تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة أبو عمر

الماجريات

نموذج الشيخ البشير الإبراهيمي (لباب السياسة وقشورها)

حُوّلت من نسخة مصورةالصفحات 79-131 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 55 دقيقة

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابالماجريات

(لباب السياسة وقشورها)

القسم الأول: محيط النموذج

لحظات التعرّف

في المرحلة التي عشت فيها أنا وجيلي أوائل أجواء طلب العلم، وكان ذلك في أعوام ١٤١١هـ وما يليها، كنت أشاهد بين يدي طلاب العلم الذين يكبروننا رسالة رائجة يدلقون عليها تعابير الإطراء، وهي في حقل «أدب الطلب»، واسمها «حلية طالب العلم»، لفضيلة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد (ت ١٤٢٩هـ) رحمه الله، وكان أشياخ محلتنا يحرضوننا في ابتداء الطلب على قراءتها في سياق تأكيدهم على أهمية الأخلاق والأدب وتهذيب السلوك في طريق طلب العلم.

وقد بلغت هذه الرسالة ذروتها المركزية في باب «أدب الطلب» حين جعل فقيه الجزيرة الشيخ محمد بن عثيمين هذه الرسالة أحد المتون التي يشرحها في برامجه العلمية لطلابه، ثم طُبع شرحه لها لاحقًا، بالرغم من أن الشيخ بكر أبو زيد مؤلف المتن أصغر من الشارح العلامة ابن عثيمين بما يقارب عقدين، فالشيخ ابن عثيمين أكبر من الشيخ بكر بـ ١٨ عامًا، وبالرغم من أن عامة متون الشيخ ابن عثيمين التي يشرحها هي كتب متقدمة لأعلام مشاهير معتمدة في فنونها، من القرن الثالث كصحيح البخاري ومسلم، إلى القرن الثاني عشر كمتون الشيخ محمد بن عبد الوهاب، مرورًا بكتب ابن قدامة والنووي وابن مالك وابن تيمية وابن حجر والحجاوي وأضرابهم، ولا يشرح الشيخ ابن عثيمين كتابًا معاصرًا إلا استثناءً لاختصاص وتفرد، فهذا يدلك على منزلة كتاب الشيخ بكر تغمده الله برحمته.

ومن خلال كتب الشيخ بكر أبو زيد التي راجت تلك الحقبة عرفت أنا وجيلي رمزًا يفخّم الشيخ بكر شأنه، اسمه «محمد البشير الإبراهيمي»، ويلمح الشيخ بكر كثيرًا أن له أسلوبًا بيانيًا فريدًا في كتبه، بل الذي أعلمه أنه لم يكن عالم في بيئتنا العلمية يتحدث عن البشير الإبراهيمي قبل إشاعة الشيخ بكر لآثاره وكتبه وإطرائها في حواشي رسائله، حتى أن الشيخ بكر لما قال في رسالته المشار لها «حلية طالب العلم» في سياق تحذيره من خنوع الأتباع لمشايخ الطريقة: (وانظر ما يقوله العلامة السلفي الشيخ محمد البشير الإبراهيمي الجزائري في «البصائر»؛ فإنه فائق السياق)1.

علق الإمام ابن عثيمين -تغمده الله برضوانه- في شرحه بقوله: (أحالنا على هذا المصدر المسمى «البصائر» فإنه فائق السياق، وأنا لا أعرف هذا الكتاب، ولا طالعته)2.

وفي رسالة أخرى للشيخ بكر أبو زيد، وفي ذات هذا الفن أيضًا، وهو فن «أدب الطلب»، وهي رسالة اسمها «التعالم»، وهي في نظري من أكثر كتب الشيخ بكر التي ظهرت فيها حرارة الغيرة والحفيظة، حتى كادت صفحاتها كلها أن تكون زفرات تنقصف لها الأضلاع على ما آل إليه حال العلم وطلابه، وفي هذه الرسالة تحدث الشيخ بكر عن أربعة تأثر بتراكيبهم التعبيرية، حيث يقول الشيخ في سياق الدعوة لما سماه «نسج الكلام على سَنَن لغة العرب»: (وقد رأينا هذا لدى جملة من علماء السلف المعاصرين منهم: العلامة الداعية اللغوي الشيخ محمد الخضر حسين، والعلامة الداعية اللغوي الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، والعلامة المحدث اللغوي الشيخ أحمد بن محمد شاكر، في آخرين. وقد استفدت من كتب هؤلاء الثلاثة الأعلام، وتأثرت بأسلوبهم البياني الفريد، مع ما منّ الله به علي من ملازمة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي صاحب أضواء البيان نحو عشر سنين في مدينة النبي ﷺ)3.

ولتأثر الشيخ بكر بهؤلاء الأربعة الذين نص عليهم (الخضر حسين، والبشير الإبراهيمي، وأحمد شاكر، والشنقيطي) فإن أسلوب الشيخ بكر صار يقترب من أساليب الجزالة التقريرية، أكثر من قربه من أصحاب السلاسة السردية، وأعرف عديدًا من طلاب العلم بسبب هذا الحديث للشيخ بكر، صاروا يحرصون على اقتناء الأعمال الكاملة للشيخ البشير الإبراهيمي والقراءة فيها على نية تحصيل الإثراء اللغوي.

ولما ألّف الشيخ بكر أبو زيد كتابه طبقات النسّابين، عدّ الشيخ البشير الإبراهيمي من علماء الأنساب أيضًا، وجعله في الطبقة الرابعة عشرة4، ونوّه الشيخ بكر بالبشير الإبراهيمي في مواضع أخرى أيضًا من رسائله، والمقصود التمثيل فقط.

فتشوّقت كثيرًا لمعرفة هذا العالم، ولما أنهيت قراءة مؤلفاته، وطالعت بعض مصادر تلك الحقبة من تاريخ الجزائر، أبهرني كثيرًا عمق تكوينه العلمي مع مصابرته وجهوده التي لا تكل عن المشاركة في الإصلاح، في ظل ظروف في غاية الصعوبة والشدة، وهي ظروف الاحتلال الفرنسي الدموي للجزائر، فكان البشير الإبراهيمي تجسيدًا فعليًا ملموسًا لنموذج (العالم المصلح)، فلم يكن الشيخ ناشطًا في الشأن العام على جهل، ولم يكن أيضًا عالمًا سلبيًا منكفًا على شأنه الخاص، بل كان والله فارس ميدان ممتشقًا سيف العلم.

ونحن نحتاج هاهنا قبل أن نناقش موقف الشيخ البشير الإبراهيمي من إشكالية «الإغراق في السياسة» أن نستعرض شيئاً من التكوين العلمي الجاد والمشاركات الإصلاحية المثابرة للشيخ، لنحقق عدة أغراض، منها أن يتبين وجه اعتباره في بحثنا هنا ممثلاً لنموذج العالم المصلح، ولنعيش أيضاً نموذجاً يحيي الهمة في العلم والعمل، ولنستعين بهذه الخلفية التاريخية في فهم واستيعاب نموذج الشيخ البشير في العلاقة بالمشاغل السياسية.

قصة البرنامج المكثف

فتح الشيخ عينيه في بلده الجزائر والاستعمار الفرنسي تهدر قواته فوق رؤوس الناس، حيث ولد الشيخ عام (١٣٠٦هـ-١٨٨٩م) كما ذكر هو بنفسه تاريخ مولده، ولم يكن تاريخاً تقريبياً بل ذكر الشيخ مولده باليوم والساعة بالضبط، وكان يعرفها عبر طريقة طريفة كان يصنعها جده، كما يقول الشيخ (قرأته بخط جدي الأدنى على ظهر كتاب من كتبه سجل فيه مواليد الأسرة ووفياتها)5، وهذا أيضاً من القرائن على أن هذا البيت بيت علم حريص على التدوين وليس بيتاً أمياً.

وهو يرجع في نسبه إلى إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، الذي هرب من وقعة «فخ» المشهورة (١٦٩هـ)، وأنشأ دولة الأدارسة في المغرب، وإدريس هذا هو الجذر الذي تحدرت منه أسر آل البيت في المغرب العربي، كبني حمود وغيرهم، وهو من أنساب آل البيت الثابتة التي لا مغمز فيها، وقد تحدث عن ثبوتها أبو العباس ابن تيمية6 وغيره.

فتولى تربيته العلمية عمه العالم الشيخ محمد المكي الإبراهيمي، الذي ذكر الشيخ البشير أن عمه هذا (عالم إقليمنا، وفريد عصره في إتقان علوم اللسان العربي)7، وأنه (عالم البيت، بل الوطن كله في ذلك الزمان)8، وأنه (علامة زمانه في العلوم العربية)9.

ووضع عمه له برنامجاً علمياً مكثفاً بصورة استثنائية، حتى أنه يشرف على ابن أخيه في يقظته ومنامه وطعامه! بل كان يحفظه حتى أوقات التنزه اليسيرة، كما يقول الشيخ البشير: (فلما بلغت سبع سنين استلمني عمي من معلمي القرآن، وتولى تربيتي وتعليمي بنفسه، فكنت لا أفارقه لحظة حتى في ساعات النوم، فكان هو الذي يأمرني بالنوم، وهو الذي يوقظني منه، على نظام مضطرد في النوم والأكل والدراسة، وكان لا يخليني من تلقين حتى حين أخرج معه وأماشيه للفسحة)10.

ويقول الشيخ في موضع آخر (وكنت ملازما له حتى في النوم والطعام، فكان لا يخليني دقيقة واحدة من فائدة علمية)11.

وهكذا لم يكن عمه يفوّت دقيقة واحدة لا يدرّس فيها الفتى، مع الطلاب ووحده، وفي أوقات الدرس وأوقات النزهة، بل تحت كل الوسائل الممكنة للإضاءة في عصرهم! بل حتى في الظلام يلقي عليه نصوص المتون والفتى يتحفظ! كما يقول الشيخ: (وكان -عمي- يقرئني مع جماعة الطلاب المنقطعين عنده لطلب العلم على العادة الجارية في وطننا إذ ذاك، ويقرئني وحدي، ويقرئني وأنا أماشيه في المزارع، ويقرئني على ضوء الشمع، وعلى قنديل الزيت، وفي الظلمة، حتى يغلبني النوم)12.

والقدر الذي كان عمه يحدده له كل يوم هو حفظ مائة بيت، ولذلك فإنه خلال السنتين الأوليين فقط من هذا البرنامج المكثف، أي بين سن السابعة إلى سن التاسعة من عمر الفتى، أتمّ الشيخ على يدي عمه حفظ متون مهولة لا يكاد العقل المعاصر يستوعبها، حيث يواصل الشيخ البشير الحديث عن هذه المرحلة من عمره بين السابعة والتاسعة فيقول: (فحفظت فنون العلم المهمة في ذلك السن مع استمراري في حفظ القرآن، فما بلغت تسع سنين من عمري حتى كنت أحفظ القرآن مع فهم مفرداته وغريبه، وكنت أحفظ معه ألفية ابن مالك، ومعظم الكافية له، وألفية ابن معطي الجزائري، وألفيتي الحافظ العراقي في السير والأثر، وأحفظ جمع الجوامع في الأصول، وتلخيص المفتاح للقاضي القزويني، ورقم الحلل في نظم الدول لابن الخطيب، وأحفظ الكثير من شعر أبي عبد الله بن خميس التلمساني، شاعر المغرب والأندلس في المائة السابعة، وأحفظ معظم رسائل بلغاء الأندلس مثل: ابن شهيد، وابن برد، وابن أبي الخصال، وأبي المطرف ابن أبي عميرة، وابن الخطيب، ثم لفتني عمي إلى دواوين فحول المشارقة، ورسائل بلغائهم، فحفظت صدرا من شعر المتنبي، ثم استوعبته بعد رحلتي إلى الشرق، وصدرا من شعر الطائيين وحفظت ديوان الحماسة، وحفظت كثيرا من رسائل سهل بن هارون، وبديع الزمان، وفي عنفوان هذه الفترة كنت حفظت بإرشاد عمي: كتاب كفاية المتحفظ للأجدابي الطرابلسي، وكتاب الألفاظ الكتابية للهمداني، وكتاب الفصيح لثعلب، وكتاب إصلاح المنطق ليعقوب السكيت، وهذه الكتب الأربعة هي التي كان لها معظم الأثر في ملكتي اللغوية13.

ولعل القارئ يتذكر الآن أن ألفية العلامة يحيى بن عبد المعطي (ت ٦٢٨هـ) الشهير بابن معطي، كانت شائعة في فنها قبل ابن مالك (ت ٦٧٢هـ)، وهي أول ألفية في علم النحو، وعليها شروح كثيرة لاهتمام العلماء بها آنذاك، بل طبع لها ترجمات معاصرة للغات الأوروبية، وعدد أبياتها كما قال ابن معطي نفسه (أرجوزةٌ وجيزةٌ في النحو**عِدَّتُها ألفٌ، خلت من حشو)14.

ولما جاء ابن مالك كان يدرّس ألفية ابن معطي لطلابه15، ولكنه لاحظ أنها غير مستوعبة لمسائل مهمة في النحو، فنسج على منوال ابن معطي، ونظم الكافية الشافية، وبلغ من تأثر ابن مالك بابن معطي أن يدخل بعض ألفاظ ابن معطي في منظومته الكافية.

لكن الكافية مع مقصود الاستيعاب تشعبت وامتدت وطالت حتى بلغت أبياتها قرابة (٣٠٠٠) بيت، أو بالتحديد ٢٧٥٠ بيت ونيف، كما قال ابن مالك في الكافية (أبياته ألفان مع سبعمائة ** وزيد خمسون ونيف أكمله)16، لذلك رأى ابن مالك أن يختصر هذه الألفية بالانتخاب وإعادة الصياغة في منظومة ألفية تكون ألف بيت برسم ابن البارزي، فنظم منظومته التي سماها «الخلاصة» باعتبارها خلاصة الكافية الشافية، فاستطارت في الآفاق ولهجت بها الأفواه، وكاد أن يترك الناس ما بأيديهم من متون النحو قبلها، وأقبلوا عليها حفظًا ودراسة، واشتهرت بالألفية، بل إذا أطلق لقب الألفية في علوم الإسلام كلها لا ينصرف إلا لها، برغم كثرة الألفيات في عامة هذه العلوم، ويشير الكثير من المتخصصين إلى أن ألفية ابن مالك أكثر استيعابًا وألفية ابن معطي أكثر سلاسة، كما يقول المقري (نظم ابن مالك أجمع وأوعب، ونظم ابن معطي أسلس وأعذب)17.

وعامة المتخصصين يرشحون واحدة من هذه المنظومات، وخصوصًا أم الباب وهي ألفية ابن مالك، أما حفظ عدة ألفيات في فن واحد، أي ثلاث ألفيات في فن النحو فقط!، فهذا أشبه بالنادر والاستثنائي في المعاصرين، وخصوصًا لفتى في سن التاسعة أو دون الرابعة عشر من عمره.

أما ألفيتي العراقي في السير والأثر، فهما منظومتان مستقلتان، ألفية مشهورة جدًا في علم «مصطلح الحديث» تسمى التبصرة والتذكرة، لخص فيها مقدمة ابن الصلاح مع زيادات عليها، وهي التي عليها شرح السخاوي المعروف «فتح المغيث»، وأما الثانية فهي ألفية في السيرة النبوية، وعليها عدة شروح، وهي منظومة لذيذة وفيها جوامع تلخص الصورة الكلية كقول العراقي مثلًا في عدد غزوات النبي ﷺ وأول غزوة: (سبعًا وعشرين أعددن الغزوا**أولها ودّان وهي الأبوا)18.

وذكر الشيخ -أيضًا- من جملة ما حفظ في تلك السن في علم أصول الفقه: جمع الجوامع للسبكي، وفي علم البلاغة: تلخيص المفتاح للقزويني، وهي متون منثورة لا منظومة، وفي علم التاريخ: رقم الحلل في نظم الدول لابن الخطيب، ولناظمها شرح عليها، وكان الشيخ لاحقًا في كتاباته يفخّم شأن هذه المنظومة19.

كما أشار الشيخ -أيضًا- إلى حفظه للكتب الأربعة المؤلفة بغرض الإثراء اللغوي، وذكر أنها ينبوع ملكته اللغوية.

وذكر الشيخ حفظه لبعض شعر المغاربة ورسائل بلغاء الأندلس، ثم نقله عمه لدواوين المشارقة، ولكن الشيخ أجمل هنا ما حفظه من نصوص المشارقة، وقد فصّله في موضع آخر، وذكر كتبًا أخرى درسها وضبطها في تلك السن، حيث يقول: (مع حفظ المعلقات والمفضليات، وشعر المتنبي كله، وكثير من شعر الرضي وابن الرومي وأبي تمام والبحتري وأبي نواس، كما استظهرت كثيرًا من شعر الثلاثة جرير والأخطل والفرزدق، وحفظت كثيرًا من كتب اللغة كاملة كالأصلاح والفصيح، ومن كتب الأدب كالكامل والبيان وأدب الكاتب، ولقد حفظت وأنا في تلك السن أسماء الرجال الذين ترجم لهم نفح الطيب وأخبارهم وكثيرًا من أشعارهم، إذ كان كتاب نفح الطيب -طبعة بولاق- هو الكتاب الذي تقع عليه عيني في كل لحظة منذ فتحت عيني على الكتب، وما زلت أذكر إلى الآن مواقع الكلمات من الصفحات، وأذكر أرقام الصفحات من تلك الطبعة)20.

وربما يتبادر تساؤل في ذهن القارئ: لماذا بدأ عمه بشعر ونثر المغاربة؟ ولماذا أخر أدب المشارقة؟ والحقيقة أن هذا لم يكن اعتباطياً، بل كان مقصوداً، حيث ينقل البشير في موضع آخر عن عمه (وكان عمي يتعصب للأدب الأندلسي، ويبدي ويعيد في استحسانه، ويعدّه أقرب لمزاجنا، وأكثر ملاءمة مع روحانيتنا وعواطفنا)21.

هذا التكوين كله وهو دون الرابعة عشرة من عمره، ويذكر الشيخ أن محفوظاته في سن التاسعة تبلغ عدة آلاف من الأبيات، كما يقول: (فما حفظت القرآن حتى كنت أحفظ معه بضعة الألف بيت من الشعر، ما بين أبيات مفردة ومقطع)22.

وحتى لا نجور على أنفسنا وأبناء زماننا فلا أظن القارئ يختلف معي في أن هذه النتائج في الحفظ ليست قدرات معتادة ومألوفة، وأنها من قبيل الموهبة في الحفظ، والحقيقة أن الشيخ البشير نفسه أكّد ذلك في مواضع متعددة من مقالاته المجموعة في آثاره، ومما مر بي وقيدته قوله (ولم يكن شيء من ذلك يرهقني، لأن الله تعالى وهبني حافظة خارقة للعادة)23، وقوله رحمه الله (ورزقت حافظة عجيبة وذاكرة قوية)24، وقوله رحمه الله (واختصصت بذاكرة وحافظة خارقتين للعادة)25، وقوله رحمه الله (وكنت أحفظ عشرات الأبيات من سماع واحد مما يحقق ما نقرأه عن سلفنا من غرائب الحفظ)26، بل إن الشيخ من شفافيته وصدقه كشف عن أنه أصابه في صباه شيء من الزهو والخيلاء على أقرانه بسبب هذه النتائج وإمكانيات الحفظ، كما يقول الشيخ عن نفسه: (وما أشرفت على الشباب حتى أصبت بشر آفة يصاب بها مثلي، وهي آفة الغرور والإعجاب بالنفس، فكنت لا أرى نفسي تقصر عن غاية حُفَّاظ اللغة وغريبها، وحُفَّاظ الأنساب والشعر، وكدت أهلك بهذه الآفة لولا طبع أدبي مرح كريم، ورحلة إلى الشرق كان فيها شفائي من تلك الآفة)27.

ومما يؤكد أن الأمر في صباه هو من جنس الموهبة المتفردة أن الشيخ لما بلغ منتصف الستينات بدأ يشتكي انكماش تلك الحافظة الفولاذية كما يقول الشيخ عن نفسه عام ١٩٥٤م، وهو حينها قد بلغ بالضبط ٦٥ سنة (وتلك الذاكرة الواعية الصيود أضحت «كشنة خرقاء واهية الكلى» تضيع أكثر مما تمسك)، وقول الشيخ «شنة خرقاء واهية الكلى» هو اقتباس أو تضمين من بيت ذي الرمة المعروف، وخلاصة مراده بهذا التشبيه أن ذاكرته أصبحت كسقاء بالٍ لا يمسك محتواه.

وأمام سير هذا البرنامج المكثف الممتع ربما يتلامع في عين المطالع إشكالٌ وتحير: لماذا يا ترى توقف هذا البرنامج الفريد عند سن الرابعة عشرة؟ الواقع أنه يقف وراء هذا التوقف حادثة حزينة، قطعت نياط قلبي وأنا أقرؤها، وهي مرض ووفاة المعلم العم الشيخ العالم المكي الإبراهيمي، وكان عمه -تغمده الله برحماته- وهو طريح قد أثخنته الأسقام في مرض الموت ما زال يلتفت لابن أخيه ويلقي عليه الكلمات العلمية الواهنة قدر طاقته، كما يقول الشيخ عن عمه: (مات عمي سنة ١٩٠٣م، ولي من العمر أربع عشرة سنة، ولقد ختمت عليه دراسة بعض الكتب وهو على فراش المرض الذي مات فيه، وأمرني بأن أخلفه في التدريس لزملائي الطلبة الذين كان حريصا على نفعهم)28.

ومن أعجب ما في ذلك أن الشيخ البشير لم يستكمل شرح آخر أبيات «ألفية ابن مالك» إلا قبيل وفاة عمه وهو مريض، كما يقول البشير في موضع آخر: (ولما بلغت أربع عشرة سنة، مرض عمي مرض الموت، فكان لا يخليني من تلقين وإفادة وهو على فراش الموت، بحيث أني ختمت الفصول الأخيرة من ألفية ابن مالك عليه وهو على تلك الحالة)29.

يا الله .. معلم على سرير المرض .. يرقب اللحظات الأخيرة للانتقال للدار الآخرة .. وتنازعه نفسه إلا استكمال الدرس النحوي الأخير لابن أخيه .. اللهم أسبل على المكي الإبراهيمي غيث رحماتك.

ومع إقرارنا بهذا التفرد العلمي في زمن اليفاعة للشيخ البشير لكننا يجب أن نقر قبل ذلك بفضل عمه المكي الإبراهيمي على هذه الجهود في اكتشاف قدرات الصبي وحسن توظيفها، وتولي تربيته العلمية يقظة ومنامًا وطعامًا إلى لحظة فراش الموت، ولم يكن عمه مجرد معلم في برنامج مكثف، بل كان أيضًا «حكيمًا» في تعليمه، كما يروي عنه مثلًا الشيخ البشير: (كان عمي يشغلني في ساعات النهار بالدروس المرتبة في كتب القواعد وحدي، أو مع الطلبة، ويمتحنني ساعة من آخر كل يوم في فهم ما قرأت، فيطرب لصحة فهمي، فإذا جاء الليل أملى علي من حفظه، وكان وسطًا، أو من كتاب ما يختار لي من الأبيات المفردة أو من المقاطيع، حتى أحفظ مائة بيت، فإذا طلبت المزيد انتهرني وقال لي: إن ذهنك يتعب من كثرة المحفوظ كما يتعب بذلك30 من حمل الأثقال، ثم يشرح لي ظواهر المعاني الشعرية، ثم يأمرني بالنوم رحمه الله)31.

فانظر كيف كان يأمره بالتوقف عن الإفراط في زيادة الحفظ إبقاءً على ذهنه من الكلال ونفسيته من السآمة، وقريب من هذا ما نقله الشيخ عن عمه أيضًا (وكانت له طريقة عجيبة في تنويع المواضيع والمحفوظات حتى لا أمل)32.

لما قرأت حياة الشيخ في صباه، وهذا البرنامج العلمي المذهل، وجدتني أقول في نفسي هذه والله الطفولة التي تستحق تحبير الذكريات، لا طفولة الترهات واللهو التي يسوّد بها بعض أصحاب السير الذاتية الأوراق ليضيعوا شيئًا من عمر قارئهم كما أضاعوا أوقاتهم.

مرحلة خزائن المدينة

يمكن القول أن للشيخ محطتين في تكوينه العلمي، هذه المحطة في الصبا حتى وفاة عمه وهو دون الرابعة عشرة، والمحطة الثانية لما بلغ أوائل العشرينات ورحل إلى المدينة النبوية حين استدعاه أبوه من هناك، حيث إنه في سنة ١٩٠٨م رحل والد الشيخ البشير إلى المدينة النبوية فرارًا بدينه من بطش الاستعمار الفرنسي، فلحق به الشيخ البشير وعمره (٢٢) سنة، ومر بالقاهرة ومكث فيها بضعة أشهر كان له فيها أنشطة علمية وأدبية، ثم كما يقول الشيخ (خرجت من القاهرة قاصدًا المدينة المنورة، فركبت البحر من بور سعيد إلى حيفا، ومنها ركبت القطار إلى المدينة)33.

وهذا القطار الذي يشير إليه الشيخ ربما يستغربه بعض القراء المعاصرين، والواقع أنه هو الذي كان يسمى تاريخيًا «خط حديد الحجاز» أنشئ في عهد السلطان العثماني عبد الحميد عام ١٩٠٨م يربط دمشق بالمدينة النبوية ويمر بمدن كثيرة.

ثم يتحدث الشيخ عن الأجواء العلمية في المدينة النبوية، والمشايخ الذين استفاد منهم، ويفخّم أمر شيخين منهم تفخيّمًا مهولًا، فيقول: (وكان وصولي إلى المدينة في أواخر سنة ١٩١١، واجتمعت بوالدي رحمه الله وطفت بحلق العلم في الحرم النبوي مختبرًا، فلم يرق لي شيء منها، وإنما غثاء يلقيه رهط ليس له من العلم والتحقيق شيء، ولم أجد علمًا صحيحًا إلا عند رجلين هما شيخاي: الشيخ العزيز الوزير التونسي، والشيخ حسين أحمد الفيض آبادي الهندي …، وأشهد أني لم أر لهذين الشيخين نظيرًا من علماء الإسلام إلى الآن، وقد علا سني، واستحكمت التجربة، وتكاملت الملكة في بعض العلوم، ولقيت من المشايخ ما شاء الله أن ألقى، ولكنني لم أر مثل الشيخين …)34.

وهذا التقييم لهذين الشيخين مدهش حقًا، لأن الشيخ البشير كتبه عام ١٩٦١م وقد بلغ عمره السبعين عامًا، وهو عالم متضلع، وحازم في التقييم أيضًا، وسافر والتقى بكثير من علماء العصر، ومع ذلك يقول أنه ما رأى مثل هذين العالمين في علماء الإسلام!

وبرغم حديث الشيخ عن استفادته من هذين الشيخين في فقه الحديث، واستفادته من مشايخ آخرين في علوم أخرى، إلا أنني أميل إلى أن العامل الحاسم في التكوين العلمي للشيخ في هذه المحطة، أعني محطة المدينة النبوية، هي اكتشاف الشيخ لمكتبات المدينة النبوية الخاصة والعامة المكدسة بالمخطوطات، وانكبابه عليها، وقد تحدث المتخصصون عن الأسباب التاريخية لتشكل هذه الظاهرة في المدينة النبوية، أعني ظاهرة خزائن المخطوطات، والمكتبات الخاصة والعامة وأيلولة كثير من المخطوطات في العالم إليها، وقد تحدث الشيخ مرارًا عن هذه الخزائن الثمينة، ومنه قوله تارة: (وبالجملة فقد كانت إقامتي بالمدينة المنورة أيام خير وبركة علي، فكنت أنفق أوقاتي الزائدة في إلقاء دروس في العلوم التي لا أحتاج فيها إلى مزيد كالنحو والصرف والعقائد والأدب، وكنت أتردد على المكتبات الجامعة، فلا يراني الرائي إلا في مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت، حتى استوعبت معظم كتبها النادرة قراءة، وفي مكتبة السلطان محمود، وفي مكتبة شيخنا الوزير، وفي مكتبة بشير آغا، أو في مكتبات الأفراد الغاصة بالمخطوطات، مثل مكتبة آل الصافي، ومكتبة رباط سيدنا عثمان، وفي مكتبة آل المدني وآل هاشم، ومكتبة الشيخ عبد الجليل برادة، ومكتبة الوزير التونسي العربي زروق، كما كنت أستعير كثيرًا من المخطوطات الغريبة من أصدقائي وتلامذتي الشناقطة، أذكر منها ديوان غيلان ذي الرمة، فأقرأها وأحفظ عيونها، وقد حفظت في تلك الفترة معظم ديوان ذي الرمة)35.

ويذكر الشيخ في موضع آخر مدة هذا العكوف على هذه الخزائن المدنية المعمورة بالمخطوطات فيقول: (ثم ألقيت الرحال بالمدينة حيث استقر والدي، وعكفت على القراءة والإقراء …، وكنت أغشى ثلاث مكتبات جامعة غنية بعشرات الآلاف من المخطوطات النادرة: مكتبة شيخ الإسلام، ومكتبة السلطان محمود، ومكتبة شيخنا الشيخ الوزير التونسي، مع مكتبات أخرى شخصية، فبلغت منها غايتي حفظًا واطلاعًا مدة خمس سنوات وشهور)36.

فخمس سنوات من الانكباب على المكتبات الجامعة الفريدة، مع تكوين متضلع مسبق في علوم اللسان العربي، لاشك أنه أشبه بالتفنن في طرق المادة بعد استيفاء العدة والآلة.

وفي حياة الشيخ إشارات ونصوص أخرى حول تكوينه العلمي، ولكني آثرت الاقتصار على هاتين المحطتين، لأني أميل إلى أنهما الينبوعان الرئيسان اللذان كانت كتابات الشيخ وخطبه لاحقًا ترتوي منهما.

وهذا التضلع الاستثنائي المبكر في علوم اللغة العربية هو الذي يفسر لنا تلك الإمكانات البيانية للشيخ البشير لدرجة أن صار الشيخ بكر أبو زيد يلهج بها، بل بلغت الإمكانات البيانية في نصوص الشيخ البشير الإبراهيمي أن صارت مادة للدراسة التطبيقية النحوية والبلاغية، وسجلت فيها رسائل أكاديمية، ومنها رسالة بعنوان (الجملة الطلبية في عيون البصائر للبشير الإبراهيمي: دراسة نحوية دلالية) للباحثة يمينة قرفي. ومنها دراسة بعنوان (استراتيجية الحجاج التعليمي عند الشيخ البشير الإبراهيمي: مقال الطلاق أنموذجًا) للباحث حمدي منصور جودي، وغيرها.

وقبل أن نتجاوز هذا المحور وهو التكوين العلمي للشيخ البشير، أود أن أقدم ملاحظة لفتت انتباهي جدًا في الخطاب اللغوي للشيخ الإبراهيمي، وهي أنه برغم متانة التكوين النحوي للشيخ البشير وحفظه لثلاث ألفيات: ألفية ابن معطي، وأكثر الكافية لابن مالك، وألفية ابن مالك، إلا أنه كان ينتقد متأخري النحاة ويغمز من قناتهم مرارًا، ومن نماذج ذلك قوله مرة (المثال البارد الفج الذي لا يثير في النفس اهتمامًا بل يثير فيها اغتمامًا هو المثال الذي تعلمناه من كتب النحو ..)37، وللشيخ إشارات كثيرة بهذا المعنى. وإنما يظهر ولع الشيخ وانفساح نفسه فعلًا بنصوص العرب الفعلية في شعرها ونثرها وأنحاء العرب في التعبير، باعتبار أن لغة العرب ليست مفردات بل هي تراكيب، والتراكيب لا تظهر إلا في النصوص، لا في المعاجم والقواميس، كقوله مرة: (الملكات الأدبية لا تكفي فيها القريحة والطبع حتى تمدها الصنعة بأمدادها، وأولها متن اللغة غير مأخوذ من القواميس اللغوية، لأنها لا تنتهي بصاحبها إلى ملكات لغوية ولا أدبية، وإنما يجب على من أراد أن يربي ملكته على أساس متين أن يأخذ اللغة من منثور العرب ومنظومهم، فيستفيد بذلك فائدتين: الأولى الكلمة ومعناها، والثانية وضعها في التركيب، وموقعها منه، وموقعه من النفوس، وحسن التركيب هو سر العربية)38.

وللشيخ إشارات متعددة أيضًا بهذا المعنى.

والحقيقة أن هذا النمط جزء من ظاهرة أعم في العلوم الإسلامية وهي تفضيل علوم المادة على علوم الآلة المتأخرة، والتأكيد المتكرر على أن الأولى أصل ومقصود والثانية تبع ووسيلة، وأن لا يزيد الاهتمام بالوسيلة على الأصل، وأن لا ينقلب الهامش على المتن، ومن هذا الجنس تجد من يفضل دراسة كتب الحديث ورجالها وفقهها ويقلل من أهمية كتب مصطلح الحديث المتأخرة، ومثله من يفضل دراسة كتب الفروع الفقهية وأقوالها واستدلالاتها ويقلل من أهمية كتب الأصول المتأخرة، وهكذا في علوم اللغة تجد من يفضل دراسة المادة اللغوية نثرًا وشعرًا وألفاظ العرب وأنحائهم في التعبير وسننهم في التراكيب ويقلل من أهمية كتب النحو المتأخرة.

وبالمقابل تجد من أهل العلم من يخالفهم في هذا كله ويرى أن هذه المتون المتأخرة وشروحاتها وحواشيها ثروة علمية وتقعيدات واستقراءات واستنتاجات لا يسوغ أبداً إهمالها.

ويبدو لي -والله أعلم- أن العبرة هي بالحقائق الموضوعية للعلوم في ذاتها، أما وسائل دراستها فهذه من مسائل الاجتهاد فلا ينبغي التعنت فيها، والجدل في مثل هذه المسائل هو نظير الجدل أيهما هو المنهجي حفظ المتون المنظومة أم المنثورة؟

وأيهما أفقه: التفقه في أحاديث الأحكام أم متون الفقه المجردة من الدليل؟ ونحوها من الأسئلة التي مدارها على خلاف «الوسائل»، وفي عامة هذه الأسئلة رأى الناس من أصحاب الطريقتين كليهما علماء أفذاذاً وطلاباً مخفقين، فتبين أن نسبة أحدهما في الإيصال إلى العلم دون الأخرى دعوى غير موضوعية.

وعلى أية حال، فالغاية من عرض شيء من التكوين العلمي للشيخ البشير هو تحقيق ثلاثة أغراض، الأول: إيضاح اعتبارات الشرط الأول التي جعلتنا نتخذ الشيخ نموذجاً «للعالم المصلح»، وهو شرط العلم، وأن الشيخ ليس مجرد مثقف أو مفكر إسلامي، والغرض الثاني تقديم نموذج للحياة العلمية الجادة لطالب العلم الذي يستغل الوقت في مبتدأ عمره في التحصيل المتين ولا تشغله الماجريات، والثالث: فهم الظروف والمكونات التي شكلت تفكير الشيخ البشير لنستوعب نموذجه في العلاقة بالماجريات السياسية.

والمفترض الآن أن ننتقل إلى عرض شيء من الجوانب الإصلاحية في حياة الشيخ للوفاء بالشرط الثاني لهذا النموذج، وهو نموذج «العالم المصلح».

تصميم المشروع الإصلاحي

يمكن أولاً تلخيص المشهد الكلي الإصلاحي للشيخ في صورة مجملة ثم نتبع ذلك بعرض بعض الشواهد، ونلخصه كما يلي: فتح الشيخ البشير عينيه على الاستعمار الفرنسي في بلده وهو يبطش بهيمنته وإذلاله للناس، ويفرض إزاحة الدين وفرنسة اللغة، ويستعمل الاستعمار الفرنسي وسائل منها: توظيف الطريقة الصوفية في تخدير الشعب للمستعمر، وشراء ذمم بعض المنتسبين للعلم لشرعنة تصرفات المستعمر، ورأى الشيخ البشير العلماء المصلحين متشتتين، وليس هناك تعليم منظم يبني في أبناء الشعب الوعي الديني ويحفظ اللغة، فرأى ورفاقه أن أحسن طريقة لمقاومة الاستعمار وأدواته هو ثلاث وسائل: (التعليم المنظم، ومأسسة العلماء، والإعلام الإصلاحي) فأنشأ ورفاقه «جمعية العلماء الجزائريين» كمؤسسة تنظم نشاطهم، وبدؤوا ببناء المدارس في أرجاء البلاد، وصياغة برامجها، وأنشؤوا عدة مجلات علمية لبث خطاب إعلامي إصلاحي، من أهمها للشيخ مجلة البصائر، وكتب الشيخ كثيرا في هذه القضايا خصوصًا: الذب عن اللغة العربية، ومثالب الاستعمار، وخيانة الطرقية وعلماء السوء، وإصلاح التعليم ونقد طرائق المتأخرين المعروفة في التعليم، وبيان محاسن جمعية العلماء، ومجلة البصائر وعوائقها وتطوراتها ورسائل القراء لها، ويغلب في كتابته ما يمكن تسميته «روح الاستنهاض» فهو مشغول بالتحفيز والحض على القيام بمطالب الأمة، إلى أن انتشر الوعي الشرعي واللغوي والنهضوي اللازم، واشتعلت الثورة على الاستعمار الفرنسي، وطرد المسلمون المستعمر، ثم خطب الشيخ أول جمعة بعد استقلال البلاد بجامع كتشاوا بحضور رموز الدولة عام ١٣٨٢هـ.

هذه هي القصة الإصلاحية للشيخ الإبراهيمي، وهذا هو مشروع الشيخ الإبراهيمي، بإيجاز مكثف.

وفي حوار لاحق مع الشيخ يلخص الشيخ البشير جزءًا من الصورة الكلية المُهينة لمشهد الاستعمار الفرنسي فيقول: (ماذا تفعل عندما تجد قانونا مفروضا عليك بقوة السلاح يقول: «اللغة العربية لغة أجنبية في الجزائر، والفرنسية هي اللغة الرسمية»؟ وماذا تفعل عندما يحرمون عليك دخول المسجد ويعينون الأئمة من «المطايا»؟ وماذا تفعل عندما تجد ثروات بلدك نهبا للأجنبي، وتجد دارك مباحًا لهم؟ ليس هناك دين من الأديان يأمرك بالخضوع، الهوان أمر غير معروف في ديننا)39.

ومن أعجب ما رتّبه الاستعمار الفرنسي على هذا القرار من اعتبار اللغة العربية لغة أجنبية، أن صار يلاحق معلمي اللغة العربية ويوقع عليهم عقوبات التغريم والحبس40، حتى أن الشيخ البشير قارن مقارنة مبكية فقال (فقد كان حكمها في الجزائر يحمي السكير بدعوى أنه حرّ، ويُعاقب معلم العربية بالسجن والتغريم بدعوى أنه مجرم ثائر على القانون)41، بل ذكر الشيخ الفضيل الورتلاني (ت ١٩٥٩م) أحد أعلام جمعية العلماء أنه (إذا كتبت إلى صديق لك رسالة في الجزائر، وجعلت العنوان بالعربية؛ إنما تُرمى في سلة المهملات)42.

والاستعمار الفرنسي ينطلق من قناعة مشهورة تاريخياً وهي ربط الاحتلال باللغة، حتى أن أحد المسؤولين في الاستعمار الفرنسي كان يقول صراحةً (الجزائر لن تكون فرنسية فعلاً إلا إذا أصبحت لغتنا الفرنسية فيها هي السيدة)43.

ولذلك أظهر الشيخ البشير عناية مكثفة جداً بالكتابة عن قضية اللغة العربية وإقامة الأنشطة التعليمية لها.

ويبتدئ خيط هذه القصة الإصلاحية للشيخ البشير من رحلته للمدينة النبوية، التي سبقت الإشارة إليها حيث ورد على المدينة الشيخ العالم المصلح عبد الحميد بن باديس (ت ١٣٥٨هـ - ١٩٤٠م)، وهذا أول لقاء للشيخين، ولم يلتقيا في بلدهما الجزائر قبل ذلك، يروي الشيخ الإبراهيمي ذلك فيقول: (يرد علي بعد استقراري في المدينة المنورة سنة وبضعة أشهر أخي ورفيقي في الجهاد بعد ذلك، الشيخ عبد الحميد بن باديس … ومع تقارب بلدينا … ومع أننا لدتان في السن يكبرني الشيخ بنحو سنة وبضعة أشهر، رغم ذلك كله، فإننا لم نجتمع قبل الهجرة إلى المدينة، ولم نتعارف إلا بالسماع)44.

ثم يروي الشيخ البشير خبر اجتماعاتهما الليلية لدراسة الواقع الجزائري وسبل النهضة وبرامجها المقترحة: (كنا نؤدي فريضة العشاء الأخيرة كل ليلة في المسجد النبوي، ونخرج إلى منزلي، فنسمر مع الشيخ ابن باديس، منفردين إلى آخر الليل حين يفتح المسجد فندخل مع أول داخل لصلاة الصبح، ثم نفترق إلى الليلة الثانية، إلى نهاية ثلاثة الأشهر التي أقامها بالمدينة المنورة، كانت هذه الأسمار المتواصلة كلها تدبيراً للوسائل التي تنهض بها الجزائر، ووضع البرامج المفصلة لتلك النهضات الشاملة التي كانت كلها صوراً ذهنية تتراءى في مخيلتينا، وصحبها من حسن النية وتوفيق الله ما حققها في الخارج بعد بضع عشرة سنة، وأشهد الله على أن تلك الليالي من سنة ١٩١٣ ميلادية هي التي وضعت فيها الأسس الأولى لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي لم تبرز للوجود إلا في سنة ١٩٣١م)45.

ثم اتفقا على أن يرجع ابن باديس للجزائر ويلحقه الشيخ البشير لتنفيذ مشروعهما الذي درساه وصمماه.

رجع ابن باديس فعلاً إلى الجزائر وبدأ في التعليم التدريجي والتف حوله جماعة من الطلاب وساعد على القيام باحتياجاتهم بعض الميسورين من أهل الخير، وساعد الشيخ عبد الحميد ابن باديس على ذلك أن فرنسا كانت تمر بظروف عالمية وتداري مقام والده فأغضت عنه في البداية، ثم لحق به الشيخ البشير ففرح به ابن باديس فرحاً عظيماً، وبدأ الشيخ البشير نشاطه في التعليم فبدأت فرنسا تتوجس منه وتلاحقه عيونها ويروي الشيخ ذلك فيقول: (وكانت حركاتي منذ حللت بأرض الوطن مثار ريب عند الحكومة ومنبع شكوك، حتى صلاتي وخطبي الجُمعية، فكنت أتغطي لها بألوان من المخادعة، حتى أني تظاهرت لها عدة سنين بتعاطي التجارة وغشيان الأسواق لإطعام من أعولهم من أفراد أسرتي، ولكنها لم تنخدع ولم تطمئن إلى حركتي، فكان بوليسها يلاحقني بالتقارير، ويضيّق الخناق على كل من يزورني من تونس أو الحجاز، كل هذا وأنا لم أنقطع عن الدروس لطلاب العلم بالليل)46.

ثم وضع الشيخ البشير وابن باديس اجتماعًا نصف شهري لتقييم أعمالهم في هذه المرحلة، واستمرت هذه المرحلة عشر سنوات في التعليم والانتشار حتى انتقلوا للمرحلة التالية، وهي إنشاء المؤسسة المنظمة لنشاط العلماء المصلحين وهي جمعية العلماء الجزائريين كما يروي الشيخ: (كنا نتلاقى في كل أسبوعين، أو كل شهر على الأكثر، فنزن أعمالنا بالقسط ونزن آثارها في الشعب بالعدل، ونبني على ذلك أمرنا، ونضع على الورق برامجنا للمستقبل …، كملت لنا على هذه الحالة عشر سنوات كانت كلها إعدادا وتهيئة للحدث الأعظم وهو إخراج جمعية العلماء من حيز القول إلى حيز الفعل)47.

تم مخاطبة العلماء في قطرهم والاجتماع وصياغة نظام الجمعية وإنشائها رسميًا، وجعلوا نشاطها في بادئ الأمر ليس فيه إثارة مباشرة لبطش الاستعمار بقدر المستطاع، فبدؤوا في نشر الوعي ضد الخرافات الطرقية، وبث طلابهم لنشر التعليم العربي للفتيان، ومطالبة الحكومة بعدم التدخل في قضاء الأحوال الشخصية كالنكاح والطلاق ونحوه والأوقاف وتعيين أئمة المساجد ونحوه.

يتحدث الشيخ عن نشاطهم في إنشاء المدارس فيقول: (ولما أطلق سراحي من المنفى أول سنة ثلاث وأربعين كانت فاتحة أعمالي تنشيط حركة إنشاء المدارس، فأنشأت في سنة واحدة ثلاثاً وسبعين مدرسة في مدن وقرى القطر كله، كلها بأموال الأمة وأيديها، واخترت لتصميمها مهندساً عربياً مسلماً فجاءت كلها على طراز واحد لتشهد للأجيال القادمة أنها نتاج فكرة واحدة، وتهافتت الأمة على بذل الأموال لتشييد المدارس حتى أربت على الأربعمائة مدرسة)48.

أما نشاط الشيخ في إلقاء الدروس والتطواف في أرجاء البلاد فكان يعكس طاقة بدنية ونفسية مذهلة، ويساعده على ذلك طبعاً مخزونه من العلوم والتاريخ، ويروي الشيخ بعض ذلك فيقول: (وتوليت بنفسي تعليم الطلبة الكبار من الوافدين وأهل البلد، فكنت ألقي عشرة دروس في اليوم، أبدأها بدرس في الحديث بعد صلاة الصبح، وأختمها بدرس في التفسير بين المغرب والعشاء وبعد صلاة العتمة أنصرف إلى أحد النوادي فألقي محاضرة في التاريخ الإسلامي، فألقيت في الحقبة الموالية لظهور الإسلام من العصر الجاهلي إلى مبدأ الخلافة العباسية بضع مئات من المحاضرات، وفي فترة العطلة الصيفية أختم الدروس كلها وأخرج من يومي للجولان في الإقليم الوهراني مدينة مدينة وقرية قرية، فألقي في كل مدينة درسا أو درسين في الوعظ والإرشاد، وأتفقد شعبها ومدارسها)49.

وهذه حصيلة مثيرة للانتباه فعلاً، عشرة دروس يومياً، وفي الإجازة الصيفية يطوف القرى والمدن، ثم هذا التركيز العجيب على ضخ الوعي بتاريخ الإسلام، حتى أن محاضرات الشيخ في تاريخ بدء الإسلام إلى الخلافة العباسية فقط بلغت مئات المحاضرات، وواضح طبعًا الهدف الإصلاحي من هذا الضخ التاريخي، وهو إحياء الهوية والشعور بالذات، ومن لا تاريخ له لا حاضر له.

ومن الإشكاليات الملحة لقارئ هذه المرحلة أن يتساءل: لماذا سكت الاستعمار الفرنسي عن نشاط ابن باديس والبشير ورفاقهم في أيام بداياته الأولى وهو يراهم يطوفون البلاد ويضخون وعيًا يمثل خطورة استراتيجية على وجوده؟ والحقيقة أنني وجدت الشيخ البشير قدم تفسيرًا لذلك في مبحث بديع كتبه عن تاريخ الاستعمار في الجزائر والحركات الوطنية، حيث يقول الشيخ فيه: (لم يكن الاستعمار الفرنسي غافلًا عن عمل ابن باديس، ولا جاهلًا بآثاره، ولكن من حسن حظ الأمة الجزائرية أن بداية الحركة العلمية الباديسية قارنت اشتعال الحرب العالمية الأولى على حين غفلة، فأصيب الاستعمار بسكتة وقتية استئلافًا للجزائريين، وهو في حاجة إليهم، فاتسع بفضل تلك السكتة أفق الحركة، ونمت بذورها، ورسخت جذورها، وما انتهت الحرب إلا وإيمان الأمة بنفعها قد كمل، وحمايتهم لها قد تأصلت، وأمدادها من الشرق قد ترادفت، والفكر العام والخاص قد تطور، فلم يسع الاستعمار إلا الاستمرار على السكوت، فاستمرت الحركة تنمو وتطرد)50.

ففرنسا كانت متورطة في الحرب العالمية الأولى، ولا تستطيع فتح جبهة أخرى في الجزائر، وتريد من الجزائريين دعم موقفها في الحرب العالمية، فلذلك اضطرت للإغضاء المؤقت، فاستغل هؤلاء العلماء المصلحون اللحظة وبثوا التعليم العربي والإرشاد الديني وتجذير وعي النهضة والممانعة في فئة الشباب خصوصاً على أوسع نطاق بحيث عجز الاستعمار لاحقاً عن استئصاله والعودة لحالة الجهل العام السابقة.

وبرغم أن الطرقية كانت تسيطر على أكثر الشعب في تلك المرحلة بشهادة الشيخ البشير الإبراهيمي نفسه، فبعد أن ذكر الشيخ في مبحثه التاريخي أن الاستعمار مادي تمثله الحكومة الفرنسية، وروحاني وتمثله الطرقية، قال الشيخ: (اتفقنا على البدء بالاستعمار الروحي الداخلي، ونحن نعلم أن قوته والتفاف ٧٠% من الأمة على الأقل حوله، ومعه الحول والطول، والحكومة تقارضه تأييداً بتأييد)51

إلا أن العلماء بجهدهم التعليمي المنظم استطاعوا قلب الطاولة على الاستعمار والطرقية في سنيات محدودة، كما ينقل شيخ المؤرخين الجزائريين أبو القاسم سعد الله، عن تقرير فرنسي ويقول: (في أحد التقارير السرية التي كتبها المسؤولون الفرنسيون في أوائل الخمسينات، جاء أن: العلماء كانوا يمثلون أكبر الخطر على الفكرة الفرنسية في الجزائر، فشُعّب مدارسهم عبارة عن خلايا سياسية، وأنهم يجدون تأثيرهم الأكثر عمقًا لدى الأثرياء والعائلات الكبيرة، وأن أكثر من ٤٠% من السكان معهم. وإذا كشف هذا عن شيء، فإنما يكشف عن مدى تأثير العلماء على الجماهير الجزائرية، وإن عقد الثلاثينات يعتبر العصر الذهبي لجمعية العلماء52.

ويذكر أبو القاسم سعد الله في الحاشية أن هذا التقرير الفرنسي اسمه «الجزائر في نصف قرن»، وذكر أنه مخطوط، ونقل عنه أبو القاسم في مواضع أخرى من دراساته، ونقل بعض نصوص ألفاظه، ولم أقف عليه.

وأما إيمان الشيخ البشير الإبراهيمي ورفاقه بأهمية «الإعلام الإصلاحي» فقد ظهر في نشاطهم نظريًا وعمليًا، حيث ينقل الشيخ البشير مثلًا عن رفيقه الشيخ عبد الحميد بن باديس أنه كان يقول (لا بد من جريدة تظاهر الفكرة وتخدمها)53، ولذلك أصدروا عدة صحف ومجلات، ولكن المجلة التي استحوذت على قلب الشيخ البشير واهتمامه وبذل فيها وقته وجهده وأوصل من خلالها روح الإصلاح لأمته كانت هي مجلة «البصائر»، وقد كان الشيخ يروي أيامه معها بشيء من الحنين والشجى، كقوله مرة: (ولقد كنت أجلس مع أولادي الساعات، وكأنني لست منهم وليسوا مني، وكأنني بينهم أصم لا يسمع ولا يعي، لأنني إذ ذاك أفكر في مقالة «للبصائر» أنفض عليها سواد ليلي لتكون مع الصباح في المطبعة)54.

ومن خلال دروس الشيخ ومقالاته وخطبه ومحاضراته ومؤتمراته كان يرمي بالحمم على الطرقية وعلى الشخصيات المنتسبة للعلم المتواطئة مع الاستعمار على الفرنسي ضد أمتهم. ويرصد الشيخ البشير أن الاستعمار الفرنسي كان أكثر توظيفًا للطرقية من بقية مجرمي الاستعمار الأوروبيين، كما يقول: (ابحثوا في تاريخ الاستعمار العام، واستقصوا أنواع الأسلحة التي فتك بها في الشعوب، تجدوا فتكها في استعمال هذا النوع الذي يسمى «الطرق الصوفية»، وإذا خفي هذا في الشرق، أولم تظهر آثاره جلية في الاستعمار الإنكليزي، فإن الاستعمار الفرنسي ما رست قواعده في الجزائر، وفي شمال أفريقيا على العموم؛ إلا على الطرق الصوفية وبواسطتها، ولقد قال قائد عسكري فرنسي معروف، كلمة أحاطت بالمعنى من جميع أطرافه قال: «إن كسب شيخ طريقة صوفية أنفع لنا من تجهيز جيش كامل ..»)55.

ومن النماذج الشهيرة في تاريخ الجزائر وقوف الطريقة التيجانية مع الاستعمار الفرنسي ضد الأمير عبد القادر الجزائري (ت ١٣٠٠هـ) في جهاده المعروف للاستعمار الفرنسي، حتى أن العلاقة بين الطريقة التيجانية والاستعمار الفرنسي كانت في غاية الحميمية، ومن ذلك أن شيخ الطريقة التيجانية في زمنه سيدي محمد الكبير ألقى خطبة أمام الكولونيل يسكوني قال فيها: (إن من الواجب علينا إعانة حبيبة قلوبنا فرنسا، وقد أحسن أجدادي صنعًا في انضمامهم لفرنسا قبل أن تصل لبلادنا، وفي العام ١٨٣٢م أظهر أحد أجدادي شجاعة نادرة في مقاومة أكبر عدو لفرنسا عبد القادر الجزائري)56.

والمنطلق الصوفي الذي تتذرع به الطريقة في الإذعان للمستعمر وعدم مقاومته هو من جنس الجبر في باب القدر، وهو «أن الله إذا سلط على عباده ظالمًا فلا يجوز معارضة إرادة الله بمقاومته»، وهذا من أفراد الاحتجاج بالقدر على الشرع، حتى قال بعض مشايخ الطريقة (إذا كنا أصبحنا فرنسيين، فقد أراد الله لنا ذلك، وهو على كل شيء قدير، فإذا أراد الله أن يكسح الفرنسيين من هذه البلاد فعل، لكنه كما ترون يمدهم بالقوة، وهي مظهر إرادته الإلهية، فلنحمد الله ولنخضع لإرادته)57.

وتقتضي الموضوعية أن نشير إلى أن هذه الفكرة المنحرفة ليست مختصة بهذه الطريقة المعاصرة، بل جذورها حية في الموروث الصوفي المتأخر، وهي ما يسمونه «ترك التدبير»، وممن أولع به في رسائله الرمز الصوفي المشهور ابن عطاء الله السكندري (ت ٧٠٩هـ)، وله فيه رسالة خاصة مطبوعة بعنوان «التنوير في إسقاط التدبير»، وحكمه الرائجة بين المتصوفة والتي كثرت شروحهم عليها جداً تنتظمها كثير من الإشارات إلى ترك التدبير، كقول ابن عطاء الله مثلاً في حكمه (ما ترك من الجهل شيئاً من أراد أن يُحدث في الوقت غير ما أظهره الله فيه)58 وهذا غاية الاستسلام للواقع، وإن كان بعض شراحه يتأولون النص لتخفيف مدى العبارة، لكن الذي يُشكل أن هذه الفكرة في إسقاط التدبير تخترق الخطاب الصوفي لابن عطاء الله بل الموروث الصوفي المتأخر بعامة، وقد ظهرت آثار المعنى الباطل على كثير ممن ينتسب إليهم.

وتصل الدهشة بالباحث منتهاها أن الفرنسيين أنفسهم أعجبتهم هذه الفكرة الجبرية في باب القدر، وإهمال العمل بالأسباب، فصاروا يعظون المسلمين أحياناً بها، حتى نقل أحد المفكرين الجزائريين في تلك الحقبة يقول (لقد سمعت بنفسي أحد كبار الأساتذة في باريس وهو يعلن: «هل المسلمون بحاجة إلى أن يحموا القرآن، والله قد وعدهم بحفظه؟»)59.

وبسبب الفساد المالي لمشايخ الطريقة فقد كان الشيخ الإبراهيمي يرميهم ببعض التعابير الساخرة كثيرًا، كقوله مثلًا (ضمائر الطرقيين في بطونهم)60، ونحوها.

وقد استغرب عدد من الباحثين هذه القسوة في التعبير التي يستعملها الشيخ في وجه الطريقة وأتباعها والعوام الذين يتبعونهم، ويبدو لي أن سر شدة تعابير الشيخ في تعنيف الواقع يمكن أن يستنبط من كلمة قالها الشيخ في أحد محاضراته، حيث قال (أوائل نهضات الأمم تفتقر دائمًا إلى المخض العنيف بالكلام والرأي)61.

وتاريخيًا فإن مبادرة بعض القبائل في الدخول في طاعة المستعمر الفرنسي كانت من أكثر الأمور إيلامًا لحركات الجهاد ضد الاستعمار، ووقف المجاهدون من هذه القبائل موقفًا عقائديًا صارمًا، كما رواه محمد بن الأمير عبد القادر في سيرته التي كتبها عن والده، في جزئها الأول الذي خصصه لما سماه السيرة السيفية لوالده62، وقد كتبها بلغة جزلة عذبة من مشكاة المؤرخين الإسلاميين في العصر الوسيط.

والحقيقة أنه قبل مغادرة هذه المسألة فإن الموضوعية والإنصاف تقتضينا أن نشير إلى أن بعض رموز الصوفية شاركوا في الجهاد ضد المستعمر في الشمال الإفريقي، ومنهم رأس الجهاد ضد الاستعمار الأمير عبد القادر فقد تلقى ثلاثة طرق صوفية من دمشق وبغداد ومكة واعتنى بفتوحات ابن عربي63، وإن كان الغالب على الطريقة إما السلبية والاستسلام أو ممالأة المستعمر، وقد أشار المؤرخون والباحثون لهذه الاستثناءات64.

وأما الشخصيات المنتسبة للعلم التي خدمت الحكومة الاستعمارية الفرنسية فقد ناهضهم البشير الإبراهيمي كثيرًا، وأهم من رد عليهم البشير هو شخص اسمه «محمد العاصمي» (ت 1951م)، كان قريبًا من العلماء الإصلاحيين في جمعية العلماء، ثم ذكروا أنه انقلب عليهم65، ونقلوا أنه اقترب من الحكومة الاستعمارية الفرنسية وعينته الحكومة الاستعمارية الفرنسية «مفتي الحنفية في الجزائر»، وصار يصدر بعض الفتاوى التي تسبغ الشرعية على قرارات الحكومة الاستعمارية الفرنسية، وقد تأثر الشيخ البشير الإبراهيمي كثيرًا لذلك، وخصوصًا في سلسلة مقالاته عن «فصل الدين عن الحكومة».

ومن هذه المسائل أن فرنسا بلغ بها جنون الإذلال الاستعماري أن صارت تتدخل في تعيين أئمة المساجد في الجزائر، وتعين من يوافقها، وكانت تشترط عليهم أن يزودوا الحكومة الاستعمارية بالمعلومات عما يمثل خطرًا على المستعمر66، فرأى الشيخ البشير ورفاقه أن هذه شعيرة يحرم أن يتدخل فيها نصراني محتل ويصير أئمته علاوة على ذلك عملاء ومخبرين للمستعمر في عباءة أئمة مساجد، ولذلك اجتهد الشيخ في مجاهدة هذا التدخل والتحريض على مقاومته، وأفتى الشيخ بطلان الصلاة خلف هؤلاء الذين يعينهم النصراني المحتل67، وكانت الفتوى لها دوي، وشاركه آخرون68، ونقل الشيخ أن محمد العاصمي كان يناقضهم ويفتي بجواز تعيين الحكومة النصرانية المحتلة لأئمة المساجد قياسًا على تعيين ولي الأمر في الدولة المسلمة.

ومن المواقف المخزية تاريخيًا للشخصيات المنتسبة للعلم أن أصدر بعضهم فتاوى تدعو الشعب للتطوع في صفوف الجيش الفرنسي في معاركه في الحرب العالمية69.

ومما فضح هذه الشخصيات أن الشخصيات الفرنسية الرسمية التي تعمل في الجزائر كانت تكتب أحيانًا مذكراتها أو مقالات فتفضح العلاقات الدافئة بينها وبين المنتسبين للمشيخة المتواطئين معها، ومن ذلك مقالة كتبها «بيرك» الذي كان يعمل مديرًا للشؤون الأهلية بالولاية العامة بالجزائر، وكشف فيه جزءًا من هذه العلاقات فالتقطه الشيخ البشير وكتب عنه مقالة نشرها في مجلته البصائر بعنوان تهكمي (شهادة الشيخ «بيرك»)70، ومن ردود الشيخ البشير على العاصمي قوله: (هذا الشيء المسمى محمد العاصمي المفتي الحنفي … والذي نصب نفسه عونًا للمعتدين على الدين … والذي أقام نفسه عرضة في طريق مطالبة الأمة بحق من حقوقها … والذي قاس حكومة مسيحية على حكومة مسلمة، في تصرف ديني محض)71.

ولما كانت الجزائر والمغرب العرب عمومًا على مذهب مالك، وليس في الجزائر جهة على مذهب أبي حنيفة، كان الشيخ البشير يتهكم بمنصب مفتي الحنفية الذي نصبته فرنسا الاستعمارية للعاصمي، فيقول: وإذا لم يبق في الجزائر من يتعبد على مذهب أبي حنيفة أو يتعامل عليه، فأي معنى لوجود مفتٍ حنفي أو قاضٍ حنفي، لولا أن للاستعمار مأربًا في إبقاء هذه المعالم الصورية … وإن وجود وظيفة مفتٍ حنفي في الجزائر تزوير على المذهب الحنفي، وأين العاصمي ومن جرى مجراه من فقه أبي حنيفة ودقائقه وقياسه؟! إن نسبة الحنفي، تشترك في بني حنيفة وأبي حنيفة، فلينظر العاصمي أشبه النسبتين به، وبنو حنيفة هم قوم مسيلمة الذين آووه ونصروه)72.

وما أشار إليه الشيخ البشير هنا من كون القاضي الحنفي إنما كان أمرًا مؤقتًا يشير به إلى كون القضاء الحنفي لم يوجد عندهم إلا بعد بسط الخلافة العثمانية ولايتها على الجزائر فأحدثت هذا القضاء تبعًا لمذهبها الفقهي الرسمي وقد ذكر هذا مؤرخو الجزائر في وقت مبكر، كما قال ابن المفتي (ت ١١٦٦هـ) في تاريخه وقد كان معاصرًا لهذه الحقبة العثمانية (اعلم أنه كانت هذه الجزائر في أيام العرب علماؤها مالكية، ولما دخل الترك بدأ ظهور الصفطالار من العجم، مصاحبين للباشالار، وبدأ ظهور علم الحنفية على لسان أولئك المذكورين)73، وقال أيضًا (قاضي الحنفية لم يتول إلا بعد أن استقر الترك بالجزائر)74، وذهب هذا المكوّن بانحسار الخلافة العثمانية فلما جاء المستعمر الفرنسي نبش التاريخ ليستحدث منصبًا دينيًا يستغله لأغراضه.

ونختم هذه الجولة في النشاط الإصلاحي للشيخ بعرض بعض الأذى والابتلاء الذي تعرض له الشيخ من الاستعمار الفرنسي، ومنه أولًا محاولة شراء الذمة، ثم التهديد، ثم التنفيذ الفعلي لرصد الأنفاس والتضييق وتجميد الأنشطة والوضع تحت المراقبة والتغريم المالي والنفي والاعتقال والإيذاء النفسي والبدني، وقد رواها الشيخ في عدة مواضع من كتاباته.

فأما محاولتهم شراء ذمة الشيخ واستئجار ضميره بطريق مقايضة المصالح المادية الوضيعة، فإن فرنسا عرضت عبر وسيط من قضاتها أن تستحدث منصبًا دينيًا جديدًا يسمى «شيخ الإسلام»

وأن يُنصّب الشيخ الإبراهيمي فيه، مقابل أن ينشر الشيخ الإبراهيمي مواقف تؤيد فرنسا في الحرب العالمية الأولى، ففاجأهم الشيخ بالرفض، وكرروا العرض من شخصيات فرنسية رسمية، فتمسك الشيخ بموقفه الشامخ، ثم انتقلوا إلى التهديد، وقالوا له على سبيل التلويح بالاعتقال: «ارجع إلى أهلك ودّعهم، وأحضر حقيبتك».

فردّ عليهم فورًا برباطة جأش عجيبة مستخفًا ببطشهم قائلًا: «قد ودّعتهم وها هي حقيبتي جاهزة». وهذه بلا شك لغة جسور غطريف.

فلما نُقل الخبر للشيخ ابن باديس دُهِش لموقف رفيقه وصاحبه الشيخ الإبراهيمي، في صدع المستعمر بمر الحق، والاستهانة بخيلائه، وبعث له رسالة تنحبس لها الأنفاس، بدأها باقتباس في غاية الإبداع، حيث قال الشيخ ابن باديس في رسالته: (الأخ الكريم الأستاذ البشير الإبراهيمي، سلمه الله، فقد بلغني موقفكم الشريف الجليل العادل فأقول لكم: «الآن يا عمر»، فقد صنت العلم والدين صانك الله، وعظمتهما عظم الله قدرك في الدنيا والآخرة، وأعززتهما أعزك الله أمام التاريخ الصادق، وبيضت محياهما بيض الله محياك يوم لقائه ..)75.

واقتباس ابن باديس لعبارة «الآن يا عمر» أخذها من الحديث المشهور في البخاري76، إذ قالها النبي ﷺ لعمر بن الخطاب حين صعد منزلة في الإيمان أجلّ من سابقتها، وكان توظيف الشيخ ابن باديس لها في هذا الموضع مؤثر جدًا، ويشهد الله أنني منذ قرأتها بقيت أيامًا وهي ترد على ذهني مرارًا، وأحدث بها كثيرًا ممن لقيت.

أتدري كيف اكتمل تأثير هذا الموقف الإبراهيمي والرسالة الباديسية؟ أن الشيخ ابن باديس توفي بعد ثلاثة أيام من تلك الرسالة، فنزل الخبر على الإبراهيمي وهو في صحراء وهران منفياً نزول شجى الفقد على كربة النفي، وسل نزلاء المعتقلات يخبرونك كيف يرد عليهم خبر موت القريب وهم وراء القضبان فيذيب لفائف الفؤاد إذ لا يسمعون حتى كلمة أحسن الله عزاءك وإنما خبر مقتضب يرميه غير مكترث من وراء جدر يدعهم فريسة هواجس الليل ولوعاته.

ثم انتقل المستعمر إلى الخطوة التالية وهي تنفيذ البطش فعلياً وقد طلبت إحدى الصحف من الشيخ من ضمن أسئلتها أن يلخص لهم الابتلاء الذي تعرض له من الاستعمار الفرنسي، فكتب الشيخ يقول: (لا أذكر الملاحقات الجزئية والمضايقات … وإنما أذكر الكليات الكبرى، فقد أصدرت الحكومة الفرنسية أمراً باعتقالي في أوائل الحرب العالمية الثانية، بدعوى أن وجودي خطر على الأمن العام، وتم نفيي عسكرياً يوم ١٠ أفريل سنة ١٩٤٠ إلى قرية نائية في الجنوب الوهراني، ودام ذلك النفي ثلاث سنوات إلا قليلاً، ولما أُطلق سراحي وُضعت تحت المراقبة الإدارية سنوات إلى أن انتهت الحرب، وفي يوم انتهاء الحرب دبر المعمرون مذابح ٨ ماي ١٩٤٥، وفي ليلة ٢٧ منه كُبست داري بقوة عسكرية، ففتشوا منزلي وساقوني إلى السجن العسكري بالعاصمة في غسق الليل وبصورة مزعجة، مُحاطاً بقوات أخرى من داري إلى السجن وبينهما نحو ٨ كيلومترات، ولبثت في زنزانة ضيقة تحت الأرض لا أرى الضوء ولا أستنشق هواء الحياة نحو سبعين يومًا، وكانوا لا يخرجونني منها إلا ربع ساعة في ٢٤ ساعة مع حراسةٍ مشددة، فلما انهارت صحتي نقلوني إلى حجرةٍ منفردةٍ على وجه الأرض، وفيها بعض وسائل الحياة، ولما أكملت مائة يوم نقلوني ليلًا في طائرة خاصة مخفورًا إلى السجن العسكري بمدينة قسنطينة …، وكان هذا النقل تمهيدًا لمحاكمتي في محكمة عسكرية على الحوادث التي دبرها الاستعمار وأهله، وكنت إذا اشتد علي المرض نقلوني إلى المستشفى العسكري تحت الحراسة الشديدة في حجرة منفردة، ولبثت في السجن العسكري ومستشفاه أحد عشر شهرًا …، ثم بدا للاستعمار فأطلق سبيل الجميع باسم العفو العام، لا باسم الرجوع إلى الحق77.

وقد روى الشيخ الإبراهيمي في مواضع أخرى من كتاباته جزءًا أيضًا من هذه الابتلاءات78.

وحينما توفي الشيخ ابن باديس والشيخ البشير في المنفى في الصحراء، انتخب علماء الجمعية الشيخ البشير رئيسًا، فصار الشيخ يدير أمور الجمعية من منفاه في صحراء وهران79.

ولم يتوقف الأذى والابتلاء الواقع على الشيخ البشير برحيل الاستعمار الفرنسي وحصول الاستقلال، بل إن ساسة ما بعد الاستقلال آذوا الشيخ أيضًا، لأن الشيخ لم يتوقف عن الصدع بكلمة الحق، حيث (هاجم الشيخ البشير الإبراهيمي، ممثل العلماء، بعنف، برنامج بن بللا، واصفًا إياه بالشيوعي، فكلفته هذه المواقف، ومواقف أصغر أولاده، أحمد طالب الإبراهيمي، الإقامة الجبرية، فالسجن80.

انتهينا الآن من عرض كُراسات من التكوين العلمي وميادين من الكفاح الإصلاحي للشيخ محمد البشير الإبراهيمي، وهذه اللحظة المناسبة الآن للانتقال لرؤية الشيخ وموقفه من الانهماك في متابعة الأحداث والماجريات السياسية.

القسم الثاني: مكونات النموذج

التمييز بين اللباب والقشور

يقدم الشيخ البشير الإبراهيمي تمييزًا مفهوميًا يحاول من خلاله إيصال تصوره للجهود السياسية النافعة المثمرة، وهو التمييز بين (لباب السياسة) و(قشور السياسة)، فلباب السياسة عند الشيخ هو «بناء الأمة»، وبناء الأمة يكون ببناء أركانها من العقيدة والأخلاق والعلم والوعي والعمل والإنتاج، وقشور السياسة هو هذا الجدل السياسي بين التيارات الحزبية والنيابية، بل وصل الأمر بالشيخ إلى اعتبار الانهماك في الجدل الانتخابي أنه بحد ذاته ابتعاد عن السياسة! لأنه ابتعاد عن لباب السياسة إلى قشورها، وهذا غوص مفاهيمي لافت لدى الشيخ، وتضمن هذا النموذج عند الشيخ عنصرين: العنصر الأول هو أن المراحل العمرية الأولى لطالب العلم يجب تركيز الجهد فيها على البناء العلمي وعدم مزاحمته بمتابعة الماجريات السياسية، والعنصر الثاني: وجوب التمييز بين المتخصص السياسي وغيره في كمية الاهتمام بالماجريات السياسية، هذه خلاصة إجمالية لهذا النموذج لدى الشيخ وسنحاول عرض بعض الشواهد والمعالجات التفصيلية لديه.

يقول الشيخ مخاطبًا بعض المشتغلين بالسياسة الناقمين على جمعية العلماء، شارحًا مفهومه للباب السياسة وقشورها: (نقول لبعض إخواننا وساستنا الذين يناوئون جمعية العلماء: إن السياسة لباب وقشور، وإن حظ الكثير منكم -مع الأسف والمعذرة- القشور دون اللباب، أما «لباب السياسة» بمعناها العام عند جميع العقلاء فهو عبارة واحدة: «إيجاد الأمة»، ولا توجد الأمة إلا بتثبيت مقوماتها من جنس ولغة ودين، وتقاليد صحيحة وعادات صالحة وفضائل جنسية أصيلة، وبتصحيح عقيدتها وإيمانها بالحياة، وبتربيتها على الاعتداد بنفسها والاعتزاز بقوتها المعنوية والمغالاة بقيمتها وبميراثها، وبالإمعان في ذلك كله حتى يكون لها عقيدة راسخة تناضل عنها وتستميت في سبيلها وترى أن وجود تلك المقومات شرط لوجودها، فإذا انعدم الشرط انعدم المشروط، ثم يفيض عليها من مجموع تلك الحالات إلهام لا يغالب ولا يرد، بأن تلك المقومات متى اجتمعت تلاقحت، ومتى تلاقحت ولدت «وطنًا»81.

وهذه الفكرة لفتت انتباهي كثيرًا، وأشعرتني فعلًا بالعمق المفاهيمي لدى الشيخ، بل يشير إلى أنه كثيرًا ما يكون الإغراق في السياسة مشغلاً عن السياسة! كما يقول الشيخ مرة: (أما أحزابنا …، فإن تهافتها على الانتخابات مشغلة لها عن السياسة)82، ومقصود الشيخ بذلك -كما سبق إيضاحه- هو أنها اشتغلت بقشور السياسة عن لبابها، ولا شك أنه طبقًا لهذا التعريف لدى الشيخ البشير الإبراهيمي فإن الاشتغال غير المتوازن بالماجريات السياسية هو أحد ضروب الاشتغال بالقشور السياسية.

ومن إشارات الشيخ الطريفة أنه كان يرى الاستعمار الفرنسي يبدي أحيانًا مرونة مع الأحزاب السياسية لكنه يتصلب تجاه جمعية العلماء، برغم أن الأولى صريحة في السياسة، والثانية جهودها علمية أخلاقية أصالة، ولم يفوت الشيخ التقاط هذه المفارقة والاحتجاج بها على بعض المنتسبين للأحزاب السياسية، كما يقول الشيخ: (وإن الاستعمار لأفقه وأقوى زكاة وأصدق حدسًا من هؤلاء، حين يسمي أعمال جمعية العلماء سياسة، وما هي بالسياسة في معناها المعروف، ولا قريبة منه، ولكنه يسميها كذلك لأنه يعرف نتائجها وآثارها، وأنها اللباب وغيرها القشور)83.

وقد رأيت الشيخ في كتاباته أشار مرارًا لهذه المفارقة.

لصوص العقول

وأما حديث الشيخ لطلاب العلم في المراحل الأولى للتحصيل العلمي فهي من أكثر أحاديث الشيخ غيرةً واتقادًا، وكان يصرخ فيهم أن لا تشغلهم صراعات الأحزاب السياسية والجدل الانتخابي عن التحصيل العلمي، كقول الشيخ مرة (العلم ..

العلم .. أيها الشباب، لا يلهيكم عنه سمسار أحزاب ينفخ في ميزاب، ولا داعية انتخاب في المجامع صخّاب)84.

وكان الشيخ يرى أن هؤلاء الذين يشغلون طلاب العلم في مبدأ تحصيلهم بالماجريات السياسية الحزبية، أنهم عائق معاصر من عوائق طلب العلم، وأنهم أخطر من عوائق طلب العلم المعروفة تاريخياً، كما يقول الشيخ: (إن طريق العلم محفوف بالعوائق، من مقت يحيق ووقت يضيق، وإن الأقدار قد وضعت في طريقكم إلى العلم عائقاً جديداً هو شر العوائق وأضرها: هو هؤلاء الدعاة الغاشون والسماسرة المضلون، يدعونكم إلى السياسة ليصدوكم عن العلم)85.

وأطلق الشيخ لقباً جديداً على هؤلاء الذين يشوشون على طالب العلم المبتدئ تحصيله بالصراع السياسي، حيث سمّاهم «لصوص العقول»، كما يقول الشيخ: (إلا أن «لصوص العقول» أفتك من «لصوص الأموال» …، وإن اللصوص الذين أعنيهم «لصوص عقول» يتحكمون بأبنائكم في مطارح هجرتهم إلى العلم …، يصدونهم عن ذكر الله وعن الصلاة وعن العلم، إلى أحاديث يزوقونها لهم …، ويصرفونهم عن كتب العلم ودروس العلم، إلى جرائد حزبية مملوءة بالكذب والنقائص والمهاترات والسباب)86.

وتحدث الشيخ عن التحول الخطير الذي ينزلق فيه طالب العلم المبتدئ إذا انجرف وانهمك في الصراعات السياسية، وهي -بكل صراحة- صورة محزنة، وقد شاهدنا نظيرها في حياتنا كثيرًا، كما يقول الشيخ: (شغلوهم بالسفاسف الحزبية، حتى أصبح المقهى أحب إليهم من الجامع، والجريدة أحب إليهم من الكتاب، والمناقشات الحزبية أشهى إليهم من المذاكرات العلمية)87.

والله لقد صدق الشيخ، ولطالما رأينا طلاب علم في مقتبل الطريق يتأبطون متونهم يزدردون العلم ويسابقون الزمن حتى كان عامة من يراهم لا يستطيع إلا أن يتفاعل بأنهم من علماء المسلمين في المستقبل إن شاء الله وسيكون لهم شأن في الأمة، ثم تخطفتهم ماجريات الفكر والسياسة واستسلموا لها، فصاروا في المقاهي يقضون مساءاتهم في تصنيف التيارات والتعليق على مواقف الرموز، متفرجين لا علم ولا عمل، ويتوهمون أنفسهم في قلب معركة الإصلاح والتغيير .. يا لمخاتلة الغفلات كيف تفترس ضحاياها!

ولذلك وجّه الشيخ خطابه مرةً إلى هؤلاء السياسيين مصورًا لهم النتيجة السلبية: (هذه الطائفة الطاهرة الطائفة بمناسك العلم، قد ألهبتم في أطرافها الحريق بسوء تصرفكم، فبدأت تنصرف من رحاب العلم إلى أفنية المقاهي)88.

ولا يفوت الشيخ أن يشير مراراً إلى أن طالب العلم المبتدئ يجب في حقه التقليل من قشور السياسة أكثر من غيره، ويخص هذه الشريحة بمزيد تأكيد، كما يقول الشيخ: (نخشى أن تضيعوا على الأمة هذا الجيل وتفسدوا مواهبه، وتلهوه بالمناقشات الحزبية عن الحقائق القومية، نخشى ذلك، ونخشى أكثر منه على هذه الطائفة المقبلة على العلم المنكبة على تحصيله)89.

وبسبب ذلك فقد سبك الشيخ البشير تشبيهاً مليحاً، ذلك أنه لما بُلي مطلع جهاده بالطريقة الصوفية التي تخدر الشعب عن المطالب العالية في العلم والعمل والإصلاح، ثم آل الأمر إلى هذه المهاترات السياسية التي تشغل الشعب أيضاً عن القضايا الحقيقية له، صار الشيخ مولعاً بتشبيه هذه بتلك، كقوله مرةً (انفلتنا من تنويم تجار الدين فوقعنا في تنويم تجار السياسة)90، بل سبك لهذه الأحزاب مصطلح «الطريقة السياسية» كنظير ومعادل «للطريقة الدينية»، كما يقول الشيخ (ورجال السياسة من قومنا يريدونها متبوأً لزعامتهم، ويسوسونها بطريقة سياسية، لا تختلف عن تلك الطريقة الدينية)91، ونحوها كثير.

تأكيد المسافة بين المتخصص وغيره

ولكن الشيخ وكما هي عادته في الاعتدال والتوازن يؤكد بصورة واضحة أن طالب العلم المبتدئ لا ينقطع عن الواقع كليًا، بل يكفيه في مبتدأ الطريق «الجمل العامة» من الاطلاع على الأحداث والأخبار، ويجعل صلب وقته للتحصيل العلمي، كما يقول الشيخ: لا تقطعوا الفاضل من أوقاتكم في ذرع الأزقة إلا بمقدار ما تستعيدون به النشاط البدني، ولا في الجلوس في المقاهي إلا بقدر ما تدفعون به الملل والركود، ولا في قراءة الجرائد إلا بقدر ما تطلعون به على الحوادث الكبرى وتصلون به مجاري التاريخ، خذوا من كل ذلك بمقدار، ووفروا الوقت كله للدرس النافع والمطالعة المثمرة92..

هذه المعالجة الإبراهيمية تقع في قلب المبدأ الذي ذكرناه في التمييزات الحاكمة مطلع الدراسة، وهو «التمييز بين المتابعة في المرحلة الذهبية للتحصيل العلمي والمتابعة زمن العطاء والنشر».

وأما تنبيه الشيخ إلى التمييز بين المتخصص السياسي وغيره، فيشير إليه مرة مخاطبًا طلاب العلم فيقول: (اتركوا المناقشات الحزبية والخلافات السياسية لأهلها، المضطلعين بها المنقطعين لها، ودعوا كل قافلة تسير في طريقها، وكل حامل لأمانة من أمانات الوطن مضطلعًا بحملها قائمًا بعهده فيها)93.

حسنًا، أهم درس في هذا النموذج الذي سبكه الشيخ البشير الإبراهيمي رحمه الله هو إعادة تعريف السياسة، وتوسيع الأفق في فهمها، وأن الإصلاح السياسي لا يقتصر على الاشتغال المباشر بالجدل حولها، بل إن بث العلم وبناء الأخلاق في المجتمع أهم عوامل الإصلاح السياسي، وهذا يعني طبقًا لرؤية الشيخ البشير أن المشتغلين بالتعليم وتصحيح العقيدة وبث التفسير والفقه والتزكية والوعظ والتربية ونشر الثقافة الجادة الخ ليسوا أجانب عن الإصلاح السياسي، بل هؤلاء -حسب رأي البشير- في قلب عملية الإصلاح، لأنهم يبنون الأمة، وكثير من الأغيار إنما يلوك الجدل الهامشي في الأحداث، ويظن نفسه في كابينة التأثير وهو مجرد مراقب متفرج، تعيد الضغوط العولمية صياغة مجتمعه معرفيًا وقيميًا وهو مجرد معلق لا يساهم في البناء والترميم.

ومن أهم القسّمات المؤثرة في حياة الشيخ البشير هذا التكوين العلمي الجاد الذي استثمر فيه الشيخ البشير كل دقائق المرحلة الذهبية للتحصيل العلمي مع الطلاب ولوحده وتحت ضوء الشمع وقنديل الزيت وفي الظلمة وفي الدرس ووقت النزهة الخ وهو يثير لنا مقارنة موجعة مع أحوال أمم من الشباب المسلم يقذفون أوقاتهم الثمينة زمن التحصيل في دوّامة الماجريات ..

ومن الجيد أن نؤكد أن التعابير التي استعملها الشيخ البشير في وصف علاقته بخزائن مكتبات المدينة تكشف بوضوح أن من أعظم عوامل انتفاع الشيخ البشير بهذه القراءات هو اجتماع همته على القراءة الجادة وقطع الجواذب والصوارف وإشغال الذهن بالجدليات الماجرياتية اليومية، فانظر كيف يصف انكبابه مثلاً بقوله «فلا يراني الرائي إلا في مكتبة كذا» وهذا يدل على طول مكثه والوقت الذي يمضيه في المكتبة، كما قال في موضع آخر «وعكفت على القراءة»، ولذلك كانت النتيجة هي الاستيعاب كما قال «حتى استوعبت معظم كتبها النادرة قراءة»، ويضيف لذلك الاستعارة من الشناقطة كما قال «كما كنت أستعير كثيراً من المخطوطات الغريبة من أصدقائي وتلامذتي الشناقطة»، ولم يكن الأمر مقصوراً فقط على القراءة بل يصل التدقيق إلى مستوى الحفظ كما قال «فبلغت منها غايتي حفظاً واطلاعاً».

Footnotes

  1. بكر أبو زيد، حلية طالب العلم، مطبوع ضمن المجموعة العلمية للشيخ بكر، دار العاصمة، (ص: ١٦٣). ↩

  2. ابن عثيمين، شرح حلية طالب العلم، مؤسسة الشيخ ابن عثيمين، الطبعة الأولى، ١٤٣٤هـ (ص: ١٢٧). ↩

  3. بكر أبو زيد، التعالم، مطبوع ضمن المجموعة العلمية للشيخ بكر، دار العاصمة، (ص: ٨٣). ↩

  4. بكر أبو زيد، طبقات النسّابين، دار الرشد، 1407هـ، (ص: 197). ↩

  5. آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، جمع وتقديم أحمد طالب الإبراهيمي، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى، ١٩٩٧م، (ص: ٥/١٦٣). ↩

  6. ابن تيمية، مجموع الفتاوى، (ص: ٣٥/١٣٠). ↩

  7. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: ٥/١٦٤). ↩

  8. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: ٥/٢٧٣). ↩

  9. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: ٥/٢٩٠). ↩

  10. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: ٥/٢٧٣). ↩

  11. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: ١٦٤/٥). ↩

  12. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: ٢٧٤/٥). ↩

  13. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: ٥/٢٧٣-٢٧٤). ↩

  14. ابن معطي، الدرة الألفية، تحقيق سليمان البلكيمي، دار الفضيلة، (ص: ١٧، ب: ١١). ↩

  15. ذكر الذهبي أن شيخه ابن النحاس درس ألفية ابن معطي على ابن مالك: الذهبي، معجم الشيوخ (المعجم الكبير)، تحقيق د. محمد الهيلة، (ص: ١/٦٥). ↩

  16. ابن مالك، شرح الكافية الشافية، تحقيق أحمد القادري، دار صادر، (ص: ٢/٣١٥). ↩

  17. المقري التلمساني، نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، تحقيق إحسان عباس، دار صادر، (ص: 232/2). ↩

  18. المناوي، العجالة السنية شرح ألفية السيرة النبوية للعراقي، تحقيق عمر آل أحمد، دار أطلس الخضراء، (ص: 310). ↩

  19. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: 2/64، 2/150، 5/289). ↩

  20. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: 5/165). ↩

  21. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: 4/372). ↩

  22. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: 4/372). ↩

  23. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: 5/274). ↩

  24. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: 5/299). ↩

  25. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: 5/164). ↩

  26. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: 5/165). ↩

  27. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: 5/165). ↩

  28. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: ٥/١٦٥). ↩

  29. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: ٥/٢٧٤). ↩

  30. هو كذا في الكتاب، وأظنها تصحيف طباعي من الناسخ، وأن الصواب الذي كتبه الشيخ كلمة «بدنك»، فالمقايسة بين الأذهان والأبدان مأثورة بكثرة في كلام أهل العلم، كما نقل أبو حيان في البصائر والذخائر 14/8 (قال أعرابي: روحوا الأذهان كما تروحوا الأبدان)، ويقول أبو العباس ابن تيمية في مجموع الفتاوى 233/35 (والله قد فاوت بين الناس في قوى الأذهان، كما فاوت بينهم في قوى الأبدان)، ونظائرها كثيرة. وأصل النص مأخوذ من مقالة كتبها الشيخ لمجلة المصور سنة 1955م، وليس بين يدي هذا العدد من مجلة المصور لأتحقق من أصل النص، وهل التصحيف من صحفي مجلة المصور، أم من جامع آثار الشيخ، والله أعلم. ↩

  31. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: ٥/١٦٥). ↩

  32. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: ٥/١٦٤). ↩

  33. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: 5/275). ↩

  34. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: 5/275). ↩

  35. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: 5/276). ↩

  36. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: 5/166). ↩

  37. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: 2/44). ↩

  38. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: 4/159). ↩

  39. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: ٣٠٤/٥). ↩

  40. د. العربي الزبيري، تاريخ الجزائر المعاصر، منشورات اتحاد الكتاب العرب، ١٩٩٩م، (ص: ٥١/١). ↩

  41. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: ٢٦٢/٥). ↩

  42. الفضيل الورتلاني، الجزائر الثائرة، دار الهدى، (ص: ٩٧). ↩

  43. أبو القاسم سعد الله، أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر، دار الغرب، الطبعة الأولى، ١٩٩٦م، (ص: ٢٦/٤). ↩

  44. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: ٥/٢٧٨). ↩

  45. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: ٥/٢٧٨). ↩

  46. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: ٥/٢٨٠). ↩

  47. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: 5/280). ↩

  48. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: 5/285). ↩

  49. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: 5/283). ↩

  50. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: 5/140). ↩

  51. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: ١٤٣/٥). ↩

  52. أبو القاسم سعد الله، الحركة الوطنية الجزائرية، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الرابعة منقحة، 1992م، (ص: 103/3-104). ↩

  53. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: ١٤٤/٥). ↩

  54. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: 4/36). ↩

  55. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: 5/143). ↩

  56. هذا جزء من خطبة شهيرة يتداولها المؤرخون والباحثون في هذا الحقل، انظر مثلًا: عبد الحميد زروقة، جهاد ابن باديس ضد الاستعمار الفرنسي في الجزائر، دار الشهاب، الطبعة الأولى، ١٤٢٠هـ، (ص: ٤٨). ↩

  57. عبد الحميد زروقة، جهاد ابن باديس ضد الاستعمار الفرنسي في الجزائر، دار الشهاب، الطبعة الأولى، ١٤٢٠هـ، (ص: ٤٧)، د. محمد زرمان، موقف الإبراهيمي من الطرق الصوفية المنحرفة في الجزائر، مجلة الشريعة، الكويت، ع ٤٥، مج ١٦، يونيو ٢٠٠١، (ص: ٣٤٣). ↩

  58. نظر: حكم ابن عطاء الله بشرح الشيخ زروق، تحقيق عبد الحليم محمود، دار الشعب، ١٤٠٥هـ-١٩٨٥م، (ص: ٤٩). ↩

  59. مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي، ترجمة عبد الصبور شاهين، دار الفكر، (ص: ١١٢). ↩

  60. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: 1/218). ↩

  61. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: 5/144). ↩

  62. محمد بن الأمير عبد القادر، تحفة الزائر في مآثر الأمير عبد القادر وأخبار الجزائر، المطبعة التجارية بالإسكندرية، 1903م، (ص: 1/244). ↩

  63. هذا أمر مشهور بين مؤرخي تلك الحقبة، انظر على سبيل المثال: نزار أباظة، الأمير عبد القادر الجزائري العالم المجاهد، دار الفكر المعاصر، الطبعة الأولى، 1414هـ، (ص: 10، 22، 28). ↩

  64. انظر مثلًا: أبو القاسم سعد الله، الحركة الوطنية الجزائرية، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الرابعة منقحة، 1992م، (ص: 1/298)؛ التليلي العجيلي، الطرق الصوفية والاستعمار الفرنسي بالبلاد التونسية، منشورات كلية الآداب بمنوبة، 1992م، (ص: 120). ↩

  65. عادل نويهض، معجم أعلام الجزائر: من صدر الإسلام حتى العصر الحاضر، مؤسسة نويهض الثقافية، الطبعة الثانية، 1400هـ، (ص: 212). ↩

  66. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: 194/3). ↩

  67. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: 151/3). ↩

  68. ممن هاجم هذا القرار وكتب عنه حينها المفكر مالك بن نبي، انظر: مالك بن نبي، العفن: مذكرات الجزء الأول 1932-1940م، ترجمة نور الدين خندودي، شركة دار الأمة، الطبعة الأولى، 2007م، (ص: 66). ↩

  69. بشير بلاح، تاريخ الجزائر المعاصر، دار المعرفة، 2006م، (ص: 1/352). ↩

  70. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: 3/193). ↩

  71. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: 3/151). ↩

  72. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: ٣/٨٨). ↩

  73. ابن المفتي، تقييدات ابن المفتي في تاريخ باشوات الجزائر وعلمائها، تحقيق فارس كعوان، بيت الحكمة، الطبعة الأولى، ٢٠٠٩م، (ص: ٨٦)، وذكر محقق الكتاب أن الصفطالار اسم تركي للطلاب الذين يدرسون في الجامع العلوم الشرعية. ↩

  74. ابن المفتي، مصدر سابق، (ص: 81). ↩

  75. انظر المبحث الذي كتبه محمد الهادي الحسني ونُشر كمقدمة في آثار البشير الإبراهيمي، (ص: ٣٨-٣٩/١). ↩

  76. صحيح البخاري، (6632). ↩

  77. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: ٥/١٦٨). ↩

  78. انظر مثلًا: آثار البشير الإبراهيمي، (ص: ٥/٢٨٤؛ ٤/١٧٥؛ ٥/١٥٣) وغيرها. ↩

  79. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: ٥/٢٨٤؛ ٥/١٦٨). ↩

  80. د. عبد الحميد إبراهيمي، في أصل الأزمة الجزائرية: ١٩٥٨-١٩٩٩م، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، ٢٠٠١م، (ص: ٩٧). ↩

  81. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: ٣/٦٤). ↩

  82. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: ٥/١٣٤). ↩

  83. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: 3/65). ↩

  84. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: 3/316). ↩

  85. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: 3/315). ↩

  86. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: 3/316). ↩

  87. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: 3/317). ↩

  88. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: 3/68). ↩

  89. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: ٦٨/٣). ↩

  90. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: ٢٢٠/٤). ↩

  91. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: ٥٥/٣). ↩

  92. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: 3/203). ↩

  93. آثار البشير الإبراهيمي، (ص: 3/204). ↩

شروحات وبرامج عن «الماجريات»

شروحات أخرى للكتاب1

بطاقة الاقتباس

حد البطاقة 340 حرفًا، بما فيها المسافات. يُختصر التحديد تلقائيًا عند فتح المعاينة.

حرفًا

المعاينة ستظهر هنا

أبلغ عن خطأ