضمار حتى أنه جاء في أشهر كتاب استشراقي على الإطلاق، وهو تاريخ القرآن لنولدكة وتلاميذه؛ أن الإسلام كله مجرد فكرة مسيحية متقنعة! كما يقول نصًا: (يستطيع المرء أن يستخلص من كل ذلك أن الإسلام في جوهره دين يقتفي آثار المسيحية، أو بعبارة أخرى: الإسلام هو الصيغة التي دخلت بها المسيحية إلى بلاد العرب كلها)25.

ولا يقتصر الأخذ عندهم في بدايات الإسلام ولا أواخره، بل استمر المسلمون في إنشاء العلوم وتطويرها يستعيرون، يقول جولدزيهر (وكما تقدّم تعاليم الإسلام، حتى في مرحلته البدائية، صورة من مذهبي الانتخاب والمزج من اليهودية والنصرانية وديانة الفرس وغيرها؛ كذلك عملت آثار أجنبية، من التجارب التعليمية النافذة من المحيط الخارجي في تنمية ما جدّ بعد ذلك من المسائل26.

وتلاحظ أن المستشرقين في كل الشواهد السابقة ينسبون علوم المسلمين إلى الثقافات السابقة، ولكن المستشرق المشهور سانتلانا ذهب إلى أبعد من ذلك، حيث لم يجعل علوم الإسلام تعتمد على علوم اليونان فقط، بل على علوم وأوهام اليونان كليهما، كما يقول سانتلانا (العلوم الإسلامية مؤسسة منذ بدء نشأتها على علوم اليونان، وأفكار اليونان، بل وعلى أوهام اليونان)27.

بل إن ديلاسي أوليري في محاولته رد عامة العلوم العربية إلى الروح الهلينية اليونانية لا يجد غضاضة في تشبيه هذا الانتقال بالمرض المعدي، حيث يقول (بين الحضارة والمرض المعدي بعض أوجه الشبه، فكلاهما ينتقل من جماعة إلى أخرى باللمس والاتصال، وكلما انتشر أحدهما تبادر إلى أذهاننا أن نتساءل من أين جاءت العدوى)28.

وهكذا فالعلوم العربية مجرد عدوى انتقلت إلى العرب من أمة أخرى، ومهمة المستشرق أن يستكشف مصدر العدوى!

ويحاول المستشرق كارل هينريش بكر أن يشرح لزملائه المؤرخين كيف أخطؤوا وتوهموا أن المسلمين أتوا بعلوم ومعرفة! فيقول: (لما كان قد نظر إلى الإسلام على أنه شيء جديد كل الجدة، وحسب من جهة أخرى أن الدين والحضارة شيء واحد؛ فقد نشأت أسطورة حضارة العرب، تلك الأسطورة التي ألقت غشاءً على عيون المؤرخين، فحالت بينهم وبين رؤية هذه الحقيقة الناصعة، وهي أن الحضارة القديمة قد ظل حاملوها هم حامليها الأصليين، واستمر مسرحها هو مسرحها، ذلك أن الإسلام كان هو الأجنبي الغريب الذي أراد أن يغزو العالم القديم المتأخر، ولكنه خضع من بعد لما كان عليه هذا العالم القديم)29.

ومن التناقضات المروعة في استعمال المستشرقين لتقنية التوفيد أنهم يجعلون تأصيل فقهاء الإسلام للقواعد الشرعية بالنصوص الشرعية أنه تكلف وتعسف في إثبات وجودها سابقاً، بينما هم يرجعون الإسلام كله لثقافات سابقة، فأيهما أكثر موضوعية: أن تكون قواعد الفقه مستنبطة من نصوص الشريعة؟ أم أن يكون الإسلام كله مستمداً من الثقافات الغنوصية والفارسية والهندية والكتابية المحرفة؟! تأمل مثلاً كيف يقول فلهاوزن:

(ومن عادة فقهاء الإسلام دائماً أنهم إذا تقررت قاعدة ما شيئاً فشيئاً تحت تأثير الحاجات أو النزعات المتجددة حيناً بعد حين؛ أرجعوها إلى البدايات الأولى، وجعلوا لها صبغة مقدسة، بردهم إياها إلى سنة النبي، وسنة الخلفاء الأولين)30.

فتأمل هاهنا كيف جعلوا تأصيل الفقهاء وكشفهم عن الأدلة الشرعية للمسائل الحادثة أنه اختراع صلة فيما لا صلة فيه، بينما ما نزل به القرآن وجاء به النبي ﷺ واستنبطه علماء الإسلام يجعلونه كله مأخوذاً عن الثقافات السابقة قبل الإسلام! فانظر التكلف في اختراع الصلة بالسابق فيما لا صلة فيه، وإنكار الصلة بالسابق فيما قامت البراهين على وجوده سابقاً.

وهذا الشاهد الذي نقله هاهنا عن فلهاوزن يكتسب في برهنته على المقصود دلالة مضاعفة، ذلك أن فلهاوزن فضلاً عن كونه من عمالقة الاستشراق، فهو ليس من طبقة المستشرقين المتطرفين، حتى أنه في كتابه ينتقد، بل يسفه، أمثال دوزي وكريمر وموللر وفلوتن وأضرابهم، كقوله مثلاً في أحد المواضع (ويظهر أن كلا من كريمر وفلوتن يصدق مثل هذا الهراء)31، وقوله في موضع آخر (وفون كريمر في كلامه أكثر تعسفاً من الحجاج في أفعاله)32، ونحو ذلك كثير لدى فلهاوزن، وهو الذي عزز مصدرية تاريخ الطبري بين المستشرقين.

فإذا كان هذا فلهاوزن الذي لا يبلغ في التعسف مبلغ دوزي وكريمر وموللر، وهو مع ذلك يتقبل تفسيرات متعجرفة لشريعة تحويل القبلة وعناية المسلمين ببيت المقدس، فكيف بمن هم أغلظ منه في التحيز والتشويه والمغالطة؟! وهذا نمط من البرهنة والاستدلال معتبر وهو شعبة من قياس الأولى.

فهذه أمثلة على نمط المستشرقين في البحث، وهو افتراض أن المسلمين عاجزين عن إنتاج أي علم، وبناءً على ذلك فكل إبداع علمي، تشريعي أو لغوي أو غيره، فيجب أن يكون مستورداً من ثقافات سابقة للإسلام، ثم يتكلفون اختراع الاتصال والتشابه عبر توظيف تقنيات الفيلولوجيا، وهذا هو عمل الاستشراق الفيلولوجي الكلاسيكي.

وثمة نموذج في جعبتي أجلته عمداً، وقلت في نفسي سوف أذكره بعدما أنتهي من استعراض كل هذه الشواهد السابقة، لأن هذا النموذج يمثل في نظري ذروة التوفيد الفيلولوجي، وستبلغ الغرابة بالقارئ منتهاها فيما أظن، فقد رأينا كيف أرجع المستشرقون علوم المسلمين ومعارفهم ومسائلهم ومفاهيمهم، وعقيدتهم وفهمهم ونحوهم وعروضهم، كلها لثقافات سابقة، فلم ينته الأمر بل وصلوا إلى «المواقف العاطفية» التي وقعت للصحابة، وتكلفوا أيضاً ردها لثقافة سابقة، لنقرأ سوياً هذا النموذج، حيث يقول المستشرق الفرنسي كارا ديفو:

(لقد لفت انتباهي هنري لامنس إلى أن الحديث الذي تضمن أن أبابكر خنقته العبرة حين سمع موعظة النبي أنه يرجع إلى أصل مسيحي، ذلك أن «هبة الدموع» المعروفة في التصوف المسيحي لا تنسجم مع مزاج العرب الغزاة)33.

وهل هذا الكلام يقال في كتاب عابر؟! لا، بل وضعه المستشرقون في موسوعتهم المعتمدة والمبجلة بينهم، وهذا الذي ذكر كارا ديفو أن لامنس نبهه عليه، سبق أن شرحه لامنس نفسه في كتابه (الإسلام: عقائده ومؤسساته) ولكن بصيغة أعم، حيث ذكر لامنس أن حالات البكاء المنقولة في التراث هي محاكاة للزهد المسيحي باعتبار أن حالة الدموع يراها العرب الأوائل حالة ضعف لا تليق بالرجال34.

ماذا بقي لنا من ذرة حياة لم يسلبها المستشرقون منا ويهدوها لقوم آخرين! حتى اللحظات الشجية التي يستعبر فيها أصحاب محمد ﷺ، ضنوا بها علينا، وجعلونا سارقين!

لا أظن أن هناك تطرفاً في التوفيد أكثر من هذا التطرف! والمراد أن المستشرقين نظروا إلى (علوم الإسلام) باعتبارها مجرد (عربة توصيل كتب) ووظيفة المستشرقين استيقاف هذه العربة، وفرز الكتب، وإرسال كل كتاب لصاحبه بطرود فيلولوجية، لتبقى عربة الإسلام فارغة ويكتشف الناس حقيقتها! هكذا كانوا يتوهمون.

حسنًا، انتهينا الآن من عرض نماذج منتخبة من تقنية التوفيد التي يستعملها المستشرقون في إرجاع علوم الإسلام إلى ثقافات سابقة، فيتوجب علينا الآن أن ننتقل إلى دراسة كيف تأثر الحداثيون العرب بهذا المنبع الاستشراقي، وأعادوا إنتاج ذات الأفكار، وهي برامج التأويل الحداثي العربي للتراث التي راجت بين الشباب المسلم يظنها إبداعًا خالصًا!

الفصل الثاني: إعادة التصنيع العربي للتوفيد

من الواضح طبعاً أن أكثر شريحة فكرية عربية ابتلعت النتائج الاستشراقي الفيلولوجي، هم المفكرون العرب الذين كان لهم مشروعات في إعادة تأريخ وقراءة التراث الإسلامي، بدءاً من جرجي زيدان ثم أحمد أمين وانتهاء بالفرانكفونيين العرب المعاصرين، فلنلق نظرة على بعض النماذج:

بذات التعميمات المستهلكة المألوفة في لغة المستشرقين الفيلولوجيين يتحدث محمد عابد الجابري فيقول: (ورثت الثقافة العربية الإسلامية كل علوم المعقول واللامعقول في الثقافات القديمة)35.

وكما تحدث المستشرقون عن تسرب الفكر الجاهلي العربي للعلوم الإسلامية، فقد كان الجابري صريحاً، ولم يُحِلَّ التأثر إلى عصور لاحقة، كعصور الترجمة مثلاً، بل اتهم الجابري بكل وضوح علوم الكتاب والسنة في عصر الصحابة، وأن علوم الكتاب والسنة في عصر الصحابة صادرة عن الموروث الجاهلي، كما يقول الجابري:

ليس هناك معقول متحرر تماماً من اللامعقول، وبالمثل ليس هناك موروث قديم يمكن عزله عما عبرنا عنه بـ «الفكر الديني العربي»، والذي نقصد به الكتاب والسنة كما يمكن أن يقرأ داخل مجالهما التداولي، ذلك لأن هذا المجال التداولي نفسه يتحدد أساساً بـ «الموروث الجاهلي»، أي بنوع الثقافة ومستوى الفكر السائدين في مكة والمدينة على عهد النبي(1).

وهكذا فما يسميه الجابري «الفكر الديني العربي» ليس هو استنباطات متأخري علماء الإسلام، بل هو أيضاً «الكتاب والسنة» في عصر الصحابة، وكلها في نظره متأثرة أساساً بالموروث الجاهلي العربي، ولا يمكن عزلها عنه!

هذا نموذج من الموقف التوفيدي الإجمالي من علوم الإسلام، وهو موقف يعاد توزيعه بالتجزئة على كل علم من علوم الإسلام كما صنع المستشرقون، وسنستعرض بعض الشواهد.

في خصوص العقيدة الإسلامية فإن أحمد أمين (ت ١٣٧٣هـ) جعل عقيدة السلف في إثبات الصفات الإلهية الاختيارية نظرية مستوردة من اللاهوت اليهودي، حيث عقد أحمد أمين مبحثاً استعرض فيه ما سماه (تسرب الثقافة اليهودية إلى المسلمين)36، ثم يقول فيه (وذهب جماعة من غلاة الشيعة، وجماعة من أصحاب الحديث، إلى التشبيه، وقالوا إنه يجوز عليه -أي الله- الانتقال والنزول والصعود والاستقرار الخ، فخذوا في ذلك حذو اليهود في اختلافهم)37.

وهذه فكرة استشرافية مكررة، وقد واصل الطرق عليها الجابري أيضًا، حيث أشار إلى أن عقيدة أهل السنة (الذين يسميهم الحشوية) في إثبات الصفات الإلهية، وإمرار آيات الصفات على ظاهرها؛ أنها عقائد وافدة من ثقافات سابقة كما يقول الجابري: (آراء وتصورات ما يعرف بالحشوية والمشبهة والمجسمة وهي كلها تنتمي إلى الموروث القديم، قد وجدت طريقها إلى مضمون النص القرآني عن طريق التمسك بالظاهر)38.

فالتمسك بالظاهر هو طريقة أهل السنة، ووصف الحشوية هو من ملامز الفرق لأهل السنة، وهذه كلها يتم توفيدها ونسبتها لثقافات سابقة.

ويكرر الحداثي التونسي هشام جعيط الدعوى الكنسية الاستشرافية في أن القرآن مأخوذ من الكتب السابقة، كما يقول جعيط (إن التأثيرات المسيحية على الخطاب القرآني أهم بكثير من التأثيرات اليهودية…، إن أهم المؤرخين من مثل فلهاوزن وتور أندري يقرون قوة التأثير المسيحي، وهم محقون في ذلك39.

ويبدو أن هشام جعيط حدث له تحول فكري في العلاقة مع النتاج الاستشراقي، فقد كان في كتابه الفتنة (١٩٩١م) يميل لنقد أساليب المستشرقين في تقنية التوفيد، بل ونقد تور أندري الذي يمدحه هنا40، وجعيط عمومًا يفكر في حدود الأفق الاستشراقي المتزندق ذاته، فهو يتعامل مع دين الله تعاملًا فوقيًا كأنثروبولوجي يدرس محاسن ومساوئ ثقافة بدائية، ومن أقيح العبارات التي تلفظ بها جعيط اعتباره تطبيق الدين بصورة شاملة يسحق الحياة، كما يقول (من حسن الحظ أن الإنسان خالف باستمرار الدين، وأن الدين بقي مثلاً لم يطبق كله أبداً، وإلا لسحقت الحياة، لكن الدين هو الذي ربي الغرائز أيضاً، وأنسن الإنسان، لولا هذا العمل لكان الماضي البدائي دعارة شبيهة وعنفًا)41، هل يجرؤ مؤمن بالله واليوم الآخر أن يقول أن تطبيق دين الله بشكل كامل يسحق الحياة؟

ويرجع الفرانكفونيون العرب أيضاً الحديث النبوي إلى الثقافات السابقة كما صنع جولدزيهر في كتابه المشهور (دراسات محمدية)، والذي سبق أن نقلنا نماذج منه، حيث يقول أركون (الحديث النبوي كان قد هضم وتمثل عناصر مختلفة من التراثات المحلية)42.

وهكذا أيضاً أحال الجابري بعض الأحاديث النبوية الصحيحة إلى مصادر ثقافية قديمة، حيث عقد الجابري فصولاً طويلة لخص فيها بعض بحوث المستشرقين في انتقال الثقافات الخرافية كالهرمسية والغنوصية إلى بلاد الإسلام، وهذا بعضه حق، لكنه جعل بعض الأحاديث النبوية الصحيحة ثقافة هرمسية وافدة! وهاهنا يبدأ الخلل، ومن ذلك الحديث الصحيح المشهور الذي رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما «أن الله خلق آدم على صورته»43، ومع ذلك يقول الجابري (طبقاً للقول المأثور «خلق الله آدم على صورته» وهي عبارة هرمسية)44.

ونسبة هذا الحديث بالذات للثقافات السابقة تكرر عند المستشرقين ومن أخذ عنهم، وأقصد بمن أخذ عنهم أمثال محمود أبو رية، فقد كان أبو رية علماً ورمزاً لمنهج سلخ كلام المستشرقين في السنة النبوية وإضافته لنفسه، وإعادة نشره بلغة شعبية مباشرة. وإذا كان الجابري استعار توفيد المستشرقين لحديث «خلق آدم على صورة الرحمن» في كتابه المنشور عام ١٩٨٤م، فإن أبو رية استعار ذلك أيضًا قبل ذلك التاريخ بما يقارب ثلاثين سنة في كتابه عن السنة الذي نشر عام ١٩٥٧م، كما يقول أبو رية (وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة «أن الله خلق آدم على صورته» وهذا الكلام جاء في الإصحاح الأول من التوراة)45.

وأبو رية بطبيعة الحال غير محسوب على الحداثيين، فضلاً عن الفرانكفونيين، وإنما ناسب ذكره هاهنا للتدليل على أن المقولات الاستشراقية الفيلولوجية استهلكت حتى جف ماؤها، لدرجة أن أبو رية نشرها في كتاب شعبي قبل نصف قرن، ثم أتى الجابري وأعاد نشرها لكن في قالب البحث الحداثي.

ومن نماذج التوفيد التي مارسها الجابري أيضًا على السنة النبوية أنه أتى لأحاديث (الطاعة السياسية بالمعروف) المشهورة في الصحيحين وغيرها من دواوين السنة المعتمدة والتي رواها عن النبي ﷺ عدد كثير من الصحابة، بحيث لا تدب ذرة ريب في نفس الباحث في أن صاحب الشرع نطق بها، ومع ذلك يكرر الجابري نفس الفكرة الاستشراقية فينسبها للموروث الفارسي! حيث يقول الجابري (فإن المرء لا يملك إلا أن يندهش أمام كثرة الأحاديث التي تروى في موضوع الطاعة، وهي تتدرج من البخاري ومسلم إلى ابن حنبل..) ثم ذكر الصيغ الوارد في الصحيحين والمسند ثم قال (هذا نموذج من اختراق القيم الكسروية للموروث الإسلامي «الخالص» في أسمى أصوله بعد القرآن -وهو- الحديث)46.

ونلاحظ هاهنا تأكيد الجابري أن «الموروث الخالص» كما يسميه، وهو الحديث، يرجع لثقافة وافدة! وإذا كان هذا هو شأن «الخالص» في نظر الجابري فيبدو أنه يرى أن غير الخالص أبعد وأبعد في مدى التوفيد.

برغم أن المتدبر لهذه الأحاديث النبوية العظيمة يدرك أنها تدل على نقيض مقصود المستشرقين وشراحهم الفرانكفونيين أصلاً، ذلك أن أحاديث الطاعة السياسية الشرعية هي نقيض الطاعة الكسروية، فهذه الأحاديث تقيد الطاعة السياسية بقيود الشرعية فتجعل الطاعة السياسية مفهوماً إيجابياً، بل شرطاً ضرورياً، لبناء دولة العدل، بخلاف المفاهيم الكسروية التي تؤسس للطاعة المطلقة وتؤسس لدولة الاستبداد، فكما أن في الدولة الحديثة يجب تنفيذ أوامر الرئيس إذا كانت قانونية، فكذلك في الإسلام يجب طاعة أوامر ولي الأمر إذا كانت شرعية، فما الفرق للباحث الموضوعي؟!

وليس أمامنا أصلاً بالسبر والتقسيم إلا ثلاثة طرق: إما الطاعة المطلقة في المعروف والمنكر، أو العصيان في المعروف والمنكر، أو الطاعة في المعروف وإنكار المنكر، فالأول هو الكسروية، والثاني هو الفوضى، والثالث هو الشريعة، بل هو الذي تواطأ عليه العقلاء والمنظرون لمفهوم الدولة، والواقع أنني لم أفهم إلى الآن سر توتر الحداثيين والفرانكفونيين من أحاديث (الطاعة في المعروف) برغم أن مضمونها هو عين العقلانية السياسية والتوازن الاجتماعي.

وليس هذا الموضوع هو الموقع المناسب لمناقشة هذه المسألة، ولكن أغرانا للدخول فيها تناقضات الموقف الحداثي وكثرة نياحته عند هذا الموضوع، فلنعد إلى أصل الإشكالية وهو استعراض نماذج إعادة التوفيد الاستشراقي في الخطاب الحداثي.

يتحدث محمد أركون عن السيرة النبوية، فيكرر أيضاً ذات الفكرة الاستشراقية، وهي أن السيرة النبوية استعارة لثقافة سابقة، وهي الثقافة الجاهلية العربية، حيث يقول أركون (تحوير الماضي من أجل دمجه في النظام الجديد للعقائد، وهذا ما فعلته السيرة النبوية بعد القرآن بالنسبة للجاهلية)47.

وأما علوم العربية، فإن أحمد أمين يتابع المستشرقين في عزو النحو العربي للثقافات السابقة فيقول (الأداب السريانية كانت في العراق قبل الإسلام، وكان لها قواعد نحوية، فكان من السهل أن توضع قواعد عربية، على نمط القواعد السريانية)48.

ورغم عمق وغزارة الجوهر والمعدن الأخلاقي في القرآن وسلوك النبي ﷺ، والذي ألهم علماء المسلمين الكتابة في (علم الأخلاق)، يقول الجابري متابعاً الروح الاستشراقية في توفيد العلوم الإسلامية:

(تأخر التأليف في «الأخلاق» داخل الموروث الإسلامي إلى ذلك العصر الذي صار فيه التنافس بين أنصار الموروث اليوناني وأنصار الموروث الفارسي يستحوذ على الساحة الثقافية العربية في مجال المفارقة بالقيم والأخلاق، ففي إطار هذه المنافسة وما انتهت إليه من الانفتاح على الموروث الإسلامي خاصة بدأ يتكون لدى بعض علماء الدين شعور بالحاجة إلى «علم أخلاق إسلامي» يضاهي أو يمتص أخلاق الموروثات الأخرى بعد تأسيسها على مبادئ الإسلام، وهكذا ظهرت محاولات تهدف صراحة أو ضمناً إلى «أسلمة الأخلاق» التي تنتمي إلى الموروث الفارسي والموروث العربي المتشابك معه أو إضفاء الطابع الإسلامي على «الأخلاق اليونانية»)49.

ويؤكد الجابري على توفيد علم الأخلاق الإسلامي إلى الثقافة الفارسية بشكل أكبر فيقول (الموروث الفارسي المصدر الأول للكتابة الأخلاقية في الإسلام)50.

ينتمي أحمد أمين إلى مصر، وينتمي الجابري إلى المغرب، وينتمي أركون إلى الجزائر، فنحن بحاجة إلى نماذج تعبر بشكل أوسع عن الخريطة الحداثية العربية، فلنتقل إلى نموذج من تونس، وهو رأس الحداثيين المعنيين بالتراث في تونس، وهو د. عبد المجيد الشرفي.

فكما أحال المستشرقون النبوة إلى أنها فكرة مستعارة من أهل الكتاب السابقين، يقول رأس الحداثيين في تونس عبد المجيد الشرفي (النبوة بمعنى تبليغ رسالة من الله كانت ظاهرة يهودية)51.

وبنفس التوفيد الذي ادعاه المستشرقون في الشعائر الإسلامية، وأن الحج يحتوي على الأساطير والوثنيات العربية الجاهلية وأنه لم تحدث فيه إلا تغييرات طفيفة -كما ادعى ذلك المستشرق الفرنسي ديمومبين في كتابه «الحج إلى مكة» المنشور عام (١٩٢٣م)- فإن الشرفي يعيد إنتاج ذات الفكرة الساذجة ويقول: (لا يمكن إنكار ما بقيت تحتوي عليه مناسك الحج من رواسب الذهنية الميثية الضاربة جذورها في القدم)52.

هذه بعض النماذج والشواهد على إعادة إنتاج الحداثيين العرب لآلية التوفيد غير المبرهن لدى المستشرقين، وسننتقل الآن إلى مناقشة بعض المسائل التي أثارتها هذه النماذج.

الفصل الثالث: مناقشات: ١- التمييز بين توفيد الأجنبي وتوفيد الأصيل

الواقع أن أداة التوفيد بمعنى تتبع حضور الآخر في الذات، أي استكشاف أثر الوافد من الثقافات السابقة على الثقافة اللاحقة، هي في أصلها جزء من منظومة الأدوات العلمية لتحليل الخطاب، وقد وظفها المبدعون في التراث الإسلامي بشكل موضوعي رائع، ولكن دون مغالاة ولا تعسف ولا تكلف، بل باعتبارها عامل ضمن شبكة عوامل مركبة، لا باعتبارها العامل الحاسم، ولا بتكلف رد كل شيء إليها.

بما يعني أن هناك فارقاً جوهرياً بين التوفيد كما يستعمله المستشرقون الفيلولوجيون وشراحهم الحداثيون العرب، وبين التوفيد كما يستعمله مؤرخ الأفكار الموضوعي، أو كما استعمله علماء المسلمين في دراسة الفرق والتيارات.

فالتوفيد كجهاز علمي في البحث الموضوعي أو كما استعمله علماء المسلمين في دراسة الفرق والأفكار، هو (توفيد الأجنبي) أي رد العناصر الأجنبية في الخطاب إلى مصادرها.

أما التوفيد كما نجده لدى المستشرقين الفيلولوجيين وشراحهم الحداثيين العرب فهو (توفيد الأصيل) أي رد العلوم الأصيلة التي أنتجها الخطاب إلى ثقافات سابقة بتكلف الربط بين أي تشابهات شكلية عابرة.

والتمييز بين (توفيد الأجنبي) و(توفيد الأصيل) ليس إلا أحد تطبيقات التمييز بين البحث الموضوعي، والبحث المنحاز المتعسف.

والحاصل، أن الدراسات الاستشراقية، وتبعًا لذلك شراحها من الحداثيين العرب؛ تحاول رد كل مفاهيم التراث الإسلامي «الأصيلة»، التشريعية والسلوكية، إلى الثقافات السابقة للإسلام، وتصوير التراث كحالة اقتراض ثقافي، ويستبعدون الوحي من أن يكون منبعًا لتلك التصورات.

بينما لم يكن علماء التراث الإسلامي يوفّذون الأصيل، بل إنما يوفّذون الأجنبي، وما كان المستشرقون يسمونه (الثقافات السابقة) يسميه أئمة السلف (علوم الأوائل)، وقد تتبع أئمة السلف دخول العناصر المستوردة من علوم الأوائل بدقة، وانتقدوا استمداد بعض مفاهيم علم الكلام، وأصول الفقه، والتصوف منها، ولكن على مشرحة الموضوعية والإنصاف، فلم يسكبوا التعميمات، بل ميزوا بين المفهوم الأصيل، والمفهوم المستورد، ولم يشطبوا الوحي والنص من دوره الجوهري في تشكيل التراث.

والمقارنة بين مغالاة المستشرقين في رد علوم الإسلام للمؤثر الخارجي، وبين تفصيل وتمييز علماء الإسلام أثناء دراستهم لهذه العلوم بين العنصر الأصيل والعنصر الأجنبي، يؤكد سمة عامة سبقت الإشارة إلى بعض تشكيلاتها، وهي الفارق بين بنية الاعتدال في المعرفة الإسلامية، وبنية التصعيد في المعرفة الغربية، ويبدو لي أننا بحاجة لنماذج توضح نمط استعمال علماء التراث لآلية توفيد الأجنبي، فلنطالع بعض هذه الشواهد.

قدم علماء الإسلام تجليات مبهرة في الاستعمال العلمي الموضوعي لآلية توفيد الأجنبي، أي كشف المفاهيم الوافدة من ثقافات خارجية، والتمييز بينها وبين العلم الأصيل الذي أنتجته الظروف الموضوعية للحضارة الإسلامية.

فمن ذلك -مثلاً- رصد أئمة أهل السنة للإلهيات الوافدة من الفلسفة اليونانية وغيرها، والتي استدمجها أمثال ابن سينا ونحوه من الفلاسفة، ومن ذلك مثلاً قول الإمام ابن تيمية:

(ولا ريب أنه صار عند كثير من الناس من علم أهل الكتاب، ومن فارس والروم؛ ما أدخلوه في علم المسلمين ودينهم، وهم لا يشعرون، كما دخل كثير من أقوال المشركين من أهل الهند، واليونان، وغيرهم، والمجوس، والفرس، والصابئين من اليونان، وغيرهم؛ في كثير من المتأخرين، لا سيما في جنس المتفلسفة والمتكلمة53.

والأسلوب المفضل عند هذه الطوائف في استيراد الإلهيات غير الإسلامية هو صبها في الألفاظ الشرعية، ليألفها المجال التداولي والنطاق التناقلي الإسلامي، كما يقول ابن تيمية مثلاً (يعبرون بالعبارات الإسلامية القرآنية عن الإلحادات الفلسفية واليونانية)54.

وينقل ابن تيمية عن عالم آخر ذات الفكرة فيقول: (وما أحسن ما قال شيخ الإسلام الهروي فيمن هو أحسن حالا من هؤلاء من أهل الكلام قال «أخذوا مخ الفلسفة فلبسوه لحاء السنة»)55.

وإذا تأمل الباحث أقوال أئمة أهل السنة في بدعة نفي الصفات الإلهية، وبدعة نفي القدر، ونحوها، يلاحظ رصدهم العلمي الموضوعي لمصادرها الخارجية، فمثلاً نفي الصفات، أو وصف الله بالسلوب فكرة غريبة كلياً عن الصدر الأول من السلف، وإنما وفدت من صابئة حران، كما يقول ابن تيمية مثلاً (وكان في حران أئمة الفلاسفة الصابئة القائلين بقدم العالم وتعطيل الصفات، وعنهم أخذ تحقيق ذلك أبو نصر الفارابي لما دخل حران، وكان الجعد فيما يقال أخذ تعطيل الصفات عنهم)56.

وهذا الرصد الذي ذكره ابن تيمية أكده المؤرخون، البعيدون أصلاً عن نقاشات المباحث العقدية، حيث وصف الرحالة والمؤرخ البيروني (ت ٤٤٠هـ) عقائد صابئة حران فقال: (وبقايا أولئك الصابئة بحران ينسبون إلى موضعهم …، ونحن لا نعلم منهم إلا أنهم أناس يوحدون الله، وينزهونه عن القبائح، ويصفونه بالسلب لا الإيجاب كقولهم: لا يحد، ولا يرى، ولا يظلم، ولا يجوز ويسمونه بالأسماء الحسنى مجازاً، إذ ليس عندهم صفة بالحقيقة)57.

والحقيقة أن نص البيروني هذا يتبوأ أهمية قصوى، ومن له عناية بتاريخ التراث الإسلامي يدرك القيمة النوعية لهذا النص، حيث يكشف هذا النص المحايد ثقافة نفي الصفات الإلهية ووصف الله بالسلوب في بيئة حران، وهي عينها التي انتقلت لطوائف المعطلة في التاريخ الإسلامي، وليس المدهش أن يتفطن أئمة السلف لأجنبية نفي الصفات الإلهية ووصف الله بالسلوب، فأي باحث موضوعي يدرك فوراً غرابة هذه الأفكار على روح العقيدة الإسلامية في النصوص وآثار الصحابة، ولكن المدهش فعلاً أن يتبع أئمة السلف الينابيع الجغرافية لثقافة نفي الصفات ووصف الله بالسلوب، وأنها جاءت من حران، بالشكل الذي يكشفه المؤرخون والرحالة لاحقاً.

فالفرق بين طريقة علماء الإسلام وطريقة أكثر المستشرقين في كشف مصادر الأفكار في الثقافات السابقة: هو ذات الفرق بين البرهان والدعوى، وذات الفرق بين الرصد المبني على معطيات، والتهمة المرسلة بالخيالات.

وهذه المقارنة تكشف بجلاء أن ما لدى هذه التفسيرات الاستشراقية وشراحها الحداثيين العرب من الحق فقد قرره أو نظيره علماء التراث الإسلامي، وهو توفيد العناصر الأجنبية، وما أضافوا إلى ذلك، وهو توفيد الأصل، فهو فروض واحتمالات باطلة، تستند إلى التخرصات الفيلولوجية، لا إلى المستند التاريخي الموضوعي والمبرهن.

والواقع أن محاولة تجريد المسلمين من علومهم وأنهم لا يفلحون فكرة قديمة، حتى روى الجاحظ قصة للطبيب «أسد بن جاني» تحمل ذات المضمون، وجاء فيها أن هذا الرجل (كان طبيا فأكد مرة؛ فقال له قائل: «السنة وبئة والأمراض فاشية، فمن أين تؤتي في هذا الكساد؟» قال: أما واحدة فإني عندهم «مسلم» وقد اعتقد القوم قبل أن أتطبب، لا بل قبل أن أخلق، أن المسلمين لا يفلحون في الطب، واسمي «أسد» وكان ينبغي أن يكون اسمي صليبا وجبرائيل ويوحنا وبيرا)58.

ومن المعالجات المبكرة والطريقة ضد تقنية توفيد الأصل ما ذكره العلامة ابن فارس (ت ٣٩٥هـ) حيث قلب الدعوى عليهم وقال إن الكتب التي فيها شيء من علوم الإسلام هي المنحولة للفلاسفة، وليس العكس، كما يقول في كتابه الصاحبي (وزعم ناس يتوقف عن قبول أخبارهم أن الذين يُسَمُّون الفلاسفة قد كان لهم إعرابٌ ومؤلفات نحو. قال أحمد بن فارس: وهذا كلام لا يعرج على مثله، وإنما تشبه القوم أنفا بأهل الإسلام، فأخذوا من كتب علمائنا، وغيروا بعض ألفاظها، ونسبوا ذلك إلى قوم ذوي أسماء منكرة)59.

٢- العلاقة بين القرآن والكتب السماوية السابقة

ثمة أطروحة تتكرر عند المستشرقين، سبق أن رأينا نماذج لها فيما سبق، وتستحق شرح خلفياتها التي غابت عنهم، حيث يسعى المستشرقون الفيلولوجيون خصوصاً إلى كشف العلاقة بين القرآن والكتب السماوية السابقة، وإذا رأوا معطى ذكره القرآن، وهو موجود في الكتب السماوية السابقة، فرحوا بهذه النتيجة، وجمعوا أمثال هذه الشواهد، إذ يشعرون أن هذا إدانة للقرآن! وكذلك إذا وجدوا معطى في الإسلام وهو موجود في الأمم السابقة يطربون لمثل ذلك ويعرضون هذه الشواهد باعتبارها أدلة وبيانات لإثبات التهمة.

والعامل الجوهري في هذا الضلال الاستشراقي هو غياب الوعي بمعطيين أساسيين، أولهما: حجم المفاهيم المشتركة بين الكتب السماوية. وثانيهما: دور النبوات وبقايا الكتب السماوية في تشكيل ثقافات الأمم السابقة للإسلام.

حيث أخبر الله في مواضع متعددة من القرآن بتواطؤ النبوات على جنس الدين، كما قال الله ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ﴾ [الشورى: ١٣].

وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ٥١ وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥١، ٥٢]. والأمة هنا هي بمعنى (الملة) كقول الله ﴿قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ﴾.

بل إن الله تعالى في كتابه أطلق اسم (الإسلام) على جميع أديان الأنبياء، كما قال نوح ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧٢].

وقال الله عن إبراهيم ﴿وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧].

وقال عن لوط ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٦].

وقال يوسف متضرعًا ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ [يوسف: ١٠١].

وقال عن توراة موسى ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤٤].

وقال سليمان: ﴿وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٤٢].

وقال حواريو عيسى ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١]، وأخبر الله خبرًا عامًا بقوله ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩].

وكما في الصحيح عنه أنه قال: «الأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد»60.

وفي واحد من عيون نصوص ابن تيمية يقول الإمام رحمه الله:

(الرسل متفقون في «الدين الجامع للأصول الاعتقادية والعملية»، فالاعتقادية كالأيمان بالله وبرسله وباليوم الآخر، والعملية كالأعمال العامة المذكورة في الأنعام والأعراف وسورة بني إسرائيل، كقوله تعالى ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ إلى آخر الآيات الثلاث. وقوله ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ إلى آخر الوصايا، وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾ .. فهذه الأمور هي من الدين الذي اتفقت عليه الشرائع)61.

وذكر الإمام ابن تيمية أن المرحلة المكية ركزت على هذا القدر الجامع بين النبوات، كما يقول ابن تيمية (فإن السور المكية تضمنت الأصول التي اتفقت عليها رسل الله، إذ كان الخطاب فيها يتضمن الدعوة لمن لا يقر بأصل الرسالة، وأما السور المدنية ففيها الخطاب لمن يقر بأصل الرسالة)62.

بل فيما يقارب عشرة مواضع من القرآن احتج الله لنبوة محمد ﷺ بموافقته وتصديقه أصلاً لما جاء في الكتب السماوية من قبله، كما قال الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ﴾ [النساء: ٤٧].

وقال الله: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [المائدة: ٤٨].

وبهذا التصديق والموافقة للكتب السماوية استنتج الجن المهتدون صدق هذا القرآن كما قال الله: ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأحقاف: ٣٠].

بل إن الله سبحانه استشهد أهل الكتاب المتجردين للحق، واحتج بإقرارهم بمصادقة هذا القرآن لما معهم، سواء كان من البشارة بمحمد ﷺ، أو بموافقة ما جاء به من أصول الدين لما جاء به الأنبياء قبله، كما قال الله ﴿أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةٌ أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٩٧].

وقول الله: ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤].

فإذا شاهد الباحث أن الله سبحانه يثني ويؤكد مراراً الاحتجاج بموافقة وتصديق ما جاء به محمد ﷺ لما في الكتب السماوية قبله، فكيف يأتي المستشرقون الفيلولوجيون وشراحهم الحداثيون العرب، ويظنون أن بعض التوافقات بين الموروث الإسلامي والكتب السماوية السابقة هي «اكتشاف» بحثي، وأنه «إدانة وإحراج» للمسلمين وعلومهم وعلمائهم ونصوصهم؟ هذا في غاية الغرابة فعلاً.

ولذلك فإن أبو رية لما كرر هذه الفكرة الاستشراقية الفيلولوجية، وهي الاستناد إلى موافقة وتصديق بعض الأحاديث لما في الكتب السماوية السابقة، علّق العلامة عبد الرحمن المعلمي (ت ١٣٨٦هـ) تعليقًا مليئًا بالاستغراب، حيث يقول: (أقول: قد علم الجن والإنس أن في الكتاب الموجود بأيدي أهل الكتاب المسمى بالتوراة، ما هو حق، وما هو باطل، وأن في القرآن كثيرًا من الحق الذي في التوراة، وكذلك في السنة، فإذا كان هذا منه كان ماذا؟)63.

وتلاحظ في تعليق المعلمي كمية الرزانة المعرفية أمام ظاهرة التشابه المفاهيمي بين الكتب السماوية والعلوم النبوية، وكذلك التوازن المنهجي فلم يكابر قضية التشابه، ولم ينجرف معها ليحملها فوق دلالتها.

وأما المعطى الثاني الذي لا يستحضره المستشرقون وشراحهم، فهو كما أشرنا دور النبوات وبقايا الكتب السماوية في تشكيل ثقافات الأمم السابقة للإسلام، وهذا موضوع تاريخي شيق ويستحق التعميق، واستعراض شواهده، ولكننا لا نستطيع التوسع فيه هاهنا، وإنما سنوجز الإشارة إليه، فإن كثيرًا من الحضارات الموجودة في المشرق، وفي حوض الشام خصوصًا، هي أصلًا حضارات متأثرة بالنبوات، وليس العكس، وممن اهتم بإبراز ذلك مؤرخ الحضارات الأشهر توينبي، ومن ذلك قوله (كانت الأديان بمثابة نفعات -أي أوعية- لجميع هذه الحضارات، كما أن البقايا المتحجرة، التي لا تزال قائمة من تلك الحضارات البائدة، قد ظلت محفوظة في لحاء ديني)64.

ولكن بعض الحضارات تكون النبوات فيهم قد اندرست واندثرت آثارها، أو يكون الذي اتصل إليهم هو ضوء كليل مما تبقى من أنوار النبوات بعد التحريف.

وبالتالي فحين يوجد معنى شرعي في كتاب سماوي، أو في العلوم المستنبطة من كتاب سماوي، ويوجد نظيره في ثقافات وحضارات سابقة، فإن هذا مؤشر على أن تلك الثقافات قد تغذت بما وصلها من نبوات سابقة، وليس العكس، كما يحاول المستشرقون، ذلك أنه خلال التاريخ كان النهر الخالد هو النبوات، وكانت الثقافات هي الضفاف والشواطئ والأحراش.

وتبعًا لهذين المعطيين، أعني (تصادق النبوات في الأصول، وتأثر الثقافات بأنوار النبوات) فإن الأمثلة المحدودة للتشابه المفاهيمي بين العلوم الإسلامية وثقافات الأمم المختلفة، مؤشر على أن تلك الأمم تأثرت بنبوات سابقة، بسبب كونها اتصلت بمصدر متقارب المفاهيم.

٣- توظيف أعداء الرسل لتقنية التوفيد

ما يقوم به المستشرقون وشراحهم الحداثيون العرب من توفيد الأصيل واعتباره مستعارًا من أمم سابقة ليس أسلوبًا معاصرًا، بل كان أعداء الرسل وخصوم النبوات يستعملون هذه الطريقة.

فقد ذكر الله أن أعداء الرسل يستعملون تقنية التوفيد في الجدال ضد الأحكام الشرعية كما يقول سبحانه ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥].

وكانوا يحتجون بإمكانية الوصول لمثل هذه الثقافات السابقة وإنشاء مثل الوحي كما يقول الله ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَٰذَا إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال: ٣١].

بل كان أعداء الرسل ينشطون في بث نظرية التوفيد بين الناس كما قال الله ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤] قال إمام التفسير قتادة عن هذه الآية (قال ذلك قوم من مشركي العرب، كانوا يقعدون بطريق من أتى النبي ﷺ فإذا مر بهم أحد من المؤمنين يريد نبي الله ﷺ قالوا لهم «أساطير الأولين» يريد: أحاديث الأولين وباطلهم) (١).

ولا يقتصر التوفيد لدى أعداء النبوات على توفيد أصل الوحي، بل حتى مضامينه الجزئية، ومن ذلك مثلاً توفيدهم البعث وأنه مجرد ثقافة سابقة غير صادقة كما حكى الله مقالاتهم فقال: ﴿قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ۝١٣٣﴾ لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴿المؤمنون: ٨٢-٨٣﴾.

وقال سبحانه أيضاً: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ ۝١٣٤﴾ لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴿النمل: ٦٧-٦٨﴾.

ومن الطريف حقاً أن أعداء الرسل يكملون التوفيد بنسج القصص الخيالية حول الاستكتاب والاستنساخ والإملاء ووقته كما يقول الله ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ۝١٥﴾ قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴿الفرقان: ٥-٦﴾ ثم تأمل في هذه الآية العظيمة كيف تولى الله جل جلاله الرد عليهم بنفسه، فذكر أن الذي أنزل هذا الوحي يعلم السر في السماوات، وهذا وجه دقيق من الرد، ففيه إشارة إلى أن القرآن تضمن أسراراً ليست في الكتب السابقة، فكيف يكون محمد ﷺ استنسخها واستكتبها؟ ونظير هذه الآية السابقة وما فيها من نسج القصص الخيالية في التوفيد، وتولي الله سبحانه الرد عليهم فيها، قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣].

ومما يجد المؤمن فيه العزاء في كتاب الله، أن الاحتجاج بالتوفيد لم يقتصر به على مواجهة الرسل والأنبياء فقط، بل حتى دعاة الخير والحق كان هناك من يواجهم بتقنية التوفيد، كما قال الله ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِن قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأحقاف: ١٧].

Footnotes

  1. نللينو، نظرات في علاقات الفقه الإسلامي بالقانون الروماني، منشور ضمن: المنتقى من دراسات المستشرقين، جمعها وترجمها صلاح الدين المنجد، دار الكتاب الجديد، (ص ٤٥/١، ٥١). ↩

  2. المصدر السابق. ↩

  3. آدم متز، الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري، ترجمة محمد أبو ريدة، مكتبة وهبة، الطبعة الثالثة، ١٩٥٧م، (ص ٣٦٩/١). ↩

  4. أوليري، علوم اليونان وسبل انتقالها إلى العرب، ترجمة وهيب كامل، مكتبة النهضة المصرية، 1962م، (ص 193-194). ↩

  5. كارل هينريش بكر، تراث الأوائل في الشرق والغرب، بحث منشور ضمن: التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية، ترجمة عبد الرحمن بدوي، دار النهضة العربية، الطبعة الثالثة، 1965م، (ص 14-15). ↩

  6. كارل بروكلمان، تاريخ الشعوب الإسلامية، ترجمة نبيه فارس وزميله، دار العلم للملايين، (ص 48). ↩

  7. جولدزيهر، دراسات محمدية، ترجمة الصديق بشير نصر، مركز العالم الإسلامي لدراسة الاستشراق، (ص 113). ↩

  8. أوليري، الفكر العربي ومكانه في التاريخ، ترجمة تمام حسان، دار عالم الكتب، ١٩٦١م، (ص ٩٢). ↩

  9. المصدر السابق. ↩

  10. شاخت، ثلاث محاضرات في تاريخ الفقه الإسلامي، منشور ضمن: المنتقى من دراسات المستشرقين، مصدر سابق، (ص ٩٠/١). ↩

  11. جولدزيهر، العقيدة والشريعة في الإسلام، ترجمة محمد يوسف موسى وزملائه، دار الكتاب المصري، ١٩٤٦م، (ص٤٢). ↩

  12. دلافيدا، سيرة، مادة منشورة في: دائرة المعارف الإسلامية (الاستشراقية)، تحرير هوتسما وزملائه، ترجمة خورشيد وزملائه، نشر مركز الشارقة، (ص١٨/٥٥٣٧). ↩

  13. وردت هذه الفكرة بنفس هذا اللفظ عند ديبور وكوربان، انظر: ديبور، تاريخ الفلسفة في الإسلام، ترجمة أبو ريدة، مكتبة النهضة، (ص ٥٦)؛ هنري كوربان، تاريخ الفلسفة الإسلامية، دار عويدات، ترجمة مروة وقيسي، ٢٠٠٤م، (ص ٢٣٢). ↩

  14. آدم متز، الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري، ترجمة محمد أبو ريدة، مكتبة وهبة، الطبعة الثالثة، ١٩٥٧م، (ص ١/٤١٧). ↩

  15. كارل بروكلمان، تاريخ الشعوب الإسلامية، ترجمة نبيه فارس وزميله، دار العلم للملايين، (ص ٧١). ↩

  16. جولدزيهر، مذاهب التفسير الإسلامي، ترجمة عبد الحليم النجار، دار إقرأ، الطبعة الثانية، 1983م، (ص 165). ↩

  17. جولدزيهر، العقيدة والشريعة، ترجمة محمد يوسف موسى وزملائه، دار الكتاب المصري، 1946م، (ص 132). ↩

  18. آدم متز، الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري، ترجمة محمد أبو ريدة، مكتبة وهبة، الطبعة الثالثة، 1957م، (ص 1/384). ↩

  19. نيكلسون، التصوف، منشور ضمن كتاب: تراث الإسلام، إشراف توماس آرنولد، ترجمة جرجيس فتح الله، دار الطليعة، الطبعة الثانية، ١٩٧٢م، (ص ٣٠٦). ↩

  20. جولدزيهر، العقيدة والشريعة، ترجمة محمد يوسف موسى وزملائه، دار الكتاب المصري، ١٩٤٦، (ص ١٤٧). ↩

  21. أنا ماري شيمل، الأبعاد الصوفية في الإسلام وتاريخ التصوف، دار الجمل، ترجمة محمد السيد وزميله، الطبعة الأولى، ٢٠٠٦م، (ص ١٣)، (٣٩١). ↩

  22. جون ترند، إسبانيا والبرتغال، منشور ضمن: تراث الإسلام، إشراف توماس آرنولد، ترجمة جرجيس فتح الله، دار الطليعة، الطبعة الثانية، 1972م، (ص 16). ↩

  23. بول، عاد، مادة منشورة في: دائرة المعارف الإسلامية (الاستشراقية)، تحرير هوتسما وزملائه، ترجمة خورشيد وزملائه، نشر مركز الشارقة، (ص ٢٢/٧٠٤٧-٧٠٤٨). ↩

  24. هانز شيدر، روح الحضارة العربية، ترجمة بدوي، 1949م، (ص40). ↩

  25. نولدكة، تاريخ القرآن، ترجمة جورج تامر وزملائه، مؤسسة كونراد-أدنأور، الطبعة الأولى، 2004م، (ص8). ↩

  26. جولدزيهر، مذاهب التفسير الإسلامي، ترجمة عبد الحليم النجار، دار إقرأ، الطبعة الثانية، ١٩٨٣م، (ص ١٧١). ↩

  27. سانتلانا، المذاهب اليونانية الفلسفية في العالم الإسلامي، تحقيق محمد شرف، دار النهضة العربية، ١٩٨١م، (ص ٢٧). ↩

  28. أوليري، علوم اليونان وسبل انتقالها إلى العرب، ترجمة وهيب كامل، مكتبة النهضة المصرية، ١٩٦٢م، (ص ١). ↩

  29. كارل هينريش بكر، تراث الأوائل في الشرق والغرب، بحث منشور ضمن: التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية، ترجمة عبد الرحمن بدوي، دار النهضة العربية، الطبعة الثالثة، ١٩٦٥م، (ص ١٤). ↩

  30. فلهاوزن، تاريخ الدولة العربية، ترجمة محمد عبد الهادي أبو ريدة، لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1958م، (ص 273). ↩

  31. المصدر السابق، (ص 248). ↩

  32. المصدر السابق، (ص 235). ↩

  33. EI$^{1}$, vol. III, p. 503. ↩

  34. Lammens, Islam: Beliefs and institutions, trans. Ross, 1929, P, 117. ↩

  35. الجابري، نحن والتراث، المركز الثقافي العربي، الطبعة السادسة، ١٩٩٣م، (ص ٣٠٤). ↩

  36. أحمد أمين، ضحى الإسلام، دار الكتاب العربي، الطبعة العاشرة، (ص1/331). ↩

  37. المصدر السابق، (ص1/336). ↩

  38. الجابري، تكوين العقل العربي، مصدر سابق، (ص142). ↩

  39. هشام جعيط، تاريخية الدعوة المحمدية في مكة، دار الطليعة، الطبعة الأولى، ٢٠٠٧م، (ص ١٦٢). ↩

  40. هشام جعيط، الفتنة: جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر، دار الطليعة، الطبعة الخامسة، ٢٠٠٥م، (ص ٢٢-٢٤). ↩

  41. هشام جعيط، الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي، دار الطليعة، الطبعة الثانية، ١٩٩٠م، (ص ١١٧). ↩

  42. أركون، تاريخية الفكر العربي الإسلامي، مركز الإنماء القومي، الطبعة الثالثة، ١٩٩٨م، (ص ٢٠). ↩

  43. صحيح البخاري (٦٢٢٧)، صحيح مسلم (٢٦١٢). ↩

  44. الجابري، تكوين العقل العربي، مصدر سابق، (ص ٢٠٨). ↩

  45. محمود أبو رية، أضواء على السنة المحمدية، دار المعارف، الطبعة السادسة، (ص ١٨١)؛ وانظر المعالجة العلمية لهذا التوفيد عند سماحة العلامة عبد الرحمن المعلمي في كتابه: الأنوار الكاشفة، دار عالم الكتب، (ص ١٨٦)، وبالمناسبة للمعني بتاريخ التراث الإسلامي فكتاب المعلمي هذا يتضمن خلاصات كلية مركزية ومدهشة لقراءات شديدة الاتساع والغرارة والدقة في تاريخ علوم السنة النبوية، ولا أظن أن معاصرًا له بلغها، كما يبنى هذا الكتاب في قارته فن المحاكمة العلمية بصرامة منهجية. ↩

  46. الجابري، العقل الأخلاقي العربي، مركز دراسات الوحدة، الطبعة الأولى، 2001م، (ص 231-232). ↩

  47. أركون، الفكر الإسلامي: قراءة علمية، مركز الإنماء القومي، الطبعة الثانية، ١٩٩٦م، (ص ٧٦). ↩

  48. أحمد أمين، فجر الإسلام، مكتبة النهضة، الطبعة الخامسة عشر، (ص ١٨٣). ↩

  49. الجابري، العقل الأخلاقي العربي، مركز دراسات الوحدة، الطبعة الأولى، ٢٠٠١م، (ص ٥٣٦). ↩

  50. المصدر السابق، (ص ٤٦). ↩

  51. عبد المجيد الشرفي، الإسلام بين الرسالة والتاريخ، دار الطليعة، الطبعة الأولى، ٢٠٠١م، (ص ٢٥). ↩

  52. المصدر السابق، (ص 65). ↩

  53. ابن تيمية، مجموع الفتاوى، (ص ١٥١/١٥). ↩

  54. ابن تيمية، مجموع الفتاوى، (ص ٥٩٧/٧). ↩

  55. ابن تيمية، بغية المرتاد، مكتبة العلوم والحكم، (ص ١٩٣)، وانظر عبارة الهروي في: الهروي، ذم الكلام، تحقيق عبد الله الأنصاري، مكتبة الغرباء الأثرية، (٥/١٣٤). ↩

  56. ابن تيمية، الصفدية، تحقيق محمد رشاد سالم، دار الهدى النبوي، الطبعة الأولى، ١٤٢١هـ، (ص ٢/١٦٦). ↩

  57. البيروني، الآثار الباقية عن القرون الخالية، (ص ٢٠٥). ↩

  58. الجاحظ، البخلاء، دار الهلال، (ص ١٣٨). ↩

  59. ابن فارس، الصاحبي، تحقيق أحمد بسج، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ١٤١٨هـ، (ص ٤٣). ↩

  60. صحيح البخاري (٣٤٤٣). ↩

  61. ابن تيمية، مجموع الفتاوى، (ص ١٥٩/١٥). ↩

  62. ابن تيمية، مجموع الفتاوى، (ص ١٦٠/١٥). ↩

  63. المعلمي، الأنوار الكاشفة، دار عالم الكتب، (ص ١٨٦). ↩

  64. أرنولد توينبي، مختصر دراسة للتاريخ، ترجمة فؤاد شبل، المركز القومي للترجمة (3/153). ↩

شروحات وبرامج عن «التأويل الحداثي للتراث — التقنيات والاستمدادات»

شروحات أخرى للكتاب2

بطاقة الاقتباس

حد البطاقة 340 حرفًا، بما فيها المسافات. يُختصر التحديد تلقائيًا عند فتح المعاينة.

حرفًا

المعاينة ستظهر هنا

أبلغ عن خطأ