استراتيجية شيطنة الإسلاميين والحرب القذرة
نُقل هذا المقال من مصادر نصية بشكل آلي ودُقّق لغوياً بشكل آلي.
حدّد أي نص في المقال لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
مما لا شك فيه أن مسلسل شيطنة الفاعلين الإسلاميين لا يرتبط بقطر عربي دون آخر، ولا يستثني أي إقليم من أقاليم العالم الإسلامي الممتدة من المحيط إلى المحيط، ما دام الأمر يتعلق بخطة عالمية، لها وسائلها ومواردها وأهدافها وشركاؤها، يحرص واضعوها على تحيينها باستمرار حتى تبقى دائمًا فاعلة وناجعة في تحقيق الأهداف المرسومة لها المعنية بدقة وعناية.
ولا يحسبن أحد أن الأمر يتعلق بجهات سرية، لا تفصح عن نفسها بوضوح وصراحة، فهي جهات معلومة ومعروفة، تنتمي كلها إلى الغرب الرسمي، الإمبريالي-الاستغلالي، الحريص على استنزاف خيرات الشعوب الأخرى، البشرية والاقتصادية والطبيعية، والذي غالبًا ما يتخذ لاستراتيجيته هذه أسماء مستعارة، بل أحيانًا مضللة، من أجل مواجهة الإسلاميين، من قبيل تقمص دور الداعية للحضارة وحقوق الإنسان، والإسلام “المدني” و”الديمقراطي”.
إن القدر المتيقن أن كل باحث يملك حدًا أدنى من الحس السياسي، ويتوفر على أبسط أدوات التحليل الموضوعي، لن يجد صعوبة، وهو يدقق النظر في هذه الحملة الشرسة، التي يشنها الغرب الصناعي-السياسي، وفي طليعته الولايات المتحدة، بشركاتها المتعددة الجنسيات والمؤسسات المالية الدولية الكبرى، المرتبطة بها أو التي تحوم في فلكها، أن المستهدف منها ليس “الإسلاميين” في حد ذاتهم، وإنما التجربة الديمقراطية الناشئة في هذه البلدان بالقصد الأول.
قد يقول قائل، لو كان المقصود حقًا هو إجهاض كل تجربة ديمقراطية ناشئة في أقطارنا لتركت الفرصة للإسلاميين لتطبيق شعاراتهم الكبرى، التي تتناقض حسب بعض “الحداثيين”، مع كل القيم الديمقراطية الإنسانية، أو حسب البعض الآخر، لما وجدنا هذا الحرص من طرف الغرب الرسمي، السري والعلني، على محاربة تجربة الإسلاميين بالذات في السلطة، كلما أتيحت لهم فرصة حكم أي دولة من الدول القائمة في بلاد العالم الإسلامي، مما يدل، حسب هذا البعض دائمًا، أن الغرب يعتبر الإسلاميين هم العدو الأول، ويعمل على توجيه الضربات المختلفة لهم بالضبط دون غيرهم من الفرقاء الآخرين، الذين لا يتردد في مباركة تسلمهم ديمقراطيًا للسلطة ودعمهم ومساندتهم.
نرد على هذا الموقف، بالقول إنه لو كان إفشال تجربة الإسلاميين في السلطة، هو الهدف الأول لما احتاج الغرب إلى كل هذه المسلكيات التي تكشف نفاقه وزيف شعاراته حول الديمقراطية وحقوق الإنسان، ولترك تجربة الإسلاميين في السلطة تسقط بكيفية عادية وتلقائية، بواسطة نفس الطريقة الديمقراطية التي حملتهم إلى سدتها، وهي صناديق الاقتراع.
وما أسهل هذه الطريقة، فيكفي الغرب أن الأمر يتعلق بفاعلين قادمين إلى عالم إدارة السلطة، ورصيدهم من الخبرة والتجربة، تحت الصفر، ويعيشون حالة غربة حقيقية داخل أجهزة الدولة البيروقراطية، التي تنظر إليهم بدورها كغرباء لا قبل لها بهم، وترفض كل تواصل أو تعاون معهم، إن لم تشكل الأداة الرئيسة لعرقلة كل جهودهم في اكتشاف خبايا الدولة وأسرارها العميقة، وكيفية إدارتها والتعامل مع مختلف مرافقها.
تخشى القوى المتحكمة في القرار الاقتصادي العالمي، أن تضطر للتفاوض مع سلط منتخبة تمثل الإرادة الحقيقة لشعوبها، والتي لا يمكنها التنازل عنها بسهولة، طالما أنها خاضعة، في إطار قواعد اللعبة الديمقراطية، للمراقبة والمساءلة والمحاسبة. والحال أن الغرب الاستغلالي يفضل التعامل مع سلطات فاقدة للمشروعية الشعبية، لا يمكن أن تفاوضه إلا على مصالحها الخاصة، التي يسهل الاستجابة لها، من أجل الحصول على مقابل أثمن، وهو علاقات غير متوازنة وغير متكافئة، تضع خيرات شعوبنا ومقدراتها دائمًا رهن إشارة الرأسمال الغربي الذي لا يتوقف جشعه عند حدود.
وبما أن الإسلاميين هم القوى الاجتماعية المنظمة والمتغلغلة اجتماعيًا والمؤهلة أكثر من غيرها لحصد نتائج أي استحقاقات انتخابية نزيهة وشفافة؛ فلا بد من التعامل معهم بما يحد من قوتهم التنظيمية ومصداقيتهم الأخلاقية. علمًا بأن نجاح الإسلاميين في استمالة الناخبين لا يعود بالدرجة الأولى لقوة مشاريعهم، أو نجاعة برامجهم، بقدر ما يرتبط بما يتمتعون به في أعين الناس من رصيد قيمي وأخلاقي، بالإضافة طبعًا إلى ضعف القوى المنافسة لهم في السوق السياسية، وفقدان العامة الثقة في عروضها الانتخابية.
هكذا عمل الغرب منذ مدة، والمقصود هنا الغرب الرأسمالي المعادي لكل قيم الحداثة والإنسان، على وضع سيناريوهات مختلفة لمواجهة المارد الإسلامي، قصد الحد من فاعليته ونجاعته. تتوزع بين المواجهة الأمنية الانقلابية، والمواجهة الفكرية الأيديولوجية.
وهذا الشق الثاني، هو الذي يعنينا في هذه المقالة، ما دمنا لسنا في حاجة إلى كثير بيان أن قرار وضع حد لتجربة الإسلاميين في السلطة، التي قد يصلون لها في أي عاصمة من عواصم العالم الإسلامي، هو قرار متخذ سلفًا، ينتظر فقط كيفية تنفيذه أو توقيت تفعيله، ومدى سهولة هذا الأمر.
لكن، لابد من استراتيجية فاعلة تعمل على المدى البعيد، يكون هدفها المركزي هو تحطيم ما به يتميز “الإسلاميون”، أو ما يدعون أنهم يتميزون به على غيرهم من القوى السياسية الأخرى، وهو الرصيد القيمي والأخلاقي؛ فالناس يختارون الإسلاميين بناء على معايير ترتبط بالنزاهة والاستقامة والأمانة والمسؤولية الأخلاقية، وغيرها من الخصال التي أصبحت شبه منعدمة في بورصة القيم المتداولة، حيث فقدت السياسة معناها النبيل باعتبارها ممارسة إنسانية شريفة وسامية ونبيلة، وأصبحت لصيقة بكل صفات المكر والخداع والكذب والنفاق.
تقدم المرجعية الإسلامية للفاعل السياسي رصيدًا قيميًا هائلًا، يجلب له الدعم والسند الشعبي، في مجتمعات تعتبر الإسلام المقوّم المركزي لهويتها الحضارية. وقد تنبه خصوم الفكرة الإسلامية إلى ضرورة تحطيم أسس هذا الرصيد وتقويض أركانه، من خلال كشف تناقضات الإسلاميين الأخلاقية، والمتابعة المستمرة لكل هفواتهم وفضحها، إذا كانت كبيرة وواضحة، أو تضخيمها إذا كانت بسيطة، وتكبيرها مهما كانت صغيرة، أو اختلاقها اختلاقًا وترويجها على أنها حقيقة واقعة.
وفي هذه الحرب القذرة، يتم توظيف كل الوسائل والسبل، الكفيلة بتشويه سمعة الإسلاميين الأخلاقية، وفي مقدمتها ما تتيحه التقنية المعاصرة، من وسائل إعلامية واسعة الانتشار، التي تجد المدد والدعم من دوائر شتى قادرة على تحصيل المعلومات، وبالتعاون مع مختلف من ينظر إليهم كشركاء، خاصة من القوى المقول عنها، كذبًا وزورًا، “حداثية” و”علماينة”، علمًا بأن الغرب الاستعماري، والقوى المحلية العميلة له هم العدو الأول للحداثة كمشترك إنساني، ما فتئ ينتصر للعقل والحرية، والعدالة الإنسانية، والإرادة الحرة للشعوب التي تجسدها المؤسسات الديمقراطية المنتخبة.
هكذا يرسم تقرير راند خطةً تبتدئ بدعم القوى المرتبطة به، أو بتعبير أدق، القوى العميلة له، من خلال تشجيعها، والتعريف بها، وفتح كل قنوات النشر والتواصل في وجهها، حتى تكون قادرة على ترويج أفكارها وأطروحاتها، التي لا تخرج عن بنود مدونة شيطنة الفاعلين “الإسلاميين” وتسفيه أطروحاتهم، من خلال توظيف أيديولوجي سافر لـ “الحداثة” و”العلمانية” وإحياء الثقافة الجاهلية السابقة على الإسلام، وبيان “تفوقها الأخلاقي”.
كما لم يفت واضعو تقرير راند من التوصية بتوظيف المؤسسات والهيئات التقليدية المحافظة ضد الإسلاميين، وذلك من خلال زرع عناصر “حداثية” داخل هذه الكيانات حتى تكون قادرة على خوض المعركة الأيديولوجية ضد قوى “الإسلام السياسي”، على أرض الدين الإسلامي ذاته، وذلك من خلال بيان تهافت تفسير الإسلاميين للإسلام، وفضح ما يرتكبونه من أخطاء على المستويات الشرعية والأخلاقية، وإثبات عجزهم عن إدارة الحكم، وتصوير ما يحققونه من مكاسب على أنه مثالب ومساوئ.
وفي هذا الإطار لا بد من تشجيع الصحافيين والإعلاميين على البحث عن مختلف حالات الفساد والأفعال اللاأخلاقية، أو مدّهم بها من طرف أجهزة أخرى، أو غض الطرف عن كل أشكال الاختلاق والتدليس والكذب والافتراء من طرف الصحافة، التي يكون الإسلاميون ضحاياها، وعرقلة كل محاولة لتصويبها إعلاميًا أو قضائيًا. وكل ذلك من أجل حشر هؤلاء الفاعلين في زاوية ضيقة، تصورهم كـ “عدو مشترك” للقوى السياسية والاجتماعية الأخرى، والتصدي بقوة لكل محاولة لتحالفهم معها، سواء على أساس وطني أو قومي، أو انطلاقًا من أيديولوجية يسارية مناوئة للهيمنة الرأسمالية.
إنها استراتيجية جهنمية تجر بلداننا إلى المعارك الخطأ، وتلهي مجتمعاتنا عن قضيتها الأساسية وهي بناء تجربة ديمقراطية، تجد فيها كل القوى الوطنية الفاعلة ذاتها، وتحصنها من كل الاختراقات التي قد تجر شبابها إلى العنف والإرهاب والعمل في الخفاء والظلام، من خلال تمرين ديمقراطي مستمر على قيم التعايش والاختلاف وقبول الآخر، وحسم الصراع بأدوات مدنية وإنسانية، بعيدًا عن منطق الهيمنة والوصاية، وأسلوب التهميش والإقصاء، وآليات القمع والاستئصال.
إنها بمنتهى الدقة والوضوح مدونة لحرب قذرة، فمن سيصلي طلبًا للنجاة من نتائجها الجهنمية؟
إبراهيم بن عمر السكران
بطاقة: حرفًا