تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة أبو عمر

سلطة الثقافة الغالبة

الفصل الثالث: نظام العلاقات

حُوّلت من نسخة مصورةالصفحات 167-236 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 71 دقيقة

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابسلطة الثقافة الغالبة

تمييزات العلاقة بالمخالف ليس سراً أن الثقافة الغالبة اليوم هي الثقافة الغربية الليبرالية، وجوهر الليبرالية هو مفهوم الحرية المتجاوز للحدود الشرعية، وهذا المفهوم يسحب تفكير الأمم المستضعفة إلى الإشكاليات التي يثيرها هو نفسه فيفرض عليهم الأسئلة، ولهذا السبب انفجر في بيئتنا المحلية سؤال «الموقف من المخالف» وأصبح أضخم الأسئلة، وكثير من الناس لم يتفطن للظرف التاريخي الذي جعل إشكالية الموقف من المخالف هي الإشكالية الأولى فكرياً، وأن ضغط الحرية الليبرالية الغالبة هو الذي جعل الموقف من المخالف أزمة فكرية محلية.

والليبراليون يصرحون دوماً بالمصطلح نفسه وهو «الليبرالية»، بينما (الليبر وإسلاميون/التنويريون) فتجدهم يستعملون المقابل العربي وهو «الحرية» بينما الشرعيون الذين أصابتهم بعض شُعَب الليبرالية - بوعي أو بدون وعي - فإنهم يخجلون من ترداد مصطلح الليبرالية وشعار الحرية، ويرددون شعار «الموقف من المخالف» باعتباره أقل دلالة تصنيفية.

ونواة الخلل في هذا الطرح في هذه الشعارات الثلاث (الليبرالية، الحرية، الموقف من المخالف) هو تأويل الأحكام الشرعية المعارضة للحرية الليبرالية للمخالف، لكنهم يتفاوتون في استعمال الشعار، ويتفاوتون في مدى التأويل وحدوده.

وهذا لا يعني طبعاً عدم وجود عينات وأفراد أو كتل صغيرة تعاني من غلو في التشنج في مسائل الاجتهاد، ولا تحسن إلا التشرذم والتناحر والتهارش، لكنها تظل أحاداً معزولة عن التيار الإسلامي العام، وإنما الرواج الأكبر هو للاتجاه المنهزم أمام ضغط الحرية الليبرالية.

ولأئمة أهل السنة والجماعة تصرفات دقيقة في الموقف من المخالف لا يتفطن لها كثير من الناس، فبعض الناس يستحضر دوماً المواقف التي فيها الشدة فقط، وبعض الناس يتشبث بالعبارات التي فيها لين مع المخالف فقط، وبعض الناس يظن أهل السنة مضطربين أصلاً، ولا أصول عامة لهم في هذا الباب، وهذا كله بسبب فشو الجهل بطريقة الصحابة ومن تبعهم بإحسان بين جمهور المنتسبين للفكر العربي تحت أثقال القيم الغربية المهيمنة.

وفي هذه الأسطر المحدودة لن آتي بجديد، بل سأستخلص المبادئ العامة لأهل السنة والجماعة في الموقف من المخالف، والذي دعاني لذلك أنني رأيت بعض الخيرين في أنفسهم بسبب كثرة قراءتهم لمقالات أهل الأهواء الفكرية على شبكة الإنترنت؛ تشربوا بلا وعي مفاهيم مضللة، ومقدمات خاطئة؛ قادتهم لنتائج تنتهك أصول الشريعة في الموقف من المخالف كما سبق إيضاحه.

وحين كنت أطلع كلام هذه الطوائف الفكرية المعاصرة التي انكسرت أمام ثقافة الحرية الليبرالية الغالبة وجدت أن أصل ضلالهم في باب «الموقف من المخالف» يعود إلى جهلهم - أو تغييبهم - لعدة تمييزات منهجية لأهل السنة وهي على سبيل الإجمال، وسأعرضها بشيء من الإيجاز:

- التمييز بين المسائل الظاهرة والاجتهادية من تأمل طريقة الصحابة وأئمة الهدى بشكل عام رأى أنهم يجتهدون في التمييز بين المسألة ذات الدليل الظاهر، والمسائل الاجتهادية التي يغمض ويدق مأخذها، فينكرون على المخالف في الأولى ويتسامحون ويتفهمون في الثانية، ولو طردنا نفي الإنكار في كل مسألة خلافية لما جاز لنا أن ننكر الربا، ولا النبيذ، ولا المتعة، ولا المعازف، ولا تعطيل الصفات الإلهية، ولا إنكار القدر، ولا إنكار الحدود الجنائية… إلخ.

وغالب عمل الاتجاهات الفكرية الخاضعة لسلطة الثقافة الليبرالية الغالبة هو التفتيش عن الخلافات الشاذة والمعلومات المغلوطة عن المذاهب؛ بغية تعطيل وتشويش شريعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولتذويب حماس المحتسبين، فتحت ذريعة الخلاف صارت تعطل النصوص، حتى صار «الخلاف» أقوى حجية من «النص» !.

- التمييز بين الأصل والهفوة بعض الناس ينفي التشنيع في الإنكار على الأشخاص مطلقاً، وثمة بعض المتحمسين المنتسبين إلى طريقة السلف يشنع على المخالف في كل خطأ، وهذا كله غير دقيق، فيجب التفريق بين المخالف لأهل السنة في المسألة والمسألتين ونحوها فهذا مجرد هفوة، وبين المخالف لهم في أصل منهجي عام فهذا يجوز التشنيع عليه، والتشنيع عقوبة مصلحية لا حكم مطلق.

والأصل المنهجي يعرف بأمرين: إما أن يصرح هذا المخالف بهذا الأصل، وإما أن يكثر من الفروع والتطبيقات التي يستخلص منها أن لديه أصلاً كلياً منحرفاً حتى ولو لم يصرح به، ومن أحسن من شرح هذا المعنى الإمام الشاطبي رحمه الله في كتابه التأسيسي «الاعتصام» حيث يقول: (المسألة الخامسة: أن هذه الفرق إنما تصير فرقاً بخلافها للفرقة الناجية في معنى كلي في الدين وقاعدة من قواعد الشريعة، لا في جزئي من الجزئيات…، ويجري مجرى القاعدة الكلية كثرة الجزئيات، فإن المبتدع إذا أكثر من إنشاء الفروع المختزعة عاد ذلك على كثير من الشريعة بالمعارضة، وأما الجزئي فبخلاف ذلك، بل يعد وقوع ذلك من المبتدع له كالزلة والفلنة)1.

ولتوضيح ذلك لاحظ معي هذه المراتب الثلاث: لو جاءنا رجل وقال: إن الأصل عنده هو: «تأويل وتعطيل الصفات الإلهية الواردة في الوحي» فهذا صرح بأصله المنحرف، وأمره واضح.

لكن لو جاءنا رجل ثانٍ وقال: إن الأصل عنده هو: «إثبات كل صفة إلهية أثبتها الله لنفسه»، لكنه عملياً كلما جاء لصفة إلهية تأويلها وحرف معناها، فهذا معطل حتى ولو لم يصرح بالتعطيل.

ولو جاءنا رجل ثالث وقال: إن الأصل عنده هو: «إثبات الصفات الإلهية»، وفي مجال التطبيق أثبت جمهور الصفات الإلهية، وأخطأ في صفة أو صفتين، فهذه هفوة وزلة، وليس أصلاً منهجياً.

فهؤلاء الأشخاص الثلاثة يوضحون هذه المراتب الثلاث؛ من صرح بأصله المنحرف. ومن صرح بأصل سني، لكن عنده جزئيات كثيرة يتشكل منها أصل كلي منحرف، ومن صرح بأصل سني كلياً وعملياً، لكن خانه التوفيق في المسألة والمسألتين.

ففي هذه المراتب الثلاث يعطي أهل السنة أصحاب كل مرتبة ما تستحقه شرعاً، وهذا من دقة أهل السنة وكمال حرصهم على العدل والإنصاف.

ومما يأسرني في هذا المقام هو أن عامة المسلمين أحذق في معرفة هذه القاعدة من كثير من المنتسبين للثقافة، فعامة المسلمين إذا رأوا الفقيه الذي يستفتونه يبيح كل شيء لهم، لم يلتفتوا لكلامه النظري في أن الحجة في النص، بل تراهم يقولون على وجه التهكم (الشيخ فلان متساهل؛ كل شيء جائز عنده!) وتهتز مصداقيته في نظرهم.

وكذلك إذا رأيت الفقيه يفتي بما يهوى الساسة في كل الأمور، تراهم يتهكمون به، ولم يلتفتوا لكلامه النظري في أن الحجة في النص.

ومع كثرة ما كتب هؤلاء المفكرون المستغربون عن القضايا الشرعية؛ فإنك لا تجد أحداً يستفتيهم، بل الناس ولله الحمد ينفرون من كلامهم في الشرعيات.

ومن أشهر الأمثلة أيضاً للأصل المنهجي الذي يعرف بكثرة التطبيقات والجزئيات أنك تجد بعض المتصدرين للفتيا الفضائية، يردد عن نفسه أنه يحكم إلى الكتاب والسنة، لكن إذا تأملت فتاواه وجدته دوماً يبحث عن الشذوذات الفقهية ويتمسك بها، فهذا منهجه ليس «اتباع النص» بل «اتباع رخص وزلات العلماء»، حتى ولو لم يصرح بهذا الأصل المنهجي عنده، بل حتى لو صرح بنقيض ذلك، بل حتى لو صرح بنقد هذا المنهج ذاته.

وأتذكر مرة أنني حضرت أحد اجتماعات مجمع الفقه الإسلامي، وهي دورته الثانية عشرة التي كانت بالرياض عام ١٤٢١هـ، فتحدث أحد من اشتهروا بتتبع الرخص بكلمة وجيزة كان الغالب عليها ذم «التساهل الفقهي» والتحذير منه، والذي لفت نظري في الاجتماع أن الفقهاء الحاضرين كانوا ينظر بعضهم لبعض ويتبسمون! وكأنهم فهموا من الكلمة أنها مجرد دفاع مسبق عن النفس، إذ ما الفائدة أن تدم التساهل الفقهي نظرياً وأنت تروجه عبر تطبيقاتك؟ والمراد أن قول بعض الأفاضل: (لماذا تنتقدون فلان برغم أنه يصرح بأن الحجة والمرجعية للكتاب والسنة؟).

فالجواب: بسبب كثرة التطبيقات الجزئية التي تدل على أن الأصل عنده هو تأويل الأحكام لتتناسب مع الثقافة الغربية الغالبة، ويجب أن يعلم أن «كثرة الجزئيات تشكل منهجاً»، كما قال أبو إسحاق الشاطبي: (ويجري مجرى القاعدة الكلية كثرة الجزئيات)، كما سبقت الإشارة لذلك مراراً.

- التمييز بين الرأي المطوي والرأي المنشور من رأى رأياً مخالفاً للشرع لكنه يكتمه بين خاصته، فلا ينبغي الإنكار عليه فيه علناً؛ لأن الإنكار علناً فيه نشر للمنكر، والشارع يكره المجاهرة ويحب الإسرار بالمعصية؛ لأن المجاهرة تحريض عملي على المعصية.

لكن من نشر كتاباً أو أطلق فتوى مخالفة؛ فهاهنا يسوغ شرعاً الإنكار علناً لتنبيه الناس عن الوقوع في الخطأ، وبعض الناس يقول يجب نصحه سراً مطلقاً وهذا خطأ، بل يشرع كلا الأمرين: النصيحة سراً، والإنكار علناً لتنبيه الناس، بحسب ما يقدر الداعية من المصالح.

  • التمييز بين مقام الدعوة ومقام الإنكار: في مقام الدعوة، قال تعالى: [ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ] [آل عمران: ١٥٩]، وقال ﷺ في لين أخاذ لرجل كافر: (أفرغت يا أبا الوليد؟)2، وقال النبي ﷺ: (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه)3.

لكن في مقام الإنكار: قد يحتاج الداعية إلى الحزم والتعنيف والتوبيخ بحسب الحال، ولذلك قال تعالى: [ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ] [التوبة: ٧٣] فأمره أمراً صريحاً بالغلظة؛ أي: إذا كانت مصلحتها أرجح بحسب الحال.

ولما احتاج النبي للحزم والتوبيخ قال لبعض أصحابه ﷺ: (بئس الخطيب أنت)4، وقال مرة لمن أفتى بغير علم: (قتلوه، قتلهم الله! ألا سألوا إذ لم يعلموا؟)5.

ومع أن الله تعالى قال لموسى وهارون: [فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا] {طه: ٤٤}، إلا أن موسى لما احتاج إلى الحزم قال: [وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَشْبُورًا] {الإسراء: ١٠٢}، ولما رأى موسى سكوت هارون استعمل الحزم، كما قال تعالى: [وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ] {الأعراف: ١٥٠}.

ومع أن الله وصف الخليل إبراهيم بالحلم فقال: [إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ] {التوبة: ١١٤}، إلا أنه قال لأبيه: [إِنِّي أَرْدَكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ] {الأنعام: ٧٤}!

وفي عبارة جامعة بديعة للإمام الجبل أبي العباس ابن تيمية لخص فيها هذا التمييز بين مقام الدعوة ومقام الإنكار بتشبيه في غاية البراعة البيانية فقال: (المؤمن للمؤمن كاليدين؛ تغسل إحداهما الأخرى، وقد لا ينقلع الوسخ إلا بنوع من الخشونة، لكن ذلك يوجب من النظافة والنعومة ما نحمد معه ذلك التخشين)6.

  • التمييز في أغراض «العبارات» بحسب الأشخاص: يحصل أحياناً أن يستنكر أهل السنة عبارة قالها أحد أهل الأهواء، فيأتي بعض الفضلاء المغرر بهم ويقول: كيف تنتقدون هذه العبارة وقد قال مثلها فلان من العلماء؟

وهؤلاء لم يتفطنوا إلى أن من أصول أهل السنة تفسير أغراض الناس من عباراتهم بحسب مناهجهم، لا تفسيرها معزولة عن سياقاتها، ويشرح الإمام ابن القيم في كتابه «مدارج السالكين» هذه القضية فيقول: (والكلمة الواحدة يقولها اثنان؛ يريد بها أحدهما: أعظم الباطل، ويريد بها الآخر: محض الحق، والاعتبار: بطريقة القائل وسيرته ومذهبه، وما يدعو إليه وينظر عليه)7

والمراد أن القراء دوماً يفسرون كلمات الكاتب بالنسبة إلى مجمل خطابه العام وسلوكياته الكتابية، وأضرب مثلاً لذلك: فأهل السنة حين يتكلمون عن أن الصحابة ليسوا مبرئين من الخطأ البشري، يريدون بذلك بيان أنهم «الأكمل» وإن لم يكونوا مجتمعاً «كاملاً».

لكن حين يأتي بعض أهل الأهواء ويقول أن «الصحابة كانوا بشراً» ويشحن مقاله ببعض أخطاء الصحابة، فإنما مراده تذويب الحماس الاحتسابي وتكريس الفتور الدعوي عبر تهشيم الصورة الفريدة للصحابة والتي تلهم الدعوة على مر الأجيال.

فحين يأتي أهل السنة ويستنكرون هذه المقالة يأتي بعض البسطاء ويقول: لكن هذا معنى شرعي صحيح وهو أن الصحابة لم يكونوا مجتمعاً مبرأً من النقص البشري!

وخطأ هؤلاء بحسب ما غاب عنهم من أن من أصول أهل السنة تفسير أغراض الناس من عباراتها بحسب بوصلة توجهاتها العامة وسلوكياتها الخطابية كما قال ابن القيم: (والاعتبار بطريقة القائل وسيرته ومذهبه، وما يدعو إليه وينظر عليه).

كيف ننكر في مسألة شرعية والمخالفون فيها من العلماء كثيرون؟

لو كان العبارة في الإنكار هو التحقق من «عدد المخالفين»، أو عدم وجود «كثرة المخالف من العلماء»، لكان لا يجوز إنكار تأويل الصفات، وبعض مسائل التبرك، وصلاة التسابيح، وزيارة النساء إلى القبور، والمولد النبوي، .. إلخ؛ لأن المخالف في مثل هذه المسائل كثير، بل بعضها أطبق جمهور العلماء المتأخرين على جوازها، ومع ذلك أنكرها المحققون من أهل السنة، ولم يلتفتوا لكثرة المخالف؛ لأن العبارة بما يظهر من الدليل لا بعدد المخالفين.

واعتبر ذلك بمسألة تأويل «صفة الكلام» إلى الكلام النفسي في غالب كتب التفسير، أو تأويل «المجيء» إلى مجيء العذاب، أو تأويل [وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ] [الرحمن: ٢٧] إلى «ويبقى ذات ربك»، ونحوها من المسائل التي تتابع علماء التفسير وشرح الحديث والفقهاء المتأخرون على القول بها، أو حين يأتي جماهير الفقهاء المتأخرون إلى شرح البسمة في بدايات شروحاتهم الفقهية فيؤولون «الرحمة» بإرادة الإحسان أو الإنعام، ومع ذلك كله فقد أنكر ذلك المحققون من أهل السنة ولم يلتفتوا لكثرة المخالف من المتأخرين لظهور الدليل في مثل هذه المسائل.

كيف ننكر في مسألة شرعية ليست قطعية بل اجتهادية؟

أهل السنة بشكل عام لم يجعلوا المسائل على مرتبتين فقط «قطعي» و«اجتهادي»، بل ذكروا مراتب أخرى، مثل «المعلوم من الدين بالضرورة»، ومثل «الظن الغالب»، و«الظن المحتف بالقرائن بما يورث القطع»، ومثل «التمييز بين النص والظاهر»، وغيرها.

والمراد أن الإنكار لا ينحصر في «القطعي من جميع الوجوه» فقط، كما يقول من يقول من المفكرين المعاصرين، ومن تأثر بهم من بعض المنتسبين إلى العلم الشرعي، بل حتى مسائل الخلاف التي ظهر فيها الدليل لطالب العلم فإنه ينكر وينصح، واعتبر ذلك بإنكار الصحابة في مسائل خلافية خالفهم فيها غيرهم من أصحاب النبي ﷺ.

بل اعتبر ذلك بإنكار النبي ﷺ على الخطيب وقوله له: (بئس الخطيب أنت) برغم أنه ليس من مسائل القطع، وتأمل في إنكار نبي الله موسى على أخيه هارون برغم أن المسألة ليست من مسائل القطع، بل هو أراد مراعاة أصل شرعي آخر وهو «عدم تفريق بني إسرائيل» ومع ذلك لم ير نبي الله موسى تأوله ذلك مانعاً من الإنكار.

وكل من تدبر إنكار الصحابة: ما الذي أنكروه وما الذي لم ينكروه؟ عرف فقه الإنكار جيداً، ولم يحتج لغيره، وما أكثر ما رأيت في مصنف ابن أبي شيبة من إنكار الصحابة على بعضهم أموراً دون القطعي، ولم يعتبروا بالخلاف.

أليس من الظلم أن نساوي بين القطعي وما هو دونه في الإنكار؟

من أهم أسباب الإشكال على بعض الأخيار أنهم يظنون أن قوة الإنكار درجة واحدة، ولذا يستشكلون أن يقال: ينكر في المسائل العقدية والفقهية، أو ينكر في القطعي والظن المحتف بالقرائن والظن الغالب، وهذا الاستشكال ناشئ بسبب ضعف تصور قاعدة «تفاوت الإنكار»؛ فإن الإنكار، قوة وضعفاً، يبنى على النظر في عدة اعتبارات منها: أن «الإنكار فرع عن العلم»؛ بمعنى أنه كلما قوي العلم بحقيقة المسألة كلما قوي الإنكار فيها، فالإنكار في القطعي التام أشد من الإنكار في الظن المحتف بالقرائن، والإنكار في الظن المحتف بالقرائن أشد من الإنكار في الظن الغالب، والإنكار في الظن الغالب أشد من الإنكار في الراجح.

ومن الاعتبارات أيضاً في قوة الإنكار: النظر في حال المنكر عليه، فمن غلب عليه اتباع الحق وجب الرفق في الإنكار عليه، ومن غلب عليه اتباع الهوى وجب معاملته بما يستحق.

وكذلك النظر في حال الناس الذين سيرون هذا الإنكار، والمراد أن الإنكار حصيلة موازنة مصالح شرعية كثيرة، وليست قوته وضعفه مجرد قاعدة مطلقة بحسب المسألة.

ولذلك كله؛ فقوة الإنكار مراتب متفاوتة تفاوتاً عظيماً تتراوح بين التعنيف والإزالة إلى مجرد التذكير والمناصحة، وكل ذلك بين ظاهر.

كيف ينكر على المتأول والجاهل وقد رفع الله عنهم الإثم؟ أكثر ما يسبب الغلط في مثل هذه المسائل، الخلط بين «باب الإنكار» و«باب التأثيم» فباب الإنكار والنصيحة أوسع بكثير من باب التأثيم والحرج، فكثير من المتأولين الذين يقعون في مخالفة نص ظاهر، ينكر عليهم، وإن كانوا معذورين عند الله، فلا تلازم بين الإنكار والتأثيم؛ لأن هناك فرقاً بين أحكام الدنيا والآخرة، وهذا نظير كون النبي ﷺ عامل كل من حوله من الأمم والمستضعفين بأحكام الكفار، وإن كان كثير منهم قد يكون معذوراً عند الله بسبب جهله أو تأويله في الآخرة.

والمشكلة أن بعض الأخيار يأتي بنصوص رفع الحرج والتأثيم عن المتأول والجاهل ونحوها، فيسقطها آلياً على باب الإنكار، وهذا خطأ؛ لأن باب الإنكار أوسع من باب التأثيم، واعتبر ذلك بإنكار بعض أئمة السنة على من ترك مستحباً، لا واجباً، كإنكار أحمد وتغليظه الشديد على من ترك الوتر، بل بعضهم رد شهادة بعض من ترك السنن، وإن كان مثل هؤلاء معذورين عند الله ولا إثم عليهم، والشاهد أن باب الإنكار أوسع من باب التأثيم، ولا يجوز إسقاط نصوص الشرع، ونصوص الأئمة في باب التأثيم على باب الإنكار.

لا يوجد فرق دقيق بين القطعي والظني الغالب والاجتهادي، فكيف تكون معايير وهي غير منضبطة؟ وجود تردد في بعض المسائل هل هي من جنس القطع أم الظاهر أم الاجتهاد، هذا لا يلغي حقيقة هذه المراتب ذاتها، فإنه يكثر في ضوابط ومفاهيم الشريعة التردد في إلحاق بعض الأفراد بها، ومع ذلك لا يبطلها ذلك، مثل التردد في تعيين أفراد «الضروريات والحاجيات والتحسينيات» فهل يقال لا يوجد فرق بين الضروري والحاجي؟ أو لا يوجد فرق بين الحاجي والتحسيني، وعليه فإنه تقسيم غير منضبط فرد؟

ومثل التردد في تعيين «أرجح المصلحتين» و «أرجح المفسدتين».

ومثل التردد في تعيين الذريعة «هل تفضي غالباً أم نادراً؟»، فهل يقال: إن التمييز في قوة الإفضاء لا يوجد فيه فرق دقيق فهو غير منضبط فرد؟!

ومثل التردد في بعض الكميات المحرمة: «هل هي من باب اليسير المغتفر، أم بلغت مرتبة الكثير المحرم؟» وهذا التفريق مستعمل بكثرة في أبواب الفقه في الطهارات والأموال والأشربة وغيرها، فهل يقال: لا يوجد فرق دقيق بين اليسير والكثير، فهو تمييز غير منضبط فرد؟ والمراد أن وجود إشكال في تعيين بعض أفراد المفاهيم والمعايير والضوابط الشرعية، هذا موجود، لكنه لا يلغي هذه المعايير والضوابط، بل الواجب استقراء الوسع في بلوغ المراد الإلهي فيها.

- عبارات وشعارات شائعة ثمة بعض الألفاظ والرايات الخاطئة، والتي التهمها بعض الأخبار، وصارت جزءاً من وعيهم بسبب كثرة تصفحهم للمقالات المتشعبة بضغط ثقافة الحرية الليبرالية الغالبة، وهذه العبارات ساهمت بدور جوهري في إرباك كثير من التصورات الشرعية عند هؤلاء الأفاضل، ومن تلك العبارات الشائعة: قولهم: (هل الإسلام دين هش لنخشى من الشبهات؟). يخطر مثل هذا السؤال أثناء الدعوة للحصانة المنهجية، فتتكرر مثل هذه التساؤلات: (لماذا نخشى من نشر كتب الزنديق فلان؟ ولماذا نخشى من إتاحة البرامج التلفزيونية للمجدف فلان؟ هل بلغ إسلام المسلمين هذا المستوى من الهشاشة لدرجة أن صرنا نخشى من كل نسمة؟ دع الزنادقة يتحدثون حتى يفتضحوا أمام الناس).

والحقيقة: أن مثل هذه التساؤلات تهدر اعتبارات جذرية من صميم «التكوين البشري»، فطبيعة عامة الناس والشباب خلال التاريخ أنهم لا يملكون «علماً تفصيلياً» بأدلة مبادئ الإسلام والجواب عن الاعتراضات الواردة عليها، وهذا شيء طبيعي، بل ومطلوب أصلاً؛ لأنه لو تفرغ عموم المجتمع للعلم الشرعي التفصيلي وجواب الاعتراضات لتعطلت الفروض الكفائية الأخرى كالعلوم المدنية والصناعات والتخصصات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والطبية والهندسية والتقنية إلخ، التي يقوم عليها المعاش ودنيا المسلمين.

فعامة الناس والشباب معهم «إيمان مجمل» قد تزعزعه رياح الشبهات إذا لم يتيسر له متخصص أو مطلعٌ يزيل أشباحها عنه، ولذلك يفترض أن يكون السؤال معكوساً، فالسؤال ليس: (لماذا نخاف على غير المتخصصين من الشبهات؟) بل السؤال: لماذا نخاطر بإيمان غير المتخصصين والمطلعين من أجل شعارات الثقافة الغالبة؟! وفي نص بديع تحدث الإمام ابن تيمية وحلل هذه الإشكالية يقول فيه: (فعامة الناس إذا أسلموا بعد كفر، أو ولدوا على الإسلام والتزموا شرائعه وكانوا من أهل الطاعة لله ورسوله؛ فهم مسلمون، ومعهم إيمان مجمل، ولكن دخول حقيقة الإيمان إلى قلوبهم إنما يحصل شيئاً فشيئاً، إن أعطاهم الله ذلك، وإلا فكثير من الناس لا يصلون لا إلى اليقين ولا إلى الجهاد، ولو شككوا لشكوا، ولو أمروا بالجهاد لما جاهدوا، وليسوا كفاراً ولا منافقين؛ بل ليس عندهم من علم القلب ومعرفته ويقينه ما يدرأ الريب، ولا عندهم من قوة الحب لله ورسوله ما يقدمونه على الأهل والمال، وهؤلاء إن عوفوا من المحنة وماتوا دخلوا الجنة، وإن ابتلوا بمن يورد عليهم شبهات توجب ريبهم فإن لم ينعم الله عليهم بما يزيل الرب وإلا صاروا مرتابين وانتقلوا إلى نوع من النفاق، وكذلك إذا تعين عليهم الجهاد ولم يجاهدوا كانوا من أهل الوعيد، ولهذا لما قدم النبي المدينة أسلم عامة أهلها، فلما جاءت المحنة والابتلاء نافق من نافق، فلو مات هؤلاء قبل الامتحان لماتوا على الإسلام ودخلوا الجنة ولم يكونوا من المؤمنين حقاً الذين ابتلوا فظهر صدقهم8.

وخلاصة الجواب عن هذه الإشكالية أنه ليس الإسلام ديناً هشاً لنخشى عليه من الشبهات، بل قلوب بني آدم هي الهشة وهي التي نخشى عليها، فنحن لا نخشى على الوحي بل نخشى على الأرواح التي تحمل الوحي أن تخسره بشبهة عارضة.

قولهم: (لا تكن إقصائياً!). وهذه عبارة مجملة، فالإقصاء نوعان: «إقصاء واجب» شرعاً، وهو إقصاء كل فكرة أو مفهوم مخالف للقرآن والسنة، وإقصاء كل من ينشر الشبهات والشهوات بين المسلمين، ففي مثل هذه الحالة يجب علينا أن نكون إقصائيين، وكيف يستنكر الواجب شرعاً؟! وثمة «إقصاء ممنوع» شرعاً، وهو إقصاء المخالف في المسائل الاجتهادية.

قولهم: (ليس من حق أحد الوصاية على المجتمع).

وهذه أيضاً عبارة مجملة، بل الوصاية نوعان أيضاً: «وصاية واجبة» وهي فريضة النهي عن المنكر، و«وصاية ممنوعة» وهي الوصاية على الناس في خياراتهم الاجتهادية والمباحة، وهذا التفصيل هدفه الرد للكليات العامة فقط، وإلا فإن أصل استخدام لفظ «الوصاية» هنا غير مطابق؛ لأن الناصح ليس وصياً أصلاً، فالوصاية نوع من السلطة كالولاية والنظارة ونحوها، ففيها نيابة عن الغير في الإرادة والتنفيذ، وهذا لا شيء يوجد منه في النصيحة والإنكار.

قولهم: (انتقد من شئت لكن ابتعد عن منهج الإسقاط)

وهذه العبارة المجملة خاطئة من وجهين: أولهما: أنهم توهموا أن الإسقاط قرار فردي يتخذه شخص معين، وهذا مجرد وهم، فلا أحد يستطيع أن يسقط أحداً مهما كانت مكانة الناقد، وإنما سقوط الشخص من جماعة أهل السنة مرتبط بواقع موضوعي يفرض نفسه، وتأمل في كثير من الفقهاء والدعاة والأعلام الذين خاض فيهم كبار بظلم وعدوان، ومع ذلك لم يستطيعوا إسقاطهم حينما كانوا على الجادة في الجملة.

فهدى من روعك فلا أحد يقوى على إعدام مكانة شخص آخر إلا إن كان ثمة واقع موضوعي يساعده على ذلك.

والوجه الثاني لخطأ هذه العبارة: أن الإسقاط ليس بمذموم مطلقاً، بل فيه تفريق بين «الإسقاط بحق» أي لمن غلب خطؤه على صوابه، و«إسقاط بظلم» لمن كانت أخطاؤه مغمورة.

ومن المعلوم للعام والخاص أن كثيراً من المنتسبين للعلم في عصور السلف لما كثرت مخالفتهم للأدلة وظهر اتباعهم للأهواء، أسقطهم السلف وذموا الأخذ عنهم.

فالإسقاط بحق لمن كثرت مخالفتهم فرض كفائي شرعي؛ لأن ترك هذا النمط من الناس يبثون سمومهم المنتهكة للكتاب والسنة وطريقة السلف تدليس على الأمة، وأما الإسقاط بظلم، أي: لمن كانت أخطاؤه مغمورة، فهذا بغي مذموم.

قولهم: (لماذا تتحدثون وكأنكم أنتم الصواب دون غيركم؟): مثل هذه العبارة لو تأمل فيها صاحبها لعلم أن مؤداها إغلاق باب الإنكار والاحتساب والنقد بالمرّة، بل ما هو أشنع من ذلك؛ وهو سد باب «اليقين في الشرعيات»!، وجوهر الضلال في هذه العبارة عدم تمييز صاحبها للقاعدة الأولى وهي «التمييز بين المسائل الظاهرة والاجتهادية» فالمسائل الظاهرة يحمد للمكلف أن يوقن فيها بمدلول النص، لكن المسائل الاجتهادية هي التي يجب فيها الظن أو غلبته بحسب الحال، ولا يجوز أن يجعل المرء اجتهاده فيها هو الصواب المطلق دون غيره.

قولهم: (لا أحد يملك الحقيقة المطلقة): هذه العبارة شائعة جداً في الفكر العربي المعاصر، وهي كالأرضية لكثير من أطروحاتهم، بل هي كالبسمة عندهم يبدؤون بها ويمهدون لمقالاتهم، وهذه العبارة خطأ من وجهين: أولها: تعبيرهم بـ«الامتلاك» ومن المستقر عند الناس جميعاً أن الحقائق لا تملك أصلاً بل تعرف وتعلم.

ثانياً: لو قالوا: «لا أحد يستطيع أن يعرف الحقيقة المطلقة» لتبين للناس مباشرة سذاجة هذه العبارة، ذلك أن الله جل وعلا وصف كتابه بأنه «يقين»، وأنه «لا ريب فيه»، و«محكم»، و«مفصل»، و«بينات»، وأن مضامينه «حقائق»، فإذا كان بنو آدم لا يستطيعون أن يصلوا إلى هذه الحقائق المطلقة في القرآن فلأي شيء وصف الله كتابه بكل ذلك إذن؟

فمؤدى ذلك أن تلك الأوصاف عبت لا معنى لها تعالى الله عن ذلك. ومن تأمل عبارتهم هذه علم أن مقتضاها أن كتاب الله وسنة رسول الله «غامضة» لا توصل إلا إلى الحيرة والتذبذب والتردد ولا توصل للحقائق المطلقة، فأي إزراء بالله ورسوله أكثر من ذلك؟

قولهم: (يجب أن ننتقد الأفكار دون الأشخاص): وهذا أيضاً كلام محدث ليس على إطلاقه، بل هذا الإطلاق قطعاً مما يعلم مناقضته لإجماع السلف، فالسلف أحياناً ينتقدون المفاهيم والتصورات ويدعون ذكر الشخص إما لكونه فاضل وقع في هفوة، أو لتفادي رفع ذكر المنقود وإشهاره، أو لمصلحة مداراة أتباعه لئلا ينفروا، أو لغير ذلك من المصالح الشرعية.

وتجدهم أحياناً أخرى ينتقدون الشخص باسمه، أو اسم كتابه، أو فتواه التي عرف بها؛ لمصالح شرعية أخرى مثل كثرة سؤال الناس عن الاستفادة منه، أو كونه متلون يستعمل العبارات المطلية لتمرير ضلالته، أو كونه جاداً ساعياً في ترويج أفكاره الباطلة، أو غير ذلك من المصالح الشرعية.

قولهم: (السلف اختلفوا كثيراً في الموقف من بعض الرموز): وأغلب من يقول مثل هذه العبارة أو معناها، إنما يريد بها التوصل إلى أن السلف مضطربون في باب «الموقف من المخالف» وأنه لا أصول لهم، تمهيداً لدحرجة أصله المنحرف في الموقف من المخالف، وهذا بالمناسبة شائع جداً، فغالب من ينكر أن يكون للسلف أصولاً أو قواعد في باب من العلوم؛ فإنما يريد بذلك التمهيد لدس أصله المنحرف.

والمراد أن قولهم هذا بأن «السلف مختلفون في الموقف من بعض الرموز» فالحقيقة أن من تدبر اختلاف أئمة السلف في تقييم بعض الأشخاص وجد أن غالبه ليس بسبب الخلاف في أصل «الموقف من المخالف»، وإنما بسبب الاختلاف في تقدير واقع الشخص نفسه، أي: أن جمهور الخلاف إنما هو في «الوقائع» لا في «القواعد»، والوقائع يختلف الناس فيها بحسب ما بلغهم عن حال المنقود.

قولهم: (الإمام الذهبي مدرسة رائدة في التسامح مع المخالفين بما يخالف طريقة السلفيين): وهذا أيضاً مبني على تبعيض وتجزئة نصوص الذهبي رحمه الله ففي مجال «الهفوة والزلة» يقول في «السير»: (ولو أنا كلما أخطأ إمامٌ في اجتهاده في أحاد المسائل خطأً مغفوراً له قمنا عليه وبدعناه وهجرناه، لما سلم معنا لا ابن نصر، ولا ابن مندة، ولا من هو أكبر منهما)9.

لكنه في مجال «الأصل المنهجي المنحرف» يقول في «السير» أيضاً: (نقل صاحب «مرآة الزمان» بلا إسناد عن الدارقطني أنه قال: كان ابن قتيبة يميل إلى التشبيه، قلت: هذا لم يصح، وإن صح فسحقاً له، فما في الدين محاباة)10.

وله الكثير من النصوص في هذين الوجهين كليهما، فيتسامح مع الإمام الذي له الزلة والزلتين ونحوها، ويغلظ على من قام على أصل منهجي منحرف، وخصوصاً إن كان من الدعاة له.

هذه بعض أهم التمييزات السنية في العلاقة بالمخالف، ومناقشة بعض التعابير المشحونة بمضمون ليبرالي، والتي راجت لدينا بسبب ضغط ثقافة الحرية الليبرالية الغالبة.

تفكيك مفهوم الطائفية من خلال الحوارات والسجالات الإعلامية المحلية رأيت إدانة تتكرر حتى تشربها البعض باعتبارها مسلمة وهي قولهم (للأسف هذا كلام طائفي)، ويشتقون من هذا الوصف تركيبات كثيرة كقولهم على سبيل الذم والاستهجان (مقالة طائفية)، (فتوى طائفية)، (بيان طائفي) إلخ، بل ووصل بعضهم إلى المطالبة بـ (سن قانون لتجريم الطائفية). و«الطائفية» لفظ محدث مجمل، ولأهل السنة قاعدة علمية دقيقة فيها، وهي الاستفصال في الألفاظ الجملة، فيقبل ما فيها من الحق، ويرد ما فيها من الباطل، ولا يتعامل معها بالإطلاق نفياً أو إثباتاً، كما قال الإمام ابن تيمية في «درء التعارض»: (الألفاظ الجملة المتشابهة المشتملة على حق وباطل، ففي إثباتها إثبات حق وباطل، وفي نفيها نفي حق وباطل، فيمنع من كلا الإطلاقين)11.

والملاحظ أن هؤلاء جعلوا «رفض الطائفية» أصلاً يحاكمون الناس إليه، وقد قال الإمام ابن تيمية: (وأما ما سوى كلام الله ورسوله فلا يجوز أن يجعل أصلاً بحال، ولا يجب التصديق بلفظ له حتى يفهم معناه، فإن كان موافقاً لما جاء به الرسول كان مقبولاً، وإن كان مخالفاً كان مردوداً، وإن كان مجملاً مشتملاً على حق وباطل، لم يجز إثباته أيضاً، ولا يجوز نفي جميع معانيه، بل يجب المنع من إطلاق نفيه وإثباته، والتفصيل والاستفسار12.

حسنًا، فإذا جئنا للاستفصال والاستفسار عن معنى الطائفة المرفوض، فإن كان المقصود منع ظلم الطائفة المنحرفة وتحريم العدوان والبغي عليها فهذا حق وواجب شرعاً.

وأما إن كان المقصود منع نقد الطائفة المنحرفة وبيان ضلالها فهذا خطأ، والواقع أنه للأسف هذا مقصود كثير ممن يطلق هذا الشعار، فهو يجعل أي حديث عن ضلال الشيعة في باب الصحابة مثلاً حديثاً (طائفياً) مذموماً!

فمؤدى ذلك أنه إذا ضلت طائفة عن شيء من الشريعة فلا يجوز إدانة هذه الطائفة لأنه سيكون حسب معاييرهم: كلام طائفي، وفتوى طائفية، ومقالة طائفية، وجريمة طائفية!

وتحولت هذه اللافتة (كلام طائفي) إلى مبرر كافٍ لإدانة أي فتوى ضد الطائفة التي ضلت عن شيء من الشريعة، بمعنى أنك لا تحتاج إلى أية أدلة في نقض الفتوى، بل يكفي فقط أن تثبت أنها فتوى طائفية، بعد ذلك أصلح حنجرتك لترتل لطميات النياحة ضد هذه الفتوى، لماذا؟ لأنها فتوى (طائفية)!

برغم أن إدانة أي طائفة ضلت عن شيء من الشريعة هذا مبدأ قرآني، وسنأخذ مثلاً قرآنيًا لذلك يشابه واقع الطائفة الشيعية اليوم، فقد جاء طائفة من المسلمين في عصر النبي ﷺ وقاموا بـ «سب الصحابة» فقالوا عنهم: «ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً ولا أكذب ألسنة»، فأنزل الله عليهم تكفيراً طائفياً، فقال تعالى في سورة التوبة: [ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ ] {التوبة: ٦٦}.

فهذه إدانة على أساس «الطائفة»، وبين أنهم كفروا بعد إيمانهم، بمعنى أنهم كانوا مسلمين قبل ذلك، لكن بسبب أصحاب النبي ﷺ كفروا، وكان تكفيرهم على أساس الطائفة، كما قال تعالى في الآية السابقة: [ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً ].. وهذا طبعاً أحد الوجهين في تفسير موضع السب في الآية.

وطائفة أخرى أيضاً منتسبين إلى الإسلام في عصر النبي ﷺ طرحوا فكرة خلاصتها أنه (يجب أن لا نشارك في الجهاد الشرعي لأنه ليس لنا فيه مصلحة وطنية) فحكى الله مقالة هذه الطائفة وأدانهم إدانة طائفية فقال تعالى: [ وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا ] {الأحزاب: ١٣}.

وطائفة أخرى أيضاً منتسبة إلى الإسلام في عصر النبي ﷺ منعهم الله من حق المشاركة بسبب تقصيرهم الشرعي السابق كما قال تعالى: [ فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ ] {التوبة: ٨٣}.

وعلى أية حال الصراع بين الطوائف في القرآن كثير، ومن ذلك قوله تعالى: [ وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ] [الأعراف: ٨٧].

فالقرآن تعامل مع أية «طائفة» ناقضت شيئاً من الشريعة تعاملًا واضحاً، وأدانها على أساس طائفتها، والمراد أن قولهم (هذا كلام طائفي)، و(فتوى طائفية)، و(مقالة طائفية) هذا كله نقول في الجواب عنه: ما مقصودكم بذلك؟

فلفظ «الطائفية» لفظ محدث وليس أصلاً شرعياً يحاكم الناس إليه، فإن كان المقصود منع ظلم الطائفة المنحرفة فهذا حق، وإن كان المقصود منع بيان ضلال الطائفة المنحرفة فهذا باطل، ونقد الطوائف التي ضلت عن شيء من الشريعة هذا مطلب شرعي وفريضة قرآنية، فكيف صار منهج القرآن في مسلماتكم عيباً ومذمة؟!

لبرلة الولاء والبراء في الأوساط المحلية طرح كثيراً موضوع ضرورة إعادة قراءة «الولاء والبراء»، وقضايا بغض الكافر، والزوجة الكتابية، ونحوها، وكل هذه القراءات والمراجعات طبعاً تحت وطأة موجهات الحرية الليبرالية الغالبة، فليست قراءة علمية معرفية تتوخى البرهان، بل هي قراءات تستهدف بشكل مكشوف تخفيض مضمون «الولاء والبراء» ليقترب من نظرية «الحرية الليبرالية»، فالولاء والبراء في القرآن يقيم نظام العلاقات على أساس العقيدة، بينما الحرية الليبرالية تقيم نظام العلاقات على أساس مادية.

والطريف في الأمر أنني لما تأملت في كلامهم وجدت أنهم لم يتخلوا عن «الولاء والبراء» مثقال ذرة، ولم يتغير عندهم أي شيء حول وجود «الولاء والبراء» في تصرفاتهم وسلوكهم، وإنما الذي تحول عندهم هو (أرضية الولاء والبراء) أو المبررات التي تستحق الولاء والبراء فقط. فقد كانوا سابقاً يقولون يجب أن يبغض الإنسان كل من كفر بالله بغضاً دينياً، ثم صاروا الآن يستفظعون ذلك، لكن لو قلت لهم: إنني أحب من يعادي وطني لشنعوا عليك، ولو قلت لهم: إنني أولي أو أصافح من يعادي وطني لاعتبروا ذلك تطرفاً وتخلفاً.

فالقضية فيما يبدو ليست تخل عن الولاء والبراء، وإنما إعادة تحديد لمن يستحق الولاء والبراء، فقد كانوا سابقاً يقولون إن «الله» هو المستحق لأن يكون الولاء والبراء على أساس القرب والبعد عنه، وصاروا الآن يقولون أن «وطنهم» هو الذي يستحق الولاء والبراء على أساس القرب والبعد عنه.

هذه كل القضية بحسب دراستي لهذه الأطروحات، فالولاء والبراء لم ينته لحظة واحدة، ولكن تحول أساس الولاء والبراء من «الله» إلى «الأرض»، كما أشار تعالى فقال: [وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ] [الأعراف: ١٧٦]، وقال تعالى: [اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ] [التوبة: ٣٨].

وهكذا كان فريق من الناس في عصر رسول الله ﷺ يتعاملون مع الجهاد على أساس أرضية، لا على أساس عقدية، فهم لم يرفضوا القتال، ولكن يرون القتال مبرراً على أساس الأرض لا العقيدة، كما قالوا في تحليلهم الفكري لجهاد الرسول ﷺ: [وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا] [الأحزاب: ١٣].

إنه مشهد يتكرر، ولكنه يتكرر بألم، حين تكون الأرض أغلى في نفوسنا من الله، فيكون الولاء والبراء والبغض والمعاداة على أساس الأرض أمراً مقبولاً، بل رقياً فكرياً، لكن الولاء والبراء والبغض والمعاداة على أساس القرب والبعد من الله؛ فهذا كله تخلف وتقوقع في قراءات ضيقة لبعض النصوص!

الأمر لا يحتاج بتاتاً كل هذه الفدلكة؛ لكن لأن العقيدة انهارت في النفوس، وتشبعت القلوب بالإخلاء إلى الأرض، فقد فزع البعض إلى عيون الزوجة الكتابية لعلهم يجدون بين مشاعرها عذراً لنقل ولائهم وبرائهم من (الله) جل جلاله إلى (الأرض). القضية باختصار، شديد لو كانوا يريدون الحق، أن كل كافر فهو عدو لله بمجرد كفره، كما قال تعالى: [فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ] [البقرة: ٩٨]، وأخبر أنه لا يحب الكافرين، فقال: [فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ] [آل عمران: ٣٢]، وأخبر أنه يمقت الكافرين فقال: [وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا] [فاطر: ٣٩]، وأخبر أن عداوة المؤمن تبع لعداوة الله، كما قال تعالى: [إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا] [النساء: ١٠١].

فكل مؤمن لا بد أن يقوم في نفسه «العداوة القلبية الدينية» لكل عدو لخالقه ومولاه جل وعلا، فإن لم يجد هذه العداوة القلبية الدينية لأعداء ربه سبحانه فليبك على إيمانه، ولو كمل حب الله في قلبه فيستحيل أن يحب خالقه وعدو خالقه في آن واحد، إلا إن كان المؤمن يتجرأ ويقول إن أعداء الله أحباب له، فهذا شأن آخر. أو كان المرء يقول: (إن الكافر إذا لم يحاربنا فهو ليس عدو لله، وإذا حاربنا فهو عدو لله)، فصارت كرامته أعظم في نفسه من كرامة الله، فهل يقول هذا عاقل؟ فأي تحد لله تعالى أن نقر أن الله عدو لجميع الكافرين، وأن الله لا يحب جميع الكافرين، ثم نتحدى ربنا جل وعلا ونقول: أما نحن فنحب بعض الكافرين؟!

وتأمل معي في قوله تعالى: [هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ] [آل عمران: ١١٩].

فهؤلاء قوم مظهرون للمسألة، بل يظهرون غاية المسألة، حتى أنهم إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا، ومع ذلك يلوم الله المؤمنين على حبهم، ولم يأبح لهم حبهم بحسب ظاهرهم.

ثم تأمل معي كيف انعكست آيات البراء وبغض الكفار على أصحاب النبي ﷺ؟ فمن ذلك أن أسماء بنت عميس وهي ممن هاجر إلى الحبشة تقول كما في «صحيح البخاري»: (كنا في أرض البعداء البغضاء بالحبشة)13.

فانظر في قول هذه الصحابية الجليلة! فأهل الحبشة مسالمون، بل نفعوا أصحاب النبي حيث وفروا لهم لجوءاً سياسياً في وقت الأزمة مع قريش، ومع ذلك تسميهم «البغضاء»، لماذا؟

لأن هذه الصحابية الجليلة استوعبت درس القرآن جيداً، وأن كل كافر فهو قطعاً عدو لله مبغوض له مهما كان مسالماً عسكرياً.

ولما بعث نبي الله ﷺ عبدالله بن رواحة إلى اليهود لخرص الثمار، خافوا أن يظلمهم فقال لهم كما عند أحمد بسند صحيح: (يا معشر اليهود! أنتم أبغض الخلق إليّ…، وليس يحملني بغضي إياكم على أن أحيف عليكم)14.

فهؤلاء كفار مسالمون وليسوا محاربين، ومع ذلك يستعلن رضي الله عنه ببغضه لهم.

وأمثال هذه النماذج كثيرة في سيرة أصحاب رسول الله ﷺ من بغض الكافر حتى لو كان مسالماً، ومن الطرائف أن بعض الناس لكي يتخلص من هذا الأصل الشرعي العظيم صار يسلك استراتيجية إلصاق أحكام البراء بـ «الوهابية»، ويدعي أننا أسرى للفكر الوهابي، وأن مسألة بغض الكفار جميعاً إنما هي فكرة وهابية، إلخ، وهي حيلة ساذجة للتخلص من قاعدة شرعية.

والواقع أن قاعدة «البغض العقدي للكافر» قد أطبقت عليها المذاهب الأربعة لأهل السنة والجماعة، وليس مسألة ابتكرتها «الدرر السنية»: فقد قال السرخسي الحنفي: (وهكذا ينبغي لكل مسلم أن يكون في بغض اليهود بهذه الصفة)15.

وتعرض القرافي المالكي لبعض الأوامر الشرعية فقال: (حب المؤمنين، وبغض الكافرين، وتعظيم رب العالمين…، وغير ذلك من المأمورات)16.

وقال ابن الحاج المالكي: (واجب على كل مسلم أن يبغض في الله من يكفر به)17.

وقال الشيخ عليش المالكي: (نفوس المسلمين مجبولة على بغض الكافرين)18.

وفي أشهر متون الشافعية: (وتحرم مودة الكافر)19.

وقال العز بن عبد السلام الشافعي: (جنايته على أمر نفسه بالكفر آخرته، وأوجبت بغضه)20.

بل هذا ابن سعدي الذي يحاول البعض تزوير صورته وأنه كان فقيهاً تغريبياً مبكراً يوضح التلازم بين الإيمان بالله وبغض الكافر، فيقول: (الإيمان يقتضي محبة المؤمنين وموالاتهم، وبغض الكافرين وعداوتهم)21.

والمراد أن نصوص فقهاء المذاهب الأربعة لأهل السنة كثيرة في منع حب الكافر، فكيف يزعم البعض ويدعي «أن وجوب بغض الكفار فكرة ولدت في الدرعية وانتهت مع مؤتمرات حوار الأديان»؟ أم أن أئمة المذاهب الأربعة في القرون المتقدمة حفظوا في صغرهم «كشف الشبهات»؟ أم أرسلت إليهم نسخ من «الدرر السنية»؟ وهؤلاء الذين يسعون للبرلة الولاء والبراء يتمسكون ببعض التأويلات للنصوص والمفاهيم الشرعية، وسأناقش بعضها.

فأما قولهم: (إننا نقر أن الله أمر بمعادة أعدائه كقوله تعالى: [لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ] [الممتحنة: ١] لكن هذه في المعتدي وليس كل الكفار أعداء لله).

فهل يقول هذا من قرأ كتاب الله؟ فكل كافر هو عدو لله أصلاً، كما قال تعالى: [فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ] [البقرة: ٩٨]، وقال تعالى: [إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا] [النساء: ١٠١].

وأما قولهم: (إننا نقر أن الله نهى عن موالاة الكفار، لكن آيات النهي عن موالاة الكفار لا يلزم منها النهي عن حبهم والأمر ببغضهم؛ لأن الموالاة فيها قدر زائد على مجرد الحب والبغض وهي «النصرة»).

فالجواب أن «الموالاة» لفظ عام يشمل الحب والنصرة، فالحب موالاة، والنصرة موالاة، والنهي عن العام يشمل جميع أفراده.

ومن ظن أن الموالاة لا تكون إلا لما تركب منهما فقد خالف النص الذي منع الحب كقوله: [هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ] [آل عمران: ١١٩].

وهي في المسالمين، وخالف إجماع الفقهاء على منع حب الكافر ومودته، فضلاً عن مخالفته لما حرره الفقهاء المحققون كقول الإمام ابن تيمية: (وأصل الموالاة هي المحبة، كما أن أصل المعادة: البغض)22.

وأما قولهم: (إننا نقر أن الله نهى عن موادة من يحاد الله ورسوله، لكن المحاد هو المحارب).

فهذا تحريف لكتاب الله، فإن الله تعالى قال: [يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ ٦٢] أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ [التوبة: ٦٢-٦٣]، فهؤلاء الذين حلفوا لرسول الله ليسوا محاربين، ومع ذلك جعلهم الله محادين، ولما ذكر الله حدود الله في مطلع المجادلة قال: [إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ] [المجادلة: ٥]، ومعلوم أن انتهاك حدود الله ليس محاربة، ومع ذلك جعله الله محادة لله جل وعلا.

فإن كان هؤلاء يجعلون «المحادة» هي «المحاربة» فهذا باطل يكون الله في كتابه سمي ما دون المحاربة محادة، وإن كان هؤلاء يجعلون المحادة كل قول وفعل يسيء إلى الله وكتابته ونبيه وشريعته، فلا يكاد يوجد كافر معاصر لا يسيء لأحكام الله في التعدد والقوامة والحجاب والقرار في البيوت والقتال، إلخ.

فهؤلاء يقولون لنا: إن المادة المنهي عنها مخصصة بالمحادة. فإذا قلنا لهم: هؤلاء الذين يسيئون لأحكام الشرع من مستشرقين وسياسيين ومفكرين وعامة في المجتمعات الكافرة، لكنهم مسالمون غير محاربين، هل يجوز مودتهم، عادوا وتناقضوا وقالوا: نعم؛ يجوز لأنهم غير محاربين، وتركوا علتهم الأولى وهي المحادة بمعنى الإساءة.

وليس مقصودنا هاهنا المرادفة بين الكفر والمحادة، فإن المحادة بلا شك قدر زائد على مجرد الكفر كما قرره ابن تيمية في «الصارم المسلول»، وإنما المراد بيان أن المحادة أوسع من المقاتلة.

وأما احتجاجهم بترخيص الشارع في الزواج بالكتابية، وأن هذا ينقض كل الآيات والأحاديث والآثار وإطباق المذاهب الأربعة، فقاتل هذا الكلام ليست إشكاليته إشكالية مسألة مفردة بعينها، بل لديه إشكالية منهجية، وهي ترك الأصول الظاهرة وتحويل الاستثناء والمحتمل إلى قاعدة.

والجواب عن استدلالهم بـ (أن الله أباح الزواج بالكتابية، والزواج يفضي للمودة) أن يقال: المودة الحاصلة بالزواج بالكتابية هي أمر كوني قدري، وأمر الله ببغض الكافر أمر شرعي ديني، وأوامر الله الشرعية لا يعترض عليها بالأمور الكونية. والمحتج بذلك هو نظير من يقول: إن الله خلق الخلق مختلفين ولن يزالوا كذلك، فلا داعي للأمر بالجماعة والالتلاف، فأبطل أمر الله الشرعي بالأمر الكوني، أو كمن يقول: إن الله قضى على العباد أن تقع منهم المعاصي، وأخبر أن بني آدم مذنبون خطاؤون، وعليه فلا داعي لأن ننهى الناس عن المعاصي، فأبطل أمر الله بعدم معصيته بناء على الأمر الكوني من وقوع المعاصي، وهكذا، فكيف يعترض على أمر الله ببغض الكفار، بأمر كوني قدري وهو وقوع المتزوج في حب زوجته؟

ثم إنه لا يمتنع أن تكون بين الزوجين عداوة دينية كما قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ] {التغابن: ١٤}، فالله أثبت احتمال قيام العداوة الدينية بين الزوج والزوجة، فلا أدري لماذا يأخذون آية: [خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً] {الروم: ٢١}، والتي تتحدث عن المودة القدرية الكونية، ولا يضمون معها هذه الآية: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ] {التغابن: ١٤} والتي تثبت احتمال قيام العداوة الدينية.

ثم إن المودة التي ذكرها الله بين الزوجين لا يلزم منها أن تكون دوماً هي الحب، بل قد يكون المراد بها الصلة والإحسان كما قال تعالى: [قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ] [الشورى: ٢٣].

فالنبي ﷺ لا يطلب أن يتحاب مع كفار قريش وإنما كما في «صحيح البخاري» عن ابن عباس أنه قال: (إن النبي ﷺ لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة فقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة)23.

ثم إن ما يجده الإنسان في نفسه من الولاء والحب لوالده وشقيقه أعظم مما يجده من الولاء لزوجته، ومع ذلك قطع الله موالاة الأب الكافر المسلم، والشقيق الكافر المسلم، كما قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ] [التوبة: ٢٣].

ثم إن أهل العلم بينوا أن مورد الأمرين مختلف أصلاً، فبغض الكافر للمسلم وعداوته القلبية هي بغض وعداوة قلبية دينية، أما المودة التي تقع بين الزوج والزوجة فهذه مودة غريزية فطرية، ولا يمتنع أن يجتمع الأمران في شخص واحد.

وأما قولهم: (إنه يمتنع أن يجتمع في الشخص الواحد محبة وبغض، وبالتالي فما دام يجوز أن يحب زوجته الكتابية فلينتف البغض الديني عنها).

فهذا كلام في غاية الضعف العلمي، فإن الدواء يجتمع فيه الحب والبغض، فهو محبوب من وجه مبغوض من وجه، وهذا مثال يكرره أهل العلم كثيراً للتدليل على كيفية اجتماع الحب والبغض في شخص واحد.

ونظير ذلك في الشرعيات أن القتال في سبيل الله يجتمع فيه كره طبيعي لما فيه من إيذاء النفوس، وحب شرعي لما فيه من الثواب العظيم، كما قال تعالى في الكراهية الطبيعية للقتال: [كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ] {البقرة: ٢١٦}، وقال تعالى في الحب الشرعي للقتال: [وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ] {التوبة: ٩٢}.

فانظر كيف أخبر أنهم يكرهون القتال طبعاً، ثم تفيض عيونهم من الحزن إذا فاتهم القتال لحبهم إياه شرعاً وديانة.

فمن أنكر الكره الطبيعي للقتال فقد كابر، ومن أنكر الحب الشرعي للقتال فما عرف معنى الإيمان بعد، فإن أثبت اجتماعهما في محل واحد فكيف ينكر اجتماعهما في شخص واحد وهو الزوجة الكافرة؟

وكذلك فإن كل نفس تجد في داخلها كراهية السجن كراهية طبيعية، ولكن لما كان فيه مصلحة شرعية ليوسف عليه السلام صار أحب إليه شرعاً وإن كان يبغضه طبعاً، كما قال تعالى عن يوسف: [قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ] {يوسف: ٣٣}.

وكذلك فإن الإنسان إذا تصدق بأنفس ماله عنده اجتمع في هذا الفعل حب وبغض، فهو يحب ماله طبعاً، ويحب التخلي عنه والصدقة به شرعاً، كما قال تعالى: [لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ] {آل عمران: ٩٢}، وقال تعالى: [وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ] {البقرة: ١٧٧}، وقال تعالى: [وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ] {الإنسان: ٨}.

وأما قول بعضهم: (إن الحب والبغض عمل قلبي يهجم على القلب لا حيلة فيه، وبالتالي يعفى عن حب الكفار).

فمؤدى كلام هؤلاء إخراج الحب والبغض عن أصل التكليف، وبالتالي إبطال كل أوامر الحب والبغض التي أمر الله بها ورسوله، فصار أمر الله بحبه، وحب رسوله، وحب الأنصار، وحب آل البيت، وغيرها من الشرائع، كلها لغو وعبث لا قيمة له لأن الحب والبغض شأن قلبي يهجم على الإنسان ولا حيلة له فيه، ومشهور أن من أعظم خصال الإيمان ما نبّه إليه النبي ﷺ بقوله: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده)24.

فلو جاء شخص وقال الحب عمل قلبي يهجم على المرء بلا حيلة، ولا أجد في نفسي حب النبي أكثر من والدي وولدي. فهل هذا الكلام مقبول؟

ولذلك لما جاء عمر وأخبر النبي ﷺ بما في نفسه لم يقبل النبي هذا الكلام، وصحح له هذا الفهم، حتى ارتقى إيمان عمر، كما في «البخاري»: (يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي! فقال النبي ﷺ: لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك. فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي. فقال النبي ﷺ: الآن يا عمر25.

فعمر رضي الله عنه حين قال (لأنت الآن أحب إلي من نفسي) إنما جاهد نفسه حين عرف ثواب الحب، فالحب والبغض يحصل بالمجاهدة. ولذلك فإنه لما أبغض بعض الناس بعض التشريعات بغضاً دينياً جعل الله ذلك منهم ردة وخروجاً عن الإسلام ولم يقل الحب والبغض شعور يهجم على القلب لا حيلة له فيه، كما قال تعالى: [ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ] {محمد: ٩}.

وأما قول بعضهم: (بعض الكفار يحسنون إلينا، فكيف نكرههم وهم يحسنون إلينا، ولا يوجد إنسان سوي إلا وهو يحب من أحسن إليه، ويجد ذلك في نفسه ضرورة).

فهؤلاء المعترضون بمثل ذلك لم يتفطنوا إلى أن الحب هو حصيلة أفعال المحبوب، والبغض هو حصيلة أفعال المبعوض، فهذا الكافر أحسن إليك بمال أو هدية أو ابتسامة لكنه أساء إلى ربك بالكفر، وربك أغلى عليك من نفسك، ولذلك فإساءته لك أعظم أضعافاً مضاعفة من إحسانه المادي إليك، إلا إن كانت نفسك أغلى عليك من ربك وخالقك، وصرت ترى أن من أساء إليك فهو مستحق للبغض، لكن من أحسن إليك وأساء لخالقك فهو مستحق للحب، فقاتل هذا قد جعل نفسه أعظم من الله، وإلى هذا المعنى أشار السبكي إشارة بديعة للغاية حين قال في «فتاواه»: (والذي يظهر أن النفوس الطاهرة السليمة لا تبغض أحداً ولا تعاديه إلا بسبب، إما واصل إليها، أو إلى من تحبه أو يحبها، ومن هذا الباب عداوتنا للكفار بسبب تعرضهم إلى من هو أحب إلينا من أنفسنا26.

فمن اعترض بالقول أنه «ليس من المروءة أن أبغض كافراً أحسن إلي»، فيقال له: بل ليس من المروءة أن تحب كافراً أساء لخالقك لمجرد أنه رشاك بلعاعة من الدنيا، فخالقك قد أحسن إليك أضعاف أضعاف ما يقدمه لك هذا الكافر، بل لا نسبة للنعم التي أعطاك إياها خالقك ولعاعة الدنيا التي أعطاك إياها هذا الكافر.

وعلى أية حال؛ فإن من يستحضر أن هذا الكافر يسيء إلى الله بجحد إلهيته أو نبوة محمد ﷺ ولم يهجم على قلبه بغضه قلبياً فهذا يعني أنه قلب ميت، فليبك على قلبه، فإن القلب الحي لا يرضى بأن يساء لخالقه ومولاه، إلا إن كان يعتبر الكفر وجهة نظر شخصية لا تغضب الله.

وأما قولهم: (كيف أكرهه وأحبه وقد يكون في داخل الأمر على خلاف ما هو عليه؟ بمعنى: قد أعتقد أنه كافر لكنه في حقيقة الأمر مسلم).

فيقال: الحب والبغض من الأحكام الشرعية، والأحكام الشرعية تتعلق بالظاهر، ولذلك كان تطبيق هذا الحكم على الأعيان مسألة اجتهادية قد يصيب المرء فيها وقد يخطئ خطأً مغفوراً، ولذلك قال ابن تيمية: (ثم الناس في الحب والبغض، والموالاة والمعاداة، هم أيضاً مجتهدون يصيبون تارة ويخطئون تارة)27.

وقبل ذلك نبه الإمام محمد بن الحنفية كما رواه اللالكائي عنه حيث يقول: (من أبغض رجلاً على جور ظهر منه، وهو في علم الله من أهل الجنة؛ أجره الله كما لو كان من أهل النار)28.

وأما قولهم: (الكفار متفاوتون فكيف نجعلهم سوياً في البغض والمعاداة القلبية؟!).

فهذا غير صحيح، ولم يفت أحد من أهل السنة يكون الكفار سواء في البغضاء، فإن الكفر يتفاوت في ذاته، كما يتفاوت الإيمان، ولذلك فإنه كما يكون في أهل الخير أئمة في الإيمان، كما قال تعالى: [وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا] [الفرقان: ٧٤]، فإنه كذلك يكون في الكفار أئمة فيه، كما قال تعالى: [فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ] [التوبة: ١٢]، وكما يتفاوت حب أهل الإيمان بحسب رسوخهم وإمامتهم فيه، فكذلك تتفاوت معاداة وبغض الكفار بحسب رسوخهم وإمامتهم فيه.

وأما قولهم: (إن تغيير الحكم الشرعي في بغض الكفار سيكون له دور في الترويج للإسلام والدعوة).

فقال هذا الكلام عكس النتيجة كلياً: بل تحريف النصوص الشرعية في بغض الكفار أعظم ذريعة إلى الطعن في علماء الإسلام ودعائه أنهم كاذبون مخادعون يتلاعبون بنصوص شريعتهم لأجل مصالح حركية.

إنه لا يخدم صورة الإسلام مثل العلم الصحيح الصادق، نعم؛ قد يتدرج العالم أو الداعية في تنفيذ بعض الأحكام، أما تحريف الأحكام الشرعية فهذا لا يقع من عالم صادق لأجل أي مصلحة موهومة، وشتان بين التدرج والتحريف، على أن بعض أهل الأهواء يحتجون بأفعال النبي ﷺ، وعمر بن عبدالعزيز في التدرج على التحريف، فيخلطون بينهما.

ثم افترض أننا استطعنا عبر عمليات تجميلية «لبرلة الولاء والبراء» وتحريف نصوص «بغض الكفار»، فماذا سنصنع بقوله تعالى عن الكفار: [إِنَّ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ] [الفرقان: ٤٤]؟ وقوله تعالى: [إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا] [الأنفال: ٥٥]، وقوله تعالى: [كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا] [الجمعة: ٥]، وقوله تعالى: [إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ] [التوبة: ٢٨]، وقوله تعالى: [وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ] [التوبة: ٢]، وقوله تعالى: [وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ] [الأنفال: ٧]، وقوله تعالى: [أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ] [المائدة: ٥٤]، وقوله: [فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ] [الممتحنة: ١٠]، ونحو هذه الآيات، فهل سنحرف كل هذه الآيات ونظائرها حتى نقوم بترويج الإسلام والدعوة؟ هناك ملفات كثيرة يريد متفقهة الثقافة الغربية الغالبة العبث بها، لكن آخر ما يمكن أن يحرفوه هو موقف القرآن من الكافر، لقد وضع القرآن الكافر في غاية ما يتصوره العقل البشري من دركات المهانة والحقارة والانحطاط واستعمل القرآن كل التعابير الممكنة في بيان رجسية الكافر، فأي تأويل يا رحمكم الله يمكنه أن يتلاعب بهذه الآيات القرآنية؟

وهل تدري أين جوهر المشكلة في كلام هؤلاء الذين يريدون تغريب العقيدة ولبرلة الولاء والبراء؟ إنها في حرمان المسلمين من أوثق عرى الإيمان: (إن أوثق عرى الإيمان أن تحب في الله، وتبغض في الله)29.

وتصرفات متفقهة الثقافة الغالبة في لبرلة الولاء والبراء هي من أوضح النماذج والتطبيقات في تقديم التشابه على الحكم، وعامة (تقعيد الاستثناءات) أي تحويل الاستثناء إلى أصل، والأصل إلى استثناء، فالله أمر ببغض الكفار وأجاز نكاح الكتابية، فأخذوا الاستثناء وهدموا به الأصل، فهل هذا إلا فعل أهل الأهواء؟

فكفوا يا رحمكم الله عن تشذيب الإسلام وقصقصته لأغراض التبسم في مؤتمرات إنشائية يخدع بها الحاضرون أنفسهم، قبل أن يخدعوا غيرهم.

مفارقات لبرلة الخلاف تحدثنا في مباحث سابقة عن بعض التمييزات العلمية الشرعية في التعامل مع المخالف، وقاعدة القرآن في الولاء والبراء، والتي تتعارض كلها مع مفهوم الحرية الليبرالية في الموقف من المخالف، وسأحاول أن أسلط الضوء في هذا المبحث على تناقضات الخاضعين لثقافة الحرية الليبرالية الغالبة، وأنهم يتحدثون كثيراً عن حرية المخالف حديثاً مخالفاً للشريعة، وفي ذات الوقت ينتهكون حقوق المخالف الشرعية ذاتها!

أحد الكتاب في المنتديات الثقافية المحلية كان منهمكاً في الحديث عن خطأ الإسلاميين في «الموقف من الآخر»، وأنه خطأ تاريخي يجب تصحيحه، ويتحدث كثيراً عن أن سائر مخالفى الإسلاميين (الكافر، والعلماني، والليبرالي، والشيعي، إلخ) كلهم يجب احترامهم واللطف في خطابهم والبحث عن المشتركات معهم، ويذكر من قصص السيرة النبوية شواهد لما يقول.

ثم شاهدت لهذا الكاتب ذاته، حواراً انفعَل فيه، وبادل شاتمه بسبب مماثل، لم تكن عبارة واحدة، بل غرز في رده عدة ألفاظ نارية ساخنة ومقذعة، فوقفت مع نفسي أتأمل في هذا الموقف، كيف يدعو للتساهل مع من يقدح في الشريعة، ولا يقبل التسامح مع من يقدح في ذاته؟ كيف تكون نفس الإنسان أغلى عليه من ربه وخالقه ومولاه؟

وقد صور أحد أدباء القرن الثالث هذه الحالة فقال: (يصول أحدهم على من شتمه، ويسالم من شتم ربه!)30

ترى أمثال هؤلاء تحولوا إلى إصبع اتهام مشهر في وجوه دعاة الإسلام لا يكف عن غمز قنواتهم بأنهم ينقصهم الوعي بسبب موقفهم من مخالفي الإسلام والسنة، وإذا رأيت هجومهم المستمر ولزمهم المتكرر لأخطاء المحتسبين لا تستطيع أن تدفع عن نفسك الشعور بأنهم باتوا يرون خطأ المنكر (وهو خطأ تبعي اجتهادي) أغلظ من خطأ صاحب المنكر ذاته (وهو خطأ أصلي ظاهر).

ما فرق هذا عن رجل يشنع على «المجاهد» أكثر من تشنيعه على «المحارب»؟ ما فرق هذا عن رجل يرى أن خطأ رجل الأمن أشنع من خطأ قاطع الطريق؟

وقد لاحظت أن كثيراً من الشرعيين الذين دخلت عليهم شعبة من شعب الحرية الليبرالية الغالبة يقعون في هذا التناقض إذا قارنت بين موقفهم ممن انتقص دين الله وسنة نبيه ﷺ، وموقفهم ممن انتقص أشخاصهم وذواتهم، ففي موقفهم ممن انتقص دين الله وسنة نبيه لا ترى إلا اللطف والهدوء والدعوة لتفهم الزوايا المضيئة والقواسم المشتركة، وفي موقفهم ممن شتمهم شخصياً ترى الانفعال واللمز، بل وربما العبارات النارية المتحدية، فهل صارت أنفسهم أغلى عليهم من ذات الله سبحانه وتعالى؟

فالصورة النهائية التي تفهم من سلوكهم أن من غض من دين الله فهو يستحق عندهم الاحترام واللطف، ومن غض من قيمتهم الشخصية صار مستحقاً لأن يرد عليه بالمثل!

وكم رأينا من رموز الفضائيات من يتحدث عن الهدوء واللطف والأرضيات المشتركة والاجتماع على الكليات وترك الفروق… إلخ، مع كل مخالفي الإسلام والسنة..

فإذا سئل عن من ينتقد ويتهجم على مشروعاته قال: (هؤلاء يعانون من توتر واحتقان، وضيق أفق، ونقص ووعي)، ونحوها من مفردات التقزيم الممكنة.

فيا لله العجب، صار خصوم النص الشرعي يبحث معهم عن المشتركات، وخصومك يعانون من ضيق الأفق، فهل صارت نفسك أغلى عليك من الله؟

وقريب من هذا النمط من الناس أيضاً فريق كبير الآن يتسع ويتسع في دوائر الإعلام، إذا اعتدى أحد على «دين الله» رأيت نشاطه الهائل في تذويب الغيرة والحمية والمطالبة بالعقلانية والرزانة والهدوء والبحث عن المشتركات، وإذا تهكمت أي شخصية بوطنهم رأيت التفنن في المواجهة والدفاع، وتفتقت عقولهم عن فنون من الحجاج والجدل والإفحام تجاه المنتقد بشيء لا ينقضي منه العجب.

حين ترى ذلك، فيأخذك التساؤل: هل تكون أرضهم أغلى في نفوسهم من إلههم؟ فحين أرى مثل هذه المشاهد أتذكر دوماً قول نبي الله هود لخصومه حين راعوا جانب قومه أكثر من مراعاة الله سبحانه وتعالى، إذ يحكي الله مقالته: [ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ ] [هود: ٩٢].

فانظر كيف صار رهط هود أعز عليهم من رب هود سبحانه وتعالى؟ وقارن ذلك بكتاب ومتحدثين كثيرين اليوم يرون مجابهة منتقد وطنهم شرفاً، ومجابهة منتقد الشرع ضيق أفق، وقُلْ لهؤلاء الكتبة والمتحدثين: يا قوم هل الأرض أعز عليكم من الله؟

وما فعله خصوم هود من مراعاة جانب رهطه أكثر من مراعاة جانب الله جل وعلا؛ ليس شأنًا خاصًا به، بل حتى خصوم نبي الله صالح كانوا يراعون جانب عشيرة صالح أكثر من مراعاة جانب الله جل جلاله، ولذلك كانوا يقولون: [قَالُوا أَتَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَا هَلَكَ أَهْلِهِ] {النمل: ٤٩}، فالذي كان يعينهم فقط السلامة من لوم أوليائه وعشيرته، أما ملامة الله فلم تخطر لهم ببال.

وهذا أيضًا شأن كثير من المنحرفين فكريًا ممن يخفون في أنفسهم بغضًا لبعض الأحكام الشرعية المخالفة للثقافة الغربية الغالبة فإنهم يجتهدون في إخفاء ذلك عن عامة الناس وتلبيسه بالعبارات الغامضة الجملة لتكون لهم مخرج طوارئ، وما ذلك إلا بسبب ما قام في نفوسهم من الهيبة من الناس أكثر من الهيبة من الله، ولذلك يقول تعالى عن هذا النمط من الناس: [لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ] {الحشر: ١٣}.

وكثير من هذه المظاهر لا تقع فجأة، بل تمر بتحويلات سريعة أو بطيئة، ومن ذلك مثلاً أنني أتذكر بعض الإعلاميين الفضلاء كان يذيل ردوده وجواباته سابقًا بقوله: (ولن نتواني في كل ما فيه خدمة ديننا) ونحو هذه العبارات، ثم بعد النعمة الجديدة صار يقول: (خدمة ديننا ووطننا) .. ثم صار بعد فترة يقول (خدمة وطننا وديننا) .. ثم مؤخراً صرت أراه يقول فقط (كل ما من شأنه خدمة الوطن) .. هكذا مجردة، وهي عبارات لها دلالات أبعد من كونها مجرد ألفاظ عرضية، إنها تحول عميق في أسس الشرعية الاجتماعية في مناخنا الفكري المعاصر، إنه تبدل بنيوي في مرتكزات الشرعية التي يحال إليها ويستند عليها، إنه انقلاب في مصادر الاستمداد العميقة في الوعي.

ومفهوم المواطنة يؤخذ اليوم بنفس المحددات لنظرية الدولة الحديثة في الفكر السياسي الغربي الغالب.

ولذلك ترى كثيراً من الناس اليوم لا يجد أية غضاضة في التمييز بين الناس على أساس الأرض، سواء في الخدمات الحكومية، أو الانتماء القلبي، لكن التمييز بين الناس على أساس الدين، أو التمييز بين الناس على أساس القرب من السنة والبعد عنها؛ هذا كله عنده تشنج وضيق أفق وطائفية مقيتة وإقصاء، إلخ!

ودعني أضرب لك مثلاً مفترضاً: لو قلت لكثير من النخب التابعة لثقافة الغرب الغالب إننا سنخصص الخدمات الصحية المجانية للمواطن، وسنحرم منها غير المواطن حتى لو كان مسلماً سنياً متمسكاً، لما رأوا في ذلك إشكالاً بل لرأوه تنظيماً مطلوباً.

لكن لو قلت لهم: إن الخدمات الصحية ستكون على أساس الدين لا على أساس الأرض فإنهم سيهجمون عليك ويشعلون في وجهك غازات الإعلام، ويجعلونك وثن الإقصاء والتخلف.

فانظر كيف انقلبت الموازين، فصار التمييز على أساس الأرض تقدماً وحضارة، والتمييز على أساس «لا إله إلا الله» تخلف وانحطاط، والمراد أن عامة المنادين بلبرلة الموقف من المخالف واقعون في التناقض، فيناضلون بلغة ساخنة عن أنفسهم ومشروعاتهم أكثر من دفاعهم عن سنة رسول الله ﷺ، وقارن ذلك بموعظة الله لنا في القرآن حين حذرنا أن نجتهد في صيانة أنفسنا أكثر من اجتهادنا في صيانة رسول الله ﷺ حين قال تعالى: [وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ] [التوبة: ١٢٠].

فهؤلاء الذين ينتفخون إذا انتقدوا، بينما هم في غاية البرود إذا انتقد دين الله، ويتهكمون بمن ينتقد مشروعاتهم الشخصية، بينما يتلطفون لمن ينتقد الأحكام الشرعية، ويلبسون لأمة الحرب إذا انتقد وطنهم، بينما يتحولون إلى مخذلين إذا انتهكت محارم الله، هؤلاء كلهم يجب عليهم بشكل إسعافي عاجل مراجعة منزلة الله في قلوبهم، وليتذكروا أن من أعظم ينابيع النفاق الخفية في القلب ما ذكره الله تعالى بقوله: [وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ] [آل عمران: ١٥٤].

كسر الخصوصية العيدية مع ثورة الاتصالات الحديثة وتزايد الامتزاج بغير المسلمين أصبح المسلم يكثر احتكاكه بالحياة اليومية للمجتمعات الغربية الغالبة، وأصبحت هذه الأمم المهيمنة تسكب على مجتمعاتنا المستضعفة أنماط حياتها في الزي والطعام والحفلات وغيرها، ومن صور ذلك «أعياد الكفار» التي صار لها حضور في مناخنا الثقافي والاجتماعي بسبب هذه المتغيرات الاتصالية المعاصرة، ونتيجة لضغط هذه التقاليد الغربية المسيطرة تزايدت الأصوات التي تحاول شرعنة أعياد الكفار، وتأويل المعطيات الشرعية التي تمنع مشاركة الكفار أعيادهم.

ومن الأمور التي شدتني كثيراً في السنة النبوية حساسية النبي ﷺ لموضوع «أعياد الكفار»، حيث ظهر اهتمام النبي ﷺ في أكثر من حادثة بقضية عدم مشاركة الكفار في أعيادهم، في أكثر من قضية يستحضر النبي ﷺ بشكل لافت هذه المفاصلة مع الكفار في أعيادهم، ويركز النبي ﷺ على تعميق التفرد الإسلامي في فعاليات العيد.

لنضع سوياً هذه الوقائع النبوية الأربع تحت عدسة البحث، ثم لنحاول استخلاص المعنى الكلي فيها: الواقعة الأولى: لما جاء النبي ﷺ إلى المدينة، وجدهم ولهم يومان يلعبون فيهما، ويمارسون احتفالاً اجتماعياً، لم يجعل النبي ﷺ الموضوع يمر بشكل عابر، بل سألهم عن دوافع هذا الاحتفال فقال لهم النبي (ما هذان اليومان؟) فقالوا: (كنا نلعب فيهما في الجاهلية) فلم يقل النبي لا بأس، الأهم أن لا يقع في الاحتفال منكر، لا؛ بل أوقف هذا الاحتفال وهم في خضم فعالياته، وقال ﷺ: (إن الله قد أبدلكم بهما خيراً منهما يوم الأضحى ويوم الفطر)31.

الواقعة الثانية: أن رجلاً من أصحاب النبي ﷺ نذر أن ينحر إبلاً في موضع في الحجاز يقال له «بوانة» فجاء يستفتي النبي ﷺ فسأله النبي عدة أسئلة كإجراء احترازي للإباحة، وكان منها أن سأله النبي قبل أن يفتيه بالجواز بهذا السؤال (هل كان فيها -أي في بوانة- عيد من أعيادهم -أي الكفار-؟ فقال الرجل: لا، فقال له النبي: أوف بنذرك)32.

الواقعة الثالثة: أن النبي ﷺ في أثناء أحد الفعاليات العيدية الإسلامية أطلق حكماً كلياً عاماً يكرس الخصوصية العيدية فقال: (إن لكل قوم عيداً، وهذا عيدنا)33.

الواقعة الرابعة: أن النبي ﷺ أشار مرة إلى أيام المناسك وأكد استحضار الخصوصية العيدية من جديد فقال: (يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق؛ عيدنا أهل الإسلام)34.

حسنًا، دعنا نحاول استخلاص المعنى الكلي في هذه الوقائع النبوية الأربع، لا أظنك تخالفني على الدهشة من شدة استحضار النبي ﷺ لقضية «الخصوصية العيدية»، وأن موضوع العيد لم يكن في التصور الشرعي الذي يقدمه النبي ﷺ مجرد شأن اجتماعي لا صلة للدين به، بل كان النبي ﷺ يسلط الضوء على القضية بطرق مختلفة، فمرةً يقول لهم وهم يحتفلون (أبدلكم بهما خيرًا منهما)، حتى أن هذين العيدين الجاهليين اليثريين ماتا كما يذكر المؤرخون، وقد طرح ابن تيمية تحليلًا تاريخيًا بديعًا حول سر اختفاء هذين العيدين الجاهليين؟ يقول ابن تيمية: (فإن ذينك اليومين الجاهليين قد ماتا في الإسلام، فلم يبق لهما أثر على عهد رسول الله ﷺ ولا عهد خلفائه، ولو لم يكن قد نهى الناس عن اللعب فيهما ونحوه مما كانوا يفعلونه، لكانوا قد بقوا على العادة، إذ العادات لا تغير إلا بمغير يزيلها، لا سيما وطباع النساء والصبيان وكثير من الناس متشوفة إلى اليوم الذي يتخذونه عيدًا للبطالة واللعب، ولهذا قد يعجز كثير من الملوك والرؤساء عن نقل الناس عن عاداتهم في أعيادهم؛ لقوة مقتضيها من نفوسهم، وتوفر همم الجماهير على اتخاذها، فلولا قوة المانع من رسول الله ﷺ لكانت باقية، ولو على وجه ضعيف، فعلم أن المانع القوي منه كان ثابتًا35).

ومرةً يحترز النبي ﷺ قبل الفتيا بإباحة النذر بالسؤال عن الموضوع هل كان فيه عيد جاهلي ما؟ كل ذلك لغرس المفاصلة العيدية، وينبه الصحابي الناذر على أنه لا وفاء لنذر في معصية الله، بمعنى أنه لو كان في الموضع عيد جاهلي لما جاز النذر.

ومرةً يطلق النبي شعار الخصوصية العيدية الإسلامية (لكل قوم عيد، وهذا عيدنا) ويقول في حادثة مشابهة (عيدنا أهل الإسلام) وهي لغة افتراق واضحة في موضوع العيد، وأنه ليس شأنًا مدنيًا يشارك الناس فيه، بل هو من الخصوصيات الشعائرية الدينية التي تتمايز فيها الأمم.

هذه الوقائع النبوية الأربع أثرت في فقه الصحابة والتابعين وأتباعهم، ومن بعدهم، حتى أن عمر بن الخطاب قال: (اجتنبوا أعداء الله في عيدهم)36.

بل إن عمر بن الخطاب في «الشروط العمرية» الشهيرة اشترط على أهل الذمة أن لا يظهروا أعيادهم في دار المسلمين، وكانت أعيادهم هما الباعوث والشعانين، حيث جاء في شروط عمر على أهل الذمة: (ولا نخرج باعوثًا - قال والباعوث يجتمعون كما يخرج المسلمون يوم الأضحى والفطر - ولا شعانين)37.

بل إن ابن عباس، وخمسة من التابعين معه، وهم: ابن سيرين، وأبو العالية، وطاوس، والضحاك، والربيع بن أنس، استنبطوا من قوله تعالى: [وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ] [الفرقان: ٧٢] أنه يدخل فيه «أعياد الكفار» كما نقل ذلك أهل التفسير بالمأثور38، باعتبار أن عيد الكفار «زور» فلا يجوز شهوده.

ثم انتقل هذا المعنى الشرعي، وهو (الخصوصية العيدية) إلى فقه الأئمة الأربعة، وقد جمع كثيرٌ من أهل العلم كلام المذاهب الأربعة في ذلك، يقول ابن القيم: (وكما أنهم لا يجوز لهم إظهار عيدهم، فلا يجوز للمسلمين ممالئهم عليه، ولا مساعدتهم، ولا الحضور معهم؛ باتفاق أهل العلم الذين هم أهله، وقد صرح به الفقهاء من أتباع الأئمة الأربعة في كتبهم)39.

ثم ساق ابن القيم نماذج من فقه المذاهب الأربعة في منع مشاركة الكفار أعيادهم، فيمكن لمن أراد التزود باقتباسات فقهية مذهبية مراجعتها40.

ولكن؛ ثمة تساؤل يعترضنا هاهنا، وهو في غاية الوجاهة، السؤال بكل اختصار: (إننا نعرف أن النبي ﷺ أبدى تسامحاً ومرونة مذهلة في الانتفاع بمنسوجات وأواني وأسلحة ومساكن ومصنوعات الكفار، بل أبقى النبي ﷺ كثيراً من الأوضاع الاجتماعية الجاهلية ولم يغيرها، فلماذا يا ترى أبدى النبي ﷺ هذا التدقيق والاستيقاف في موضوع «أعياد الكفار؟ لماذا لم يعامل النبي ﷺ أعياد الكفار كما عامل بقية شؤونهم الاجتماعية الأخرى التي تسامح معها؟)

هذا السؤال هو الذي يقودنا إلى المفهوم الفقهي العميق لهذه القضية، هذا السؤال هو الجسر الذي ينتهي بجوهر الموضوع، فمن وضع هذه الأحاديث النبوية على طاولة البحث ثم طرح هذا السؤال على نفسه؛ انتهى حتماً إلى صلب الإشكالية.

والجواب بكل اختصار: أن النبي ﷺ لم يتسامح مع أعياد الكفار كما تسامح مع كثير من شؤونهم الاجتماعية؛ لأن «العيد» في التصور الشرعي ليس شأنًا (اجتماعيًا) بل (شعيرة)، ولا يجوز مشاركة الكفار في شعائرهم، وهذا المعنى هو الذي عبر عنه ابن تيمية في لغة فقهية هندسها ببراعة مذهلة، تأمل معي بالله عليك هذا التحليل الذي يستخلصه ابن تيمية من الأحاديث السابقة، حيث يقول: (وأما الاعتبار في مسألة العيد فمن وجوه: أحدها: أن «الأعياد من جملة الشرائع والمناهج والمناسك» التي قال الله: [لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنَسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ] {الحج: ٦٧} كالقبلة والصلاة والصيام، فلا فرق بين مشاركتهم في العيد وبين مشاركتهم في سائر المناهج، فإن الموافقة في جميع العيد موافقة في الكفر، والموافقة في بعض فروعه موافقة في بعض شعب الكفر، بل الأعياد هي من أخص ما تتميز به الشرائع، ومن أظهر ما لها من الشعائر، فالموافقة فيها موافقة في أخص شرائع الكفر وأظهر شعائره، ولا ريب أن الموافقة في هذا قد تنتهي إلى الكفر في الجملة بشروطه41.

الفكرة الفقهية المبدعة هاهنا هي قول ابن تيمية أن (العيد من جملة الشرائع والمناسك)، بمعنى أن العيد ليس كالترتيبات الاجتماعية المحضة، بل هو كالطواف والرمي والصلاة واللحية ونحوها من الشعائر والسمت الديني.

وهذا يعني أنه لو جاء شخص وقال: ولكن عيد الكريسمس -مثلاً- خرج عن كونه (عيد ديني) إلى كونه (عيد اجتماعي) لكان الجواب أن العيد بحد ذاته «شعيرة» بغض النظر عن نية فاعله، فلو جاء شخص غربي يضع قلادة صليب، لا عن ديانة، وإنما تجملاً، وما أكثر هذا في الغرب؛ لم يجز موافقته في ذلك، لأن الصليب بحد ذاته شعار ديني، وهكذا لو جاءنا شخص ياباني يحتفل في أحد معابدهم الوثنية بالطواف كفعالية اجتماعية، لا عن تعبد، وما أكثر ذلك، لم يجز موافقته في ذلك؛ لأن هذا الطواف في المعبد بحد ذاته عبادة، بغض النظر عن قصد فاعله، وهكذا لو جاءنا شخص هندي يمارس طقوساً اجتماعية لآوثانهم لما جاز مشاركته في ذلك، حتى لو كانت جزءاً من التقاليد الاجتماعية.

حسنًا، إذا كان العيد «شعيرة» فهذا يعني أن من يهنّئ كافراً على عيده فكأنما يهنئه على شعيرة معينة، ولذلك قال ابن القيم: (وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق، مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم، فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب، بل ذلك أعظم إثماً عند الله وأشد مقتاً من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرج الحرام ونحو، وكثير ممن لا قدر للدين عنده يقع في ذلك، ولا يدري قبح ما فعل، فمن هنا عبداً بمعصية أو بدعة أو كفر فقد تعرض لمقت الله وسخطه)42.

وبعض الناس يتعامل بحسن ظن مبالغ فيه أو ببرود، فيقول هؤلاء الذين يحتفلون أو يجيزون الاحتفال بأعياد الكفار إنما أساس موقفهم هو البحث الفقهي الحر، والواقع أن هذا تصوير مزيف لحقيقة الحال، ومما يدل على أن الخلل ليس مرتبطاً برأي فقهي أصلاً بقدر ما هو مرتبط بالخضوع للثقافة الغربية الغالبة أننا لم نر هؤلاء عندنا يحتفلون بالأعياد الإفريقية أو الأعياد الشرق آسيوية التي يحتفل بها الكفار هناك، بل يحتفلون بما يحتفل به الغربي الغالب فقط، فهل هذا بحث فقهي حر، أم خنوع للمستبد الغربي؟

وعلى الرغم من وضوح هذه القضية في النصوص الشرعية، وكثرة من يبينها من أهل العلم والدعوة في كل مناسبة، وهو أن (العيد بذاته شعيرة) وأن مشاركة الكفار وتهنئتهم بعيدهم، كتهنئتهم ببقية شعائرهم، ومع ذلك كله؛ فإننا نجد بعض الشباب المسلم يتقصد تهنئة الكفار بأعيادهم علناً، خصوصاً في الشبكات الاجتماعية، فما تفسير ذلك؟

الواقع أنني تأملت في بعض الشخصيات التي تفعل ذلك، فتبين لي أن بعضهم يفعل ذلك لدوافع «نفسية» بحتة، بمعنى أنه لا يجهل تدقيق واهتمام النبي ﷺ بمسألة أعياد الكفار، وحرص النبي على مبانيتهم فيها، وإنما يشعر بدوافع نفسية خفية لأن يخالف في هذه المسألة كعنوان على حداثة تفكيره، وأنه غير خاضع لهيمنة الخطاب الشرعي، ثمة ما يدفعه لتأكيد التحرر.

بعض من يجاهر بتهنئة الكفار على شعائر الكفر يفكر بالمحيط الاجتماعي القريب الذي يراقبه، أكثر من تفكيره بالكافر الذي يتلقى تهنئته، فبعضها أحياناً يظهر التهنئة كبطاقة هوية في نادي الثقافة المعاصرة، وأحياناً تكون تهنئة عصرتها أجواء المشاحنات فهي أقرب لكونها تهنئة نكاية بالمخالف السلفي، أكثر من كونها تهنئة علاقة حميمة مع أحد الكفار.

وهذه الظاهرة مؤلمة حقاً، وهي تتكرر تاريخياً، وقد أشار لها القرآن كما قال تعالى: [إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ١٠٩] فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ [المؤمنون: ١٠٩-١١٠].

قال ابن كثير عن قوله تعالى: [حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي] (أي: حملكم بغضهم على أن نسيتم معاملتي)43.

والمراد في هذا البحث هو مقارنة الوقائع النبوية الأربع: (أبدلكم الله خيراً منهما)، (هل كان فيها عيد من أعيادهم؟)، (لكل قوم عيداً)، (عيدنا أهل الإسلام). مقارنة ذلك بالمبدأ الذي استخلصه أهل العلم وصاغه ابن تيمية: (الأعياد من جملة الشرائع والمناهج والمناسك)44، وأن العيد بحد ذاته شعيرة، وينبني على ذلك كله مفهوم الخصوصية العيدية، وأنه لا يجوز مشاركة الأمم الكافرة الغالبة أعيادهم.

آيات الغزو في الطرح «النظري» للثقافة الغربية الغالبة لا يعتبر القتال مشروعاً إلا للدفاع عن النفس فقط، وإن كانت الإمبرياليات الغربية (عملياً) تنتهك هذا المبدأ وتبدأ القتال وتشعل الكوارث في مناطق كثيرة من العالم لأهداف الهيمنة والاستغلال.

وكعادة التلاميذ العرب في مدرسة الغربي الغالب فقد تدفقت الأطروحات العربية تحاول تأويل أحكام الجهاد الشرعي ليوافق الطرح النظري للغربي الغالب، وحاولوا جعل الجهاد كله هو «جهاد دفع» فقط، وقدموا تأويلات كثيرة للنصوص الشرعية وتاريخ الجهاد في الإسلام.

ونحن هاهنا نريد أن نطرح عليهم سؤالاً: هبوا أننا فعلاً أولنا كل نص في القرآن يأمر بالجهاد على أنه «جهاد الدفع»، فماذا سنفعل بنصوص «الغزو»، و«الغزاة»، و«الغازي»؟!

ماذا سنفعل بقوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا] [آل عمران: ١٥٦].

فهؤلاء خارجون للغزو، ولم يكونوا باقين في بلدهم للدفع فقط، ولذلك قال المنافقون «لو كانوا عندنا» فكيف سنفعل بآية «جهاد الغزو» هذه؟ وكيف سنفعل بأحاديث «جهاد الغزو» في «الصحيحين»؟!

كحديث البخاري عن أنس (أن النبي ﷺ كان إذا غزا بنا قوماً لم يكن يغزو بنا حتى يصبح وينظر فإن سمع أذاناً كف عنهم وإن لم يسمع أذاناً أغار عليهم)45.

فالرسول يصبح القوم غازياً، ويغير عليهم، فهل هذا جهاد دفع أيضاً؟

وما أكثر نصوص فضل الغزو وتجهيز الغازي في «الصحيحين».

وتأملوا قوله تعالى: [وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ] {التوبة: ٩٢}.

فهل يسافر الرسول ﷺ لأجل جهاد دفع؟ ويعجز بعض أصحابه عن مشاركته لعدم وجود عدة السفر، هل يكون ذلك في جهاد دفع؟ أم هي حرب طلب استباقية لمجرد الخبر بوجود استعدادات رومانية؟

حسنًا، دعونا مما سبق كله، أنتم تقولون أن الجهاد دفع لا طلب، ألا ترون القرآن نص على النوعين كليهما وقسمهما هذا التقسيم فقال تعالى: [وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا] {آل عمران: ١٦٧}، فلو كان الدفع هو المقاتلة فلم ميز بينهما إذن؟

ولو تأملت في مفهوم «جهاد الدفع» وهو أن تدافع عن نفسك ضد من يهاجمك، فهذا أمر تقره الثقافة «النظرية» الغربية كما سبق؛ لأنها ثقافة مادية، لكن جهاد الطلب لا يعرفه إلا أصحاب المبادئ الذين يضحون بأرواحهم لأجل المبدأ، ولذلك يقول ابن القيم في ملاحظة ذكية: (فجهاد الدفع يقصده كل أحد، ولا يرغب عنه إلا الجبان المذموم شرعاً وعقلاً، وجهاد الطلب الخالص لله يقصده سادة المؤمنين)46.

كنا سابقاً نحزن أن الله لم يشرفنا بالمشاركة في جهاد شرعي سني صحيح يوجهه الربانيون من أهل العلم، كما كان لرسول الله وأصحابه وأئمة الهدى من بعدهم، لكن كنا نؤمل عفو الله بحبل أخير بيننا وبين ربنا وهو أننا كنا نحدث أنفسنا بالغزو، ونأمل من الله أن يسلمنا من النفاق بمثل ذلك، كما في «صحيح مسلم» من حديث أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ: (من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من نفاق)47، ثم جاء هؤلاء وحرمونا من هذه الصلة الأخيرة مع الله، وصاروا يقولون حتى تحديث النفس بالغزو خطأ: لأن الجهاد في الإسلام ليس فيه غزو!

حتى هذه الرابطة القلبية الأخيرة مع الله حرمتمونا منها، وصرنا لا غزو ولا تحديث نفس بالغزو، فاللهم رحمناك من شعب نفاق تردينا، وإنا لله وإنا إليه راجعون من غربة دين الله في هذا الزمان.

ليس المهم الآن القيام بشعيرة جهاد الغزو والفتح والطلب، لأننا قد نكون معذورين بعدم وجود الإعداد الكافي للقيام بجهاد الطلب، والأصل العظيم الذي ينتظم كافة فروع الشريعة هو أن «القيام بالشرع بحسب الإمكان»، لكن المهم الآن -وهو الذي لن يسامحنا الله فيه- إنما هو «المحافظة على المفاهيم الشرعية ضد التزوير» الذي يتم عبر تأثير موجّه ومتنوع من ضغط الثقافة الغربية الغالبة، وضغط الإمبرياليات الغربية على النظم العربية لتمكين الخطابات الفكرية والدعوية المدجنة المنسجمة مع متطلبات النفوذ الأمريكي.

الجناب المحمدي أحد أبشع تطبيقات الحرية الليبرالية التي وقع فيها بعض الكتاب المحليين هو أنهم طرداً لأصلهم في حرية المخالف التزموا بأن من سب النبي ﷺ لا يجوز معاقبته بل يواجه الفكر بالفكر فقط.

وقد كنا نسمع ونرى منهم عبر قانون المتوالية الفكرية انحرافات متتابعة في توسيع الحرية الليبرالية لكنني شخصياً ما توقعت أن يبلغ الأمر إلى هذا المستوى؛ بأن تمنح الحرية لمن سب النبي ﷺ! وقد كنت كتبت بحثاً منشوراً على شبكة (الإنترنت) تتبعت فيه بعض احتجاجاتهم باسم «شبهة حرية المنافقين»، كما كتبت بحثاً آخر بعنوان «الاحتساب على شاتم سيد البشرية» وهو منشور على شبكة (الإنترنت) أيضاً، وفيه تفصيل الحكم الشرعي في الساب، فيمكن لمن أراد التوسع مراجعة البحثين، ولكنني سأقصر الكلام هاهنا حول نمط تعامل المسلمين سابقاً مع من سب النبي ﷺ.

في مدينة دمشق، وفي عام (٧٠٤هـ) كان هناك شخص يقال له «الكمال الأحدب»، وفي أثناء نقاش حاد ألقى هذا الكمال الأحدب عبارة تتضمن الغض من مقام رسول الله ﷺ، حيث قال لخصمه أثناء النزاع: (تكذب؛ ولو كنت رسول الله)، فتطور الأمر قضائياً بصورة لم يتوقعها هذا الرجل بتاتاً، حيث كان قاضي دمشق حينها هو العلامة الفقيه جمال الدين المالكي، وقد مكث قاضياً لدمشق ثلاثين سنة، وكان ممن درس على الإمام العز بن عبد السلام، صاحب «قواعد الأحكام».

ولندع المؤرخ ابن العماد الحنبلي يروي لنا القصة بأسلوبه المختصر حيث يقول: (وفيها (سنة ٧٠٤هـ) ضربت رقبة الكمال الأحدب، وسببه أنه جاء إلى القاضي جمال الدين المالكي يستفتيه، وهو لا يعلم أنه القاضي، فقال: ما تقول في إنسان تخاصم هو وإنسان فقال له الخصم (تكذب ولو كنت رسول الله؟). فقال له القاضي: من قال هذا؟ قال: أنا. قال فأشهد عليه القاضي من كان حاضراً، وحبسه، وأحضره من الغد إلى دار العدل وحكم بقتله)48.

وهذا القاضي جمال الدين المالكي استمر في تطبيق عقوبة القتل على من يتعرض لجناب رسول الله، يقول عنه الإمام ابن حجر العسقلاني: (وكان صارماً مهيباً، أراق دم جماعة تعرضوا للجناب المحمدي)49.

ويقول عنه أيضاً المؤرخ صلاح الدين الصفدي: (كان قاضياً يبلغ به الضعيف مرامه، ماضي الأحكام بتاتاً، أراق دم جماعة تعرضوا لجناب النبي ﷺ)50.

وممن نقل وقائع قضائية ذات صلة بهذا الموضوع الإمام القاضي عياض في كتابه المشهور «الشفا بتعريف حقوق المصطفى» ومن الأخبار التي نقلها قوله: (وَأَفْتَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَثَابٍ فِي عَشَارٍ قَالَ لِرَجُلٍ: «أَدَّ وَاشْكُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ»؛ وَقَالَ: إِنَّ سَأَلْتُ أَوْ جَهَلْتُ فَقَدْ جَهَلَ وَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ بِالْقَتْلِ، وَأَفْتَى فُقَهَاءُ الْأَنْدَلُسِ بِقَتْلِ ابْنِ حَاتِمٍ الْمُتَفَقِّهِ الطَّلِيطَلِيِّ وَصَلْبِهِ بِمَا شَهِدَ عَلَيْهِ بِهِ مِنْ اسْتِخْفَافِهِ بِحَقِّ النَّبِيِّ ﷺ، وَتَسْمِيَتِهِ إِيَّاهُ أَثْنَاءَ مَنَاظِرَتِهِ بِ«الْيَتِيمِ»، وَ«خَتَنِ حَيْدَرَةَ»، وَزَعَمَهُ أَنَّ زَهْدَهُ لَمْ يَكُنْ قَصْدًا وَلَوْ قَدَرَ عَلَى الطَّيِّبَاتِ أَكْلَهَا، إِلَى أَشْبَاهٍ لِهَذَا. وَأَفْتَى فُقَهَاءُ الْقَيْرَوَانِ وَأَصْحَابُ سَحْنُونٍ بِقَتْلِ إِبْرَاهِيمَ الْفَزَارِي وَكَانَ شَاعِرًا مُتَفَنِّنًا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْعُلُومِ، وَكَانَ مِمَّنْ يَحْضُرُ مَجْلِسَ الْقَاضِي أَبَى الْعَبَّاسِ بْنِ طَالِبٍ لِلْمُنَاظَرَةِ، فَرَفَعَتْ عَلَيْهِ أُمُورٌ مُنْكِرَةٌ مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي الِاسْتِهْزَاءِ بِاللَّهِ وَأَنْبِيَائِهِ وَنَبِيِّنَا ﷺ، فَأَحْضَرَ لَهُ الْقَاضِي يَحْيَى بْنُ عَمْرٍو وَغَيْرُهُ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَأَمَرَ بِقَتْلِهِ وَصَلْبِهِ، فَطَعَنَ بِالسَّكِينِ وَصَلَبَ مُنْكِسًا51

وَأَمَّا فِي عَصْرِ الْإِمَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ فَقَدْ كَانَتْ أَشْهُرُ قَضِيَّةً شَارَكَ فِيهَا أَبُو الْعَبَّاسِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ نَفْسَهُ هِيَ قَضِيَّةُ (الْكَاتِبِ عَسَافٍ) الَّذِي أَلْقَى عِبَارَةً فِيهَا غَضٌّ مِنْ مَقَامِ النُّبُوَّةِ، فَنَقَلَ خَبَرَ الْحَادِثَةِ لِابْنِ تَيْمِيَّةَ، فَجَمَعَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ مَجْمُوعَةً مِنَ الْمُحْتَسِبِينَ وَتَحَرَّكَ لَدَى الْقَضَاءِ الشَّرْعِيِّ، وَتَعَرَّضَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ لِمَصَاعِبِ جَمَّةٍ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ، حَتَّى أَنَّهُ اعْتَقَلَ وَجَلَدًا، وَأَلَّفَ فِيهَا كِتَابًا مُوسِعًا انْتِصَارًا لِجَنَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَنْ يَنَالَ بِتَعَرُّضٍ أَوْ انْتِقَاصٍ، وَلَنَدْعَ ابْنَ كَثِيرٍ يَرْوِي لَنَا الْحَادِثَةَ بِطَرِيقَتِهِ السَّلِسَةِ: (واقعة عساف النصراني: كان هذا الرجل من أهل السويداء قد شهد عليه جماعة أنه سب النبي ﷺ، وقد استجار عساف هذا بابن أحمد بن حجي أمير آل علي، فاجتمع الشيخ تقي الدين ابن تيمية، والشيخ زين الدين الفارقي شيخ دار الحديث، فدخلوا على الأمير عز الدين أيبك الحموي نائب السلطنة، فكلماه في أمره، فأجابهما إلى ذلك، وأرسل ليحضره فخرجوا من عنده ومعهما خلق كثير من الناس، فرأى الناس عسافاً حين قدم ومعه رجل من العرب فسبوه وشتموه، فقال ذلك الرجل البدوي: هو خير منكم - يعني النصراني - فرجمهما الناس بالحجارة، وأصابت عسافاً، ووقعت خبطة قوية، فأرسل النائب فطلب الشيخين: ابن تيمية والفارقي، فضربهما بين يديه، ورسم عليهما - أي اعتقلهما - في العذراوية، وقدم النصراني فأسلم وعقد مجلس بسببه، وأثبت بينه وبين الشهود عداوة، فحقن دمه، ثم استدعى بالشيخين فأرضاهما وأطلقهما، ولحق النصراني بعد ذلك ببلاد الحجاز، فاتفق قتله قريباً من مدينة رسول الله ﷺ؛ قتله ابن أخيه هناك، وصنف الشيخ تقي الدين ابن تيمية في هذه الواقعة كتابه: الصارم المسلول على ساب الرسول52.

وأما الكتاب الذي ألفه ابن تيمية في هذه الأزمة وهو «الصارم المسلول على شاتم الرسول» فقد قال في مطلعه: (اقتضاني لحادث حدث أدنى ما له - أي رسول الله - من الحق علينا، بله ما أوجب الله من تعزيزه ونصره بكل طريق، وإيثاره بالنفس والمال في كل موطن، وحفظه وحمايته من كل مؤذٍ، وإن كان الله قد أغنى رسوله عن نصر الخلق، ولكن ليبلو بعضكم ببعض، وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب)53.

والحقيقة أن جوهرة كتاب ابن تيمية هي هذه الجملة المضمخة بكل معاني العزة والاستعلاء بهذا الدين وتوقير نبيه في القلوب حيث يقول: (فإن الكلمة الواحدة من سب النبي ﷺ لا تحتمل بإسلام ألوف من الكفار، ولأن يظهر دين الله ظهوراً يمنع أحداً أن ينطق فيه بطعن أحب إلى الله ورسوله من أن يدخل فيه أقوام وهو منتهك مستهان)54.

لا مساومة بتاتاً على جناب رسول الله ﷺ ومهابته في النفوس، وهكذا كانت سيرة أئمة وفقهاء وقضاة المسلمين، لم يكونوا يعتبرون أي عبارة فيها غض من مقام النبوة مسألة «خلاف فكري» و «وجهات نظر» تتم مناقشتها على طاولة الحوار، بل كانوا يعتبرونها قضية تعرض على سيف القضاء الشرعي، بالطرق المشروعة، ويختص بتنفيذها ولي الأمر فلا يفتئ عليه.

هكذا كانت منزلة جناب رسول الله ﷺ في نفوس المسلمين، فقارنها بضحايا الحرية الليبرالية الغربية.

Footnotes

  1. الشاطبي، الاعتصام، تحقيق: هشام الصيني وآخرون، دار ابن الجوزي، الطبعة الأولى، ١٤٢٩هـ (٣/١٤٠). ↩

  2. أخرجه: ابن إسحاق، السيرة، (٢٦٨)، تحقيق: محمد حميد الله، نشر معهد الدراسات والأبحاث للتعريب (ص: ١٨٧-١٨٨). ↩

  3. أخرجه: مسلم (٢٥٩٤) من حديث عائشة. ↩

  4. أخرجه: مسلم (٨٧٠) من حديث عدي بن حاتم. ↩

  5. أخرجه: أبو داود (٣٣٦) وغيره، من حديث جابر. ↩

  6. ابن تيمية، مجموع الفتاوى، (٢٨/٥٣-٥٤). ↩

  7. ابن القيم، مدارج السالكين، تحقيق: محمد حامد الفقهي، دار الكتاب العربي، الطبعة الثانية، ١٣٩٣هـ (٣/٥٢١). ↩

  8. ابن تيمية، مجموع الفتاوى، (٧/٢٧١). ↩

  9. الذهبي، سير أعلام النبلاء، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وآخرون، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، ١٤٠٢هـ، (١٤/٤٠). ↩

  10. الذهبي، سير أعلام النبلاء، (١٣/٢٩٨)، مرجع سابق. ↩

  11. ابن تيمية، درء تعارض العقل والنقل، تحقيق محمد رشاد سالم، نشر جامعة الإمام، الطبعة الثانية، ١٤١١هـ (١/٧٦). ↩

  12. ابن تيمية، الفتاوى الكبرى، تحقيق: محمد ومصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ (٦/٣٣٨). ↩

  13. أخرجه: البخاري (٤٢٣٠) من حديث أبي موسى الأشعري. ↩

  14. أخرجه: أحمد، المسند، (٣٦٧/٣) من حديث جابر. ↩

  15. السرخسي، المبسوط، دار المعرفة، بيروت، ١٤١٤هـ، (٧/٢٣). ↩

  16. القرافي، الفروق، تحقيق: عمر القيام، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، ١٤٢٤هـ، (١/٤١٩). ↩

  17. ابن الحاج، المدخل، دار التراث، (٢/٤٧). ↩

  18. عليش، منح الجليل شرح مختصر خليل، ضبطه: عبد الجليل عبد السلام، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ١٤٢٤هـ (٣/٩٨). ↩

  19. الشربيني، الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع، تحقيق: علي معوض، وعادل عبد الموجود، دار الكتب العلمية، الطبعة الثالثة، ١٤٢٥هـ (٢/٥٤٢). ↩

  20. العز بن عبد السلام، قواعد الأحكام، تحقيق: نزيه حماد، وعثمان ضميرية، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى، ١٤٢١هـ (١/١٠٣). ↩

  21. ابن سعدي، تيسير الكريم الرحمن، تحقيق: عبد الرحمن اللويحق، دار السلام، الرياض، الطبعة الثانية، ١٤٢٢هـ (ص: ٢٢٨). ↩

  22. ابن تيمية، جامع الرسائل، تحقيق: محمد رشاد سالم، دار المدني للنشر، الطبعة الثانية، ١٤٠٥ هـ (٢/٣٨٤). ↩

  23. أخرجه البخاري (٤٨١٨). ↩

  24. أخرجه: البخاري (١٤) من حديث أبي هريرة. ↩

  25. أخرجه: البخاري (٦٦٢٣) من حديث عبد الله بن هشام. ↩

  26. انظر: فتاوى السبكي، دار المعرفة، بيروت، (٢/٤٧٦). ↩

  27. ابن تيمية، مجموع الفتاوى، (١١/١٥). ↩

  28. أخرجه: اللالكائي، شرح اعتقاد أهل السنة، (١٢٧٧)، تحقيق: أحمد سعد حمدان، دار طيبة، ١٤٠٢هـ، (٤/٦٩٠). ↩

  29. أخرجه: أحمد، المسند، (٤/٢٨٦/١٨٥٢٤) من حديث البراء بن عازب. ↩

  30. الجاحظ، رسائل الجاحظ، تحقيق: عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، ١٣٨٤هـ (١/٢٨٦). ↩

  31. أخرجه: أبو داود (١١٣٤)، والنسائي (١٥٥٦)، وغيرهما من حديث أنس. ↩

  32. أخرجه: أبو داود (٣٣١٣)، من حديث ثابت بن الضحاك. ↩

  33. أخرجه: البخاري (٩٥٢)، ومسلم (٨٩٢) من حديث عائشة. ↩

  34. أخرجه: الترمذي (٧٧٣)، وأبو داود (٢٤١٩)، والنسائي (٣٠٠٤) من حديث عقبة بن عامر. ↩

  35. ابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، تحقيق: ناصر عبد الكريم العقل، مكتبة الرشد، الرياض، (١/٤٣٥). ↩

  36. أخرجه: البيهقي، السنن الكبرى، (٩/٢٣٤/١٨٦٤). ↩

  37. ابن القيم، أحكام أهل الذمة، تحقيق: يوسف البكري وشاكر العارودي، نشر دار رمادي، وابن حزم، الطبعة الأولى، ١٤١٨هـ (٣/١١٥٩). ↩

  38. انظر: ابن كثير، تفسير القرآن، (٦/١٣٠)، والسيوطي، الدر المنثور، (١١/٢٢٥)، (٢٢٦)، والبيغوي، تفسيره، (٦/٩٨). ↩

  39. ابن القيم، أحكام أهل الذمة، (٣/١٢٤٥). ↩

  40. انظر: أحكام أهل الذمة، (٣/١٢٤٥-١٢٥٠). ↩

  41. ابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم، تحقيق: د. ناصر عبد الكريم العقل، مكتبة الرشد، الرياض، (١/٤٧٠). ↩

  42. ابن القيم، أحكام أهل الذمة، (٤٤١/١). ↩

  43. ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تحقيق: سامي السلامة، دار طيبة، الطبعة الثانية، ١٤٢٠هـ (٥/٤٩٩). ↩

  44. ابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم، (1/470). ↩

  45. أخرجه: البخاري (٦١٠). ↩

  46. ابن القيم، الفروسية، تحقيق: زايد النشيري، دار عالم الفوائد، طبعة المجمع، الطبعة الأولى، ١٤٢٨هـ (ص: ١٢٤). ↩

  47. أخرجه: مسلم (١٩١٠). ↩

  48. ابن العماد الحنبلي، شذرات الذهب، تحقيق: محمود وعبد القادر الأرنؤوط، دار ابن كثير - دمشق، الطبعة الأولى، ١٤١٣هـ (٨/١٩). ↩

  49. ابن حجر، الدرر الكامنة، (١٢٠٧)، دار الجيل، ١٤١٤هـ (٣/٤٤٨). ↩

  50. الصفدي، أعيان العصر، تحقيق: علي أبو زيد وآخرون، دار الفكر، الطبعة الأولى، ١٤١٨هـ (٤/٤٥٦). ↩

  51. القاضي عياض، الشفا، تحقيق: علي البجاوي، دار الكتاب العربي، ١٤٠٤هـ، (٩٤١-٩٤٠/٢). ↩

  52. ابن كثير، البداية والنهاية، تحقيق: عبد الله التركي ومكتب هجر للدراسات، دار هجر للطباعة، الطبعة الأولى، ١٤٢٤هـ (١٧/٦٦٦). ↩

  53. ابن تيمية، الصارم المسلول، تحقيق الحلواني وشودري، دار رمادي، الطبعة الأولى، (١/٨). ↩

  54. ابن تيمية، الصارم المسلول، (٢/٩٣٩)، مرجع سابق. ↩

شروحات وبرامج عن «سلطة الثقافة الغالبة»

شروحات أخرى للكتاب4

بطاقة الاقتباس

حد البطاقة 340 حرفًا، بما فيها المسافات. يُختصر التحديد تلقائيًا عند فتح المعاينة.

حرفًا

المعاينة ستظهر هنا

أبلغ عن خطأ