التأويل الحداثي للتراث — التقنيات والاستمدادات
تذييلات ختامية
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
- أسطورة موت الاستشراق: بعد دراستي لبرامج الحداثيين في إعادة قراءة التراث، وعلاقتها بالاستشراق الفيلولوجي، ثم تأثير هذه البرامج الحداثية في عقول الشباب المتطلع للثقافة في الخليج العربي على وجه الخصوص؛ تبين لي حجم التأثير العنقودي الذي لعبه الاستشراق في عقول من يسمون أنفسهم المفكرين العرب ومن يقرأ لهم من المستهلكين المحليين، واتضح لي خطأ الأسطورة القائلة بموت الاستشراق.
والواقع أن الاستشراق الفيلولوجي ما لبس أكفانه بعد، بل ما زالت كتبه في حقائب الحداثيين العرب، فإذا ضمت إلى ذلك أن المؤسسات السياسية في الغرب، والأكاديميين الغربيين غير المتخصصين في الدراسات الإسلامية إنما يعتمدون في فهم المجتمع المسلم على أطروحات أنثروبولوجيا الإسلام، وأن دعاة الإلحاد والمناظرين النصارى وفضائيات الإثارة الغربية تعتمد على الطروحات الشكية الاستشراقية؛ إذا جمعت ذلك كله استبان لك أخطبوطية الاستشراق، وضرورة العناية برصده، وتكثيف الدراسات المتخصصة فيه، وتحليل أنماط تأثيراته وتتبعها.
- وزن التقنيات: برغم أخذ الحداثيين العرب من المستشرقين كلا آليتي التوفيد والتسييس، إلا أن ثمة فرقاً في وزن التقنيات المتلقاة، فمن الفروق التي لاحظتها أن المستشرقين الفيلولوجيين أكثر ميلاً لتفعيل آلية التوفيد في تفسير التراث الإسلامي، بينما الحداثيون العرب أكثر ميلاً لآلية التسييس في تفسير التراث.
ويمكن تفسير سبب ميل المستشرقين لآلية التوفيد بأن المستشرق حين يرد النتاج العلمي الإسلامي إلى الموروث الكتابي أو الهلليني اليوناني فإنه كمن يقول أن البضاعة أنتجها أجداده، فالكتابية والهللينية هما أسلاف كنيسته وجامعته، وبكيفية عامة فإن المستشرق قارئ من الخارج، والقارئ الخارجي يفكر بالرد إلى المؤثر الخارجي أكثر، وأما الحداثي العربي فإنه تفاعل مع آلية التسييس أكثر، لأنه قارئ من الداخل، والقارئ الداخلي يفكر بالتفاعلات الداخلية أكثر.
فانجذب الحداثي العربي لآلية التسييس الاستشراقية لأنها أشبعت حاجته في أن يرى في العلاقة بين العلم التراثي والسلطان روح العلاقة التي يراها بين ما يسميه حركات الإسلام السياسي والدولة العربية المعاصرة، ففي منافسة الحداثي العربي لما يسميها حركات الإسلام السياسي تراه يطعن في الكيانين كليهما (العلم التراثي وحركات الإسلام السياسي) بأنهما يوظفان الدين في صراع السلطة.
والانكسار أمام الاستشراق لم يعد سلوكًا عرضيًا يحتاج لاستكشاف في الخطاب الحداثي، بل تحول عند بعضهم إلى سلوك واعٍ مسنود بمسوغات نظرية، إنه نوع من تأصيل الهزيمة، حتى قال الحداثي العربي هاشم صالح (ماذا يضير الاستشراق، والغرب بشكل عام، أن تظل تناطحه بشكل مباشر ومكشوف إلى أبد الدهر، إنه سوف ينطحك لا محالة، وسوف ينتصر عليك في كل مرة)1.
لاحظ كيف يؤمن هذا الحداثي العربي أن الاستشراق غالبٌ غالبٌ، لا فائدة من نقد الاستشراق لأنه إما منتصر أو منتصر، لماذا؟ لأن الغرب لا يُهزم! لون من التأليه الخفي للغرب،
- استعمارية الاستشراق: يعترف حتى أكثر المستشرقين تعجرفًا بالمحضن الاستعماري للمستشرقين، حيث يقول برنارد لويس (الدراسات الاستشراقية في الجامعات الأميركية ظلت محدودة لفترة طويلة، وفي أميركا كما في انكلترا كانت الحرب العالمية الثانية هي التي أعطت إشارة الانطلاقة الأولى، وكانت برامج التدريب المتسارع التي صممت لتلبية الحاجات العسكرية قد أُخذت كنموذج وقدوة، ومنذ ١٩٤٣م راح المجلس الأميركي للبحث في العلوم الاجتماعية يهتم بما سوف يدعونه «بالدراسات المناطقية»، وكان المجلس الأمريكي ومؤسسات أخرى مختلفة يمولانها بكل سخاء وكرم(1).
هذا التوصيف للواقع الاستشراقي وارتباطه بالتمويلات العسكرية ليس وصفًا يقوله شيخ في أقاصي جزيرة العرب، بل يرويه واحد من أشد المستشرقين غطرسة وحقداً على العرب والمسلمين، وهو المستشرق اليهودي الأمريكي برنارد لويس (و1916م).
ولما نشر أنور عبد الملك مقالته في ديوجين 1963م صار لها دوي، ومن أطرف الردود رد نشره المستشرق الإيطالي جابرييلي، صاحب كتاب «خلافة هشام»، في نفس المجلة ديوجين، وهذا الرد المنفعل الغاضب وقعت فيه أمور غريبة، ذلك أن غابرييلي اعترف بدورهم كمستشرقين في دعم الاستعمار، لكنه طالب فقط بعدم المبالغة في هذا الدور!، يقول جابرييلي:
«إذا كان لوم الاستشراق على دوره المتواطئ مع الاستعمار ليس عاريًا عن الصحة؛ فإنه قد بولغ فيه، وضُخّم وأُفيد، لقد حصل استكشاف علمي للحضارات الشرقية، وساهم هذا الاستكشاف في تبيان حجم مساهمة هذه الحضارات في تاريخ البشرية، صحيح أن هذا الاستكشاف كان قد ساعد أوروبا أحيانًا على تغلغلها الاقتصادي والسياسي في الشرق الحديث، من أجل استعباده واستغلاله، هذا شيء لا يمكن لأي مفكر شريف أن ينكره، لكن من العدل والإنصاف والشرف أن لا نعمم هذه الحالات2.
جابريلي في دفاعه الحار عن الاستشراق يعترف صراحة بضلوع الاستشراق في دعم الاستعمار الغربي لبلاد المسلمين، لكنه يطلب فقط أن لا نبالغ في هذا الدور! هذا يشبه من يقول لك: صحيح أنني عاونت القاتل وقدمت له أدوات القتل، لكن أرجوكم لا تبالغوا في دوري في الجريمة!
- ظلم النقد الإسلامي للاستشراق من المظاهر المحزنة في هذا الحقل ظاهرة الجور على النقد الإسلامي للاستشراق، فترى الغربيين والحداثيين العرب يدورون فقط حول نقد أنور عبد الملك وإدوارد سعيد، وقد ذكر البهي في كتابه في نقد المستشرقين قصة طريفة وقعت في منتصف الثلاثينيات من القرن العشرين تكشف شيئاً من النقد المبكر للاستشراق، وفي القصة أن (المستشرق فينسينك كان عضواً بمجمع اللغة المصري، ثم أخرج منه على أثر أزمة أثارها الدكتور الطبيب حسين الهواري مؤلف كتاب «المستشرقون والإسلام»، صدر في سنة ١٩٣٦، وحدث ذلك بعد أن نشر فينسينك رأيه في القرآن والرسول مدعياً أن الرسول ألف القرآن من خلاصة الكتب الدينية والفلسفية التي سبقته3.
وممن نقد الاستشراق بشكل مبكر قبل عبد الملك وسعيد: رشيد رضا ومالك بن نبي وسيد قطب والندوي، ونبه سيد قطب في الظلال على تفصيلات مأخوذة عن الاستشراق في الجهاد والسيرة وغيرها، والشيخ محمد الغزالي في الستينات رد تفصيلاً على كتاب جولدزيهر بكتاب مستقل (دفاع عن العقيدة والشريعة ضد مطاعن المستشرقين).
لكن لماذا يغرق الحداثيون العرب في نقد أنور عبد الملك وإدوارد سعيد فقط، ويهملون نقد علماء الشريعة والمتفقهين الإسلاميين؟ السبب في ذلك أن الغربيين أنفسهم لا يتحدثون إلا عن أنور وسعيد، وجاء الحداثيون العرب وصاروا مثلهم لا يتحدثون إلا عن نقد أنور وسعيد!
وسيجرنا هذا الموضوع لمد التساؤل: ولماذا لا يتحدث الغربيون إلا عن أنور عبد الملك وإدوارد سعيد؟ بالنسبة لي أشعر دوماً أن الغربيين يبالغون في التفاعل مع نقد أنور عبد الملك وإدوارد سعيد لسبب خفي، وهو أن أنور عبد الملك وإدوارد سعيد كليهما نصرانيان، فأنور من الأقباط المصريين، وإدوارد سعيد من نصارى فلسطين، ولمزيد التصور عن الحياة الخاصة لأنور عبد الملك يمكن مراجعة أعمال حمزة قناوي عنه، والمجتمع الغربي برغم أن أكثر كوادره العلمية والثقافية ليست متدينة حقاً، لكنها تتعامل مع النصرانية واليهودية كهوية ثقافية لها، ولذلك ترى المجتمعات الغربية برغم أنها غير متدينة إلا أنها تلتهب حمية وغيرة ونجدة إذا أصيب النصارى في أي بقعة من العالم، وتأمل موقف الغرب من جنوب السودان وأندونيسيا، وقارنه بموقفه من كوارث المسلمين.
على أية حال، ليس من المستغرب أن يتفاعل الغرب مع نقد عبد الملك وسعيد باعتبار المشترك الديني بينهم، ولكن المستغرب فعلاً أن ترى المفكر المنتسب للإسلام يتصور التاريخ طبقاً لما يصوره الغربي له، ولا يعرف تاريخ نقد الاستشراق كيف وقع فعلاً، بل بعضهم يتطلب العلل والتفسيرات والمبررات لتجاهل نقد من يعرف نقدهم من علماء الشريعة ومثقفي الإسلاميين.
- النقد الخاطئ للاستشراق: ثمة ظاهرة ينبغي التفتن لها في نقد الاستشراق، وهي الدفاع الخاطئ عن الإسلام برفض النتائج الصحيحة للاستشراق، كتلك النتائج التي تحدثوا فيها أن بعض المحدثات والبدع قادمة من مؤثر خارجي كتعطيل الصفات والتصوف الهندي الخرافي ونحو ذلك، أو مدح النبي ﷺ بأصول مادية خاطئة، مثل الكتب التي صدرت عن عبقرية النبي ﷺ وشارك فيها القوميون والمثقفون المتأثرون بالفكر المادي، وتم إعادة عرض السيرة النبوية في صورة إنجاز مادي لا ديني، وقد تفتن لهذه العملية العلمانية الخفية حذاق المستشرقين، حتى قال رودنسون (وقد حصلت هذه الظاهرة نفسها في الإسلام بطريقة سرية زاحفة متدرجة، وقلة هم الذين أحسوا بذلك، وهذا ما ينعكس في السير الذاتية التي كتبت عن محمد أثناء القرن العشرين باللغة العربية، ففي الماضي كانوا يحتفلون بذكرى النبي الذي حمل رسالة سماوية، وعلم البشر الحقيقة عن الله، أما في هذا القرن فقد أصبحت ميزاته تتمثل في أنه مؤسس امبراطورية، وعقيدة اجتماعية مفيدة، وموحد قوميته أو عرقه، وبالكاد يذكرون اسم الله، وهذا نوع من أنواع العلمنة ذات النمط القومي، لقد تعلمنوا دون أن يشعروا)4.
فمن المدهش أنك ترى بعض المؤلفين العرب يذمون المستشرقين من الوجه الذي أصابوا فيه، وكمثال آخر على ذلك: أن يقوم المستشرق بذم بعض مظاهر الوثنية والبدع التي دخلت على جهلة المسلمين، كالمزارات والقبورية، فيقوم المؤلف العربي بالدفاع عنها باسم الدفاع عن الإسلام والمسلمين!، فمن ذلك أن أوليري تكلم عن القبور المتعددة لشخصية واحدة، وما يعتقده القبوريون حولها، فعلق المترجم اسماعيل البيطار مدافعًا عنها، وإنها للتيمن فقط، وأنها مثل إقامة أكثر من تمثال لشخصية واحدة في المجتمع الغربي!(2).
- الابتلاء بالاحتمالات الدلالية: حين يتلقى الموظف خطابًا من رئيسه يكلفه بمهمة فإنه للوهلة الأولى يضع في ذهنه الصورة المطلوبة للمهمة في أعلى مستوياتها، فإذا أهمل أو فرط رجع في ذهنه آلياً إلى خطاب رئيسه وتذكر ألفاظه وحاول تقليص حجم المهمة إلى أقل مستوياتها، ليسوغ لنفسه تقصيره عبر لغة الخطاب.
هذه العينة السابقة من السلوك هي حصيلة تفاعل بين (النفس البشرية) و(طبيعة اللغة) إذ أن الله ركب في النفس البشرية أنها تتوق أحياناً للمعالي فإذا قصرت التمست المخارج والتسويغات، وركب الله في طبيعة اللغة الاحتمال الدلالي وأن اللفظ المفرد والجملة المركبة تحتمل عدة معانٍ، وهذه العلاقة بين النفس البشرية وطبيعة اللغة أحد أعمدة التمحيص البشري: هل تحمل النفس البشرية ذاتها على المعالي فإذا قصرت عاتبت ذاتها؟ أم تفرع إلى (التأويل التطوعي) للخطاب الشرعي نتيجة ما تتيحه طبيعة اللغة من الاحتمال الدلالي؟ وهذا السلوك السابق ليس مقتصرًا على الأفراد، بل هو يحدث على مستوى أعلى، وهو مستوى المجتمعات والأمم.
فإذا ضم الباحث هذه المعاني السابقة في أصل الابتلاء والاحتمال الدلالي إلى قول الله تعالى ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ وإشارة القرآن إلى الموقف الاشتراطي أمام النص كقول الله ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ وربط الاستسلام لله بموافقة الرغبات كقول الله ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ﴾ ﴿وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ وتنبيه القرآن إلى ظاهرة الاستحضار والتجاهل في المعطيات الشرعية كقول الله ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ ونسبة المعاني الغربية المنحرفة للشريعة كقول الله ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ واستخدام الألفاظ التراثية الشرعية لتمرير المحتوى الغربي المخالف كقول الله ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾، إذا استحضر المؤمن كل هذه المعاني القرآنية أدركه الرثاء على مشروعات التأويل الحداثي للتراث وعلم أنها تغرق في وحل ليدن وهي تظن نفسها تبحر باتجاه قرطبة ..
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
Footnotes
-
هاشم صالح، الاستشراق بين دعائه ومعارضيه، دار الساقي، الطبعة الثانية، ٢٠٠٠م، (ص5). ↩
-
غابريلي، اعتذار للاستشراق، مجلة ديوجين، ١٩٦٥م، مترجمة ومنشورة في: الاستشراق بين دعائه ومعارضيه، ترجمة هاشم صالح، دار السافي، الطبعة الثانية، ٢٠٠٠م، (ص ٢٣). ↩
-
البهي، المبشرون والمستشرقون، (ص ٣٦). ↩
-
رودنسون، المقدمة الثانية لجاذبية الإسلام، منشور في: الاستشراق بين دعائه ومعارضيه، (ص 121). ↩