تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة أبو عمر

سلطة الثقافة الغالبة

الفصل الأول: استقبال النص

حُوّلت من نسخة مصورةالصفحات 47-112 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 65 دقيقة

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابسلطة الثقافة الغالبة

عزل النص عن التجربة البشرية كثير من الكتاب المتأثرين بضغط الثقافة الغالية يعانون من مفهوم مضلل أربك كثيراً من تصوراتهم الإسلامية، واكتشفوا أنفسهم في ظل نتائج تورطوا بها لم تخطر على بالهم لحظة الإعجاب الأولى بهذا المفهوم.

وهذه مشكلة «المتوالية الفكرية» حين يتبنى بعض الناس «مقدمات خاطئة» يسارع في تبنيها قبل الاستكشاف المسبق للوازمها، فيحرص على أن يحافظ على اطراده فيها فيلتزم لوازم تنتهك في مصائرها النهائية حدود الوحي.

هذا المفهوم يمكن أن نسميه «تجريد الإسلام»، أي جعل النص فكرة مجردة، ومؤدى كلام هؤلاء أن الإسلام لا يرتبط بأي تجربة بشرية، ويذكرون لذلك عدة مبررات مجازية مثل قولهم: (يجب تخليص النص المقدس من التاريخ غير المقدس)، وقولهم: (النص مطلق والفهم البشري محدود، والمحدود لا يحكم المطلق)، ونحو هذه العبارات التي تراهن في التأثير على القارئ بما فيها من الإجمال الدلالي.

ولكن أين يظهر أثر هذا المفهوم؟ الحقيقة أنه يظهر أثره حين يطلق أحدهم تفسيراً معيناً لحكم من أحكام الوحي يتناقض جذرياً مع فهم الصحابة لهذه الآية أو الحديث. وقد يزداد الأمر سوءاً فيزج أحدهم بقاعدة ومبدأ تفسيري كامل يترتب عليه مناقضة نمط فهم الصحابة للإسلام، فتتسلسل الفروع المخالفة لهدي الصحابة عبر هذا المبدأ التفسيري، وبعض هؤلاء يمارس ذلك ليس بسبب جهل علمي، بل بسبب «هوى مسيطر» فمثل هذا تعتبر مناقشته علمياً ضرب من العيث وامتهان للعلم ذاته، فمثل هذا الجنس من الناس يحتاج إلى صدمة تأهيل إيماني تعيد إليه توازنه العقلي.

لكن ثمة شريحة أخرى صادقة وباحثة عن الحق تتوهم فعلاً أن فكرة «اتباع من سلف» في فهم الإسلام إنما هي فكرة معاصرة وليس عليها دليل، فمثل هؤلاء بحاجة فعلاً إلى الرفق العلمي بهم وتزويدهم بالمعطيات الشرعية التي أسست مفهوم «مرجعية السلف».

وسأشير هاهنا لبعض هذه المعطيات، حيث يقول تعالى: [ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ] [التوبة: ١٠٠]. فلو لم يكن هدي سابقة الصحابة محلاً للاتباع لما أثنى على من اتبعهم بهذه الصفة، فأثنى على من اتبع تجربة بشرية سابقة.

ويقول تعالى أيضاً: [ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ] [النساء: ١١٥].

ولو لم يكن لاتباع سبيل المؤمنين معنى إضافي في مزيد توضيح الهدى لما ذكره، وسبيل المؤمنين يعرف من خلال تجربتهم البشرية، فانظر كيف ذمهم على عدم اتباعهم تجربة بشرية سابقة.

وبالله عليك؛ امنح شيئاً من التركيز في مثل هذا التوصيف: فإنه لما قال سبحانه: [ أَهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ] {الفاتحة: ٦}، زاد على ذلك بوصف كاشف فقال: [ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ] {الفاتحة: ٧}.

فلم يقتصر تعالى على الوصف المجرد لـ «الصراط المستقيم» بل زاد على ذلك بأن ربطه بتجربة بشرية وهي تجربة «الذين أنعم الله عليهم».

وتدبر ما هو أعجب من ذلك كله، وهو أن الله اختار أن يودع هذا المعنى أعظم سور القرآن على الإطلاق وهي سورة الفاتحة، وجعلنا نردد هذا المعنى مرات عديدة يومياً خلال الصلوات.

ومن البديهي أن تعيين فضل خاص في السورة القرآنية، وتشريع ترديدها يومياً؛ أن هذا ليس قراراً اعتباطياً معزولاً عن حبيبات ضمنية، تعالى الله عن ذلك، بل هذا مبني على معطيات معينة تتضمنها السورة ذاتها، وهذا متفرع عن الأصل الكبير الغزير الفروع والتطبيقات وهو «التعليل في الأفعال الإلهية» وأن مشيئة الله مرتبطة بعدله وحكمته، والمراد أن الفضائل الصحيحة الثابتة للسور من أهم مصادر استكشاف الأولويات المفاهيمية القرآنية.

وتبعاً لذلك فإن النبي ﷺ حين شرح افتراق الناس في فهم الإسلام بين الطريقة الصحيحة فقال: (هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)1.

بل جعل النبي نموذج الصحابة «ضمانة دينية» للمجتمع المسلم فقال في «صحيح مسلم»: (أصحابي أمانة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون)2، وقال ﷺ في الحديث الشهير: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين)3.

وهذه دعوة صريحة لمراعاة تجربة بشرية سابقة في فهم الإسلام، وتسميتها «سنة» بكل ما تحمله هذه الكلمة في السياق المحمود من ثقل ديني.

والمراد أن المتأثرين بضغط الثقافة الغالبة الذين يرددون أن الإسلام لا يرتبط بأي تجربة بشرية تبنوا مسلمة خاطئة كلياً؛ بل الله سبحانه وتعالى أمرنا أمراً صريحاً واضحاً بأن نتبع هدي سلفنا من أصحاب محمد ﷺ ومن تبعهم بإحسان.

ويترتب على ذلك أن كل مبدأ كلي في فهم الإسلام، أو فهم جزئي خاص لأحد الأحكام، يتناقض مع طريقة الصحابة وما تواطؤوا عليه؛ فهو انتهاك لمبدأ قرآني صريح ينظم أسلوب تعاملنا مع سؤال تفسير الإسلام.

وبعض الكتاب لديه إشكالية أخرى وهو أنه يقول (لا يمكن أن يكون نموذج الصحابة له مرجعية؛ لأن الكل يدعيه من شتى الطوائف)!

وهذا بصراحة كلام سطحي، فإن من بدهيات العقل أن «الاختلاف في الدليل لا يسقط دليليته»، بمعنى هل يمكن أن نقول: النص كل الطوائف تدعيه، فلا حجة فيه؟! أو أن نقول: العقل كل الطوائف تدعيه، فلا حجة فيه؟!

لن يوجد عاقل يقول ذلك، وإلا كان سفسطة، بل سنقول قطعاً: حتى لو اختلف الناس في فهم النص والعقل واللغة والقياس إلخ، فهذا لا يسقط مرجعيتها، بل «الرهان على البرهان» فاعرضوا فهمكم في هذه الأدلة، ونعرض فهمنا، والأسعد بالدليل هو الأسعد بالصواب.

وهكذا في قضية «اتباع الصحابة ومن تبعهم بإحسان»، فحتى لو ادعتهم بعض الطوائف الضالة، سواء كانت طوائف عقدية تراثية، أم طوائف فكرية معاصرة مخالفة لأهل السنة؛ فإن الرهان على البرهان، وإذا عرضت آثار أصحاب محمد -عليهم رضوان الله- تبين فعلاً من هو الأتبع لها، وطارت الدعوى والشعارات.

وينبوع الإحداث في دين الله كله ناشئ بسبب «ضعف تعظيم السلف» في عمق علمهم وكمال ديانتهم، كما أن صحة تدين المرء واهتدائه في دين الله فرع عن تعظيم السلف واعتقاد كونهم أكمل منا ديناً وعلماً.

تأمل في جمهور الطوائف الكلامية التراثية الضالة اليوم، تجدهم يرددون أن (كلام السلف أسلم وكلام الخلف أعلم وأحكم).

وتأمل في كلام الطوائف الفكرية المعاصرة المسترقّة لسلطة الثقافة الغالبة تجد أحسنهم قولاً يقول (تجربة السلف غنية وناجحة، لكن لا تلزمنا!) أما فجّار هذه الطوائف فيعتقدون أن السلف (دراويش).

كيف تشهد عشرات النصوص القرآنية ومئات الأحاديث النبوية بكمال اهتداء الصحابة، وبخيرية القرون المفضلة، ومع ذلك يكون من بعدهم أبصر بدين الله منهم؟! كيف يكونون أكمل اهتداء لكنهم أجهل من غيرهم؟! كيف يكون هذا في العقل؟!

أليس كمال الهداية فرع عن كمال العلم؟! وهل يكون كمال الهداية مع الجهل؟!

حسنًا: إذا كان أصحاب رسول الله معلمهم وشيخهم وأستاذهم هو الرسول نفسه ﷺ الموحى إليه، فكيف يكون معلومكم أصح من تعليم رسول الله؟! هذا طعن في كمال قيام النبي بأمانة تعليم الكتاب والحكمة.

والتابعون معلومهم أصحاب رسول الله، فكيف يكون معلومكم أصح من معلمين تخرجوا على يدي رسول الله ﷺ؟! وهكذا فيمن بعدهم.

لنتأمل ملاحظة ابن تيمية هذه: (وإنما يوجد تعظيم السلف عند كل طائفة بقدر استنائها وقلة ابتداعها)4، فهذه ملاحظة صحيحة بلا ريب من رجل خبر الطوائف بدقة، فكل طائفة تقترب من الاهتداء في دين الله بقدر قربها من السلف، وتبتعد بقدر بعدها عنهم.

وتأمل كيف يلاحظ ابن تيمية أن مؤدى اعتقادهم الحقيقي هو اعتقاد أن السلف كانوا كالدراويش، أو الصالحين من العوام، لكن لم يكونوا في غاية الدقة العلمية، كما يقول في «الفتوى الحموية الكبرى»: (اعتمدوا على أمور عقلية ظنوها بينات وهي شبهات، والسمع حرفوا فيه الكلام عن مواضعه، فلما انبنى أمرهم على هاتين المقدمتين الكفريتين كانت النتيجة: استجهال السابقين الأولين، واستبلاهم، واعتقاد أنهم كانوا قوماً أمين بمنزلة الصالحين من العامة؛ لم يتبحروا في حقائق العلم بالله، ولم يتفطنوا لدقائق العلم الإلهي)5.

بالله عليك فتش في كلام الطوائف البدعية التراثية، وفي كلام الطوائف الفكرية المسترقة للثقافة الغالبة اليوم، تجدهم غالباً يعتقدون أن السلف كانوا بمنزلة (صالح العامة) وليسوا أدق من المعاصرين في تفسير النصوص، بل بعضهم يصرح ويقول: (تطورت العلوم الإنسانية وصرنا أدق من السلف في فهم النصوص!).

فصار مؤدى كلامهم أن هؤلاء الذين درسوا اللسانيات والهرمنيوطيقيا وفلسفة اللغة والنقد الأدبي -وهذه أصول علوم الدلالة في الفكر الغربي- أفقه في معنى القرآن والحديث من أبي بكر وعمر وابن عباس وابن مسعود، فأي زندقة في دين الله أكثر من ذلك؟!

ومن أعجب استدلالات ابن تيمية أنه لما ناقش مقولة ابن سينا التي لمز فيها الصحابة بضعف عقولهم وعظم فيها الفلاسفة حين قال ابن سينا: (فإن المبرزين المنفقين لياليهم وأيامهم وساعات عمرهم على تمرين أذهانهم بسرعة الوقوف على المعاني الغامضة؛ يحتاجون في تفهم هذه المعاني إلى فضل إيضاح وشرح وعبرة؛ فكيف عُثْمُ العبرانيين وأهل الوبر من العرب؟)6.

فنقل ابن تيمية هذه العبارة في كتابه «درء التعارض»، ورد عليها رداً مطولاً ظهرت فيه آثار الغيرة والحمية للصحابة، ثم عقب بعد أن انتهى من الرد بأن هذه الشدة إنما كانت في مقابلة هذا التطاول من ابن سينا، ومن أجمل ما في رد ابن تيمية على عبارة ابن سينا هذا الاستدلال حيث يقول: (وكل أحد يعلم أن عقول الصحابة والتابعين وتابعيهم أكمل عقول الناس، واعتبر ذلك بأتباعهم، فإن كنت تشك في ذكاء مثل مالك، والأوزاعي، والليث بن سعد، وأبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وزفر بن الهذيل، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم، وأبي عبيد، وإبراهيم الحربي، وعبد الملك بن حبيب الأندلسي، والبخاري، ومسلم، وأبي داود، وعثمان بن سعد الدارمي، بل: ومثل أبي العباس بن سريج، وأبي جعفر الطحاوي، وأبي القاسم الخرقفي، وإسماعيل بن إسحاق القاضي، وغيرهم من أمثالهم، فإن شككت في ذلك: فأنت مفرط في الجهل أو مكابر؛ فانظر خضوع هؤلاء للصحابة، وتعظيمهم لعقلهم وعلمهم، حتى أنه لا يجترئ الواحد منهم أن يخالف الواحد من الصحابة، إلا أن يكون قد خالفه صاحب آخر، وقد قال الشافعي في «الرسالة»: أنهم فوقنا في كل عقل وعلم وفضل ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا)7.

والمراد أن تعظيم السلف والاهتداء بفهمهم للنص دلت عليه النصوص الشرعية، وغالب أسرى الثقافة الغالبة لا يتفطنون لآثار إسقاط هذا الأصل الجوهري.

توظيف مفهوم الوسطية في خطابنا الثقافي المحلي هناك استنزاف مكثف ومفاجئ لمفهوم «الوسطية»، ففي حقبة زمنية واحدة قصيرة رأينا منتديات إلكترونية نشأت باسم (الوسطية) ومقالات صحفية كثيرة تتحدث عن الوسطية، ورأينا من يستصرخ العلماء لبث وإشاعة خط الوسطية في الدين! وصار من المألوف أن تسمع وصفاً لأحد دعاة الفضائيات أنه (شيخ وسطي)، بل رأينا أعمالاً فنية تحاول تجسيد هذا الطلب وأن “الوسطي بلا وسطية”، وأعلن أحد كراسي البحوث إطلاق مشروع ضخم باسم «موسوعة أبحاث الوسطية».

حسنًا.. أين المشكلة؟!

المشكلة أن «الوسطية» في القرآن ليست وسطية واحدة، بل هي وسطيتان: وسطية مطلوبة، ووسطية مرفوضة.

فمن «الوسطية المطلوبة» في القرآن ذلك الدعاء القرآني المبهر الذي ندعوا به يومياً عشرات المرات: [ أَهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ١ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ] {الفاتحة: ٦-٧}.

فانظر بالله عليك، كيف ترسم هذه الآية خط [ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ] وسطاً بين مسار [ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ] ومسار [ الضَّالِّينَ ].

ولذلك استحققت هذه الأمة الوصف القرآني المشرف: [ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ] {البقرة: ١٤٣}. هذا من حيث الإسلام كله، أما من حيث شرائع الإسلام التفصيلية فإن الله لما ذكر الصلاة قال: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ {الإسراء: ١١٠}.

فجعل ابتغاء السبيل بين «الجهر» و «المخافتة» وسطية مطلوبة. وحين ذكر الله النفقة قال: [ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ] {الفرقان: ٦٧}.

فجعل النقطة الوسط بين الإسراف والتقتير [ قَوَامًا ] أي: وسطية مطلوبة.

وهناك الكثير من شواهد الوسطية المطلوبة في القرآن، لكن هل هذا كل شيء؟ هل هذه هي الوسطية في القرآن؟

لا، ثمة لون آخر من الوسطية شرحه القرآن أيضاً، يجهله، أو يتغافل عنه، كثير من المأسورين لسلطة الثقافة الغالبة.

فإن الله تعالى لما ذكر أصحاب محمد ﷺ وخصومهم، ذكر طائفة أخرى من الناس أرادت أن تنتهج منهج «الوسطية» بين الفريقين، فقال تعالى عن هذه الوسطية المرفوضة [ مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ ] {النساء: ١٤٣}.

وهؤلاء أصحاب «الوسطية المرفوضة» تجدهم دوماً يحاولون أن يحسنوا العلاقات مع أهل الحق وخصومهم، أو كما يقولون بلغتهم المفضلة (نبني جسور العلاقات مع جميع الأطراف)، كما قال تعالى عن هذا المظهر من مظاهر وسطيتهم: [سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أَرْكَسُوا فِيهَا] {النساء: ٩١}.

الطريف في الأمر أن هؤلاء الوسيطين تلعب بهم «النفعية» «والبراجماتية» إلى مداها الأقصى، فإن كان النفوذ لأصحاب الدعوة كانوا معهم، وإن كان النفوذ لخصوم الدعوة كانوا معهم، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ {النساء: ١٤١}.

ووجد في عصر النبي ﷺ من كفر بالكتب السماوية كلها، ووجد فيها من آمن بها كلها، ووجد الفريق الثالث وهو من توسط بين الفريقين، فآمن ببعض كلام الله وترك البعض الآخر، فهل كانت هذه وسطية محمودة؟

لقد ندد القرآن بهذه الوسطية بكل وضوح فقال: [أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ] {البقرة: ٨٥}.

ربما كان اللافت فعلاً أن القرآن استعمل هذه الصيغة [بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا] في كلا نوعي الوسطية، فجعل مرة ابتغاء السبيل بين الأمرين «وسطية مطلوبة»، وجعل مرة أخرى ابتغاء السبيل بين الأمرين «وسطية مرفوضة».

ففي المرة التي استخدم فيها (ابتغاء السبيل بين الأمرين) في الوسطية المطلوبة يقول تعالى: [وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا] {الإسراء: ١١٠}.

وفي المرة التي استخدم فيها (ابتغاء السبيل بين الأمرين) في الوسطية المرفوضة يقول تعالى: [ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ] {النساء: ١٥٠}.

حسنًا.. ما هو الفرق إذن بين هاتين الوسطيتين في القرآن؟

الحقيقة: أن الوسطية المطلوبة في القرآن تجدها دومًا «حق بين باطلين»، أما الوسطية المرفوضة في القرآن فتجدها دومًا «وسط بين الحق والباطل».

فهؤلاء الذين ينادون دومًا بالوسطية الدينية، والوسطية في فهم الإسلام، إن كانوا يعنون بالوسطية وسطية «أصحاب محمد» في تفسير النص، والموقف من العلوم المدنية، والموقف من الكافر، ودور المرأة، وضوابط الحريات الشخصية، إلخ، فهذه وسطية مشكورة محمودة.

أما إن كان المراد التوسط بين منهج أصحاب محمد ﷺ، والفكر الغربي الغالب، فهذه وسطية مردودة مذمومة، وقد سبق أن شرح القرآن نظيرها فقال: [ مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ ] {النساء: ١٤٣}.

والمراد أن المسجونين في معتقلات الثقافة الغالبة يجعلون تحريف الأحكام الشرعية لتكون وسطًا بين فهم السلف والفكر الغربي؛ يجعلون ذلك هو الوسطية المحمودة التي جاء بها القرآن، والواقع أن هذه هي الوسطية المردودة التي ذمها القرآن.

تقنية التبعيض كنت مرة أتأمل الاتجاهات الفكرية المعاصرة الراضخة تحت هيمنة الثقافة الغالبة، والمخالفة لمنهج أهل السنة في التلقي والاستدلال، وأحاول أن أستكشف: هل يمكن الوصول إلى تعيين «تقنية ذهنية مشتركة» تسببت في خلق الفارق بين كل هذه الاتجاهات الفكرية وبين أهل السنة؟

بمعنى محاولة لاستخلاص «كلي» إن وجد طبعاً، يتيح لنا الفهم بشكل أفضل (الفارق الجوهري في عملية تشكيل المعرفة بين مدارس الثقافة الغالبة وأهل السنة)، فحين نتصفح الجزئيات يمكن أن نصل غالباً إلى كليات دفينة فيها الكثير من الطرافة العلمية.

حسنًا.. ما هي أولاً «المدارس الفكرية» المخالفة لأهل السنة في نمط فهم الإسلام؟

يمكن القول بشيء من التجوز طبعاً: أن المدارس الفكرية المخالفة لمنهج أهل السنة اليوم بحسب ما شاهدته في بيئتنا المحلية هم أربع اتجاهات (العلمانيون، الليبراليون، التنويريون، اليساريون).

وقد لاحظت وربما غيري لاحظ غير ذلك أن هذه الطوائف الأربع يجمعها قاسم مشترك فكري واحد، أو آلية فكرية مشتركة؛ هي التي تسببت في مفارقتها لأهل السنة في نمط فهم الإسلام، ويمكن أن نسمي هذا (الميكانيزم) العقلي الذي تشتغل بواسطته كل هذه الطوائف الفكرية الأربع: «تجزئة الوحي».

ولماذا يكون هذا الجهاز التفسيري (أعني تجزئة الوحي) هو الذي سيساعدنا بشكل ناجع على فهم هذه الطوائف الفكرية الأربع؟ الحقيقة أنني أن وجدت هذا المنظار التأويلي (أعني: تجزئة الوحي) يزودنا بإجابة منطقية وعقلانية تفسر لنا أغلب قسما تلك التيارات، ولنتناول بعض الأمثلة.

فالطائفة الأولى «العلمانيون»، وأعني طبعاً العلمانية المنتسبة للإسلام، وليست العلمانية اللادينية، فتجدهم يحفلون كثيراً بنصوص «ابتناء العلوم المدنية على الاجتهاد البشري»، ولذلك لا تكاد تجد علمانياً عربياً إلا ويحفظ عن ظهر قلب حديث التأبير: (أنتم أعلم بأمر دنياكم)8، لكنهم ينفرون من نصوص تحكيم الشريعة في الأمور المنصوصة.

فتجده أخذ بعض الشريعة وترك بعضها، ونتيجة لكونه أخذ بعض الشريعة يصنع لنفسه راحة ضمير بأنه ولله الحمد منتسب للإسلام، وأنه ليست المشكلة في الإسلام وإنما في الإسلاميين الرجعيين!

والطائفة الثانية «الليبراليون» فتجدهم يحفلون كثيراً بأي نصوص شرعية تتحدث عن الحريات العامة، ومشاركة المرأة في المجتمع، لكنهم يتبرمون بأي نصوص قرآنية أو نبوية تأمر بالنهي عن المنكر، أو معاقبة المخالف للشريعة، أو أي نص قرآني في إقصاء المخالف.

وتجدهم حين يبيثون تباريحهم بين بعضهم يقولون لأنفسهم نحن معجبون جداً بالإسلام، والإسلام دين حضاري، لكن المشكلة في الإسلاميين الإقصائيين!

والطائفة الثالثة: «التنويريون» وتجدهم يتغنون كثيراً بنصوص العمران المادي للدنيا واستفادة النبي ﷺ مما عند الأمم الأخرى. ولا تجد تنويرياً إلا وهو يبدأ حديثه ويختمه بآية [وَأَسْتَعْمِرُكُمْ فِيهَا]، لكنهم يتضايقون من نصوص تعظيم التوحيد، توحيد الشعائر وتوحيد التشريع، وأنه أعظم المطالب الإلهية، ونصوص «وسيلة العلوم المدنية» وأنها وسيلة لإظهار الهدى ودين الحق على الدين كله، فتحمد بقدر ما أدت لغايتها، ونصوص التزهيد في الدنيا بالنسبة للآخرة.

فإذا تحدثوا عن الإسلام قالوا: الإسلام دين الحضارة، ولا مشكلة فيه، وإنما المشكلة في العقلية السلفية المتحجرة!

والطائفة الرابعة: «اليساريون» وهؤلاء اليساريون يشعرون بنشوة حقيقية حين تتلى عليهم آيتي الشورى، وآيات مقاومة موسى لاستبداد فرعون، وإنكار شعيب على قومه مظالم الأموال، وكل اليساريين ينقلبون محدثين نيسابوريين! يرون لك حديث (سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجلٌ قام إلى إمامٍ جائرٍ فأمره ونهاه فقتله)9.

لكنهم ينفرون نفوراً شديداً من النصوص المعظمة للعقيدة، والفروع الفقهية، ويرون فيها تشتيتاً للتركيز على القضايا الحيوية للمجتمع، وتتنغص سعادتهم إذا سمعوا آية: [أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ] [النساء: ٥٩]، ويتهكمون ببجاحة مدهشة ضد أحاديث «البخاري ومسلم» في تحريم الخروج المسلح، ووجوب الطاعة بـ «المعروف».

فانظر كيف أن العلمانيين اختزلوا الإسلام في حرية الاجتهاد المدني، والليبراليين اختزلوا الإسلام في الحريات العامة، والتنويريين اختزلوا الإسلام في قضايا الحضارة والعلوم المدنية، واليساريين اختزلوا الإسلام في الاحتجاج السياسي.

فهؤلاء كلهم تجد غالب ما يثبتونه ويريدونه أنه من الإسلام فعلاً، فالمشكلة ليست فيما يطلبون، وإنما المشكلة فيما ينفون من تشريعات الإسلام.

وإذا فحصت الحاضر والغائب من القيم في هذه الاتجاهات الأربع وجدت كل طائفة منها تأثرت بقبضة أذرع الثقافة الغالبة، لكنهم يختلفون في كمية الشعب التي أخذتها كل طائفة من مخزن الثقافة الغالبة.

وأما أهل السنة والجماعة فلهم منهج مغاير، فلا يتأثر أخذهم وردهم من النصوص بنمط تأثرهم بالثقافة الغالبة كما تفعله الطوائف الفكرية المعاصرة، بل منهج أهل السنة هو «استيعاب الوحي»، أي استيعاب خلاصة توازنات النصوص، فتجدهم أخذوا بقاعدة ابتناء العلوم المدنية على الاجتهاد البشري، لكن وازنوها بقاعدة تحكيم الشريعة في المنصوص.

وأخذوا بقاعدة الحريات العامة، لكنهم وازنوها بقاعدة الإنكار والاحتساب.

وأخذوا بقاعدة دور المرأة في الحياة العامة، لكنهم وازنوها بقاعدة التحفظ والاحتياط في العلاقة بين الجنسين.

وأخذوا بقاعدة وجوب السعي لامتلاك الحضارة والمدنية، لكنهم وازنوها بقاعدة أولوية التوحيد والفرائض، وقاعدة التزهيد في الدنيا مقابل الآخرة.

وأخذوا بقاعدة الإنكار السياسي العلني، لكنهم وازنوها بقاعدة تحريم الخروج المسلح، ووجوب الطاعة بـ «المعروف».

كلما تأملت الفرق بين تقنية «تجزئة الوحي»، ومنهج «استيعاب الوحي» تكشف لي من جديد اختراق هذا الفارق (الإبستمولوجي) لأدق تفاصيل الفروق بين الطوائف الفكرية وبين أهل السنة.

وكم هو طريف أن نتذكر أيضاً: أن هذه التقنية، أعني تجزئة الوحي، لا تقدم إجابة على سؤال المدارس الفكرية المعاصرة فقط، بل حتى الطوائف العقدية التراثية ستجد أن هذه التقنية هي حجر الرحى في بنائها المعرفي.

فالمخالفون لأهل السنة في باب الصفات الإلهية مثلاً، تجد فيهم «المعطلة» (المعتزلة والأشاعرة والماتريدية) وتجد جوهر إشكالهم هو أنهم أخذوا بنصوص التنزيه وتركوا نصوص الإثبات، و«المُشَبِّهة» أخذوا بنصوص الإثبات وتركوا نصوص التنزيه.. لكن «أهل السنة» أخذوا بكلا المعطيين الشرعيين انعكاساً لمبدئهم في «استيعاب الوحي».

والمخالفون لأهل السنة في باب القدر، تجد فيهم «القدرية» (النفاة) وهؤلاء أخذوا بنصوص الاختيار والإرادة البشرية وتركوا نصوص الإرادة الإلهية، وفيهم «الجبرية» وهؤلاء أخذوا بنصوص الإرادة الإلهية وتركوا نصوص الإرادة البشرية، ولكن أهل السنة أخذوا بكلا المعطيين الشرعيين.

وهكذا بقية أبواب العقيدة والتصورات في ذات الله والغيبيات، وفي استخلاص كلي رائع للإمام ابن تيمية حدد فيه هذه المعالم، وذلك في رسالته «العقيدة الواسطية» الشهيرة لما ذكر نصوص القرآن، ثم نصوص السنة، في إثبات الصفات؛ عقب عليها بتلخيص مكثف رائع لموقف أهل السنة والجماعة في «خمسة أبواب عقدية» يعتمد هذا التخليص على مرتكز ضمني وهو الفرق بين «تجزئة الوحي» و «استيعاب الوحي»، حيث يقول أبو العباس ابن تيمية في الموضع المشار إليه: (بل أهل السنة هم الوسط في فرق الأمة، كما أن الأمة هي الوسط في الأمم، فهم وسط في «باب صفات الله» سبحانه وتعالى بين أهل التعطيل الجهمية، وأهل التمثيل المشبهة، وهم وسط في «باب أفعال الله» بين الجبرية والقدرية وغيرهم، وفي «باب وعيد الله» بين المرجئة، والوعيدية من القدرية وغيرهم، وفي «باب أسماء الإيمان والدين» بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية، وفي «أصحاب رسول الله» بين الرافضة والخوارج)10.

لو حاولت أن تفهم سر هذا التوسط في هذه الأبواب العقدية الخمسة، وما الذي أملى على بقية الفرق مساراتها العقدية، لاكتشفت أنك تعود إلى قضية الفارق بين «تجزئة واستيعاب الوحي».

ولكن لماذا اشتركت المدارس الفكرية المعاصرة مع الطوائف العقدية التراثية في ذات الأساس الإيستمولوجي؟ الحقيقة أن سر المسألة يكمن في مشاركة عامل الارتهاك لسلطة الثقافة الغالبة كما سبق إيضاحه، فعامة الطوائف العقدية التراثية ذابت أمام نفوذ الثقافة اليونانية/العقلية والثقافة الهندية/الروحانية، والمدارس الفكرية المعاصرة ذابت أمام نفوذ الثقافة الغربية، والفرق في كمية الشعب التي أخذتها كل فرقة من الثقافة الغالبة التي عاصرتها.

ومن المظاهر الخطرة في هذه المدارس الفكرية الأربع (العلمانيون والليبراليون والتنويريون واليساريون) ما يمكن تسميته حالة «الإيمان المشروط»، فهم مؤمنون بالإسلام، ومؤمنون بالوحي، بل بعضهم سيندهش لو شككت في إيمانه! لكنهم كلهم تقريباً يؤمنون بالنص القرآني أو النبوي الذي ينسجم فقط مع منظومتهم الفكرية (الأيديولوجية)، ويتسلطون بالمكابرة التأويلية على كل نص يهدد هرم أولوياتهم الفكرية.

فالواحد منهم إذا ناقشته وذكرت نصاً ينسجم مع ما يريد تراه متهللاً مستبشراً يستزيدك، فإذا ذكرت نصاً إلهياً لا ينسجم مع منظومته تغير ذلك التعامل، فأي إزراء بالله سبحانه وتعالى أن يجعل المخلوق حكم خالقه رهن هواه ومنظومته الفكرية؟! ألهذه الدرجة يضر تعظيم الله في القلوب؟!

أليس هذا «الإيمان المشروط» يشبه حال ذلك الفريق الذي حكى الله سبحانه نمط تعاملهم مع الرسول ﷺ حيث يقول تعالى: [ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ (١٨) وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ] {النور: ٤٨-٤٩}.

أليس هذا «الإيمان المشروط» يشبه أيضاً حال تلك الطائفة التي حكى الله مقالاتها: [ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا ] {المائدة: ٤١}.

ما فرق هذه الحال عن تلك الحال؟!

تجزئة الوحي أو تقنية التبعيض ليست ظاهرة جديدة بتاتاً؛ وإنما هي ظاهرة كشف الوحي لنا عنها مبكراً، حين قال تعالى: [ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ] {البقرة: ٨٥}، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا﴾ {النساء: ١٥٠}.

وقد رصد الإمام ابن تيمية ظاهرة الإيمان المشروط وبين مخالفتها لأصل الإسلام، حيث يقول: (ففي الجملة: لا يكون الرجل مؤمناً حتى يؤمن بالرسول إيماناً جازماً ليس مشروطاً بعدم معارض، فمتى قال «أؤمن بخبره إلا أن يظهر له معارض يدفع خبره» لم يكن مؤمناً به، فهذا أصل عظيم تجب معرفته، فإن هذا الكلام هو ذريعة الإلحاد والنفاق)11.

بل أوضح الإمام ابن تيمية أن صاحب هذه الحالة يتدهور إيمانه تدريجياً ولا يمكن أن يبقى متديناً، كما يقول الإمام ابن تيمية: (ولهذا تجد من تعود معارضة الشرع بالرأي لا يستقر في قلبه الإيمان)12 وحصيلة هذا التحليل أن المدارس الفكرية التي انزلقت في فخ الثقافة الغالبة تجدها كلها تستعمل تقنية التبعيض في تعاملها مع نصوص الوحي، وبذلك تحقق لنفسها شيئاً من الطمأنينة الداخلية بأنها ما زالت تتصل بسبب إلى الإسلام، وأنها تنطلق من الإسلام، وأن مشكلتها ليست مع الإسلام، ونحو هذه التضميدات العاطفية لمشاعر الانشقاق المنهجي.

قطعة الشريعة بسبب كون الثقافة الغالبة ستصطدم حتماً ببعض المعطيات الشرعية فقد راجت بين المدارس الفكرية المعاصرة آليات التقليل والتخلص من المعطيات الشرعية، وأحد هذه الآليات الرائجة فكرة «حصر الشريعة في قطعي الثبوت والدلالة»، وسبب رواج هذه الفكرة هو ما فيها من الاصطلاحات الأصولية التي مرر فيها المحرفون حمولتهم الفكرية الفاسدة.

فتلاحظ أن كثيراً من التيارات الفكرية التي امتهنت شرعنة مفاهيم الثقافة الغالبة يمر كلامهم بمقدمات فاسدة يفضي بعضها إلى بعض، فيبدؤون بالقول بأنه لا إنكار إلا في القطعات، ثم ينتقلون للقول أنه لا مانع من تغيير كل حكم شرعي ما لم يكن قطعياً، ثم ينتقلون لتضييق مفهوم القطعي جداً، فيجعلون أي مخالف حتى لو كان خلافه شاذاً، يقدح في القطعية، ويجعلون أي احتمال في الدلالة حتى لو كان لا عبرة به، يقدح في القطعية.

بل يجعلون أحياناً عدم ورود الحكم في القرآن قادحاً في القطعية، وبعضهم يجعل عدم ورود الحكم في «الصحيحين» قادحاً في القطعية، وأن كل ذلك يحول المسألة إلى اجتهادية، أما أحاديث الأحاد فإثبات عدم قطعيتها مهما احتف بها من القرائن يكاد يكون همهم الأساس.

وبالجملة، فالذي رأيته عند المدارس الفكرية الخاضعة لسلطة الثقافة الغالبة أنهم لا يتورعون عن التمسك بأدنى شبهة ليقدحوا في القطعية، حتى يكاد أن يكون القطعي عندهم ما اتفقت عليه الأمم فقط، أو بشكل أدق ما اتفق عليه الغالب والمغلوب فقط.

ومن أمثلة ذلك، أنك تجدهم يجحدون حد الردة، أو الفوائد البنكية، ونحوها، ثم يقولون بكل برود: لأنه ليس قطعياً (بناء على تصويرهم لمعنى القطعي)، ويرون ذلك حجة كافية لهم.

بل وبعضهم قرأت له قوله بكل صراحة «تفريق الجويني بين القطعي والظني يفتح باب الاجتهاد» يقصد أن كل ما لم يكن قطعياً فيجوز رفضه لأدنى سبب، لا نتيجة البحث الجاد الصادق عن مراد الله ورسوله ﷺ.

فانظر كيف يستغلون التمييز بين القطعي والظني، وينسبونه للجويني وكأنه أمر حادث يبرر إضافة حادثة، برغم أن التمييز بين القطعي والظني أصلاً تفريق أصولي تقليدي معروف قبل الجويني، فجمع هؤلاء الجهل بتاريخ المفاهيم الشرعية وسوء استغلالها.

وترى بعض من ابتلع هذا التصور يشاهد تحريف العلماني والليبرالي والتنويري واليساري لشرائع الإسلام ولا يحرك فيهم ذلك كله ساكناً، لأنه بزعمهم لم ينكر قطعياً، فكل ما يقولونه له شبهة في ثبوت أو دلالة.

والمؤدى النهائي لذلك كله إذا تأمله الباحث الموضوعي هو «اختزال الشريعة في قطعي الثبوت والدلالة» فقط.

وعليه؛ فإن كل مسألة شرعية ليست قطعية عندهم، فلا حرمة لها ولا كرامة، فيجوز تركها من باب التجديد، الذي هو عندهم شرعنة مفاهيم الثقافة الغالبة، ولا ينكر على مخالفها مهما كان.

وإذا قال لهم الناس عن ظاهرة من الظواهر «هذا منكر يجب إنكاره» قالوا: ليس قطعي الثبوت أو ليس قطعي الدلالة.

فحصروا الشريعة في نزر يسير يسمونه القطعي، وصار غالب كلام الله وكلام رسوله لا يفيد الهدى ولا يصلح للاحتجاج عندهم؛ لأنه إما غير قطعي الثبوت أو غير قطعي الدلالة.

والله تعالى أمر العدد اليسير من الناس أن يبلغ دين الله كما قال تعالى في سورة التوبة: [فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ] (التوبة: ١٢٢) ولو كان الدين الذي تقوم به الحجة هو القطعي كما يعرفونه فقط لكان هذا التوجيه عبثاً، تعالى الله عن ذلك، إذ النقل الذي يأتي به نفر يسير لا يحصل به القطعي طبقاً لتعريفهم.

وقال النبي ﷺ في أحاديث يبلغ المعنى المشترك فيها درجة التواتر القطعي (بلغوا عني ولو آية)13، وقال ﷺ: (نضر الله امرأً سمع منا حديثاً فبلغه)14، ولو كان الدين لا يثبت ولا يحتج فيه إلا بالقطعي الثبوت والدلالة طبقاً لتعريفهم للقطعي لكان توجيه النبي هذا لغو لا ثمرة له، حاشاه ﷺ، إذ ما فائدة أن يبلغ رجل واحد خبراً سيكون غير قطعي الثبوت، وربما دخل تفسيره ظنية المعنى.

وقد تواتر عند أهل التاريخ والسير والحديث، بل كل علوم أهل الإسلام نقلت ذلك، حتى كتب الأدب، أن النبي كان يرسل إلى الأمم رسولاً واحداً يخبرهم بالإسلام كله وليس حديثاً واحداً، ومع ذلك يرتب النبي آثار هذا التبليغ عليهم، ولو كانت الحجة لا تثبت إلا بالقطعي لما أخذ النبي هؤلاء الأمم بخبر واحد في أصول الدين وفروعه.

وكما أنهم يختزلون الشريعة في «قطعي الثبوت والدلالة»، فإنهم في المقابل يتوسعون جداً في جعل غالب الشريعة ظنياً، فيتردد على ألسنة كثير من المنتسبين للثقافة أن (غالب الأحكام الفقهية ظنية). ويكررون هذه الفكرة إذا أنكر عليهم شخص في مسألة شرعية، أو إذا أرادوا الحديث عن النسبية والتسامح ونحوها من الموضوعات ذات الصلة.

وربما نقل بعضهم بعض الاقتباسات التي تعزز كلامه من بعض كتب أصول الفقه المتأخرة التي بنيت على أصول كلامية تجعل (الفقه من باب الظنون)، وبعضهم ينطلق من مبدأ أن (الخلاف دليل الظنية).

فما مدى الدقة العلمية لهذا التصوير لمستوى ثبوت الفقهيات؟

هاهنا جواب بديع لشيخ الإسلام في كتابه «الاستقامة» في الرد على من قال «الفقه من باب الظنون» حيث يقول: (ومن المعلوم لمن تدبر الشريعة أن أحكام عامة أفعال العباد معلومة لا مظنونة، وأن الظن فيها إنما هو قليل جداً في بعض الحوادث لبعض المجتهدين، فأما غالب الأفعال -مفادها وأحداثها- فغالب أحكامها معلومة ولله الحمد، وأعنى بكونها معلومة أن العلم بها ممكن، وهو حاصل لمن اجتهد واستدل بالأدلة الشرعية عليها، لا أعنى أن العلم بها حاصل لكل أحد)15.

مؤدى غثاثة الرخص حين كان شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي (ت ٤٨١هـ) يتأمل دروب السالكين إلى الله ويتحدث عن منزلة الرغبة إلى الله ذكر أن رغبة أهل العلم والإيمان، الذين يسميهم «أهل الخبر»: (تمنع صاحبها من الرجوع إلى غثاثة الرخص)16 وهذه عبارة بعيدة الغور عميقة الدلالة، سيأتي الإشارة إلى شيء من مقتضيات معناها.

وكما أشرنا مراراً خلال هذا الكتاب بأن أي مدرسة فكرية تضع في أيديها قيود الثقافة المهيمنة وتستأسر لها فإنها ستصطدم بمواضع التعارض بين نصوص الشريعة وهذه الثقافة المهيمنة، ولذلك يكثر بين هذه المدارس تفعيل الآليات التي تساعدهم في التخلص من بعض المعطيات الشرعية للسلامة من هذا التعارض، وسبق أن ناقشنا آليتين، وهما «تقنية التبعيض» و «قطعة الشريعة» وأمامنا الآن آلية أخرى، وهي «تتبع الرخص».

وخلاصة هذه الفكرة أن التراث الإسلامي يعج باجتهادات شرعية كثيرة، فإذا استطعنا جمع وأرشفة رخصة كل عالم أصبح لدينا ملفاً جاهزاً لتخريج وشرعنة المعطيات التي تفرضها علينا الثقافة الغالبة. وقد قرأت مرة لأحد الكتاب قوله منفعلاً: (كم هو مضحك أن يكون تتبع الرخص زندقة؛ مع أن الله يحب أن تؤتى رخصه؟! وأن هذه العبارة هي فكرة سقيمة يتوارثها المتأخرون فقط).

والحقيقة أن قائل هذا الكلام لم يفرق بين «رخص الله» و«رخص المجتهدين»، والفرق بينهما هو الفرق بالضبط بين «العمل العلمي» و«العمل التلفيقي».

فالعمل العلمي في «رخص الله» تعني أن نجتهد في تحقيق دلائل نصوص الوحي، وتحليل مضامينها بشكل منهجي منظم، لنصل إلى ما يغلب على الظن أنه رخصة من الله؛ فنعمل به.

أما العمل التلفيقي في «رخص المجتهدين» فيعني القيام بعملية انتقائية غير منهجية يتم فيها تتبع فقه كل إمام من أئمة المسلمين والأخذ بما رأى أنه رخصة، ليكون لدينا المجموع الإجمالي لما رأى البعض أنه رخصة، فأصبح معيار الرخصة «وجود فتوى»، وليس «وجود دليل»، حتى لو كنا نرى دلالة النص الصريحة تصادم الرخصة التي أفتى بها المجتهد.

فالأساس العلمي للرخص بهذا الشكل متناقض من الداخل أصلاً؛ فالرخصة المبنية على «القياس» في هذه المسألة، تصادم الرخصة المبنية على «منع القياس» في المسألة الأخرى.

والرخصة المبنية على «قول الصحابي» هاهنا تعارض الرخصة المبنية على «منع قول الصحابي» هناك.

ولأضرب لك مثلاً: أحدهم كنت أتناقش معه مرة في الأخذ من اللحية فقال لي (ابن عمر أخذ من لحيته وفعل الصحابي حجة لأنه شاهد التنزيل).

ثم انتقلنا لمسألة المعازف فقلت له: «ابن مسعود حلف أن لهو الحديث هو الغناء» فقال العبرة بالنص، وقول الصحابي اجتهد لا يلزم من بعده.

ولم يكن بين قولتيه تلك إلا بضع دقائق! فمرة يأخذ برخصة مبنية على حجية قول الصحابي، ومرة يأخذ برخصة مبنية على عدم حجية قول الصحابي.

وبالطبع فإن مسألتي المعازف واللحية كليهما ليستا من أولويات الدين، وإنما أردت التمثيل فقط على المنهجية المضطربة في أخذ الرخص.

على أية حال، تخيل معي أننا سلكنا فعلاً طريق تتبع «رخص المجتهدين» وليس أن نجتهد في «تحقيق مراد الله» فهل يعي هذا القائل بالضبط كيف ستكون النتيجة؟ هل يعي هذا القائل كيف ستكون الصورة النهائية؟

النتيجة أنه يجوز أن تكون الصلوات ثلاث صلوات بناء على بعض الشذوذات الفقهية، ويجوز شرب الخمر من غير العنب على رأي بعض فقهاء الكوفة، ويجوز أن يقع الإنسان على ما شاء من النساء بنية التمتع (زواج مؤقت بدون ولي) على رأي بعض فقهاء مكة، ويجوز أخذ ربا الفضل بناء على أحد قولي ابن عباس، ويجوز بيع العينة بناء على قول الشافعي، ويجوز بيع الدين بناء على قول الشافعي، ويجوز أخذ الربا في الفلوس المعاصرة لأنها ليست بذهب ولا فضة على رأي بعض حنفية الهند، ويجوز التهام الإقطاعات العقارية السلطانية بناء على أنه يحق له أن يهب ما شاء كما صدرت بذلك بعض الفتاوى، ويجوز دفع الرشاوي إذا لم تستطع تحقيق مصلحتك إلا من خلالها بناء على رأي بعض الفقهاء، ويجوز أن نأكل السباع ذوات الأنياب والطيور ذوات المخالب بناء على أحد قولي مالك، ويجوز أن يرضع المرء زميلته في العمل بناء على قول أحد أساتذة الحديث في الأزهر، وهكذا.

بكل صراحة: هل تعتقد أن الشارع ﷺ حين قال: (إن الله يحب أن تؤتى رخصه)17 يقصد أن الله يحب منا أن نتتبع مثل هذه الشذوذات الفقهية؟! فنختصر الصلوات إلى ثلاث، ونشرب الخمر، ونقع في الزنا، ونأكل الربا، وندفع الرشاوي، ونتنافس في الإقطاعات، ونطعم الحيوانات المحرمة، ونرضع زميلاتنا في العمل؟!

أتصور أن الجبار -جل جلاله- أنزل الوحي ليكون سلوكنا بمثل هذا السلوك؟! ألا تشعر معي أن هذا السلوك يتعارض جذرياً مع قوله تعالى: [وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ] {الزمر: ٦٧}.

هل تعتقد أن القلب يمكن أن يمتلئ بتعظيم الوحي الإلهي وفي نفس الوقت يذهب يتتبع رخص المجتهدين؟!

النتائج النهائية لأية فكرة تكشف الهشاشة العلمية في الفكرة ذاتها، ولذلك فإن المتأمل في «نظرية تتبع الرخص» ومؤداها النهائي لا يكذبه قلبه طرفة عين أنها نظرية بائسة تعيسة تتنافى مع روح الوحي وأخلاقيات التشريع.

وأما ما يذكره بعض المتأثرين بضغط الثقافة الغالبة من أن التشنيع الشديد على قضية «تتبع الرخص» لم يكن من وجهة نظر «تاريخية» معروفاً بهذا الشكل، وخصوصاً ربطه بمفهوم «الزندقة» أو «الانحلال من الدين»، فهذا قصور فادح في دراسة تاريخ المفاهيم الشرعية. وهذا يقودنا إلى التذكير بأحد أهم مبادئ دراسة تاريخ المفاهيم، وهو «أن يكون البحث عن مضمون المفهوم، وليس عن أحد ألفاظه»، وهذا مبدأ منطقي تفرضه الموضوعية والعقلانية العلمية.

ولنضرب على ذلك مثلاً: لو أردنا أن ندرس النشوء التاريخي لمفهوم «القياس»، فسنصل إلى أحكام مضللة قطعاً إن بحثنا تاريخياً عن نفس لفظ «القياس»، إذ سنجد أن لفظ القياس غير متداول بين الصحابة والتابعين أصلاً كمصطلح فني رسمي للتعبير عن ظاهرة «إعطاء غير المنصوص حكم المنصوص».

لكن إن بحثنا عن المضمون ذاته وهو: «تعدية حكم المنصوص إلى غير المنصوص» فسنصل إلى أحكام تاريخية دقيقة، إذ سنكتشف أن القياس (بمضمونه) وليس (بلفظه) متداول وشائع في فقه الصحابة والتابعين.

وهكذا لو بحثنا عن مفهوم «المصلحة المرسلة» بنفس لفظه فسنتوصل إلى أحكام مضللة، ككون عمر بن الخطاب لا يعرف مفهوم المصلحة المرسلة؛ لأنه لم يستخدم هذا اللفظ طيلة حياته.

لكن إن بحثنا تاريخياً عن مضمون «المصلحة المرسلة» نفسه فسنصل لحكم تاريخي دقيق، يكشف حجم حضور المصلحة المرسلة في فقه الخلفاء الراشدين بشكل مبكر، وخصوصاً في القرارات السياسية لعمر بن الخطاب، حتى وإن لم يستخدموا ذات اللفظ.

أعتقد أن هذا مبدأ واضح جداً وموضوعي، ومحدد جوهري في المنهج العلمي لدراسة «تاريخ المفاهيم».

حسنًا.. لنعد الآن إلى مسألتنا، ولنسأل أنفسنا السؤال (البحشي / الجوهري): ما هو مضمون «تتبع الرخص»؟

الواقع أن مضمون «تتبع الرخص» بكل وضوح وإيجاز هو أنه: (إذا اختلف العلماء في مسألة: فيجوز الأخذ بـ «الأهون» على النفس، ولا يجب الأخذ بـ «الأرجح» دليلًا).

فصار «المرجح» في المسائل الخلافية: ليس الدليل؛ وإنما الأهون والأشهى والأخف على الذات، وما تهواه النفس، بمعنى أن المكلف صار «مخيرًا» في المسائل الخلافية بأخذ ما تهواه نفسه، ولم يعد «مكلفًا» بالبحث عن الأرجح.

ويظهر هذا المضمون الداخلي لنظرية «تتبع الرخص» واضحًا على الصعيد التطبيقي لهذه النظرية.

فخذ مثلاً هذه الحالة الواقعية: إذا أفتى عالم فتوى فيها تيسير، وتبين للمستفتي مخالفتها للدليل، فحسب «المنهج الشرعي» يجب الأخذ بالدليل وترك فتوى العالم، لكن حسب نظرية «تتبع الرخص» يجوز الأخذ بفتوى العالم إذا كانت أيسر وأشهى للنفس مع ترك موجب الدليل.

وهذا «المضمون» يتم التعبير عنه بتعبيرات عديدة في لسان السلف، من أشهر هذه التعبيرات: تتبع الرخص، شذوذات المسائل، زلات العلماء، ونحوها.

ويكشف ذلك «التحذيرات الأخلاقية» المرتبطة بهذا المبدأ، فكلها متقاربة في الدلالة: حيث كثيراً ما يقال: احذر تتبع «رخص العلماء» وترك الأدلة، أو احذر تتبع «شذوذات العلماء» وترك الأدلة، أو احذر تتبع «زلات العلماء» وترك الأدلة.

فهذه التعابير وأضرابها كلها تتوارد على معنى واحد، وهو: «تقديم الأشهى على الدليل في مسائل الخلاف»

بمعنى أن يكون: (المعيار في الترجيح عند اختلاف العلماء هو الأهمون وليس الدليل). هذا هو معنى ومضمون وجوهر «تتبع الرخص».

حسنًا، لنتنقل الآن إلى الوثائق التاريخية لفقه السلف لنطالع موقع هذا المفهوم في فهمهم، بمعناه ومضمونه وليس بالضرورة بلفظه، إذ نجد فعلاً أن السلف أطبقوا على التشنيع الشديد على هذا المعنى، وربطوه بمعنى الانحلال من الدين والتكاليف الشرعية، وهذه بعض النماذج: (قال زياد بن حدير: قال لي عمر بن الخطاب «هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قال: قلت لا. قال: يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المصلين»)18.

فأنت ترى هاهنا أن عمر بن الخطاب لم يعتبر رخصة العالم المخالفة للدليل أمراً مشروعاً، بل اعتبرها زلة كفيلة بهدم الإسلام، وهدم الإسلام معنى مقارب للزندقة، بل أشد منه.

وقال ابن عباس: (ويل للأتباع من عثرات العالم. قيل له: كيف ذلك؟ قال: يقول العالم من قبل رأيه، ثم يبلغه عن النبي فيأخذ به، وتمضي الأتباع بما سمعت)19.

وهاهنا يؤكد ابن عباس أيضاً أن عثرة العالم (أي: رخصته المخالفة للنص) ليست مسوغاً للناس أن يتبعوه عليها، بل يجب عليهم أن يحكموا النص على أقوال العالم.

واحتج بعض التابعين على ابن عباس بقول أبي بكر وعمر، فقال لهم ابن عباس: (والله ما أراكم منتهين حتى يعذبكم الله، نحدثكم عن رسول الله ﷺ وتحدثونا عن أبي بكر وعمر) (١).

فهاهنا جعل ابن عباس الأخذ بقول الشيخين، وهما هما!، في مقابل النص؛ موجباً للعقوبة الإلهية الشنيعة! وهي الإهلاك العام!

وقال الامام صاحب المذهب المتبوع في المائة الثانية والثالثة في الشام والأندلس الامام أبو عمرو الأوزاعي (١٥٨هـ): (من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام) (٢). فهذه أشد من القول بالاقتراب من الزندقة!

وقال الامام سليمان التيمي (١٤٣هـ) وهو من علماء التابعين، فقد جالس أنس بن مالك وأخذ عنه الحديث: (لو أخذت برخصة كل عالم - أو زلة كل عالم - اجتمع فيك الشر كله) (٣).

واجتماع الشر كله من معاني الانحلال من الدين، ولاحظ عطف «الرخصة» على «الزلة» مما يبين أنها ألفاظ متقاربة في التعبير عن «الرخصة المخالفة للنص».

أما ما ذكره بعضهم من أن سليمان التيمي ذاته قال عند احتضاره: (حدثوني بأحاديث الرخص) فإنه يقصد أحاديث الرجاء، فإن الرخصة في لسان السلف تطلق بإطلاقين: الرخصة ضد العزيمة، وهي ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح، وهي مزيد الامتنان برفع المشقة.

والرخصة ضد الوعيد، وهي نصوص الرجاء، وتطلق كثيراً بهذا المعنى عند المتقدمين من السلف، ويعزز ذلك أنه طلب أحاديث الرخص عند الاحتضار والرخص التي ضد العزيمة ليس محلها هذا.

وقال إمام الحجاز، وشيخ الإمام مالك، وهو الإمام يحيى بن سعيد القطان (ت ١٤٣هـ) وهو من أجلة علماء التابعين: (لو أن رجلاً عمل بكل رخصة؛ بقول أهل الكوفة في النبيذ، وقول أهل المدينة في السماع، وأهل مكة في المتعة: لكان فاسقاً)20.

وقال إمام اليمن وأحد من دارت عليهم الأسانيد، الإمام معمر بن راشد (١٥٣هـ): (لو أن رجلاً أخذ بقول أهل المدينة في السماع وإتيان النساء في أدبارهن، وبقول أهل مكة في المتعة والصرف، وبقول أهل الكوفة في النبيذ؛ كان شر عباد الله)21.

وقال الإمام أحمد بن حنبل، صاحب المذهب المتبوع: (لو عمل بقول أهل الكوفة في النبيذ، وأهل المدينة في السماع - يعني الغناء -، وأهل مكة في المتعة، لكان فاسقاً لأخذه بالرخص، وتتبعه لها)22.

وقال زاهد القرن الثاني الإمام إبراهيم بن أدهم (ت ١٦٢هـ): (من حمل شاذ العلماء حمل شراً كبيراً)23.

وقال الإمام الشهير سحنون (ت ٢٤٠هـ) صاحب مدونة مالك: (ما أقبح بالعالم أن يؤتى إلى مجلسه فلا يوجد فيه. فيسأل عنه، فيقال: هو عند الأمير، هو عند الوزير، هو عند القاضي، فإن هذا وشبهه شر من علماء بني إسرائيل، وبلغني إنهم يحدثونهم من الرخص ما يحبون)24.

وقال إمام المالكية في القرن الثالث وقاضي بغداد في زمانه الإمام إسماعيل بن إسحاق القاضي (ت ٢٨٢هـ): (دخلت على المعتضد فدفع إلى كتاباً نظرت فيه - وكان قد جمع له الرخص من زلل العلماء وما احتج به كل منهم لنفسه - فقلت له: يا أمير المؤمنين؛ مصنف هذا الكتاب «زنديق»!. فقال: لم تصح هذه الأحاديث؟!

قلت: الأحاديث على ما رويت؛ ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة ومن أباح المتعة لم يبح الغناء والمسكر، وما من عالم إلا وله زلة، ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها؛ ذهب دينه. فأمر المعتضد فأحرق ذلك الكتاب)١(.

وقال الإمام الصالح سهل بن عبد الله التستري (٢٨٣هـ): (الفتن ثلاثة - وذكر منها - فتنة الخاصة من الرخص والتأويلات)٢(.

وقال الإمام إبراهيم بن شيبان (ت ٣٣٧هـ): (من أراد أن يتعطل أو يتبطل فيلزم الرخص)٣(. وقال أيضاً: (المتعطل من لزم الرخص معتنقاً للملاذ)٤(.

وهذا حافظ المغرب الإمام أبو عمر ابن عبد البر (٤٦٣هـ)، لم يشنع على تتبع الرخص فقط؛ بل نقل الإجماع على ذلك، حيث يقول: (قال سليمان التيمي: إن أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله. قال أبو عمر: هذا إجماع لا أعلم فيه خلافاً، والحمد لله)٥(.

وقال العالم المثقف أبو محمد «ابن حزم» (ت ٥٦٤هـ): (وقوم بلغت بهم رقة الدين، وقلة التقوى، إلى طلب ما وافق أهواءهم في قول كل قائل، فهم يأخذون ما كان رخصة من قول كل عالم)٦(.

وقال شيخ المقاصد الإمام الشاطبي (٧٩٠هـ) في رائعته «الموافقات»: (فإذا صار المكلف في كل مسألة عنت له يتبع «رخص المذاهب»، وكل قول وافق فيها هواه: فقد خلع ربقة التقوى، وتمادى في متابعة الهوى، ونقض ما أبرمه الشارع)25.

وهذه نماذج وأمثلة فقط، من حقب تاريخية مختلفة، ومن اتجاهات فقهية مختلفة، كلها تؤكد شيوع هذا المبدأ وتواطؤ عبارات أهل العلم عليه، فكيف يقول بعض المستلبيين لهالة الثقافة الغالبة أن ذم تتبع الرخص مجرد فكرة متأخرة؟!

ومن البدهيات العلمية أن تواطؤ العلماء مع التباعد الزماني والمكاني دون تشاعر على مبدأ معين لا يكون إلا بسبب ظهور وعمق الأساس المعرفي لهذا المبدأ، ومبدأ «منع تتبع الرخص» يقوم على عدة اعتبارات، منها: اعتبار «عقلاني» يفرضه الاعتبار العلمي الموضوعي، ويتبين هذا الاعتبار بمحاولة تصور القسمة العقلية للرخصة: فالرخصة إما أن تكون «رخصة إجماعية» أو «رخصة خلافية».

فالرخصة «الإجماعية» المتفق عليها بين أهل العلم كرخصة القصر، ورخصة الفطر للمسافر، ورخصة أكل الميتة للمضطر، فهذه مشروعة بلا شك؛ لأنها رخصة من الله قطعاً.

أما الرخصة «الخلافية» فهذه يرجع فيها للأرجح دليلاً، وليس الأخف قولاً؛ لأن الله أمرنا أن نرد العلم إلى الكتاب والسنة عند النزاع، فإن كان الأهرون هو الأرجح أخذنا به، وإن كان الأهرون مرجوحاً تركناه وعملنا بالدليل.

ولو كان المكلف «مخيراً» في المسائل الخلافية يأخذ منها ما تهواه نفسه فإن مؤدى ذلك إباحة شعب من الربا والزنا والخمور ونحوها من أصول الكبائر كما سبق إيضاحه، لأن كل باب من هذه الأبواب وجد من العلماء من أفتى خطأً باستباحة بعض أنواعه، ومجرد تصور هذه النتيجة كافٍ للجزم بأن تتبع الرخص باب من أبواب الزندقة.

وهناك دليل شرعي صريح في المسألة، وقد استدل به الشاطبي وغيره، حيث يقول الشاطبي في الاحتجاج لهذه المسألة: (فإن في مسائل الخلاف ضابطاً قرآنياً ينفي اتباع الهوى جملة، وهو قوله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: ٥٩]. وهذا المقلد قد تنازع في مسألته مجتهدان، فوجب ردها إلى الله والرسول، وهو الرجوع إلى الأدلة الشرعية، وهو أبعد من متابعة الهوى والشهوة، فاختياره أحد المذهبين بالهوى والشهوة مضاد للرجوع إلى الله والرسول..، وأيضاً: فإن ذلك يفضي إلى تتبع رخص المذاهب من غير استناد إلى دليل شرعي، وقد حكى ابن حزم الإجماع على أن ذلك فسق لا يحل. وأيضاً: فإنه مؤد إلى إسقاط التكليف في كل مسألة مختلف فيها؛ لأن حاصل الأمر مع القول بالتخيير أن للمكلف أن يفعل إن شاء ويترك إن شاء، وهو عين إسقاط التكليف، بخلاف ما إذا تقيد بالترجيح؛ فإنه متبع للدليل، فلا يكون متبعاً للهوى ولا مسقطاً للتكليف)26.

ومن الأدلة الشرعية التي تشير إلى هذا المبدأ الذي ذكره الشاطبي قوله تعالى: [وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ] [النساء: ٨٣].

فبين أن المقصود بالرد إلى الله والرسول هو «استنباط العلم» وليس الأخف والرخصة.

وأيضاً: ما روى البخاري ومسلم في «صحيحيهما» من حديث النعمان بن بشير، الشهير عن النبي ﷺ، أنه قال: «الحلال بينُ والحرام بينُ، وبينهما مشبهاتٌ لا يعلمها كثيرٌ من الناس، فمن اتقى المشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات [وقع في الحرام]، كراعٍ يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملكٍ حمى، ألا إن حمى الله في أرضه محارمه»27.

ومن المعلوم أن الأمور المشتبهة لا تكون مشتبهة إلا بسبب نزاع العلماء فيها، فلو كان الشارع يبيح الأخذ بالترخص فيما اختلف فيه العلماء لأرشد إليه هاهنا ولم ينه عنه! فأنت ترى في هذا الحديث أن النبي ﷺ وهو أرفق الناس بأمته؛ لم يقل في الأمور المشتبهة ترخصوا وخذوا بالأرفق والأخف والأيسر باعتبار اختلاف المجتهدين فيها، بل أرشد أمته إلى تجنبها، وهذا الحديث بذاته دال أكمل دلالة على بطلان تتبع الرخص وتأويلات العلماء وعدم تحكيم نصوص الوحي على نزاعات العلماء.

ومن الاعتبارات التي يقوم عليها هذا المبدأ أن من تتبع رخص المذاهب وقع في مخالفة الإجماع قطعاً؛ لأنه لا أحد يقول بجواز هذا الاجتماع للرخص، وقد أشار إلى ذلك عدد من الأصوليين، كما قال ابن النجار في كتابه الأصولي الشهير «الكوكب المنير شرح مختصر التحرير»: (ويحرم عليه، أي: على العامي، تتبع الرخص، وهو أنه كلما وجد رخصة في مذهب عمل بها، ولا يعمل بغيرها في ذلك المذهب، (ويفسق به) أي بتتبع الرخص؛ لأنه لا يقول بإباحة جميع الرخص أحد من علماء المسلمين، فإن القائل بالرخصة في هذا المذهب لا يقول بالرخصة الأخرى التي في غيره، قال ابن عبد البر: لا يجوز للعامي تتبع الرخص إجماعاً)28.

والواقع أن من تأمل مسألة «تتبع الرخص» تأملاً جيداً لم يحتج فيها إلى قول عالم كائناً من كان، فإن سر المسألة وجوهرها وكنهها هو السؤال التالي: إذا تنازع العلماء، فهل نصوص الوحي هي الحاكمة على خلافهم، أم مجرد اختلافهم هو الحاكم على النصوص؟

بمعنى: هل يرد التنازع إلى النصوص؟ أم مجرد وجود التنازع حجة في تعطيل حاكمية النص؟

السؤال السابق هو «الأساس المعرفي» الذي تنبني عليه المسألة برمتها، وكل مسلم يعرف تماماً جواب السؤال السابق بمقتضى إسلامه.

فإذا اختلف العلماء في الرخصة فيعرض اختلافهم على الأدلة الشرعية، فإذا كانت الأدلة الشرعية ترجح جانب الرخصة؛ فإن الرخصة في هذه الحال تكون «رخصة شرعية» وتكون مما يجب الله أن تؤتى كما يجب أن تؤتى عزائمه، وإذا كانت الأدلة الشرعية ترجح ضعف هذه الرخصة فإنها تسمى والحال هذه «رخص التأويلات» وهي التي يسميها الصحابة «زلة العالم» أو «عثرة العالم»، وتكون مما يجب على المسلم تجنبه.

وكون الإنسان يتبع الأرجح دليلاً هذا يثير مسألة «أهلية الناظر»، فإن كان الإنسان قادراً على تمييز الأرجح دليلاً، ككونه متخصصاً شرعياً مثلاً، أو كون أدلة المسألة جلية ظاهرة - فهنا لا يجوز له العمل بالرخصة مطلقاً، بل يجب عليه اتباع الأرجح دليلاً، وإن كان الإنسان غير متخصص شرعي، وكانت المسألة تحتاج إلى متخصص حيث تعسر عليه تمييز الراجح فيها: فإنه لا يجوز له أيضاً اتباع الأخف والرخصة مطلقاً، وما دام أنه لا مناص هاهنا من التقليد فإنه يجب عليه الترجيح بين أقوال المجتهدين بناء على «المرجحات الخارجية» مثل الأعلم، أو الأتقى، أو الأكثر، أو اطمئنان النفس، أي: اطمئنان نفس المؤمن إلى ما فيه براءة الذمة بضم ما حاك في نفسه أنه الإثم.

وأما ما يردده البعض من أنه لا وجود لمسائل يتحتم فيها التقليد، بل كل المسائل الشرعية يجوز لكل أحد أن يجتهد فيها، فالواقع أن هذه رؤية مثالية حاملة، فهناك أمثلة فعلية كثيرة يتعذر على غير المتخصصين الشرعيين الاجتهاد فيها ويضطرون فيها إلى التقليد وهو أمر طبيعي في كل العلوم، ومن ذلك أن يكون اختلاف العلماء في المسألة الفقهية مبني على (صحة حديث أو تضعيفه)، ولم يكن الشخص مطبقاً لدراسة أسانيد الحديث ورجاله وعمله، كأن يقول له أحد المجتهدين: هذا الأمر لا يجوز لصحة الحديث المحرّم، ويقول له المجتهد الآخر: هذا الأمر جائز لضعف الحديث المحرّم، فهاهنا فإن غير المتخصص لا طاقة له ببحث أسانيد الحديث ودراسة رجاله وعمله.

أو كان اختلاف العلماء مبنياً على اختلافهم في (قاعدة نحوية أو لغوية)، وليس له طاقة ببحث تلك المسائل اللغوية وتحقيقها، كأن يقول له أحد المجتهدين: اللام هاهنا للملك، ويقول له المجتهد الآخر: اللام هاهنا للاختصاص، ويترتب الترجيح في هذه المسألة الفقهية على التحقيق اللغوي لموارد اللام في النصوص الشرعية، فإن غير المتخصص لا طاقة له بتحرير وتحقيق هذه الأصول اللغوية.

فأمثال هذه المسائل المتخصصة وهي كثيرة هي مما يتحتم فيها التقليد لغير المتخصص الشرعي، ولا يمكن فيها فرض الاجتهاد الموضوعي إلا بعسر ومشقة على الناس، بل غالب المتخصصين الشرعيين يعملون بتجزؤ الاجتهاد في مثل هذه المسائل التي تتعدد موارد الاجتهاد فيها.

وأما إن كانت الأدلة متكافئة بحيث ينص المتخصصون على صعوبة الترجيح وأن المسألة اجتهادية محضة والأدلة فيها دقة وخفاء وغموض: فهنا يعتبر التيسير مرجحاً من المرجحات، فيجوز للإنسان أن يأخذ بالرخصة، مع تقرير أن الأحوط والأفضل تجنب الأمر لمن أراد الأكمل.

ومن المهم هاهنا التذكير بالأصل الكلي؛ وهو أن عرض اختلاف العلماء في الرخص على الأدلة الشرعية هو نوع من «حاكمية الشريعة على المختلفين»، أما تقديم الرخصة مطلقاً فهو نوع من «تحكيم الرجال على نصوص الوحي»، وهذا الفرق هو سر المسألة لمن تأمله كما سبق، ولأجل هذا اشتد نكير السلف وتشنيعهم على تتبع رخص المجتهدين.

ومن أراد التوسع في هذا الموضوع فيمكنه مراجعة المعالجة المطولة البديعة التي عقدها الإمام ابن القيم لهذا الموضوع في كتابه «مدارج السالكين»(١)، وقسم فيها الرخصة إلى نوعين: «الرخصة المستقرة المعلومة من الشرع نصاً»، و«رخص التأويلات واختلاف المذاهب». والمراد هاهنا أن استناد التيارات الفكرية المعاصرة إلى آلية تتبع الرخص بهدف شرعنة بعض عناصر الثقافة الغالبة المخالفة للنصوص الشرعية هو اتكاء على أسس هشة غير علمية.

حاكمية الذوق الغربي من الشعارات التي يحاول سجناء الثقافة الغالبة توظيفها مفهوم «التجديد»، ويضيفون إليه تارة قولهم «تجديد الفقه الإسلامي ليتناسب مع العصر».

ودراسة وتحليل تطبيقات هذا التجديد لديهم يكشف أنه ليس التجديد بمعنى «إحياء» ما اندثر من معاني الإسلام، وهو الذي جاء النص بتفخيم شأنه في حديث المجدد، وإنما معنى «التجديد» عندهم تحويل وتعديل الأحكام الشرعية لتتفق مع ثقافة الغالب، وفي باطن هذه الأحكام التي يغيرون يلمس الباحث الموضوعي بشكل واضح حضور الذوق الغربي كحاكم يرجع إليه ويصدر عنه.

حسنًا؛ هذا المبدأ الذي يوجه تفكيرهم، وهو أنه يجب تغيير أحكام الإسلام لتتناسب مع الذوق المعاصر؛ نريد اختبار مدى علميته، فهل هذا المبدأ التحتي يعمل به هؤلاء بشكل «مطرد» أم بشكل «تحكمي»؟ لا يمكن أن نجيب على هذا السؤال إلا بأن نفحص ما يسمى في التعبير الحديث «آثار المبدأ» أو ما يسمى في المعجم الأصولي «لوازم القاعدة».

ودراسة «آثار المبدأ» و «لوازم القاعدة» هي التي تكشف الاطراد وعدمه، وتفضح مدى التزام الخطاب التجديدي بقانون «عدم التناقض»، بما يعني «عقلانية» أو «لا عقلانية» الخطاب.

نحن نعرف أن المدارس الفكرية المستعبدة لثقافة الغالب اليوم تطرح كثيراً من التحريف حول أحكام المرأة، والجهاد، والولاء والبراء، والفنون ونحوها، ويغيرون الأحكام الشرعية فيها لتوافق الثقافة الغربية الغالبة، ويقولون: كيف يمكن أن نقدم الإسلام للعالم بمثل هذه الأحكام التقليدية في المرأة والجهاد وغير المسلمين ونحوها؟!

حسنًا: دعنا نحاول اختبار اطراد هذا المبدأ بسحبه إلى تطبيقات أخرى، ونرى هل سيلتزم دعاة «التجديد تحت ضغط الثقافة الغالبة» بذلك؟ لنتناول هذه النماذج: نحن نعرف أن الذوق الغربي يستغرب كثيراً ما يفعله المسلمون في المناسك ويعتبرها مظاهر (قروسطية) حيث يقولون: إن قذف شاخص خرساني في «منى» تسمونه «الجمرات»، وتقبيل «الحجر الأسود» برغم أنه حجر، وتعظيم «مقام إبراهيم»، واعتقاد البركة في بقاع جغرافية معينة، والتبرك بـ«ماء زمزم»، واعتقاد أنه ينفع أكثر من غيره المياه، وهجر العطور، وترك الشعر والأظافر شعثاً، ونحو ذلك، كلها مظاهر رجعية بدائية - شرف الله المناسك -، بل لقد صرح كثير من المستشرقين الذين درسوا الإسلام أن هذه المظاهر مظاهر «وثنية» تبقت في الإسلام ولم يخرجها محمد ﷺ منه، أعز الله المناسك عن هذا الهراء.

فيلزم على مبدأ (تطوير أحكام الإسلام ليتناسب مع ذوق العصر) أن نلغي شعيرة المناسك لأنها بحسب هذا المبدأ تشوه الإسلام وتدعو العقل العلمي المعاصر إلى ازدرائه.

فإن وافق هؤلاء على إلغاء المناسك فقد كفروا بركن من أركان الإسلام الخمسة، وإذا تمسك هؤلاء بشعيرة المناسك العظيمة برغم مخالفتها للذوق الغربي فقد ناقضوا مبدأهم الذي أزعجوا الناس به، وظهر أنهم يطبقونه بشكل تحكمي متناقض، بما يعني أنه مبدأ (غير عقلاني).

ونحن نعرف أيضاً، أن الذوق الغربي اليوم يحترم ساعات العمل الرسمية، ويقدس مفهوم «الإنجاز الوظيفي»، ومن المشاهد لكل أحد أن شهر الصيام يؤثر جوهرياً على أداء الموظف المسلم، وهو شيء مفهوم نتيجة نقص الطاقة في الجسم طوال اليوم.

فيلزم على حاكمية الذوق الغربي أن يقال: هل من اللائق أن نستمر متمسكين بمفهوم الصيام التراثي، على حساب سمعة الموظف المسلم؟ هل نستمر لأجل نص قرآني محتمل نأمر المسلمين بالجوع طوال النهار خلال شهر كامل من السنة؟ أليس هذا تشويهاً لصورة الإسلام، وصورة الموظف المسلم؟ لماذا لا نجدد مفهوم الصيام إلى الصيام اللغوي وهو «الإمساك»، فيكون الصيام هو زيادة الإمساك عن الأخلاقيات المتدنية مثلاً؟!

إذا كان هؤلاء سيوافقون على إلغاء شعيرة «الصيام» العظيمة وتحريف معناها فقد كفروا بركن من أركان الإسلام، وإن كانوا سيتمسكون بشعيرة الصيام، برغم بعض آثارها المخالفة للذوق المعاصر، فقد ناقضوا مبدأهم الذي أقاموا عليه بقية أطروحاتهم.

ونحن نعرف أيضاً أنه نتيجة لتعقد صيغ العمل والأسواق والشركات العالمية اليوم أصبحت ساعات العمل تتطلب دقة وارتباطاً مستمراً لا يتقبل الانقطاع.

فيلزم على حاكمية الذوق الغربي أن يقال: هل من المعقول أن نطالب الموظف المسلم بأن يترك عمله ويذهب يصلي، ويدع الناس تنتظره؟ خصوصاً أنه في كثير من الشركات العالمية توافق ساعات عملها ثلاث صلوات (الظهر والعصر والمغرب)، أو أن نوقظه في آخر الليل ليصلي الفجر بما يربك برنامج نومه، لماذا لا نطور مفهوم الصلاة إلى معناه اللغوي الواسع الذي يعني «الدعاء»؟!

والشاهد في هذه الأمثلة أنه إن كان هؤلاء مطردين مع قاعدتهم فقد سلخوا أركان الإسلام، وإن كانوا متمسكين بهذه الشعائر لأجل نصوص تراثية فقد تناقضوا.

ونحن نعرف أيضاً، أن عالم اليوم بعد تعقيدات الحضارة والتكنولوجيا وأنماط العمل تراجعت فيه مؤسسة الأسرة كثيراً، وأصبح قائماً على مفهوم العلاقات المفتوحة بين الجنسين، والعالم المتقدم اليوم لا يفهم ولا يستوعب رفض الصداقة الدافئة بين الشاب وصديقته قبل عقد القران، بما يتضمنه من خلوة وقبلات، بل وممارسة ما يمارسه الأزواج.

فيلزم على حاكمية الذوق الغربي أن يقال: هل سنقول لعالم اليوم إن الإسلام يرفض إقامة أية علاقة بين الجنسين قبل عقد الزواج؟ أليس في هذا تشويهاً للإسلام، ومصادمة للثقافات المعاصرة؟ قد يقول الناس عن الإسلام إنه «دين معقد»، ودين بيت الارتياب والشك، ويكرس عقدة الجنس.

ونحن نعرف أيضاً، أنه لا توجد اليوم في العالم المتقدم حفلة صغيرة أو كبيرة، وسواء حفلة عمل أم حفلة اجتماعية، إلا وتصف على جنباتها أكواب المشروبات المحرمة.

فبناء على حاكمية الذوق الغربي سيقال: كيف يتصور إقناع العالم كله برفع هذه الكؤوس التي اعتادوا عليها، وصارت جزءاً من التقليد العالمي للحفلات؟

ونحن نعرف أيضاً، أن الاقتصاد المعاصر ممزوج بالفائدة على القرض التي تسمى بلغة القرآن «الربا»، وممزوج بالجهالة والمخاطرة التي تسمى في لغة القرآن «الميسر»، كما في الأسواق المالية وصيغ التمويل وغيرها، ومن المعلوم أن عمودي الاقتصاد الإسلامي منع «الربا والغرر».

فبناء على حاكمية الذوق الغربي سيقال: هل سنظل نردد تحريم الربا والغرر، ونصطدم بالاقتصاد المعاصر، ونستثير مشاعر الناس ضد الإسلام، ونفاصل الاقتصاد العالمي؟ أم سنلغي تحريم الربا والغرر، لكي نندمج في عالم اليوم ونقدم رسالة الإسلام بكل تناغم وانسجام وتعانق في أسواق العالم اليوم؟

إن وافق هؤلاء على استباحة الربا والغرر بكافة أشكاله فقد أنكروا نصوصاً قرآنية قطعية متواترة، وإن تمسكوا بمنع الربا والغرر فقد ناقضوا مبدأهم في تطوير أحكام الإسلام لتتوافق مع ذوق العصر. ونحن نعرف أيضاً، أن العقل العلمي المعاصر لا يتقبل وجود كائنات مستترة على هذه الأرض اسمها الجن، برغم أن القرآن خصص سورة كاملة للحديث عن الجن، بل تحدث القرآن عن الجن في أكثر من (٣٠) آية متفرقة في القرآن، وأنه خلقهم من [نَارِ السَّمُومِ] {الحجر: ٢٧}، وأنهم يطؤون: [لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ] {الرحمن: ٥٦}، وأنهم كانوا جنوداً لسليمان [وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ] {النمل: ١٧}. وأنهم استمعوا القرآن فتأثروا به [وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا] {الأحقاف: ٢٩}.

فكيف نقنع العقل العلمي المعاصر بوجود هذه الكائنات وهو لا يراه، وأن لهم أعمالاً كأعمال بني آدم، وأنهم مخلوقون من النار، وأنهم مخلوقون للعبادة؟

فبناء على حاكمية الذوق الغربي سيقال: أليس في التمسك بهذه النصوص القرآنية تشويهاً للإسلام، وإعطائه صفة خرافية؟ بل إنه بناء على حاكمية الذوق الغربي سيقال ما هو أعظم من ذلك، إذ سيقال: كيف نترجم القرآن، وننشره، وندعو لحفظه، وتفسيره، وتلاوته، وتدبره، برغم أنه يتضمن مفاهيم وقيم وأحكام تتناقض جذرياً مع الذوق الغربي؟

وسأضرب بعض الأمثلة لهذه المعطيات القرآنية التي تعارض الذوق الغربي: وضع القرآن غير المسلمين في مرتبة منحطة، بتشبيههم بالدواب والأنعام والكلاب والحمير، كما يقول تعالى في سورة محمد: [وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ] {محمد: ١٢}. ويقول في سورة الجمعة: [مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا] {الجمعة: ٥}. ويقول في سورة الأنفال: [إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ] {الأنفال: ٥٥}. ويقول في سورة الأعراف: [فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا] {الأعراف: ١٧٦}.

فيلزم على من يعظم الذوق الغربي أن يقال له: هل يقبل أصحاب الديانات الأخرى والثقافات المعاصرة هذا التصوير القرآني، الذي نترجمه وننشره ونوزعه ونتلوه ونتدبره ونفسره؟

كما يتضمن القرآن تحريضاً وتشويقاً للقتال وتثمينا له كما يقول تعالى في ضرب الرقاب: [فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ] {محمد: ٤}. ويقول في الإثخان: [مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُنْخِذَ فِي الْأَرْضِ] {الأنفال: ٦٧}. ويقول في ضرب الأعناق: [فَأَضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَأَضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ] {الأنفال: ١٢}.

ونحو هذه الآيات كثير، وهي آيات تتعارض جذرياً مع الذوق السلمي المعاصر.

كما يتضمن القرآن أحكاماً جنائية لا يستوعبها العقل الغربي المعاصر، ويعتبرها وحشية تاريخية، كأمره تعالى بقطع الأيدي والأرجل من خلاف، كقوله تعالى في سورة المائدة: [ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ ] {المائدة: ٣٣}.

وأمره تعالى بفقأ العين، وجذع الأنف، وبتر الأذن، وكسر السن، في القصاص، كقوله تعالى في سورة المائدة: [ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ ] {المائدة: ٤٥}، وقال الله عمن وقع في علاقة غير مشروعة قبل الزواج [ وَلَا تَأْخُذْهُمْ بِهَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ] {النور: ٢}.

فحتى الرأفة بهما حرمها القرآن، وقوله في قطع الأيدي أيضاً: [ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ] {المائدة: ٣٨}.

والقرآن مملوء بإجازة الرق وتشريع أحكامه، كتشريع وطء الأمة: [ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ] {المؤمنون: ٥-٦}.

ويتضمن القرآن حزمة من الآيات التي تدفع كلها باتجاه تضييق دائرة حراك المرأة، وتعطي هذه الآيات مؤشراً واضحاً على تفريق الإسلام بين مجال حياة الرجل ومجال حياة المرأة، كقوله تعالى: [ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ] {الأحزاب: ٣٣}، وقوله: [ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَسُئِلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ] {الأحزاب: ٥٣}.

وقوله: [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ] {الأحزاب: ٥٩}، وقوله: [وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ]، وقوله: [وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ]، وقوله: [وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ] {النور: ٣١}.

وغير ذلك من الآيات التي تدفع باتجاه تحجيم وضبط نطاق حركة المرأة خارج المنزل، وهذه الآيات تتعارض جذرياً مع الذوق الغربي المنفلت تجاه المرأة والعلاقة بين الجنسين.

كما ميز الرجل على الأنثى في آيات قرآنية متعددة، فقال في القوامة: [الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ] {النساء: ٣٤}، وقال في الميراث: [يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ] {النساء: ١١}، وأعطى الطلاق للرجال: [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ] {الطلاق: ١}، وهذه الآيات لا يفهمها العقل الغربي المعاصر أيضاً، وينفر منها، ويرى فيها معاملة تمييزية!

والآيات القرآنية العظيمة المتعارضة مع الذوق الغربي كثيرة جداً. وخلاصة ما أريد أن أتوصل إليه من كل هذه التفاصيل السابقة أن فكرة (تجديد الشريعة لتوافق الذوق المعاصر) فكرة متناقضة؛ لا يمكن العمل بها أصلاً، وأنها تفضي للتسلسل، فلا تتوقف، وأن كل المعاصرين الخاضعين للثقافة الغالبة الذين عملوا بها وقعوا في التحكمية والعشوائية في تطبيقها، فطبقوها تارة على بعض أحكام المرأة والجهاد، وتوقفوا عن تطبيقها في مواضع أخرى، لأنهم ارتطموا بشناعة نتائجها.

نعم، التفاصيل السابقة في الإشارة لمواطن التعارض بين القرآن والذوق الغربي كثيرة، والمقصود هز الوعي المسلم لإدراك الفارق بين شرف الوحي وانحطاط الذوق الغربي.

وعليه؛ فليس أمامنا إلا طريقان: إما أن نتخلى عن القرآن والسنة كليهما -والعياذ بالله- ونبني ديننا على الذوق المعاصر، وهاهنا نكون مطردين مع قاعدة حاكمية الذوق المعاصر، لكننا نكون خرجنا أصلاً عن حاكمية الوحي، ووقعنا في عبادة وتأييد «الذوق المعاصر».

وإما أن نتمسك بالقرآن والسنة كليهما، ونعظمهما ونشمخ بهما، ولو خالفنا الذوق المعاصر، وهاهنا فقط نكون تذوقنا طعم الإيمان بالله ورسوله ﷺ، كما في «صحيح مسلم» عن العباس بن عبد المطلب أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً)29.

حسنًا، بعد أن تعرفنا على تناقض فكرة (التجديد للتناسب مع الذوق المعاصر) لدى عبيد الثقافة الغالبة، فإننا يجب أن ننتقل إلى السؤال الحقيقي الذي طالما تمنيت أن يسألوا أنفسهم إياه، فالسؤال الحقيقي هو التالي: هل تطور الوحي ليتناسب مع الذوق المعاصر، أم تطور الذوق المعاصر ليرتقي إلى الوحي؟

هذا هو السؤال الحقيقي الذي يفضل أرقاء الثقافة الغالبة التغافل عنه والازورار أمامه.

هل الله أنزل إلينا هذا الوحي، وعلمنا رسولنا الكريم ﷺ هذه الأحكام، لكي نغيرها لتتناسب مع أهواء ورغبات الناس، أم حملنا رسالة عظيمة تستهدف تربية الناس على الارتقاء والتطور ليصلوا إلى معاني الوحي ويعرفوا عظمتها.

ومن يقول لك إننا يجب أن نطور أحكام الإسلام لتتناسب مع الذوق المعاصر، ففي مقولته هذه «معنى ضمني» يخفيه، وهو أنه يعتقد أن الذوق المعاصر أرقى من أحكام الوحي!

ضغط الثقافة الغالبة على الشعائر

صلاة الكسوف نموذجاً من يتابع التأويلات الفقهية للخطاب المستذل للثقافة الغالبة يلاحظ أنهم معنيون بشكل أساس بتحريف أحكام المرأة وأحكام المخالف، ولكن ليس هذا كل شيء، بل حتى الشعائر التي يفترض أنها شأن شخصي في أقل الأحوال لم تسلم من ارتياباتهم بسبب تعارض بعض أحكامها مع الثقافة الغربية الغالبة.

فقد سمعت بعض المنتسبين للثقافة المعاصرة يطرح تساؤلاً حول جدوى صلاة الكسوف في هذا العصر، وخلاصة هذا الإشكال: (أن ظاهرة الكسوف لم تعد اليوم ظاهرة مفاجئة، بل هي بفضل العلوم الفلكية الغربية المتقدمة باتت ظاهرة علمية يمكن التنبؤ بها مسبقاً، فلذلك لا يمكن أن يقال: إنها تخويف، وبالتالي فلا جدوى من صلاة الكسوف في هذا العصر).

وليس من العسير أن يدرك الباحث أن البنية النفسية لهذا السؤال معجونة بالانكسار للعلوم الغربية المعاصرة واعتبارها مطلقات لا تقبل المخالفة.

حسنًا: جوهر القضية هاهنا يقودنا للبحث عن «أساس تشريع صلاة الكسوف» فهؤلاء الذين يقولون أننا اليوم بفضل العلوم الفلكية الغربية المعاصرة صرنا نعرف وقت الكسوف فلا معنى للصلاة وقعوا في خطأين بشكل مركب.

أولهما خطأ «فقهي» وهو أساس تشريع صلاة الكسوف.

والثاني خطأ «فلكي» وهو تاريخ المعرفة العلمية بمواعيد الكسوف.

فهم يتصورون أن معرفة مواعيد الكسوف إنما وقع في هذا العصر، ولذلك تراهم يقولون (نحن اليوم صرنا نعرف مواعيد الكسوف) والواقع أن معرفة مواعيد الكسوف علم فلكي قديم معروف قبل أن يشرع الله جل وعلا صلاة الكسوف أصلاً، وقبل نبوة محمد ﷺ، بمعنى أن الله شرع صلاة الكسوف وبنو آدم يمكنهم معرفة مواعيده بشكل علمي حسابي.

ومن أقدم الرصد لتطبيقات هذا العلم ما ذكره المؤرخ الشهير (هيرودوت) (ت ٤٢٥ ق.م) المسمى «أبو التاريخ» حيث ذكر أن طاليس تنبأ بزمان الكسوف في أحد الحروب، ثم تم صياغة هذه التراكمات بطريقة علمية في كتاب بطليموس في علم الفلك عام (١٥٠م) وهو كتاب مشهور جداً ولايزال موجوداً.

وثمة اليوم كتب وبحوث كثيرة تدرس «تاريخ التنبؤ بمواعيد الكسوف» وكيف تطور علمياً منذ أيام الرصد البابلي إلى عصر ابتكار التلسكوب؟(١).

وفي عصر المأمون قام حنين بن إسحاق المعروف بترجمة كتاب (بطليموس) في علم الفلك وسماه العرب (المجسطي)، ثم انتشر هذا الموضوع بين الفقهاء وصاروا يتحدثون عنه في كتبهم، وعن تفاصيل معرفة مواعيد الكسوف، وممن شرح ذلك الفقيه المالكي ابن رشد الجد في «البيان والتحصيل»، وابن حزم في رسالته الطريقة «مراتب العلوم»، والقرافي في «الذخيرة»، والذهبي في «تاريخ الإسلام»، والرازي، وغيرهم، وأما المعاصرين فكثير؛ كابن عاشور والألوسي وغيرهم.

فقد وضع شيخ المالكية ابن رشد الجد (ت ٥٢٠هـ) صحة معرفة مواعيد الكسوف بالحساب الفلكي ثم قال: (ليس في معرفة وقت الكسوف بما ذكرناه من جهة النجوم وطريق الحساب؛ ادعاء علم غيب، ولا ضلالة وكفر، على وجه من الوجوه)30.

وتحدث العالم المثقف ابن حزم عن الكتب الفلكية التي يمكن من خلالها معرفة مواعيد الكسوف فقال: (وبمطالعته كتاب المجسطي يعرف الكسوفات)31.

وممن قرر مبدأ الإمكانية البشرية لمعرفة مواعيد الكسوف والخسوف أبو العباس ابن تيمية حيث يقول: (يمكن المعرفة بما مضى من الكسوف وما يستقبل، كما يمكن المعرفة بما مضى من الأهلة وما يستقبل؛ إذ كل ذلك بحساب، كما قال تعالى: [الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ] {الرحمن: ٥}) (١).

وسئل ابن تيمية مرة عن هذه المسألة صراحة، فكان هذا صورة السؤال ومطلع جوابه: (مسألة: في قول أهل التقاويم في «أن الرابع عشر من هذا الشهر يخسف القمر، وفي التاسع والعشرين تكسف الشمس؛ فهل يصدقون في ذلك؟ الجواب: الحمد لله؛ الخسوف والكسوف لهما أوقات مقدرة كما لطلوع الهلال وقت مقدر، وأما العلم بالعادة في الكسوف والخسوف، فإنما يعرفه من يعرف حساب جريانهما وليس خبر الحاسب بذلك من باب علم الغيب، ولا من باب ما يخبر به من الأحكام التي يكون كذبه فيها أعظم من صدقه) (٢).

ونبه الإمام ابن تيمية إلى أن من قرائن صحة معرفة مواعيد الكسوف والخسوف أن الفلكيين تتفق كلمتهم عليه، حيث يقول: (إذا تواطأ خبر أهل الحساب على ذلك فلا يكادون يخطئون، ومع هذا فلا يترتب على خبرهم علم شرعي، فإن صلاة الكسوف والخسوف لا تصلى إلا إذا شاهدنا ذلك) (٣).

ومن المسائل التي يثيرها البعض هو أنه هل يسوغ للإنسان أن يستعد للصلاة بناءً على خبر الفلكيين؟ وقد أجاب ابن تيمية على ذلك وشرح الأساس الفقهي له، فقال: (إذا جوز الإنسان صدق المخبر بذلك، أو غلب على ظنه، فنوى أن يصلي الكسوف والخسوف عند ذلك، واستعد ذلك الوقت لرؤية ذلك؛ كان هذا حثاً من باب المسارعة إلى طاعة الله تعالى وعبادته)32.

وأشار ابن تيمية إلى نفس الإشكالية التي يثيرها البعض اليوم، وهو كيف يمكن أن يكون الخسوف تخويفاً وهو معروف مسبقاً؟! حيث يقول ابن تيمية: (فإذا كان الكسوف له أجل مسمى لم يناف ذلك أن يكون عند أجله يجعله الله سبباً لما يقضيه من عذاب غيره لمن يعذب الله في ذلك الوقت، كما أن تعذيب الله لمن عذبه بالريح الشديدة الباردة، كقوم عاد، كانت في الوقت المناسب، وهو آخر الشتاء، كما قد ذكر ذلك أهل التفسير وقصص الأنبياء)33.

ولابن تيمية نصوص كثيرة جداً في تقرير معرفة مواعيد الكسوف والخسوف، بل وقد شرح الطرق العلمية لمعرفة ذلك، وقد كنت جمعت نصوصه هذه منذ زمن بعيد، ولكن لا أريد الإثقال على القارئ بذكرها هاهنا كلها، وأظن ما سبق كافٍ في تأكيد الصورة التاريخية.

وقد نقل العلامة القرافي ما قرره ابن رشد الجد وأكده، حيث يقول: (قال القاضي أبو الوليد ليس في معرفة الكسوف من جهة الحساب ادعاء غيب ولا ضلالة؛ لأنه أمر منضبط بحساب حركات الكواكب)34.

وأشار مؤرخ الإسلام الذهبي إلى أن معرفة مواعيد الكسوف والخسوف من العلوم الفلكية الصحيحة التي أثبتها الواقع، حيث يقول: (وأما كسوف الشمس والقمر فشيء ظاهر…، وأما حساب أهل الهيئة لذلك فشيء ما علمته يخرم أبداً، وهو عندهم حساب قطعي، ومن نظر في مستندهم جزم به)35.

والحقيقة أن النصوص التراثية حول الموضوع كثيرة، ويبدو أن ما سبق كافٍ في برهنة قدم معرفة مواعيد الخسوف والكسوف، وأنها قبل أن يشرع الله صلاة الكسوف، بل قبل بعثة محمد ﷺ، وأن فقهاء الإسلام الكبار قرروا أنها من العلوم الفلكية الصحيحة، ووضحوا أنها لا تعارض أساس شرعية صلاة الخسوف والكسوف.

حسنًا، أظن أنه من المناسب هاهنا أن ننتقل إلى ذكر بعض معالجات المعاصرين، فمن أطرف ذلك أنه كان في نجد في أيام أئمة الدعوة رجل مهتم بالفلك، ووجوده يوماً في المسجد مستعداً لصلاة الخسوف، وقد روى القصة الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله حيث يقول: (كان من المستفيض أن رجلاً حاسباً في بلد الدرعية، وقت أولاد الشيخ محمد، أظنه يقال له ابن جاسر، كان ساكناً في أعالي الدرعية، فتوضأ في نخله وركب حماره ونزل إلى مسجد البحري، أو غيره من المساجد الكبار في الدرعية، وكان يخبر من لقيه في الطريق أنه إنما نزل إلى المسجد لكون الشمس سيكسف بها وقت كذا وكذا من ذلك اليوم)36

وسأختم هذه المعالجات الفقهية بتقسيم جميل ذكره فقيه العصر الشيخ ابن عثيمين، حيث يقول: (والناس في هذا ثلاثة أقسام: مفرط في إثبات الشرع؛ يأخذ بما يظهر له منه، وينكر الأسباب القدرية فيقول: إن الكسوف ليس له سبب حسي، ولا يمكن أن يدرك بالحساب. وربما يكفرون، أو يضللون من يقول بذلك. والثاني: مفرط في إثبات القدر، فيقول: إن للكسوف أسباباً حسية تدرك بالحساب. وينكرون ما سواها، ويضللون من يعتقد سواها مما جاء به الشرع. وكلا القسمين مصيب من وجه، مخطئ من وجه. والصواب مع القسم الثالث: الذين يأخذون بهذا وهذا، فيؤمنون بما شهد به الحس، وبما جاء به الشرع، ولا يرون بينهما تنافياً؛ فإن الله تعالى يقدر الكسوف بأسباب حسية، لكن تقديره لهذه الأسباب له حكمة وغاية اقتضته؛ وهي تخويف الله تعالى لعباده، كما أن الصواعق، والعواصف، والزلازل المدمرة لها أسباب حسية معلومة عند أهل الخبرة، والله تعالى يرسلها ليخوف بها العباد)37.

وخلاصة الأمر، أن الخبرة البشرية الفلكية توصلت إلى معرفة مواعيد الكسوف قبل أن يشرع الله صلاة الكسوف أصلاً، بل قبل نبوة محمد أصلاً، وهذا يؤكد أن «صلاة الكسوف» ليس الأساس التشريعي لها كون بني آدم يجهلون موعد الكسوف، أو كونه يفاجؤهم بشكل اعتباطي خارج عن السنن الكونية؛ بل أساس تشريع صلاة الكسوف هو عظمة الآية ذاتها، فهذا النور الذي قال الله عنه: [هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا] [يونس: ٥] يذهب ضوءه بشكل مهيب بما يذكر الناس بذهاب ضوء هذه الآيات يوم القيامة كما قال تعالى: [إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ] [التكوير: ١-٢]، ولذلك قال النبي عن هاتين الآيتين: (يخوف الله بهما عباده) (١) والتخويف ليس ناشئاً بسبب الجهل بموعد وقوع الآية، وإنما فرع عن هول الآية ذاتها.

وأما كوننا نعرف مواعيده فهذا ليس له أثر على انفعال الأثر الإيماني العظيم لهذه الآية لمن كان له عقلٌ وقلبٌ حي، ونظير ذلك أن «يوم عرفة» نحن نعرف موعده بدقة ومع ذلك إذا جاءت ساعاته وقربت لحظات غروب ذلك اليوم العظيم تجد قلوب غالب المؤمنين لا تملك مشاعرها ورقتها وحشيتها من الله، برغم أنها تعرف موعد هذا اليوم تماماً. وكذلك الإنسان إذا صعد علواً يكبر تعظيماً لله وهبة له سبحانه، برغم أنه يعرف أنه سيصعد، فهل كونه يعرف يلغي فائدة التكبير؟

وفي التجارب البشرية لو علم الإنسان أنه سيقام عليه عقوبة جنائية من قطع أو قصاص أو نحوه بعد أسبوع فسيبقى متماسكاً إلى أن تحين لحظات ذلك اليوم، ثم سينهار ساعتها، فهل كونه يعرف موعد الحدث مسبقاً يلغي هول الحدث ذاته.

وضد ذلك أن الإنسان يعرف مواعيد الثمرة في بستانه، ومع ذلك إذا رآها نضجت لا يملك مشاعر الفرح.

ومن تأمل في هذه النظائر وأمثالها علم علماً قطعياً أن معرفة زمن الحدث مسبقاً لا يلغي هيبة الحدث ذاته.

والنتيجة أن صلاة الكسوف فرع عن عظمة وهول وهيبة آية ذهاب نور الشمس أو القمر، وليس فرع عن كوننا نجهل وقوع هذا الشيء، وبالتالي فعلنا به لا يلغي شرعيته ولا يعود على الأصل بالإبطال.

والهدف من معالجة هذا النموذج كشف الجهل الفادح لدى كثير من المهولين للثقافة الغالبة، وتسرعهم في تبني مواقف خاطئة شرعاً وتاريخاً.

Footnotes

  1. أخرجه: الطبراني، المعجم الأوسط، (٤٨٨٦)، من حديث أنس بن مالك. ↩

  2. أخرجه: مسلم (٢٥٣١) من حديث بي موسى الأشعري. ↩

  3. أخرجه: الترمذي (٢٦٧٦)، أبو داود (٤٦٠٧)، وابن ماجه (٤٣) وغيرهم، من حديث العريض بن سارية. ↩

  4. ابن تيمية، مجموع الفتاوى، (٤/١٥٦). ↩

  5. ابن تيمية، الفتوى الحموية الكبرى، تحقيق: حمد التويجري، دار الصميعي، الطبعة الثانية، ١٤٢٥ هـ (ص: ١٩٠). ↩

  6. ابن سينا، الرسالة الأضحوية، تحقيق د.حسن عاصي، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، الطبعة الثانية، ١٤٠٧هـ (ص: ١٠١). ↩

  7. ابن تيمية، درء تعارض العقل والنقل، تحقيق محمد رشاد سالم، نشر جامعة الإمام، الطبعة الثانية، ١٤١١هـ (٥/٧٢-٧٣). ↩

  8. أخرجه: مسلم (٢٣٦٣) من حديث عائشة وأنس. ↩

  9. أخرجه: الحاكم، المستدرك، (٣/١٩٥)، وهو في «السلسلة الصحيحة» (١/٦٤٨) (٣٧٤). ↩

  10. ابن تيمية، مجموع الفتاوى، (٣/١٤١). ↩

  11. ابن تيمية، درء تعارض العقل والنقل، تحقيق محمد رشاد سالم، نشر جامعة الإمام، الطبعة الثانية، ١٤١١هـ، (١/١٧٨) ↩

  12. ابن تيمية، درء تعارض العقل والنقل، (١/١٧٨)، مرجع سابق. ↩

  13. أخرجه: البخاري (٣٤٦١) من حديث عبد الله بن عمرو. ↩

  14. أخرجه: الترمذي (٢٦٥٧)، ابن ماجه (٢٣٢) واللفظ له من حديث عبد الله بن مسعود. ↩

  15. ابن تيمية، الاستقامة، تحقيق محمد رشاد سالم، نشر جامعة الإمام، الطبعة الثانية، ١٤١١هـ (١/٥٥). ↩

  16. الهروي، منازل السائرين، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٨، (ص: ٣٥). ↩

  17. أخرجه: أحمد، المسند، (٢/١٠٨/٥٨٦٦) من حديث ابن عمر. ↩

  18. أخرجه: الدارمي، السنن، (٢١٤). ↩

  19. أخرجه: البيهقي، المدخل إلى السنن الكبرى، (٨٣٥)، تحقيق: محمد ضياء الرحمن الأعظمي، أضواء السلف، الطبعة الثانية، ١٤٢٠هـ؛ ابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله، تحقيق أبو الأشبال الزهري، دار ابن الجوزي، ١٤١٤هـ، (٢/٩٨٤/١٨٧٧)؛ ابن حزم، الإحكام، (٦/٩٩)، تحقيق: أحمد شاكر، تصوير دار الآفاق، بيروت. ↩

  20. أخرجه: الخلال، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، (ص: ٨٧). ↩

  21. أخرجه: الخلال، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، (ص: ٨٨). ↩

  22. الرحباني الحنبلي، مطالب أولي النهى، المكتب الإسلامي، الطبعة الثانية، ١٤١٥هـ (٦/٦١٧). ↩

  23. أخرجه: أبو نعيم، حلية الأولياء (٨/٢٧)، والخلال، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، (ص: ٨٨). ↩

  24. القاضي عياض، ترتيب المدارك، تحقيق: عبد القادر الصحراوي، الأوقاف المغربية، الطبعة الثانية، ١٤٠٣هـ (٤/٧٦). ↩

  25. الشاطبي، الموافقات، تحقيق: مشهور سليمان، دار ابن عفان، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ (٣/١٢٣). ↩

  26. الشاطبي، الموافقات، تحقيق: مشهور سليمان، دار ابن عفان، الطبعة الأولى، ١٤١٧هـ (٥/٨١-٨٣). ↩

  27. أخرجه: البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩). ↩

  28. ابن النجار، شرح الكوكب المنير، تحقيق: الزحيلي وحماد، مكتبة العبيكان، الطبعة الثانية، ١٤١٨ هـ، (٤/٥٧٧-٥٧٨) ↩

  29. أخرجه: مسلم (٣٤). ↩

  30. ابن رشد الجد، البيان والتحصيل، تحقيق: د محمد حجي وآخرون، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الثانية، ١٤٠٨ هـ (٩/٣٤٥) الجزء بتحقيق: أحمد الحبابي. ↩

  31. ابن حزم، مراتب العلوم، ضمن رسائل ابن حزم، تحقيق: إحسان عباس، المؤسسة العربية للدراسات للنشر، الطبعة الثانية، ١٩٨٧ م، (٤/٦٩). ↩

  32. ابن تيمية، مجموع الفتاوى، (٢٤/٢٥٨). ↩

  33. ابن تيمية، مجموع الفتاوى، (٣٥/١٧٦). ↩

  34. القرافي، الذخيرة، تحقيق: محمد بو خبزة وآخرون، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى، ١٩٩٤م، (١٠/٥٥). ↩

  35. الذهبي، تاريخ الإسلام، تحقيق بشار عواد، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى، ٢٠٠٣م، (١٤/٦٦٤-٦٦٥). ↩

  36. ابن إبراهيم، مجموع فتاواه ورسائله، جمع وتحقيق: محمد بن عبد الرحمن بن قاسم، مطبعة الحكومة بمكة المكرمة، الطبعة الأولى، ١٣٩٩هـ (١/١٦٩ - ١٧٠). ↩

  37. ابن عثيمين، مجموع فتاواه، جمع وترتيب: فهد بن ناصر السليمان، دار الثريا، الطبعة الأولى، ١٤٢٣هـ (١٦/٢٩٣ - ٢٩٤). ↩

شروحات وبرامج عن «سلطة الثقافة الغالبة»

شروحات أخرى للكتاب4

بطاقة الاقتباس

حد البطاقة 340 حرفًا، بما فيها المسافات. يُختصر التحديد تلقائيًا عند فتح المعاينة.

حرفًا

المعاينة ستظهر هنا

أبلغ عن خطأ