سلطة الثقافة الغالبة
الفصل الثاني: العلوم المعيارية
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
تعديل الجهاز الدلالي ثمة فنون في تاريخ العلوم الشرعية تسمى «علوم المقاصد» مثل «العقيدة» و«الفقه»، وثمة فنون أخرى تسمى «علوم الآلة»، أو العلوم المعيارية، ومن أهمها «أصول الفقه» و«مصطلح الحديث».
فأصول الفقه مسؤول بالدرجة الأولى عن ضبط الدلالة، ومصطلح الحديث مسؤول بالدرجة الأولى عن ضبط الثبوت، والمعطيات الشرعية قائمة على هذين الركنين: الثبوت والدلالة.
وعلم أصول الفقه يقوم على محورين رئيسيين، (مصادر التشريع)، و(قواعد فهم النص)، ولذلك تجدهم تارةً يعبرون بقولهم: (التلقي والاستدلال) ويعنون بالتلقي مصادر التشريع أو الأدلة، ويعنون بالاستدلال مبحث الدلالة.
والحق أنه علم مذهل بتفاصيله الغزيرة والجهود المدهشة لعلمائه في تحرير جزئياته، ولأنه المسؤول عن (الدلالة) فقد لاقى هذا العلم وابلاً من سهام جنود الثقافة الغالبة، وحاولوا زحزحته عن طريقهم، لمسح الطريق تمهيداً لغرس بذور الفكر الغربي في الأراضي الإسلامية. ومن الدعوى التي طرحها وكلاء الثقافة الغالبة ما يلي: أن علم أصول الفقه علم اجتهادي، فما المانع أن نطوره؟، وأن أصول الفقه ابتكرها الشافعي، ولذلك فهي مرتبطة باحتياجات عصره، فيلزم أن نطورها لتتناسب مع احتياجات عصرنا، وتوسيع مصادر التشريع والتلقي ليكون «العقل» مصدر تشريع.
هذه بعض المسائل، وسنحاول معالجتها فيما يلي:
علم «أصول الفقه»: علم اجتهادي أم قطعي؟
يتوهم الخاضعون لسلطة الثقافة الغالبة أن علم أصول الفقه بكامله علم اجتهادي، وهذا من جهلهم بعلم الشريعة، وليس جهلهم فقط بعلم أصول الفقه، فإن علوم الشريعة كلها لا يوجد فيها علم بكامله اجتهادي، ولا علم بكامله قطعي.
بل علوم الشريعة كلها (العقيدة، التفسير، الحديث، الفقه، أصول الفقه، مقاصد الشريعة، إلخ) فيها مبادئ قطعية ثابتة لا تتغير، وفيها مسائل اجتهادية قابلة للنظر والاجتهاد والتحقيق والبحث وإعادة التحري.
فمثلاً: في علم الفقه نجد أن «وجوب الفرائض الأربع، وتحريم الربا والفواحش، وتحريم الزيادة على أربع في النكاح، إلخ» كلها أحكام قطعية ثابتة لا تتغير، لكن أحكاماً مثل (مسافة القصر، ومواضع سجود السهو، وزكاة الحلي، إلخ) كلها مسائل اجتهادية قابلة للنظر والاجتهاد.
كما نجد في الفقه «مسائل فنية» كتغيير ترتيب أبواب الفقه، والتقسيمات، والتعريفات، ووسائل العرض، إلخ، فهذه أيضاً مسائل اجتهادية، وهكذا بقية علوم الشريعة.
ففي علم «أصول الفقه» هناك أصول قطعية ثابتة لا تتغير، وهناك مسائل «موضوعية» و «فنية» هي من قبيل المسائل الاجتهادية، فمن المسائل القطعية الثابتة: أن مصدر التشريع الرئيسي هو «الوحي» قرآناً وسنة، ولا يجوز استحداث أي مصدر تشريعي آخر، ما لم يدل عليه القرآن أو السنة، والدليل على ذلك «الآيات القرآنية المتواترة والكثيرة» التي أوجبت طاعة الله ورسوله، ومقتضى الإيمان بنبوة محمد ﷺ هو طاعة الله ورسوله.
أما بقية مصادر التشريع الأخرى فهي «مصادر فرعية» يجب أن يوجد دليل شرعي من القرآن والسنة عليها: فالإجماع، والقياس، والاستصحاب، وسد الذرائع، والعقل، كلها مصادر فرعية تبعية، تتأسس على القرآن والسنة، وحين يتحدث عنها الأصوليون فإنهم يستدلون عليها من القرآن والسنة لإثبات حجيتها، وعلى ذلك فمن أراد أن يضيف «مصادر تشريع» جديدة فيجب أن يأتي بأدلة من «الوحي» تثبت كونها مصدر تشريع، وإذا أتينا بمصادر تشريع جديدة يرفضها الوحي، فقد وقعنا في «الشرك»، وهو أن نشرك غير الله في طاعة الله.
- الشافعي.. ليس مؤسس أصول الفقه: لا يستطيع أي باحث كائناً من كان أن يكشف لنا عن «مبدأ أصولي» اخترعه الشافعي في الرسالة، ومن الأخطاء الشائعة التي تساهل الكثير من المتعاطين لتاريخ العلوم الشرعية في إطلاقها بين ثنايا عباراتهم القول بأن الشافعي هو «مؤسس أصول الفقه».
والواقع أن هذا الإطلاق يمثل تساهل منهجي ترتب عليه أطروحات سرطانية أتلفت أدمغة كثير من الباحثين المعاصرين، ولم تكتشف إلا بشكل متأخر للأسف.
الشافعي ليس «مؤسس» أصول الفقه، فأصول الفقه مصادر التشريع وقواعد فهم النص تأسست في ذات اللحظة التي هبط فيها النص نفسه، واكتمل مع آخر حرف في «النص» المقدس، منذ أن قيل له «إقرأ» إلى أن قال «في الرفيق الأعلى»، لأنه وبكل إيجاز يستحيل أن يبقى «النص الشرعي» بلا قواعد لفهمه حتى عصر الشافعي (ت ٢٠٤هـ)!
فالصحابة والتابعون وتابعوهم كلهم كانوا يفهمون النصوص الشرعية فهماً منظماً طبقاً لقواعد أصولية كانت تنظم علاقاتهم بالنصوص، ولو كان الشافعي قد «اخترع» هذه القواعد ولم يكن يعرفها الصحابة والتابعون قبله لكان هذا سبباً علمياً يقتضي رفضها واستبعادها من قبل معاصريه من العلماء ومن بعدهم، كتطبيق مباشر للمبدأ الأساس (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)1.
فبمجرد أن يقف الشافعي لا سلف له ستكون هذه القواعد في قفص الاتهام؛ لأن الرهان حينذاك، وما يزال، على تحقيق منهج النبي ﷺ وأصحابه، وليس على الإحداث في الدين.
وباستعراض سريع لقضايا أصول الفقه الجوهرية يكشف الباحث أنها كلها كانت مطروقة قبل الشافعي.
فكل عصور السلف قبل الشافعي كانوا يعرفون مصدرية الكتاب والسنة والإجماع، وكان أهل الرأي بالكوفة يتوسعون في «القياس والاستحسان»، بينما كان أهل المدينة يتوسعون في «الاستصلاح، وعمل أهل المدينة، وسد الذرائع»، وكان أهل الحديث يتوسعون في «قول الصحابي»، وكل عصور السلف قبل الشافعي كانوا يعرفون القضايا الجوهرية التي أثارها في كتابه «الرسالة» كالناسخ والمنسوخ، والمرسل، وخبر الواحد.. إلخ، كل ذلك كان متداولاً قبل الشافعي، بل وكان محل سجالات ومناظرات علمية لم تتوقف.
وحتى قضايا الدلالة؛ كالعموم والخصوص والإطلاق والتقييد ونحوها، كانت تستعمل قبل الشافعي، ومن ذلك مثلاً ما في «صحيح مسلم» في حديث تكفير الحسنات للسيئات (قال معاذ: يا رسول الله، هذا لهذا خاصة أو لنا عامة؟ قال: بل لكم عامة)2.
فتلاحظ في هذا الحديث النبوي الذي يجسد حواراً أصولياً بين الصحابة والرسول ﷺ حضور التقابل المفهومي بين العموم والخصوص.
وهكذا كان الصحابة يستعملون التقابل المفهومي الأصولي بين العموم والخصوص في أحاديث كثيرة، منها الحوار الذي في «البخاري»
عن كفارة المجامع في نهار رمضان: (عن عبد الله بن معقل، قال: جلست إلى كعب بن عجرة رضي الله عنه، فسألته عن الفدية، فقال: نزلت في خاصة، وهي لكم عامة)3.
ومن فحص حوارات الصحابة في المسائل الفقهية وموازناتهم بين الأدلة لاحظ وجود جوهر المبادئ الأصولية في ترتيب الأدلة ودلالة الأمر والقرائن الصارفة ودلالة الألفاظ ونحوها.
وكل الذي صنعه الشافعي إنما هو «إفراد» هذه القضايا العلمية في مصنف مستقل، و«تجريد» بعض التطبيقات إلى أصول كلية، و«الترجيح الحاذق» عبر الاستدلال الحصيف في هذه القضايا بما ساعد على استقرار كثير من النزاعات العلمية فيها.
وإذا أردنا تحرير هذه الإشكالية بشكل أكثر تفحصاً في التباساتها فيجب أن نفرق بين مستويين مهمين من مستويات التعاطي مع «علم أصول الفقه».
فهناك المستوى الأول وهو «الجانب الفني»، مثل: سبك الاصطلاحات، أو التقسيمات، أو التعريفات، أو تنظيم المتفرق، أو استخلاص التطبيقات في مبادئ عامة، ونحو ذلك، فهذه كلها بدأت قبل الشافعي، ولم تنته إلى اليوم، وما زال علماء الإسلام يشجعون الإبداع والتجديد فيها.
وهناك المستوى الآخر وهو جانب «المحتوى الموضوعي» وهو الحقائق الموضوعية لعلم أصول الفقه، والمحتوى الموضوعي لأصول الفقه يقوم على أساسين: «أدلة الفقه الإجمالية» كالكتاب والسنة والإجماع والقياس، و «قواعد فهم النص» كصيغ الأمر والنهي، والجمع بين الأدلة، وتقديم الناسخ على المنسوخ، وتقديم الخاص على العام، ونحوها.
فهذه كلها موجودة قبل الشافعي، ولم تتغير إلى اليوم، ولا يستطيع أحد أن يبدلها، وإلا كان محدثاً في دين الله، فلا يستطيع أحد أن يبتكر «أدلة جديدة» للتشريع، ولا أن يبتكر «قواعد جديدة لفهم النص» تتعارض مع هدي محمد ﷺ وأصحابه في فهم النصوص الشرعية. هذا يعني أن ما قام به الشافعي لم يكن تأسيس علم أصول الفقه بقدر ما هو القيام بثلاث أمور: (الإفراد والتنظير والترجيح)، أعني: تخصيص وإفراد قضايا هذا العلم في تأليف مستقل، والقيام ببعض الجهود الفنية لإخراج بعض قضايا علم أصول الفقه من مستوى «التطبيق العملي» إلى مستوى «التأصيل النظري»، وحسم بعض موارد النزاع بالترجيح المبرهن.
أما المحورين الرئيسيين «مصادر التشريع» و «أساليب الاستنباط من النص» فهذه كلها موجودة قبل الشافعي كما سبق بيانه، ولذلك يطول تعجبي من دقة عبارة الإمام ابن تيمية حين وصف المهمة التي قام بها الشافعي، فقال: (فمعلوم أن أول من عرف أنه «جرد الكلام» في أصول الفقه هو الشافعي)4.
وعبارة «جرد الكلام» في لسان السلف تعني إفراد هذا العلم بمصنف مستقل.
ويقول الإمام ابن تيمية في موضع آخر: (وإن كان مقصود الأصوليين من «جرد الكلام» في أصول الفقه عن الأدلة المعينة، كما فعله الشافعي)5. بل حتى المستشرقين المشهورين بانحيازاتهم في دراسة تاريخ التشريع؛ كالمستشرق الألماني المشهور جوزيف شاخت (ت ١٩٦٩م)، وهو من أشهر المستشرقين الذين عنوا بدراسة الفقه والأصول ويحظى بمرجعية عالية بينهم، اضطر للاعتراف بأن الشافعي ليس هو مخترع أصول الفقه، بل هي موجودة قبل الشافعي، برغم أن (شاخت) مستشرق غير منصف فهو ينكر تماماً الثقة بأسانيد السنة النبوية، ويعتبر الفقه الإسلامي مجرد قوانين عرفية، ومع ذلك اضطر للاعتراف بأن «أصول الفقه» كانت موجودة قبل الشافعي، كما يقول شاخت: (وقد خطا الشافعي بعلم أصول الفقه خطوات هامة، اعتمدت على تطور هذا العلم قبل الشافعي)6
وفيما يتصل بالشائعة المنتشرة وهي أن «الشافعي اخترع طريقة القياس» يؤكد شاخت على أن القياس موجود قبل الشافعي، وخصوصاً عند أهل الرأي في الكوفة، كما يقول: (ولم يكن الشافعي واضع طريقة القياس)7
ومع ذلك كله نجد اليوم في الفكر العربي المعاصر أطروحات مزدحمة تكتظ تحت لافتة «تجديد أصول الفقه» تستهدف تبديل أصول الفقه الموروث عن القرون المفضلة جذرياً لتفسح الشرعية للثقافة الغربية الغالبة، والمسلمة الأولية التي تتأسس عليها هذه الأطروحات التبديلية أن «أصول الفقه» الرسمية ابتكرها الشافعي بما يتناسب مع احتياجات القرن الثالث الهجري، فنحن اليوم نحتاج «أصول فقه» تتناسب مع احتياجات القرن العشرين والحادي والعشرين، ومن له أدنى إلمام بتاريخ العلوم الإسلامية يعرف زيف هذه المسلمة الحداثية، وأن أصول الفقه لم يخترعها الشافعي أصلاً.
العقل.. هل يكون مصدر تشريع؟
يطرح بعض الحداثيين فكرة جعل «العقل» مصدراً للمعرفة الفقهية، ويعدّون هذا من التجديد في أصول الفقه، وهذا الطرح دليل كاسح على جهلهم بأصول الفقه أصلاً، فالفقهاء والأصوليون جميعاً إذا قسموا الأدلة الشرعية قالوا: إنها تنقسم إلى قسمين: دليل نقلي، ودليل عقلي، وأشهر كتب أصول الفقه هو «المستصفى»، وحين ذكر الأدلة الشرعية جعل رابعها «دليل العقل»(١)، وانتقد ابن تيمية تقسيم الأدلة إلى (دليل شرعي ودليل عقلي)، وقال إن الأدلة الشرعية قسمان: دليل نقلي، ودليل عقلي(٢)، فجعل الدليل العقلي من الأدلة الشرعية، وليس مقابلاً وقسيماً لها، فالعقل في الشريعة له دور كبير في الفقه الإسلامي عموماً، وفي أصول الفقه خصوصاً، ومن ذلك: - فهم النص: فهو علم عقلي قائم على النظر في الألفاظ والسياق والقرائن بهدف استخلاص المعنى.
-
القياس: وهو أصلاً عملية عقلية يتم فيها تعدية معنى الحكم المنصوص إلى غير المنصوص.
-
الاستصحاب: وهو البقاء على الحال الأصلية قبل ورود الشرع.
-
السياسة الشرعية: علم قائم على العقل والنظر في المصلحة والمفسدة، ولذلك فإن الأنظمة التي يسنها ولي الأمر لتنظيم حياة الناس لم يرد بتفاصيلها نصوص، (كنظام المرور، ونظام البلديات، ونظام الخدمة المدنية، إلخ) ومع ذلك يسميها الفقهاء «أنظمة شرعية» برغم أن مصدرها العقل والنظر وليس النص الشرعي.
-
مقاصد الشريعة: وهو علم قائم على النظر في جزئيات النصوص واستخلاص المبادئ العامة والغايات النهائية للشارع.
-
الترجيح بين الأقوال: وهو علم عقلي قائم على موازنة الأدلة والاعتبارات.
-
تصحيح الأحاديث وتضعيفها: وهو علم عقلي بحت قائم على دراسة أحوال الرواة، ومقارنة الروايات، واحتمالات الخطأ، والقابلية التاريخية للثبوت.
أما هل يكون العقل مصدر تشريع؟ فهذه مسألة تقليدية جداً وقد أجاب عنها الأصوليون والفقهاء بشكل مبكر جداً، وبصورة أعمق وأكثر توازناً من أطروحات التأويليين المعاصرين.
ففي علم أصول الفقه يفرق علماء الشريعة بشكل واضح بين «العقائد والشعائر» فيجعلونها «توقيفية»، وبين «الشؤون المدنية» فيجعلونها «اجتهادية»، فلا يجوز لمسلم أن يعتقد في الله (=العقائد) أو أن يتعبد الله (=الشعائر): إلا بشيء منصوص عليه، ولا يجوز للعقل أن يخترع عقيدة في الله، أو أن يبتكر عبادة جديدة.
أما العلوم والشؤون المدنية فهي «اجتهادية» يجوز للعقل أن يبتكر فيها ويبدع بشرط واحد فقط: أن لا تعارض الوحي، ولا يشترط أن تكون منصوصة في الوحي، فالحقل التوقيفي يعني أن يكون الأمر «منصوصاً» ولا يجوز للعقل استحداث جديد فيه، أما الحقل الاجتهادي فيشترط فيه فقط «عدم المعارضة» ويجوز للعقل أن يستحدث ما يشاء.
التركيز على الرواة المكثرين حين بدأ المستشرقون عملياتهم البحثية في المشرق العربي أصبح من أهم أطروحاتهم «التشكيك في تدوين القرآن والسنة»، فاستحوذ على أعمالهم قضية الطعن والتشكيك وبث الارتباطات في «الثبوت التاريخي للقرآن والسنة»..
فقالوا مثلاً: إن القرآن دُوّن بشكل تعسفي، وقرار سياسي من عثمان، وعملية تلفيقية غير منظمة، فلا يضمن أن يكون وصل إلينا بشكل صحيح، وكتبوا في ذلك عدة كتب، ثم صار يروج نظريتهم اليوم في تحريف القرآن بعض الفرانكفونيين كأركان وغيره8.
أما في تدوين السنة فمن أكثر ما كثفوا معاولهم عليه الطعن في المكثرين من رواية الحديث؛ فرأوا أبا هريرة أكثر من روى الحديث من طبقة الصحابة، والزهري أشهر من دارت عليهم الأسانيد من طبقة التابعين، فخصوهما بالطعون والتشكيكات.
وقد تلقف هذه الأطروحات عدد من الكتاب العرب وترجموها ونسبوها لأنفسهم، وكان أشهر من كتب في الطعن في أبي هريرة من العرب: محمود أبورية في كتابه «شيخ المضيئة»، وقد كتب علماء السنة المعاصرين ردوداً كثيرة كشفوا فيها الفوضى المنهجية لأعمال المستشرقين و«أبو رية» وأمثالهم ومن أعاد إنتاج أطروحاتهم، ثم خمدت هذه الشبهات من أمد طويل لكنني بات ألاحظ أنها بدأت تعود فعلاً مع بعض الشبان الأغرار محلياً تحت وطأة الثقافة الغربية الغالبة.
وأفضل ما كتب في موضوع التدوين المبكر للسنة ما سجله فؤاد سزكين عن تدوين السنة في موسوعته تاريخ التراث العربي (١)، ثم رسالة الدكتوراه للشيخ الأعظمي (٢) والتي نوقشت في كامبريدج، ثم ترجمها وطبعها بالعربية وكشف فيها تفصيلاً (اللامنهجية العلمية) لأطروحات جولدزيهر وشاخت والتي يرددها اليوم بعض المثقفين العرب.
وسأحاول الآن أن أناقش بشكل مقتضب بعض الإشكاليات التي أثرت مؤخراً في بيئتنا المحلية، مستحضرين أن يكون المحدد الأساس لقراءتنا هو «المنهج العلمي»، بما يتضمنه من فحص الثبوت، واستيعاب المعطيات، والتفسير الموضوعي.
- الاستفهام حول عدد مرويات أبي هريرة: يذكر البعض بأنه بلغت أحاديث أبي هريرة أكثر من (٥٠٠٠) حديث، وأن هذا رقم ضخم جداً يضع علامات الاستفهام ويسبب الارتياب في مصدر هذه الأحاديث، ويقول بعضهم: كيف تسنى له حفظ هذا العدد الضخم الذي لا يكاد يحفظه إلا جهاز حاسوب؟
وهذا في الحقيقة وهمٌ طريف، وهو دال على قلة خبرة المعترض بفن السنة، وسبب هذا الوهم أن ابن حزم كان يذكر مرويات الصحابة بالمكررات والشواهد والطرق اعتماداً على مسند بقي بن مخلد -وهو مسند مفقود-، فظنوا أن هذا عدد الأحاديث، والواقع أن هذا عدد الطرق، وليس عدد الأحاديث.
والواقع من خلال «مسند أحمد» وهو أوسع وأدق مسانيد السنة التي بين أيدينا أن مرويات أبي هريرة لا تبلغ إلا (١٣٠٠) حديث، وهذا الرقم مع عدم حذف المكرر، وهذا العدد يشمل الصحيح والضعيف أيضاً! فلو حذفت المكرر، وحذفت الأحاديث التي رويت عن أبي هريرة بطرق ضعيفة لما بلغت هذا العدد.
- استنكار انفراد أبي هريرة بالأحاديث الكثيرة مما يتداوله البعض استنكارهم بالقول: كيف تمكن أبوهريرة أن يعرف خمسة آلاف حديث لا يعرفها بقية الصحابة؟ وكيف استطاع أبو هريرة أن ينفرد برسول الله ﷺ لكي يسمع منه هذه الأحاديث الضخمة؟ فأين بقية الصحابة؟
وهذا الاستشكال دالٌ أيضاً على قلة خبرة المعترض بفن السنة، فالواقع أن الأحاديث التي رواها أبوهريرة شاركه في روايتها صحابة آخرون، فلم ينفرد أبوهريرة إلا بنزر يسير من الأحاديث لا تبلغ العشرات، فحتى لو أسقطنا رواية أبي هريرة فستبقى هذه الأحاديث مروية من طريق صحابة آخرين.
ومن أطرف الدراسات المعاصرة في هذه الإشكالية دراسة قام بها (الدكتور محمد عبده يماني) مع فريق متخصص في الحاسب الآلي، وكشف فيها البحث الحاسوبي رقمياً اشتراك مرويات أبي هريرة مع روايات غيره من الصحابة، وأنه لم ينفرد بأكثرها، وقد شرح د. يماني تفاصيل هذا البحث وتطوراته (الكمبيوترية) في الصحافة المحلية عام ١٤٢٦ هـ ويمكن الرجوع إليه للاطلاع على تفاصيل هذا البحث المانع9.
ومن مصادر الإشكال في هذا الاعتراض توهمهم أن الصحابي إذا قال: (قال رسول الله) فإنه محمول على المشاهدة عن الرسول! وهذه بصراحة سقطة كبيرة سببها التجرؤ على علوم لم يتأهلوا لها للأسف، فأصغر طلاب الحديث سيتبسم وهو يسمع هذا الاحتجاج، إذ أن أكثر رواية الصحابة في الأصل ليست عن النبي، بل هي رواية عن بعضهم البعض، فالصحابة يرون عن بعضهم، وخصوصاً صغار الصحابة، ومن تأخر إسلامهم، وأكثر أحاديث المعمرين من الصحابة نقلوها عن غيرهم، وإنما نقلت عنهم لأجل أنهم أصبحوا يمثلون الإسناد العالي. والصحابة إذا نقلوا عن بعضهم حديثاً نبوياً لا يذكرون الواسطة، بل يقولون مباشرة «قال رسول الله»، فيظنها قليل الخبرة بعلوم السنة رواية مشافهة عن النبي، وهذه الظاهرة يسميها علماء المصطلح «مرسل الصحابي».
ومن شواهد ذلك: قال البراء بن عازب: (ما كل ما نحدثكم به عن رسول الله ﷺ سمعناه؛ بل سمع بعضنا من بعض ولكننا لا نكذب)10
وروى ابن عباس عن النبي ﷺ «أفعال الحج» ولم يكن شاهدها، فإنه ﷺ بعثه مع أغيلمة بني عبد المطلب ليلة المزدلفة، ولكنه سمع ذلك من أخيه الفضل بن عباس.
وروى أبو هريرة أنه ﷺ قال: (من أدركه الفجر جنباً فلا يصم) ثم قال بعد أن روى الحديث: «سمعت ذلك من الفضل»11
وقد كان بعض الصحابة يقول: «قال رسول الله»، فإذا سأله عمر، قال حدثني به الصحابي فلان عن رسول الله، فيصرح بالواسطة.
وقال ابن طاهر في كتاب «اليواقيت»: (كان من مذهب الصحابة رضي الله تعالى عنهم أنه إذا صح عندهم أن رسول الله ﷺ ذكر حديثاً روه عنه من غير أن تذكر الواسطة بينهم؛ فقد روى أبو هريرة وابن عباس «قصة [ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ] » وهذه القصة كانت بمكة في بدء الإسلام، لم يحضرها أبو هريرة، ويصغر عنها سن ابن عباس، وروى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما «وقوف النبي صلى الله عليه و سلم على قلب بدر»، وابن عمر لم يحضر بدراً، وروى المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قصة الحديبية وسنهما لا يحتمل ذلك؛ لأنهما ولدا بعد الهجرة بستين، وروى أنس بن مالك حديث انشقاق القمر وذلك كان قبل الهجرة، وقد أخرج الأئمة هذه الأحاديث وأمثالها في الصحيحين وغيرهما، وأجمعوا على الاحتجاج بها12
وهذه الظاهرة الحديثية معروفة في علوم السنة النبوية، ويسمونها كما سبقت الإشارة «مرسل الصحابي»، وذكروا لها شواهد كثيرة، ورصدوا كثيراً من قسماتها الحديثية وآثارها على الرواية.
قال السيوطي في «تدريب الراوي»: (أما مرسله، أي الصحابي، كإخباره عن شيء فعله رسول الله ﷺ أو نحوه، مما يعلم أنه لم يحضر، لصغر سنه أو تأخر إسلامه، فمحكوم بصحته على المذهب الصحيح، الذي قطع به الجمهور من أصحابنا وغيرهم، وأطبق عليه المحدثون المشترطون للصحيح القائلون بضعف المرسل، وفي الصحيحين من ذلك ما لا يحص؛ لأن أكثر رواياتهم عن الصحابة، وكلهم عدول، ورواياتهم عن غيرهم نادرة، وإذا روهوا بينوها13).
والمراد أن أحاديث أبي هريرة الكثيرة ليست كلها رواها مشافهة عن رسول الله ﷺ، بل كثير منها أخذه عن غيره من الصحابة عن رسول الله، لكنهم لم يكونوا يذكرون الأسانيد حينها، لأن الواسطة صحابي وهو ثقة، كما قال البراء بن عازب في الأثر السابق: (ما كل ما نحدثكم به عن رسول الله ﷺ سمعناه بل سمع بعضنا من بعض ولكننا لا نكذب).
- استشكال قصر مدة الصحبة ومن الاعتراضات التي طرحت قولهم أنه: (يزداد الإشكال إذا وضعنا في الاعتبار قصر المدة التي صحب فيها أبا هريرة رسول الله ﷺ، فإن أبا هريرة لم يسلم إلا متأخراً كما هو معروف؟).
والواقع أن النبي ﷺ كان يعزز في أصحابه استعداداتهم الذاتية ويكلفهم المهام الموافقة لها، فأبوبكر وعمر للقيادة والاستشارة، وخالد للجيوش، وابن عباس لعلم التفسير، ومعاذ لعلم الحلال والحرام، وزيد بن ثابت للمواريث، وبعض الصحابة للقضاء، وابن مسعود وأبي بن كعب لحفظ القرآن وقراءاته، وكان أبو هريرة وابن عمر وأنس هم أهم المتخصصين في رواية السنة.
فكان كل صحابي يتصدى للمهمة التي توافق تكوينه وقدراته، والتي زكاها النبي فيه، فأكثر الصحابة لم يتصدوا للتفسير، وأكثر الصحابة لم يتصدوا للفتاوى، كما أن أكثر الصحابة لم يتصدوا لرواية الحديث وإسماعها للتابعين، وقد كان كبار التابعين يحرصون على أبي هريرة أكثر من غيره لتميزه بالحفظ وسعة الرواية ومحبته لتبليغ الحديث.
وقد شهد له الصحابة والأئمة بحفظ الحديث، فقد كان الصحابي الجليل ابن عمر يترحم على أبي هريرة في جنازته ويقول: (كان ممن يحفظ حديث رسول الله ﷺ على المسلمين)14، وقال ابن عمر أيضاً لأبي هريرة: (كنت أزمنا لرسول الله ﷺ وأحفظنا لحديثه)15.
وقد كان التابعون يميزون دقة إتقان أبي هريرة وتميزه على بقية الصحابة، ففي قصة طريفة ذكرها البخاري في «التاريخ» أن التابعي محمد بن عمارة قال: (قعدت في مجلس فيه مشيخة من الصحابة بضعة عشر رجلاً، فجعل أبو هريرة يحدثهم عن رسول الله بالحديث فلا يعرفه بعضهم، فبراجعون فيه حتى يعرفوه، ثم يحدثهم بالحديث كذلك، حتى فعل مراراً، فعرفت يومئذ أن أبا هريرة أحفظ الناس)16، وقال الشافعي: (أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في عصره)17.
ولذلك حين اشتكى أبو هريرة للنبي ﷺ نسيانه بعض الأحاديث؛ دعا له النبي فكان بعد ذلك لا ينسى شيئاً، وكان أبو هريرة لا يعمل وليس له وظيفة، وإنما كان يتتبع النبي ويحفظ أقواله، وقد سبب له ذلك فقراً فكان من أهل الصفة، كما أنه لم يكن من أصحاب الولايات والمناصب الكبرى في مرحلة التلقي والسماع كبقية أصحاب النبي. أما المدة التي صحب فيها رسول الله فليست مدة يسيرة، بل تبلغ (١٤٦٠) يوماً كان يلازمه فيها ملازمة تامة، فلو فرضنا أن مروياته خمسة آلاف «متن»، فهذا يعني أنه يحفظ معدل ثلاثة أحاديث كل يوم، فإذا جمعت تخصصه في رواية السنة وعدم اشتغاله بغير ذلك مع عدد الأيام التي صحب فيها رسول الله ﷺ تبين لك أن هذا العدد عدد طبيعي جداً.
وبسبب تخصصه في رواية السنة فلم ينقل عنه كثير تفسير مثلاً، ولو كان رجلاً غير صادق لتكلم في كل فن، لكنه لم يتكلم إلا فيما حفظه.
فهل يستقيم أن نعترض على كون «ابن عباس» تكلم في التفسير أكثر من بقية الصحابة؟! وهل يستقيم أن نعترض على كون «زيد بن ثابت» تكلم في الفرائض أكثر من بقية الصحابة؟! وهل يستقيم أن نعترض على كون «عائشة» تكلمت في الفقه أكثر من بقية الصحابة؟! فكذلك لا يستقيم أن نطعن في تخصص أبي هريرة.
حسنًا، لنسلم جدلاً أن قصر مدة أبي هريرة لا تتيح له رواية كثير من الأحاديث، هذا سيقودنا إلى التشكيك في رواية صحابة آخرين: فابن عمر يعتبر من صغار الصحابة، وتوفي النبي وهو فتى صغير، وتبلغ مروياته طبقاً لابن حزم (٢٦٣٠) حديث، وأنس بن مالك يعتبر أيضاً من صغار الصحابة، وقد روى طبقاً لابن حزم (٢٢٨٦) حديثاً، وابن عباس يعتبر من صغار الصحابة وتوفي النبي وهو فتى صغير، وتبلغ مروياته طبقاً لابن حزم (١٦٦٠) حديثاً، وعائشة لم تشهد الحياة الخارجية للرسول ﷺ إذ أكثر وقتها في بيتها، ومع ذلك روت طبقاً لابن حزم (٢٢١٠) حديثاً.
وهاهنا يطرح تساؤل هو نظير التساؤل الذي يطرحه هؤلاء عن أبي هريرة إذ سيقال: كيف جاز لصغار الصحابة - كأنس وابن عباس وابن عمر، وزوجة الرسول التي أكثر وقتها في بيتها - أن ينقلوا من الأحاديث أضعاف ما روي عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي؟
وإذا كنتم ستطعنون في رواية أبي هريرة، فيلزمكم أن تطعنون أيضاً في الروايات الكثيرة لابن عباس وابن عمر وأنس وعائشة.
- استشكال نهي عمر لأبي هريرة عن الرواية: ومما يطرحه هؤلاء قولهم: لماذا كان عمر ينهى أبا هريرة عن التحديث عن الرسول، ويتوعده بأن ينفيه إلى «أرض القردة»؟!
والواقع: أنني لما تأملت هذا الاعتراض الذي راج في منتدياتنا المحلية، اكتشفت أن المعترض خلط خبرين في خبر واحد.
فالذي جاء في كتب التاريخ أنه قال له عمر: «أو لألحقنك بأرض القردة» ليس الصحابي «أباهريرة»، بل قالها عمر للتابعي «كعب الأحبار» في قضية التحديث عن أهل الكتاب، فجعلها المعترض في حق أبي هريرة.
والخبر كما ورد في «تاريخ أبوزرعة الدمشقي»، وعنه تناقله المؤرخون، وساقه بإسناده كالتالي: (حدثني محمد بن زرعة الرعيني قال: حدثنا مروان بن محمد قال: حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن إسماعيل بن عبيد الله عن السائب بن يزيد قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لأبي هريرة: لتتركن الحديث عن رسول اللَّهِ ﷺ أَوْ لِأَلْحَقَنَّكَ بِأَرْضِ دُوسٍ. وَقَالَ لِكَعْبٍ: لَتَتَرَكَنَّ الْأَحَادِيثَ، أَوْ لِأَلْحَقَنَّكَ بِأَرْضِ الْقِرْدَةِ)18.
وهاهنا يثور تساؤل منطقي: كيف وقع المعترض في هذا الخط؟ بمعنى كيف نسب عبارة «أرض القردة» إلى أبي هريرة، وهي مروية في حق كعب الأحبار؟
فأنا شخصياً أعتقد أن المعترض لم يتعمد قطعاً هذا الخط، بل واضح أنه بريء، ومدين في هذا الخط لغيره، والحقيقة أن تتبع خيوط هذا الخط يكشف لنا أن هؤلاء الشبان لا يرجعون للمصادر العلمية المتخصصة بتاتاً، بل ينقلون عن كتب ثقافية لا منهجية تمتهن التدليس والتزوير والفبركة وتوقعهم في ورطات علمية كبيرة فلو تتبعنا سلسلة هذه الإشاعة لاكتشفنا أن صانع هذا التدليس والمفبرك الأول هو الهالك «أبو رية» في كتابه سعى الذكر «أضواء على السنة» وعنه تناقل كثير من الشبان المستعجلين هذا الخط وبثوه في منتدياتنا، وقد نبه العلماء المتخصصون على «كذبة أبي رية» هذه بشكل مبكر، ولكن المشتكى إلى الله، ما حيلتنا إزاء تراجع الحس المنهجي العلمي في الشباب المثقف اليوم؟
تأمل معي هذا المقطع للعلامة المحدث «عبد الرحمن بن يحيى المعلمي»: (قال أبورية: وقد أخرج ابن عساكر من حديث السائب بن يزيد: لتتركن الحديث عن رسول الله أو لألحقنك بأرض دوس أو بأرض القردة». أقول: عزاه أبو رية إلى «البداية والنهاية» لابن كثير، ولكن لفظه هناك «لألحقنك بأرض دوس، وقال لكعب الأحبار: لتتركن الحديث عن الأول أو لألحقنك بأرض القردة» فأسقط أبو رية هنا ذكر كعب، وجمع الكلمتين لأبي هريرة19.
ولأبي رية تدليسات كثيرة مثل ذلك، تتضح بأبسط مقارنة بين نقولاته والمصادر الأصلية! وقد نبه على كثير منها المحدثون المتخصصون الذين فندوا كتابه، ويمكن أيضاً أن يكون أبو رية نفسه ضحية لمن نقل عنهم من المستشرقين، فقد تكون هذه الفبركة من (جولدزيهر)، فله في مثلها نظائر كشفها الشيخ مصطفى السباعي في كتابه المشهور عن السنة، وناقش فيها تلميذ (جولدزيهر) القائم بعلمه وهو (جوزيف شاخت) وصدم حينها شاخت، وجولدزيهر من مصادر أبي رية في كتابه أضواء على السنة المحمدية.
والمراد: أن يلاحظ الراصد الموضوعي كيف وقع هؤلاء الشباب - الطيبين في ذواتهم - في عرض صحابي جليل بسبب تساهلهم العلمي واستهتارهم المنهجي، ولو كانوا يحترمون «المنهج العلمي» فينقبون في المراجع المتخصصة لانكشف لهم كثير من (اللامنهجية) في الكتابات الثقافية المعاصرة.
ومع ذلك، فهذا الخبر ضعيف أصلاً، فيه علتان: الأولى أن محمد بن زرعة الرعيني «مجهول»، والثانية: «الانقطاع» بين إسماعيل بن عبيد اللَّه، والسائب بن يزيد، وفضلاً عن ذلك لا يعرف في شيء من دواوين السنة التي عليها مدار الإسلام.
أما نهى عمر عن الإكثار من التحديث، فهذا ليس نهياً خاصاً بأبي هريرة كما يتصور السائل، بل كان عمر ينهى الصحابة جميعاً عن الإكثار من التحديث، وقد لخص العلامة الذهبي الآثار الواردة عن عمر في ذلك، وعقب على ذلك بأن هذا اجتهاد عمر في مقابل اجتهاد غيره من الصحابة، حيث يقول الذهبي في عبارة دقيقة: (هكذا كان عمر رضي الله عنه يقول: «أقلوا الحديث عن رسول الله»، وزجر غير واحد من الصحابة عن بث الحديث، وهذا مذهبٌ لعمر ولغيره)20.
وأصل ذلك «قضية خلافية» مبكرة كانت بين الصحابة، فبعض الصحابة كان يرى وجوب بث كل ما تعلموه من الرسول، وهذا رأي الصحابة المكثرين من الرواية: أبو هريرة، وأنس، وابن عمر، وعائشة، وابن عباس، وجابر بن عبدالله، وأبو سعيد الخدري. فهؤلاء من أصحاب الألوف في الرواية.
وبعض الصحابة كان يرى أن الإكثار من رواية الحديث سيترتب عليه أمران: أنه ذريعة إلى انصراف التابعين إلى الحديث وترك القرآن، وخصوصاً حديثي العهد بالإسلام، واحتمال الخطأ مع التوسع في الرواية، وهذا رأي عمر بن الخطاب وغيره، ولذلك قال الذهبي في عبارته الدقيقة السابقة (وهذا مذهبٌ لعمر)، فالقضية اجتهادية بين الصحابة رضوان الله عليهم، ويكشف خلفيات اجتهاد عمر هذا الخبر الثابت عنه في «مستدرك الحاكم» وفيه قال عمر: (إنكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن كدوي النحل فلا تبدونهم بالأحاديث فيشغلونكم، جردوا القرآن، وأقلوا الرواية عن رسول الله ﷺ، وامضوا وأنا شريككم)21.
وفي حادثة أخرى رواها ابن عبد البر في «الجامع» قال عمر: (إني كنت أريد أن أكتب السنن وإني ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبداً)22 فهذه من الحالات التي كان يراعيها عمر، كترتيب الأولويات، وتقديم العناية بالقرآن ثم العناية بالسنة، ومراعاة حديثي العهد بالإسلام، ولم يكن مقصود عمر ترك الرواية وكتم العلم فقد روى عمر ذاته طبقاً لابن حزم (٥٣٧) حديثاً.
- دعوى تعارض أحاديث أبي هريرة مع القرآن: ومن الاعتراضات التي طرحت قول بعضهم: (ما موقفنا من أحاديث أبي هريرة التي ثبتت في الصحيحين حسب المعايير الحديثية؛ وهي تتنافى مع صريح القرآن مثل حديث «خلق السموات والأرض في ستة أيام»)؟
والجواب عن هذا أن يقال: ليس في الصحيحين حديث متفق عليه يعارض القرآن، ولو كان كذلك لكان هذا علة في متنه أصلاً.
أما المثال الذي ذكره المعترض فليس من الأحاديث المتفق عليها، وليس حديثاً ثابتاً حسب المعايير الحديثية أساساً، بل هو حديث ضعفه جماهير المحدثين: كالبخاري، وابن المديني، ويحيى بن معين، وعبدالرحمن بن مهدي، والبيهقي، وابن تيمية، وابن القيم، وغيرهم كثير.
فهذا الحديث الذي يشير إليه السائل هو الحديث الشهير «خلق الله التربة يوم السبت..» الحديث.
ومضمون هذا الحديث أن الله خلق السموات والأرض في سبعة أيام (وليس في ستة أيام كما توهم المعترض) وهو بذلك يعارض ظاهر القرآن، أن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام.
وهذا الحديث خرجه مسلم، وانتقده الحفاظ عليه، والعلة في هذا الحديث أن الراوي غلط فنسبه للنبي، وهو من كلام كعب الأحبار، قال الإمام ابن تيمية في «الفتاوي»: (وأما الحديث الذي رواه مسلم في قوله «خلق الله التربة يوم السبت»: فهو حديث «معلول»، قدح فيه أئمة الحديث: كالبخاري وغيره، قال البخاري: الصحيح أنه موقوف على كعب، وقد ذكر تعليله البيهقي أيضاً، وبينوا أنه غلط، ليس مما رواه أبو هريرة عن النبي، وهو مما أنكر الحذاق على مسلم إخراجه إياه)23.
وقال الإمام ابن تيمية في «الجواب الصحيح»: (وكذلك صحيح مسلم فيه ألفاظ قليلة غلط، وفي نفس الأحاديث الصحيحة مع القرآن ما يبين غلطها، مثل ما روي «أن الله خلق التربة يوم السبت وجعل خلق المخلوقات في الأيام السبعة» فإن هذا الحديث قد بين أئمة الحديث: كحيى بن معين، وعبدالرحمن بن مهدي، والبخاري، وغيرهم: أنه غلط، وأنه ليس في كلام النبي، بل صرح البخاري في «تاريخه الكبير» أنه من كلام كعب الأحبار، كما قد بسط في موضعه، والقرآن يدل على غلط هذا، ويبين أن الخلق في ستة أيام، وثبت في الصحيح أن «آخر الخلق كان يوم الجمعة» فيكون أول الخلق يوم الأحد24.
ويبدو أن المعترض بعيد عن «فن السنة» حين قال: ما الموقف من تعارض السنة مع القرآن؟ والواقع أنه لو رجع لكتاب «المنار المنيف» لابن القيم لاكتشف قواعد «نقد متون السنة»25 عند أهل الحديث، فالحديث إذا عارض العقل القطعي أو دلالة القرآن القطعية، فإن هذا علة فيه تكشف أن ثمة خللاً إسنادياً دقيقاً، لكن كثيراً من الصحفيين المسلوبين للثقافة الغربية الغالبة لا يفرق بين تعارض السنة مع العقل، وتعارض السنة مع الرأي الشخصي!
- استشكال معارضة بعض الصحابة لأبي هريرة: ومما طرح من الاعتراضات أيضاً في بعض منتدياتنا قول البعض: (إن عمر وعائشة اتهموا أبا هريرة وكذبوه في أكثر من حديث)!
وأظن المعترض يقصد عائشة حين ردت على أبي هريرة حديث (يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود)، وذلك حين قالت عائشة: (أعدلتمونا بالكلاب والحمر؟!).
والحقيقة أن هذا الحديث الذي استنكرته عائشة لم ينفرد بروايته أبوهريرة، ولم تعترض عائشة على أبي هريرة لوحده، بل اعترضت على كل من روى هذا الحديث من الصحابة، حيث روى هذا الحديث من الصحابة خمسة (أبوهريرة، وابن عباس، وأبوذر، وعبدالله بن مغفل، والحكم بن عمرو).
لكن عائشة استنكرته لأنها كانت كما تقول: (قد شبهتمونا بالحمر والكلاب! والله لقد رأيت رسول الله ﷺ يصلي وإني على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة فتبدو لي الحاجة فأكره أن أجلس فأودى رسول الله ﷺ فأنسل من عند رجليه)26.
فعائشة استنكرت هذا الحديث على جمع من الصحابة بلغنا من روايتهم خمسة، وسبب استنكارها أنه بلغها من العلم بخلاف ما بلغهم، بل إن الأغلب أن عائشة كانت تستحضر رواية أبي ذر أكثر من غيره؛ لأنها قالت في رواية «يا أهل العراق»، فقال ابن حجر معلقاً: (قالت عائشة: «يا أهل العراق قد عدلتمونا.. إلخ» وكأنها أشارت بذلك إلى ما رواه أهل العراق عن أبي ذر وغيره)27.
وأساس هذه الإشكالية أن يستحضر الباحث أن «الخلاف بين الصحابة» وقع في كثير من المسائل والأحاديث، حيث كان كل منهم يعمل بما سمعه ورآه من النبي، ويستنكر إذا كان ظاهر ما معه يتعارض مع ظاهر ما مع غيره، وقد كثر استنكار عائشة على بعض الصحابة مروياتهم، ولذلك جمعها الإمام الزركشي في كتاب وسماه «الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة»، وقد ذكر فيه الإمام الزركشي هذا الحديث (يقطع الصلاة المرأة..)28 وذكر اختلاف الصحابة فيه.
والشاهد أن هذا الحديث لم تستنكره عائشة على أبي هريرة، بل استنكرته على خمسة من الصحابة.
- استشكال رواية أبي هريرة عن كعب الأحبار ومما كتب وراج في بعض منتدياتنا قول بعضهم: (إن بسر بن سعيد جزم أن أبا هريرة كان يحدث عن الرسول وعن كعب الأحبار في نفس المجلس؛ فيخرج بعض الحضور وقد خلطوا ما بين الحديثين)!
والحقيقة: أن المعترض لم يمنح نفسه فرصة للتأمل، لأن هذه المقولة التي يذكرها الإمام بسر بن سعيد هي دفاع عن أبي هريرة، وكشف مصدر الخطأ: وهو الرواة الضعفاء الذين يجالسون أبا هريرة، وهذا عين ما أردنا إثباته في كل المناقشات السابقة، وتأمل مقولة بسر بن سعيد بتمامها: (عن بسر بن سعيد قال: اتقوا الله وتحفظوا من الحديث، فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة، فيحدث عن رسول الله، ويحدثنا عن كعب، ثم يقوم، فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله عن كعب، ويجعل حديث كعب عن رسول الله!)29.
فالإمام بسر بن سعيد يقول إن أبا هريرة دقيق في العزو، فينسب ما هو للنبي للنبي، وينسب ما هو لكعب لكعب، لكن يجالسه قوم ضعفاء في الحفظ فيخلطون الاحاديث، وهؤلاء الضعفاء لم يعتد بمروياتهم أصلاً! فالإمام بسر بن سعيد هاهنا لا يحذر من أبي هريرة، ولكنه يحذر من الرواة الضعفاء عن أبي هريرة، وهذا معنى ظاهر جداً في القصة.
- جدلية عدالة الصحابة ومما أثاره هؤلاء فيما يتعلق بمرويات الصحابة قول بعضهم: (ما مدى موضوعية اعتبار «عدالة الصحابة» بإطلاق، حتى صارت القاعدة الحديثية أن جهالة الصحابي في السند لا تضر في التوثيق، حيث لا يمكن أن نجزم بعصمتهم عن الخطأ والنسيان والتدليس والكتم والخطأ العمد؟ بدليل شواهد السنة الكثيرة على مثل هذه الافعال)
والجواب عن هذا أن يقال بكل إيجاز: بقية الرواة اعتمدنا في توثيقهم على أئمة الجرح والتعديل، أما الصحابة الذين احتفوا برسول الله ﷺ ونقلوا لنا سنته فقد اعتمدنا في توثيقهم على آيات قرآنية، وأحاديث نبوية مستفيضة، في تعديلهم والثناء على علمهم، والقرآن والحديث أدق من كلام علماء الجرح والتعديل قطعاً.
وخلاصة الجرح والتعديل يقوم على ركنتين «العدالة»، و«الحفظ»: أما «عدالة الصحابة» المحيطين برسول الله ﷺ فهي ثابتة بالنصوص القطعية من القرآن والسنة المتواترة، وأما «حفظ الصحابة» الذين يرون السنة؛ فإن الحفظ يعرف بمقارنة رواية الراوي بغيره، وعلماء الجرح والتعديل هذا هو كل عملهم، وهو مقارنة الروايات.
ولا يعرف أن أحداً من الصحابة «كثير الخطأ» أو «الأوهام» في الرواية إذا قورنت مروياته بمرويات غيره من الصحابة، بل أحاديث الصحابة دوماً متواطئة على نفس المعنى، وإذا كان المعترض قد قارن رواية أحد الصحابة بمرويات غيره واكتشف أنه كثير الخطأ فليعرض هذه النتائج وسنسلم قطعاً أن ثمة نقصاً في الحفظ، والرهان على البرهان.
ثم إن الحديث حول «حفظ الصحابي» كلام غير عملي ولا مثمر، وسبب ذلك أن أصول الإسلام وقواعد الشريعة لا ترتبط بأحاديث منفردة لا يرويها إلا صحابياً غير مشهور، بل كل الأحاديث التي فيها أصول الإسلام وقواعد الشريعة رواها مشاهير الصحابة، فحتى لو قدحنا في حفظ الصحابة غير المشهورين، فإن أصول أحكام الشريعة مستقرة برواية غيرهم من مشاهير الصحابة.
- فكرة عرض الأحاديث على القرآن والعقل ومما كثر رواجه أيضاً أطروحة محاكمة السنة إلى بقية مصادر التشريع، كما يعبر بعضهم فيقول: (هل يمكن القبول المطلق بالسنة مجرد ثبوت الحديث؟ باعتقادي أن الحديث لا بد أن يمر على عدة اعتبارات؛ أهمها القرآن وعموم التشريع ومقاصد الدين والعقل أيضاً).
والجواب أن يقال: لا مانع من التمحيص والتحقيق، بل هو مطلوب، ولكن بشرط عزيز: وهو أن نحترم «المنهج العلمي» فنهتم باستيعاب المعطيات، ونفحص ثبوت الوقائع، ونقدم تفسيرات موضوعية وعقلانية.
وفكرة اعتبار الحديث ببقية مصادر التشريع هذه كلها معايير مطبقة أصلاً، لكن بمنهج علمي مركب، ويمكن للقارئ مراجعة «المنار المنيف» لابن القيم، ليطلع نموذجاً لذلك، بل هذا هو عمل المحدثين وهو «مقارنة المرويات»، ولكن بشرط التحليل المنهجي العلمي المنظم، وليس التحليل الاستتباعي الذي يسعى لإخضاع السنة للثقافة الغربية المهيمنة.
وما أكثر ما يقع هذا الخط، أعني الخط بين «العقل» و «الذوق الشخصي»، فأما العقل: (مثل: عدم اجتماع النقيضين، ولا يكون الجزء أكبر من الكل، إلخ) فهذا محترم في الشريعة، وهو من أهم المعايير التي استعملها المحدثون في فرز السنة.
أما الذوق الشخصي: (مثل: استهجان تنصيف الميراث للمرأة، والتعدد، إلخ) فهذا هو الذي يجب أن يخضع للقرآن والسنة، وليس أن يخضع له؛ لأنه مجرد ميول لأمة غالبية تفرض على بقية الأمم معاييرها، والذي يقوم به هؤلاء أنهم يحاكمون المرويات إلى «ذوق الأمم الغالبة» وليس إلى «القواعد العقلية الموضوعية».
هذه بعض المناقشات لأفكار رأيتها تم تداولها في بيئتنا المحلية في المنتديات والصوالين الفكرية والمجموعات البريدية الثقافية، والحقيقة أن الأمر أوسع من ذلك، فإنني حين أقرأ في الكتب الفكرية المعنية بإعادة قراءة النص والتراث تحت ضغط الثقافة الغالبة، ألاحظ أن هناك ما يشبه الخط العام في التعامل مع «الكتاب والسنة» ..
فتعاملهم مع «السنة النبوية» قائم على التشكيك بمروياتها، وفتح أوسع أبواب الاحتمالات والفرضيات لعدم صدقيتها، كالطعن في مصداقية أبي هريرة، وافتراض التدخل السياسي في الأسانيد، وافتراض عدم خضوع المتون للفحص، والتشكيك في عملية تدوين السنة، ونحو ذلك، ولا تكاد تجد هذه الكتب الفكرية تحاول أن تدخل بشكل موضوعي في تفسير مضمون الأحاديث النبوية.
أما في التعامل مع «القرآن الكريم» فإن أغلب الكتب الفكرية تتحاشى الطعن في الثبوت التاريخي له، ويكون أكثر عملها في «تأويل النصوص» لتوافق فكر الغربي المنتصر.
وكنت أظن أن هذه الحالة (تأويل القرآن، تكذيب السنة) هي حالة فكرية جديدة، ولذلك فلا تسل عن صدمتي حين علمت أن هذه الحالة بحذافير نظريتها قد توصل لها المتكلم الشهير بشر المريسي (ت ٢١٨هـ) بشكل مبكر في تاريخ الإسلام أثناء حواراته مع علماء الشريعة، حيث يقول بشر المريسي: (إذا احتجوا عليكم بالقرآن فغالطوهم بالتأويل، وإذا احتجوا بالأحاديث فادفعوها بالتكذيب)30.
فتأمل هذه «النظرية المريسية» التي قوامها (تأويل القرآن وتكذيب السنة)، ثم تنقل ببصرك بين الكتابات الفكرية المنحرفة اليوم، وستتعجب من وقع الحافر على الحافر، وأن ترى بشر المريسي يعاد إنتاجه اليوم.
وقد راج التشكيك في السنة اليوم بصيغ متفاوتة، فبعض هؤلاء المنتسبين للفكر المعاصر يقول: (لا نأخذ إلا بما في القرآن فقط، وطائفة أخرى تقول: نأخذ القرآن والسنة التي لا تخالف القرآن، أما أي حديث نرى أنه يخالف القرآن فلا نأخذ به) وأمثال هذه المقولات سبق أن عرض لها ابن حزم بمناقشة ممتعة يقول فيها: (ونسأل قائل هذا القول الفاسد: في أي قرآن وجد أن الظهر أربع ركعات، وأن المغرب ثلاث ركعات، وأن الركوع على صفة كذا، والسجود على صفة كذا، وصفة القراءة فيها والسلام، وبيان ما يجتنب في الصوم، وبيان كيفية زكاة الذهب والفضة والغنم والإبل والبقر، ومقدار الأعداد المأخوذ منها الزكاة، ومقدار الزكاة المأخوذة، وبيان أعمال الحج: من وقت الوقوف بعرفة وصفة الصلاة بها وبمزدلفة ورمي الجمار وصفة الإحرام وما يجتنب فيه، وقطع يد السارق، وصفة الرضاع المحرم، وما يحرم من المآكل، وصفة الذبائح والضحايا، وأحكام الحدود، وصفة وقوع الطلاق، وأحكام البيوع وبيان الربا. والأقضية والتداعي والإيمان، والأحباس والعمرى والصدقات، وسائر أنواع الفقهاء؟ وإنما في القرآن جملٌ لو تركنا وإياها لم ندر كيف نعمل فيها، وإنما المرجوع إليه في كل ذلك النقل عن النبي ﷺ…، ولو أن امرأً قال «لا نأخذ إلا ما وجدنا في القرآن» لكان كافراً بإجماع الأمة، ولكن لا يلزمه إلا ركعة ما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل، وأخرى عند الفجر؛ لأن ذلك هو أقل ما يقع عليه اسم صلاة، ولا حد للأكثر في ذلك، وقائل هذا كافر مشرك حلال الدم والمال)(١).
توظيف نقد المتون لما كانت الثقافة الغربية الغالبة تقذف بالمنتجات الفكرية والسلوكية المصادمة لنصوص الشريعة، لجأ المستكينون لهذه الثقافة المهيمنة إلى توظيف شتى الآليات الممكنة التي تخلصهم من هذه النصوص، ليتلافوا الحرج النفسي بينهم وبين أنفسهم، والحرج الاجتماعي بينهم وبين الآخرين في مجتمعهم، ومن هذه الآليات التي أكثروا منها توسيع وبعج مفهوم «نقد المتون» أي: متون السنة النبوية.
ومفهوم نقد المتون له منهج موضوعي محكم لدى أئمة الحديث يجعلونه جزءاً من منظومة علمية متكاملة، وقد كتب فيه كثير من الدراسات، وليس هذا موضع بسطه.
ولكن هناك أيضاً في التراث الإسلامي تطبيقات خاطئة وقعت من بعض المنتسبين للعلم، فجاء بعض المنهزمين للثقافة الغالبة وحاول استثمار هذه التطبيقات الخاطئة؛ لأن المنهج العلمي عند أهل الحديث يتنافى جذرياً مع سلوكياتهم.
وأريد هاهنا أن أناقش بعض هذه الاحتجاجات بهذه التطبيقات الخاطئة، حيث احتج بعض هؤلاء بحادثة نسبت لأبي بكر الجصاص في رده أحاديث «سحر النبي ﷺ» التي رواها البخاري، وما كتبه رشيد رضا في رده لحديث «إذا وقع الذباب» المروي في البخاري (١).
فأما احتجاجهم بفعل أبي بكر الرازي المعروف بالجصاص، فإن أبا بكر هذا قد دخل في «الاعتزال»، وتجرؤه في رد بعض الأحاديث النبوية إنما دخل عليه بسبب اعتزالياته، وليس ثم جديد في كون الفرق الضالة ترد السنن النبوية.
وقد عده الإمام ابن تيمية في «المعتزلة» حين ذكر أقواله، كقول الإمام ابن تيمية: (ولهذا أنكر طائفة من المعتزلة؛ كالجبائي وأبي بكر الرازي وغيرهما دخول الجن في بدن المصروع) (٢).
وابن تيمية يشير إلى قول أبي بكر الجصاص الرازي في «تفسيره»: (ضرر أصحاب العزائم وفتنتهم على الناس غير يسير، وذلك أنهم يدخلون على الناس من باب أن الجن إنما تطيعهم بالرقى التي هي أسماء الله تعالى، فإنهم يجيبون بذلك من شاءوا ويخرجون الجن لمن شاءوا، فتصدقهم العامة) (٣).
وليس مقصود ابن تيمية طبعاً أنه معتزلي بسبب قوله في مسألة التلبس، ولكنه معتزلي لقوله ببعض أصول المعتزلة في العدل والتوحيد.
وعده في المعتزلة كذلك مؤرخ الإسلام الذهبي حيث يقول: (وكان يميل إلى الإعتزال، وفي تصانيفه ما يدل على ذلك في مسألة الرؤية وغيرها)31. والذهبي يشير لكون الجصاص شكك في أحاديث «رؤية الله في الآخرة» بناء على بعض أصوله الاعتزالية كما يقول الجصاص -سامحه الله-: (والأخبار المروية في الرؤية إنما المراد بها العلم لو صحت)32.
وكذلك فإن الذين ترجموا لأعلام المعتزلة عدّوه منهم، ولذلك أدرجه القاضي عبد الجبار في «فرق وطبقات المعتزلة»33، وترجم له ابن المرتضى في «طبقات المعتزلة»34، وإن كانوا يتوسعون في ذلك ويتكثرون بمن ليس منهم.
وبسبب هذه الروح الاعتزالية عند أبي بكر الجصاص -عفا الله عنه- فإنك تجد عنده جرأة المعتزلة في الطعن على بعض كبار أئمة الحديث من السلف في كتابه35.
ومن ذلك قال عن الإمام حافظ الدنيا سفيان بن عيينة: (وقد كان ابن عيينة سيئ الحفظ كثير الخطأ)36 ومن يقول هذا الكلام عن سفيان بن عيينة الذي هو أحد من دارت عليهم أسانيد طبقة أتباع التابعين؟!
ومثل هذه الجرأة في لمز أئمة أهل الأثر هي من أخص خصائص الروح الاعتزالية، ومن راجع مقدمة ابن قتيبة لكتابه «تأويل مختلف الحديث» استحوذ عليه العجب من تلك القصص والأخبار التي ساقها ابن قتيبة عن سلوكيات وتصرفات أئمة المعتزلة.
على أن الإنصاف يقتضي أن نشير إلى أن الجصاص ليس من المعتزلة الخالص، وإنما شارك المعتزلة في بعض أصولهم، وتسربت إليه بعض ضلالاتهم من بعض شيوخ المعتزلة الذين درس عليهم، وأما كتابه عن «أحكام القرآن» ففيه من نفائس الاستنباطات والمناقشات شيء لا يستغني عنه طالب العلم الجاد، ولكن المراد هنا التنبيه إلى خطأ التذرع والاحتجاج بأخطائه الاعتزالية في رد السنن، والموقف الشرعي المنصف هو الانتفاع بصواب العالم ورد هفواته.
وأما احتجاجهم بكون الشيخ رشيد رضا رحمه الله رد بعض الأحاديث الصحيحة بالذوق المحض، فمثل هذا الاحتجاج يعكس جهلاً بتحولات الأستاذ رشيد رضا.
فالأستاذ رشيد رضا مر بثلاث مراحل، كان في مرحلته الأولى «صوفياً» كما يقول عن نفسه في مقدمة تفسير المنار: (كنت من قبل اشتغالي بطلب العلم في طرابلس الشام مشتغلاً بالعبادة ميالاً إلى التصوف)37.
ثم في المرحلة الثانية تعرف على ما يسمى بالمدرسة الإصلاحية التي كان زعيماها (الأفغاني، وعبده)، وهي مدرسة تحارب الملاحدة وأهل السنة على حد سواء، وتبني أفكارها في صورة إسلام مستغرب، وقد انبهر رشيد رضا بأستاذه محمد عبده وانفعل به كثيراً كما يقول في مقدمة «تفسيره»: (في أثناء هذه الحال الغالبة على ظفرت يدي بنسخ من جريدة «العروة الوثقى» في أوراق والدي، فلما قرأت مقالاتها… أثرت في قلبي تأثيراً دخلت به في طور جديد من حياتي، تلك المقالات التي حببت إليّ حكيمي الشرق، ومجددي الإسلام، ومصلحي العصر: السيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده المصري)38.
وبدأت المرحلة الثالثة من وفاة الشيخ محمد عبده حيث تناقص التأثير التغريبي السلبي الذي شحنه به أستاذه محمد عبده، وبدأ يزداد عنده الميل إلى أهل السنة وتعظيم الحديث، وطباعة كتب السلف، وكثرة التنويه بابن تيمية، والدفاع عن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ولذلك يقول أيضاً في مقدمة «تفسيره» عن مرحلته الثالثة هذه: (هذا وإنني لما استقللت بالعمل بعد وفاته -أي الشيخ محمد عبده- خالفت منهجه رحمه الله بالتوسع فيما يتعلق بالآية من السنة الصحيحة)39.
لكن الشيخ رشيد رضا توفي وما يزال لديه أوشاب «عبدوية» بسبب أنه لم يتوفر له الوقت لاستكمال التصحيح والتخلص من التخليط بين منهج أهل السنة ومنهج متفقه التغريب المنكسرين لضغط الثقافة الغالبة.
وسائر ما يوجد لمشايخ أهل السنة المعاصرين من ثناء على رشيد رضا فإنما هو بسبب ما حمدوه له من التحول الإجمالي إلى نصرة طريقة السلف، كما حمدوا ذلك لأبي الحسن الأشعري مع أنه بقي لديه شعب من الكلابية في عقيدته الأخيرة لم يتخلص منها.
والمراد أن ثناء مشايخ أهل السنة على الشيخ رشيد رضا كان من هذا الوجه، فلا يعني ذلك تصحيح أفكاره التفصيلية المخالفة لمنهج أهل السنة التي لا تزال موجودة في «مجلة المنار» و«تفسير المنار».
ومن الإنصاف أن نشير أيضاً إلى أن بعض أهل السنة لم يطلعوا على سائر نتاجه، ولذلك كانوا يحسنون الظن به؛ فالشيخ ابن عثيمين مثلاً يثني في مواضع من كتبه على رشيد رضا بسبب تعظيمه للحديث في زمن قل من ينصره فيه، برغم أن الشيخ ابن عثيمين يشنع في مسائل من العقيدة وأصول التلقي ومنهج الفتيا، وقد زلت فيها قدم رشيد رضا، لكن الشيخ لم يكن معنياً بتتبع كلام رشيد رضا.
والمراد أن ما وجد من ثناء لمشايخ أهل السنة المعاصرين على رشيد رضا إنما هو ثناء إجمالي على توجهه العام وتحوله لنصرة السنة، وليس ثناءً على أحاد أفكاره التفصيلية، وما تبقى لديه من دخن التغريب والانصياع لهالة الثقافة الغالبة، وبعض الزلات في أصول التلقي.
ومن الطريف في هذه القضية أن هؤلاء يحتجون بما وقع من أئمة الحديث المتقدمين من نقد المتون، والقضية ليست في نقد المتون بطريقة المحدثين التي تجمع بين علة السند وعلة المتن كالشذوذ والنكارة ونحوها، مما يعرف بمقارنة طرق الحديث، وإنما القضية في التبجح برد الأحاديث بالذوق المحض تحت تأثير الثقافة والقيم الغربية الغالبة، وهذا بخلاف نقد المتون إذا خالفت العقل القطعي أو خالف الراوي من هو أوثق منه ونحو ذلك، وقد توسع ابن القيم في «المنار المنيف» في ذكر قواعد نقد المتون عند أهل السنة والجماعة.
ولا أخفي أنني لا أستطيع أن أكظم تبسمي حين أرى البعض بكل برود يحتج لفعل بعض الصحفيين في رد الأحاديث النبوية بما يصنعه أئمة الحديث كابن المديني وابن معين ونحوهم!
أي إزدراء بالعلم وأي استهانة بأئمة الدين أن تفسر تبجحات وتطاولات الصحفيين بأنها من جنس فعل ابن المديني وابن معين؟ هذه غاية المهزلة، وأتمنى أن لا يأتي اليوم الذي نرى فيه محتجاً يقارن بين منهج كتاب الأعمدة الصحفية ومنهج الدارقطني في تعليل الأحاديث، أو يقارن منهج مذيعي الفضائيات ومنهج الطبري في تفسير القرآن!
يهجم الشعور بالغثيان حتماً حين يهان العلم والمعرفة بهذا الإسفاف.
ومما يردده هؤلاء أثناء ردهم للأحاديث النبوية الصحيحة المخالفة للثقافة الغربية الغالبة، قولهم: (إنهم إنما أرادوا بذلك الدفاع عن النبي وليس القدح فيه، وأن لا ينسب للنبي ما يسيء إليه، وهذه حجة مستهلكة لهم يتسترون بها في تحريف الشريعة لتوافق قيم الغالب، وسيأتي هؤلاء تدريجياً وسيجدون كل حكم شرعي يتعارض مع الثقافة الغربية المنتصرة باسم الدفاع عن النبي حتى لا ينسب إليه ما يسيء لصورته في الإعلام الغربي، وهكذا تلغى أحكام المرأة، وأحكام الجهاد، وأحكام الكافر.. إلخ، باسم الدفاع عن الإسلام من أن تتشوه صورته في الوعي الغربي.
والمراقب إذا رأى هؤلاء كيف يتجرأون في وصف بعض أحاديث الرسول بأنها تحمل معاني متوحشة أو متخلفة، ثم قارن ذلك بهلعهم وارتعاد فرائصهم إذا ذكرت عبارات بعض المسؤولين الكبار، تعجب كيف صارت منزلة ملك من ملوك الأرض أعظم في قلوبهم من منزلة ملك الملوك سبحانه وتعالى، والله تعالى يقول: [لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ] [الحشر: ١٣].
أسأل الله أن يعمر قلوبنا جميعاً بتوقير سيد ولد آدم، وتعظيم حرمته، والهيبة عند سماع حديثه ﷺ.
تعاكس التجديد أشرنا في المناقشات السابقة إلى أن المدارس المؤتمرة بأمر الثقافة الغالبة تحاول استغلال المفاهيم الشرعية؛ كالوسطية والتجديد ومقاصد الشريعة إلخ، وسنحاول هاهنا أن نسلط الضوء على اختلاف جوهري بين مفهوم التجديد في العلوم الشرعية ومفهوم التجديد في العلوم المدنية، وسنجعل هذه المقارنة من خلال ما يسمى «الممثل النموذجي»، وهما «الشافعي» و«أينشتاين».
«الشافعي» رمز العلوم الشرعية، و«أينشتاين» رمز العلوم المدنية. وكلا الرجلين يعتبرهما المتخصصون شعلة الإبداع في حقولهم، واللحظة التي تجسد فيها مفهوم الصدارة بأوسع معانيه، ولكن حين نحلل بنية «المنهج العلمي» الذي سار عليه هذان الرمزان نجد أنهما «منهجان متعاكسان» جذرياً، فلو وضعنا منهجيهما بجانب بعضيهما لكانا أشبه بطريق «مزدوج» أحدهما ينشد خط النهاية، والآخر ينشد خط البداية.
بمعنى أن «أينشتاين» كان كل همه أن يتجاوز مفاهيم عصره، ويبتكر نظريات جديدة غير معروفة، أما «الشافعي» فكان كل همه أن يسترجع المفاهيم السابقة وينفض عنها الغبار، ويتتبع أي مفاهيم مستحدثة ويفندها، وقد صار كلا الرجلين محل احترام ورمزية بسبب منهجيهما ذاتهما، فنحن نحترم الشافعي لأنه يعود بنا إلى المفاهيم الشريعة الأصلية، ونحترم علم أينشتاين لأنه أخرجنا من المفاهيم التقليدية.
وهاهنا «الفارق الجوهري» الذي غاب في زحمة الفكر العربي المعاصر، ذلك أن «الاستحداث» في العلوم المدنية: مؤشر إبداع مطلوب، و«الاستحداث» في العلوم الشرعية: مؤشر تراجع وانحطاط، لذلك كان النبي ﷺ، بكل وضوح يؤكد للصحابة هذين المنهجين المتعاكسين: ففي العلوم المدنية يقول لهم: (أنتم أعلم بأمر دنياكم)40، وفي العلوم الشرعية يقول لهم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)41.
فالعلوم الشرعية يعتبر فيها الإبداع؛ وهو القدرة على العودة للأمر الأول، أي لمنهج النبي ﷺ وأصحابه، أما العلوم المدنية فالإبداع فيها هو التحرر من الماضي، واستحداث الجديد، وهذا الفارق الجوهري في «بنية العلم ذاته» بين العلوم الشرعية والمدنية يذهل عنه كثير من الباحثين العرب، فتراهم للأسف قد قلبوا هذه المعادلة، ففي «العلوم المدنية» ليس لديهم إلا الاستيراد والتقليد، ولا نرى إبداعات عربية مدنية حقيقية، تخرج بنا عن إطار الماضي وتقص لنا «بطاقة الصعود» إلى المستقبل، وفي «العلوم الشرعية» ليس لديهم إلا «الإحداث والابتداع» بما يتعارض مع منهج النبي وأصحابه.
ولعلك لاحظت أن التجديد في العلوم الشرعية هو ضد التجديد في العلوم المدنية، فالتجديد في العلوم الشرعية إخراج المستحدثات، والتجديد في العلوم المدنية إدخال المستحدثات.
أما التفسير الانقلابي لمعنى التجديد في العلوم الشرعية فقد تسرب جزء كبير منه من خلال التأثير الخاطئ بقراءة تاريخ العلوم المدنية (كالفلسفة والنظريات العلمية) ومحاولة إسقاط فكرة الثورات والنظريات والتحولات الجذرية والانقلابات العلمية المفاهيمية على «العلوم الشرعية»، وهذا خطأ قاتل؛ فالعلوم المدنية يطلب فيها معنى الاختراع وهو موضع الإبداع فيها، أما المعاني الدينية فلا يحمد فيها الاختراع، بل موضع الإبداع فيها القدرة على العودة للأمر الأول، وغاية ما يحمد الاختراع في العلوم الشرعية هو في الوسائل والآليات لا في أصول المعاني والمفاهيم، بل الاختراع في «أصول المعاني» إحداث وابتداع مذموم، ولذلك فإن النبي ﷺ بيّن معلم النجاة في العلوم الشرعية فقال: (هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)42
استراتيجية اللا بديل هذه الحياة مبنية على تقابل إرادتين، إرادة بشرية وإرادة إلهية: [تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ] [الأنفال: ٦٧]، والرغبات البشرية تتمظهر في سلوكيات مباشرة معزولة عن أساس نظري وهذه مشكلة العامة، أو الحل العامي، لا فرق، فسلوكهم مع رغباتهم وقلوبهم مع إرادة الله، ولذلك هم أرقى في المعيار القرآني.
وبالمقابل؛ النخب المثقفة المرتهنة لثقافة غالبية تتألم من الارتطام المستمر بين رغبتها البشرية وإرادة الله الشرعية، فتصعد إلى تبديل مراد الله: [يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ] [الفتح: ١٥]، فتصل إلى منطقة الخطر النهائي، إنه التعدي على الذات الإلهية، فشتان بين من يخالف نصوص القانون وبين من يزور نصوص القانون ذاته، الأولى مخالفة داخل الدولة والثانية اعتداء على الدولة ذاتها! ولله المثل الأعلى. ولكن هذه النخب المثقفة المتورطة في عشق الثقافة الغالبة ما هي خياراتها الاستراتيجية في شرعنة قيم الثقافة الغربية؟
الحقيقة أنه ليس من الحنكة الحركية أن تصارع منهجاً بمنهج لا يملك ذات الإمكانيات، أنت بذلك تقرر أن تدخل معركة غير متكافئة القوى، حين تصارع الخطاب الشرعي بمنظومة (أيديولوجية) بديلة، سواء تراثية كالمعتزلة مثلاً، أو معاصرة كالماركسية مثلاً؛ فإنك ستخسر حتماً، فلا يوجد أي منظومة بديلة قادرة على مقاومة الخطاب الشرعي السني، فالمعتزلة والماركسية كلاهما فرضاً على الناس بقوة النظام، وليس بانبعاث شعبي داخلي.
وأما الليبرالية المحلية فهي نتاج إجراءات مبسطة قوامها أن مجموعة رؤساء تحرير احتكروا فرص الكتابة الصحفية، وصاروا يوجهون المكافآت لمن يكتب بلغة ما، فالشاب ضعيف النفس سيتقبل القيام بالدور ليحصل على الفرصة، وحسب قاموس المسيري يمكننا اعتبار الليبرالية المحلية «جماعة وظيفية» تقوم بدور معين بمقابل، ولذلك فإن من أعظم الجنائيات على العلم والفكر توصيف هذه الشريحة بلقب «المثقفين»، والواقع أنهم إنما يعيشون موسم الهجرة من استراحات المعسل والبلوت، للأعمدة الصحفية، نتيجة انفتاح مفاجئ في الفرص الوظيفية، وتسميتهم مثقفين جنائية على الثقافة.
وأما عموم المجتمع فهو لا يزال يستفتي حتى إمام المسجد، ويسلم أبناءه وفلذات كبده للشباب المتدين في حلقات التحفيظ والنوادي الصيفية.
حسنًا، دعنا نحلل طبيعة استراتيجيات الخطابات المنحرفة التي واجهها الخطاب الشرعي السني، الحقيقة أننا نلاحظ تاريخيًا أن كل من صارع الخطاب الشرعي السني فشل، بدءًا من البدع الكلامية وانتهاء بالليبرالية الوظيفية، ولكن يمكن القول أن أكثر الخطابات المنحرفة مراوغة هو خطاب «اللابديل»؛ لأنه لا يمكن مناقشته، إنه خطاب مفتوح لا يمكنك أن تمسك شيئًا تحاوره.
وسأعرض بعض قسمات وملامح «استراتيجية اللابديل» التي صار يتبنّاها اليوم بعض مروجي الثقافة الغربية الغالبة: صاحب استراتيجية اللابديل لا يقدم لك معنى للنص تناقشه، وتوازن بينه وبين تفسيرات الخطاب الشرعي السني، وإنما يقول لك: النص لا نهائي التفسيرات، ويتوقف، دون تعيين.
وصاحب استراتيجية اللابديل لا يقدم لك «أصول فقه» تناقشها، وتوازن بينها وبين أصول الفقه السنية، وإنما يقول لك: (يجب تجديد أصول الفقه ويسكت).
ماذا تستطيع أن تناقش؟ لا شيء!
وهكذا لا يقدم لك معايير علمية لفحص الأحاديث، وإنما يقول لك: (هناك مشكلات عميقة في تدوين السنة النبوية وعلم مصطلح الحديث)، ثم يتوقف.
حسنًا: ما هي قواعدك البديلة، وأعطني الأحاديث التي تصححها والتي تضعفها؟
لا يقدم لك شيئًا، هاهنا ماذا تستطيع أن تناقش؟ وكيف يمكن أن توازن بينه وبين علوم السنة في الخطاب الشرعي السني؟ لا مجال لشيء من ذلك.
وصاحب استراتيجية «اللابديل» يستهلك في معجمه تعابير من مثل: (هذا الحكم الشرعي لم يدرس جيدًا)، و(هذا المفهوم الشرعي لم يبحث بشكل صحيح)، إلخ.
حسنًا: ما هو الشيء الصحيح الذي تراه؟ لا يقدم لك شيئًا! خذ مثالًا من زاوية أخرى: حين يأتيك شخص ويقدم أحكامًا بديلة في موضوع المرأة (الاختلاط، السفر بلا محرم، إلخ)، فإنه سرعان ما يتهاوى أمام مطارق النقد الشرعي، لكن حين يأتيك بالمعميات المفتوحة: (نحن لم نفهم المرأة)، (نحن لا نزال نقرأ نصوص المرأة تحت ضغط التقاليد)، (هناك إشكاليات ضخمة وعميقة في تعاملنا مع المرأة)، (أحكام المرأة تحتاج إلى قراءة جديدة)، (نحن بالغنا في الاحتياط مع المرأة)، إلخ..
حسنًا.. أعطنا مثالاً واحداً؟ يتحفظ في إعطاء الأمثلة!
ماذا تستطيع أن تناقش؟ لا شيء.
يمكن القول أن أكثر خطاب منحرف مخالفةً ومداورةً هو صاحب استراتيجية اللابديل، لأنه يراهن على «تقويض اليقين» بالخطاب الشرعي السني، لكنه يجبن عن أن يقدم مباشرة بديله المضمّر؛ لأن استراتيجيته تقوم على أن الشاب حين يسقط يقينه فيمكن أن يتشرب البدائل الضعيفة بهدوء، فالجسم حين تدني مناعته فإن الفيروسات الضعيفة تستطيع الاستيلاء عليه بكل يسر، وهذا بطبيعة الحال ليس أسلوباً علمياً، وأقل من أن يكون فكرة منحرفة، وإنما هو مجرد أسلوب ماكر يقوم على نصب الحبائل.
وتأمل معي الكتب الفكرية التي طرحت مشروعات «إعادة قراءة التراث» تجد أشدها نفوذاً وتأثيراً في الشباب المتدين هي تلك الكتب المراوغة التي تكتفي بطرح الشكوك وتتحاشى طرح أي أحكام شرعية بديلة، فالخطاب الفقهي البديل يمكن الموازنة بينه وبين الخطاب الفقهي السني، أما خطاب «اللابديل» فهو خطاب يقود إلى النفي المجرد، والنفي عدم، فكيف تستطيع أن تقارن بين حجج العدم والوجود، وإنما يوازن بين وجودين.
فكما أن مبتدعة التراث جعلوا عقيدتهم أوصاف السلب، فهؤلاء جعلوا شريعتهم أوصاف السلوب أيضاً، وكلاهما نوع إحجام عن مضايق الإثبات ولجوء إلى ضباب النفي، ولا يعشق الغموض إلا من يخشى الضوء.
ولست أشك أن أكثر خصوم الخطاب الشرعي السني دغلاً وخديعةً هم أصحاب استراتيجية اللابديل، الذين يستعملون العموميات التي تكتفي بزعزعة اليقين لدى الشاب، وحين يتصدع اليقين بالإرادة الإلهية يصبح القلب مهيئاً لشحنه بأي الإرادات البشرية شئت، ولذلك كان من أكثر أنواع الأمراض التي نبه عليها القرآن مرض «الارتياب» فالمرتاب لا يجد في نفسه القوة على المضي مع الإرادة الإلهية نتيجة التردد فيسقط فريسة للإرادات البشرية.
تأمل كيف يشرح القرآن ذلك: [ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ] {التوبة: ٤٥}.
لم يستأذنوا الرسول عن المضي مع الإرادة الإلهية إلا بسبب ما غزا قلوبهم من الارتياب.
وفي موطن آخر من كتاب الله شرح القرآن حالة فريق من الناس لا ينقادون لإرادة الله إلا إذا وافقت إرادتهم، فإذا خالفت إرادة الله رغباتهم امتنعوا عن الانقياد، أتدري بماذا فسر القرآن هذه الحالة؟
فسرها بأنها تعود إلى حالة «ارتياب» خفية، كما يقول تعالى: [ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ (٤٨) وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا ] {النور: ٤٨-٥٠}.
يا الله.. كم يصنع الارتياب الخفي في النفوس؟!
ولذلك لا يمكن أن يجتمع اليقين بكتاب الله مع الاسترقاق للثقافة الغربية الغالبة في قلب رجل واحد، فإن الارتياب في القلب هو الذي سبب الامتناع عن الانقياد لبعض أحكام الله، وقبول ما يتناسب منها مع رغباتهم وإراداتهم، ولو أقسم لك العلماني والليبرالي أيماناً مغلظة بأنه موقن بالله وكتابه ورسوله فلا تذهب بعيداً بهذه الأيمان: [يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ] {التوبة: ٦٢}.
Footnotes
-
أخرجه: البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨) من حديث عائشة. ↩
-
أخرجه: مسلم (٢٧٦٣) من حديث عبد الله بن مسعود. ↩
-
أخرجه: البخاري (١٨١٦). ↩
-
ابن تيمية، مجموع الفتاوى، (٢٠/٤٠٢). ↩
-
ابن تيمية، مجموع الفتاوى، (٢٠/٤٠٢). ↩
-
جوزيف شاخت، مادة أصول، دائرة المعارف الإسلامية (الاستشرافية)، تحرير هوتسما وزملائه، ترجمة إبراهيم خورشيد وزملائه، مركز الشارقة للإبداع الفكري، (٨٤٢/٢). ↩
-
جوزيف شاخت، أصول الفقه، مرجع سابق، ذات الصفحة. ↩
-
يمكن للقارئ مطالعة بحث منشور على الشبكة بعنوان: «مصحف البحر الميت». ↩
-
محمد عبده يماني، أبو هريرة: أمانة الرواية وصدقها، صحيفة الشرق الأوسط، العدد (٩٨١٦) تاريخ (١٣ أكتوبر ٢٠٠٥م). ↩
-
أخرجه: الإمام أحمد، العلل، (٢٨٣٥)، تحقيق: وصي الله بن محمد عباس، دار الخاناني، الطبعة الثانية، ١٤٢٢هـ، (٢/٤١٠)، وينحوه في المسند (٤/٢٨٣/٢٨٣) (١٨٤٩٣). ↩
-
أخرجه: مسلم (١١٠٩). ↩
-
الزكشي، النكت على مقدمة ابن الصلاح، تحقيق: زين العابدين فريح، أضواء السلف، الطبعة الأولى، ١٤١٩هـ (١/٥٠٣-٥٠٥). ↩
-
السيوطي، تدريب الراوي، تحقيق: نظر الفريابي، مكتبة الكوثر، الطبعة الثانية، ١٤١٥هـ (١/٢٣٤). ↩
-
أخرجه: ابن سعد، الطبقات الكبرى، (٥٧٠٤)، بتحقيق: إحسان عباس، دار صادر، (٣٤٠/٤). ↩
-
أخرجه: الترمذي (٣٨٣٦). ↩
-
أخرجه: البخاري، التاريخ الكبير، (٥٧٤)، تحقيق: هاشم الندوي وآخرون، دائرة المعارف العثمانية، (١٨٧/١). ↩
-
انظر: فتح الباري، لابن حجر، تحقيق: عبد العزيز بن باز وآخرون، الطبعة السلفية، الطبعة الأولى، ١٣٨٠هـ، (٢١٤/١). ↩
-
أبو زرعة، تاريخه، (١٤٧٥)، تحقيق: خليل المنصور، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ١٤١٧هـ (ص: ٢٧٠). ↩
-
المعلمي، الأنوار الكاشفة، عالم الكتب - بيروت، ١٤٠٦ هـ (ص: ١٥٣). ↩
-
الذهبي، سير أعلام النبلاء، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وآخرون، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، ١٤٠٢هـ (٢/٦٠١). ↩
-
أخرجه: الحاكم في «المستدرك» (١/١٠٢) (٣٤٧). ↩
-
ابن عبد البر، جامع بيان العلم، تحقيق أبو الأشبال الزهيري، دار ابن الجوزي، ١٤١٤هـ (١/٢٧٤/٣٤٣). ↩
-
ابن تيمية، مجموع الفتاوى، (١٧/٢٣٥-٢٣٦). ↩
-
ابن تيمية، الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، تحقيق: علي الناصر، وعبد العزيز العسكر، وحمدان الحمدان، دار العاصمة، الطبعة الثانية، ١٤١٩هـ، (٢/٤٤٣-٤٤٥). ↩
-
انظر: المنار المنيف، لابن القيم، ضمن «آثار ابن قيم الجوزية»، بتحقيق: يحيى الثمالي، دار عالم الفوائد، الطبعة الأولى، ١٤٢٨هـ. ↩
-
أخرجه: البخاري (٥١٤)، ومسلم (٥١٢). ↩
-
انظر: فتح الباري، لابن حجر، تحقيق: عبد العزيز بن باز وآخرون، الطبعة السلفية، الطبعة الأولى، ١٣٨٠هـ (١/٥٨٩). ↩
-
انظره: (ص: ١٦١)، بتحقيق: سعيد الأفغاني، المكتب الإسلامي، الطبعة الثانية، ١٣٩٠هـ. ↩
-
الإمام مسلم، التمييز، تحقيق: محمد مصطفى الأعظمي، طبعة وزارة المعارف السعودية، الطبعة الثانية، ١٤٠٢هـ، (ص: ١٧٥). ↩
-
انظر: ابن تيمية، درء التعارض، (٥/٢١٨)، وابن القيم، الصواعق المرسلة، (٣/١٠٣٨ - ١٠٣٩) تحقيق: علي الدخيل، دار العاصمة، وبنحوها في «النقض» للدارمي، (١/٣٩٤)، تحقيق: رشيد الألعي، مكتبة الرشد، الطبعة الأولى، ١٤١٨هـ. ↩
-
الذهبي، تاريخ الإسلام، بتحقيق: عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، الطبعة الأولى، ١٤١٩هـ، (٢٦/٤٣٢). ↩
-
الجصاص، أحكام القرآن، تحقيق: محمد الصادق قمحاوي، دار إحياء التراث، بيروت، ١٤١٢هـ، (٤/١٧٠). ↩
-
انظر: عبد الجبار، فرق وطبقات المعتزلة، تحقيق: علي النشار وعصام محمد علي، دار المطبوعات الجامعية، ١٩٧٢م، (ص: ١٢٥). ↩
-
ابن المرتضى، طبقات المعتزلة، تحقيق: سوسنه ديفلد - فلز، الطبعة الأولى، ١٣٨٠هـ، (ص: ١٣٠). ↩
-
الجصاص، أحكام القرآن، (٢/٤٠) مرجع سابق. ↩
-
الجصاص، أحكام القرآن، (١/١٨٦) مرجع سابق. ↩
-
رشيد رضا، تفسير المنار، دار المنار، الطبعة الثانية، ١٣٦٦ هـ، (١/١٠). ↩
-
رشيد رضا، تفسير المنار، دار المنار، الطبعة الثانية، ١٣٦٦هـ، (١/١١). ↩
-
رشيد رضا، تفسير المنار، دار المنار، الطبعة الثانية، ١٣٦٦هـ، (١/١٦). ↩
-
أخرجه: مسلم (٢٣٦٣) من حديث عائشة وأنس. ↩
-
أخرجه: البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨) من حديث عائشة. ↩
-
أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٤٨٨٦)، من حديث أنس بن مالك. ↩
شروحات وبرامج عن «سلطة الثقافة الغالبة»
شروحات أخرى للكتاب4
- سلطة الثقافة الغالبة | المئة كتاب 04 | أحمد الهاجريأحمد بن خالد الهاجري
- لا تكن مغفلاً 🤡 ملخص كتاب : سلطة الثقافة الغالبةReadTube - جيل يقرأ
- مناقشة كتاب سُلطة الثقافة الغالبةأحمد يوسف -الهدهد
- هيمنة الغرب على الإسلام | كتاب: سلطة الثقافة الغالبةالدعوة الإسلامية eld3wah · 2:24:30