تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة أبو عمر

سلطة الثقافة الغالبة

خاتمة

حُوّلت من نسخة مصورةالصفحات 237-240 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 4 دقائق

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابسلطة الثقافة الغالبة

لعل القارئ لاحظ أن ما سبق من المناقشات يرجع إلى إشكالية واحدة وهي: «نمط فهم الدين في مراحل الاستضعاف أمام الأمم الغالبة».

والحقيقة أن من قرأ كتاب الله صادقاً متجرداً، وقلب نظره في قصص أنبياء الله، الذين حكاهم الله لنا ليس للتسلية وإنما للعبرة والعمل والاهتداء والانتصاء، فمن تأمل أخبار الأنبياء، وتأمل في المجتمعات التي بعثوا فيها، وما فيها من الفقر والمظالم والاستبداد، ثم تأمل كيف نظم الرسل أولوياتهم، وما القضايا التي صرفوا جهودهم فيها، وكيف تعاملوا مع الأحكام الشرعية التي تخالف الأم الغالبة، انفتح له باب معرفة الحق.

ثم لو تأمل الإنسان الصادق الباحث عن الحق في سيرة أئمة الهدى بعد الرسل، وهم أصحاب النبي، سيما من اختصوا بالعلم دون الولاية العامة؛ كابن مسعود وابن عباس وابن عمر وأبي هريرة وزيد بن ثابت، ثم من درس عليهم وسار على نهجهم من التابعين، وأركان التابعين أربعة كما يقول الإمام ابن تيمية 1، وهم سعيد بن المسيب والحسن البصري وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح، فهؤلاء الأربعة دارت عليهم الفتوى في عصر التابعين، وتدين القرن الثاني الذي فضله الله سبحانه بفتاواهم، وهم حملة علم أصحاب رسول الله ﷺ.

ثم إذا تدبر الباحث أيضاً أئمة القرن الثالث الذي درسوا على هؤلاء وواصلوا المسيرة، وهم تابعو التابعين، وأركان تابعي التابعين أربعة كما يقول ابن تيمية أيضاً، وهم مالك بن أنس إمام أهل الحجاز، والأوزاعي إمام أهل الشام، والليث بن سعد إمام أهل مصر، وسفيان الثوري إمام أهل العراق.

فإذا تدبر الباحث ما مضى، أعني تدبر مجتمعات الأنبياء التي بعثوا فيها، ثم قارنها بأولويات الأنبياء ونمط تعاملهم مع الأحكام الشرعية المخالفة للأم الغالبة في عصورهم، ثم تدبر مجتمعات أئمة الدين التي قاموا فيها، وقارنها بجهودهم وأولوياتهم وتعاملهم مع المعطيات الشرعية المعارضة للثقافات المعاصرة لهم، لم يبق عنده شعرة شك ولا ارتياب أن ما عليه الطوائف الفكرية المنكسرة لضغط الثقافة الغالبة أنه مناقض أشد المناقضة لطريقة الرسل وأئمة الهدى، وأن ما أدركنا عليه أئمة العلم من أهل السنة والجماعة أنه هو الموافق في الجملة لطريقة الأنبياء وأئمة الهدى، ولا يشك في ذلك إلا جاهل بسيرة الطرفين.

والرسل وأئمة الهدى هم معيار الحق، وكلاهما محل للاقتداء وفهم الوحي على طريقتهم، فالله لما ذكر الرسل قال كما في سورة الأنعام: [أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ] [الأنعام: ٩٠] فالله يخبر نبيه عن أن هؤلاء الرسل الذين يحكي خبرهم إنما هم للاقتداء.

ولما ذكر الله أئمة الدين في موضعين من كتابه جعلهم أيضاً محلاً للانتساب والاهتداء فقال في سورة الأنبياء: [وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا] {الأنبياء: ٧٣}.

وقال في سورة السجدة: [وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا] {السجدة: ٢٤}.

وعامة الطوائف الفكرية المنهزمة للثقافة الغربية الغالبة لا ترى في الوجود إلا القضايا المادية، فالعدل عندها هو العدل المالي، برغم أن كل أوامر الله سبحانه نوع من العدل، ولا يعرفون من الظلم إلا المظالم المالية، برغم أن كل مناهي الله سبحانه نوع من الظلم، ولا يعرفون من الحقوق إلا الحقوق المالية، برغم أن لكتاب الله حقاً بصيانته من التحريف، ولسنة رسول الله حقاً بصيانتها من الطعن، ولأصحاب رسول الله حق بصيانتهم من القدح، وللفضيلة والأعراض حقوق عظيمة بمقاومة من يحب أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وللعلماء حق بالذب عنهم.

وقد وصلنا الآن إلى نهاية المناقشات، وهي كلها نماذج وعينات فقط، تكشف لنا كيف تؤثر الثقافة الغالبة في تأويل الأحكام الشرعية لإخضاعها لهيمنتها، ومن درس هذه الأسئلة والنماذج دب إليه اليقين بأن القطب الذي تدور كرة الفكر اليوم حوله هو «سلطة الثقافة الغالبة».

Footnotes

  1. ابن تيمية، الفتاوى الكبرى، تحقيق: محمد ومصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ (٦/٨). ↩

شروحات وبرامج عن «سلطة الثقافة الغالبة»

شروحات أخرى للكتاب4

بطاقة الاقتباس

حد البطاقة 340 حرفًا، بما فيها المسافات. يُختصر التحديد تلقائيًا عند فتح المعاينة.

حرفًا

المعاينة ستظهر هنا

أبلغ عن خطأ