تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة أبو عمر

الماجريات

نموذج المسيري (السياسة الحدثية)

حُوّلت من نسخة مصورةالصفحات 180-222 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 40 دقيقة

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابالماجريات

(السياسة الحدثية)

القسم الأول: محيط النموذج: منطقة الاشتغال: يُنظر للدكتور عبد الوهاب المسيري (ت ١٤٢٩هـ-٢٠٠٨م)

باعتباره «شخصية فكرية مرموقة» وباعتباره «صاحب مشروع فكري»، وأشهر أعماله التي لها حضور وحصدت اهتمامًا كبيرًا أربعة أعمال: «موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية» (٨ مجلدات)

وهي أم الباب، وموسوعة «إشكالية التحيز» التي حررها (٧ أجزاء)، وكتاب العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة (جزآن)، وسيرته التي نشرها في كتاب ضخم بعنوان «رحلتي الفكرية» (٧٠٠ صفحة)، هذه الأربعة هي أشهر أعماله بحسب ما أعلم.

وله أعمال أخرى أيضًا، منها: أنه نشر ثلاثين كتابًا عن الصهيونية واليهودية، وكتاب «اللغة والمجاز بين التوحيد ووحدة الوجود»، وكتاب «الفردوس الأرضي»، وكتاب «دراسات معرفية في الحداثة الغربية»، وأعيد جمع حواراته وبعض محاضراته ونصوصه السابقة مع أسئلة جديدة وإعادة تنسيقها والزيادة عليها وحررتها سوزان حرفي ونشرت في (٤) أجزاء، وهذه الحوارات هي -بحسب اطلاعي- أشمل كتاب يستوعب مفاهيم وأطروحات المسيري، وله غيرها من الكتب، ومجموع ما نشره د. المسيري باللغة العربية بلغ (٦٥) كتابًا، ومجموع ما نشره باللغة الإنجليزية بلغ (١٠) كتب.

ويمكن القول أن منطقتي العمل في كتابات المسيري «الفكرية» هما: الأول دراسة وتفسير الظاهرة اليهودية معرفيًا، والثاني نقد الحداثة الغربية ومنتجاتها الفكرية، ومع ذلك فيمكن القول أيضًا أن هاتين المنطقتين بالنسبة للمسيري هما مجرد «عينة بحث» أو «حالة للدراسة» للموضوع الأثير لدى المسيري والذي أُغرِم به واستحوذ على تفكيره وصار دائم اللهج به وهو قضية «التفسير بالنماذج»، أي بلورة المركبات المفهومية وقراءة الظواهر بها، فولع المسيري بالنموذج التفسيري يظهر غالبًا أسخن بكثير من حماسه للموضوع محل التفسير ذاته، فهو يبدو لقارئه أحيانًا كصانع يحرث أرضًا معينة لا لأولوية هذه القطعة من الأرض بعينها بل ليريك مقدرة فأسه. وبسبب هذا الميل للنماذج التفسيرية تميل كتبه الأخيرة إلى شكل من أشكال المعجمية لأنه يهيكلها على النماذج التفسيرية ويكرر شرحها، فالوسائط المفهومية المستعملة في القراءة والتفسير والتركيب هي مركز الاهتمام ومحور العناية وهي الموضوع السعيد في خطابه، وللمسيري رسالة عجيبة في بث هذه النماذج التفسيرية، ولعل هذا مما يفسر كثرة التداخل والتكرار بين كتابات المسيري، فهو لا يكل من إعادة الطرق على هذه الشبكة من نماذجه التفسيرية تحت عناوين متعددة، وهذه ظاهرة عامة في الفرق بين التأليف الرسالي البُني، وبين التأليف المعرفي المحض، فالتأليف الرسالي البُني يكثر فيه إعادة العرض لأن غرضه توسيع البلاغ قدر الإمكان.

مكابدات المنتج الرئيس

عمل المسيري الرئيس الذي استغرق عليه حياته هو «موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية» (٨ أجزاء)، بل لا يبعد أن يقال أن أعماله الأخرى استطار صيتها بجاه الموسوعة، فالمسيري بعد نشر الموسوعة لم يعد في المجال الثقافي العربي هو المسيري قبل نشرها، وقد استغرق العمل فيها قرابة ثلاثين عاماً(١)، حيث ابتدأ العمل فيها في السبعينات ونشرت الموسوعة عام (١٩٩٩م)1، وأقبل عليها وانقطع لها وفرض على نفسه جدولاً صارماً في العمل فيها حتى كان يستغرق (١٥) ساعة يومياً، حيث يقول عن نفسه:

ولإنجاز الموسوعة كان علي أن أتبع نظامًا حديديًا في حياتي …، وضمرت حياتي الاجتماعية إلى حدٍ كبير مما سبب لي الحزن أحيانًا، وكنت أستيقظ في الصباح المبكر قبل السادسة صباحًا، وأبدأ في الكتابة حتى الثانية عشرة مساءً، لا أتوقف إلا لتناول الطعام والنوم حوالي ساعة في الظهيرة(1).

ولأغراض هذا التخصص في دراسة اليهودية والصهيونية معرفيًا؛ بدأ المسيري منذ السبعينات في دراسة «اللغة العبرية»، لكنه لاحظ أن المادة التاريخية مكتوبة بلغات مرتبطة بالتوزع الجغرافي لليهود كالبولندية والألمانية والأسبانية ونحوها، فقرر الاتكاء على اللغات الأربع التي يعرفها مسبقًا (الإنجليزية والفرنسية واللاتينية والعربية)، وترك مواصلة دراسة العبرية(2).

وتنقل المسيري إلى عدة دول للتدريس في جامعاتها، وكان ينقل ورشة الموسوعة معه أينما رحل، وحين حدثت واقعة الغزو العراقي للكويت عام (١٩٩٠م) كانت مسودات العمل في الكويت حيث سبق أن درس في جامعتها، وبسبب ارتباطه النفسي بمشروع الموسوعة قام المسيري بمغامرة في غاية الخطورة، حيث يرويها فيقول: (أثناء الاجتياح العراقي للكويت اكتشفت أن كل مراجعي وأوراقي ونسخة الموسوعة الوحيدة هناك في الكويت …، فقررت أن أذهب للكويت: إما أن أمكث بجوار أوراق الموسوعة ومراجعها، وإما أن أحضرها معي إلى القاهرة ..، وكنت أقدم زوجتي ضاحكًا قبل سفري باعتبارها «أرملتي»، ثم قمنا بالرحلة، وقد مكثت في الكويت أثناء الاجتياح زهاء ثلاثة أسابيع لم أتوقف أثناءها عن العمل في الموسوعة، ثم اتفقت مع مجموعة من الأصدقاء على استئجار تريللا «عربة نقل ضخمة» وضعت فيها كل صناديق الأوراق التي تخصني، حوالي ثلاثين صندوقًا، وركب أصدقائي سياراتهم، ونسيت أنا سيارتي من فرط فرحتي بالأوراق، وذهبنا إلى بغداد ومنها إلى .. القاهرة، واستأنفت العمل في الموسوعة)2.

وحين بدأت تظهر بعض أخبار الموسوعة وأجزائها في مراحلها المتعددة، بدأت المنظمات الصهيونية المتطرفة تعمل لإجهاض المشروع، فمرةً طلبوا رسميًا إيقاف توزيع الموسوعة، ومنها أن منزله في أمريكا تم السطو عليه وسرقة المكتبة الخاصة ومسودات الكتب والمقالات، وقد أثرت عليه هذه السرقة وفقد توازنه النفسي مدة وجيزة ثم عاد.

ولما وصل السعودية عام ١٩٨٣م للتدريس في جامعة الملك سعود بعثت له منظمة كاخ الصهيونية (٦) رسائل تهديدية على عنوانه في الرياض ومثلها على عنوانه في القاهرة يطالبونه بالتوقف عن نشاطه أو سيقومون بقتله، فأبلغ جهات الأمن بالأمر، ثم لما وصل القاهرة جاءته الرسالة رقم (١٣) يخبرونه فيها «بأنهم قد أعدوا له مقبرة بهذه المناسبة»، واعترف «مائير كاهانا» زعيم الجماعة المذكورة لصحيفة يديعوت أحرونوت بأنه هو الذي أرسل الرسالة التهديدية، فأخذت أجهزة الأمن المصرية الأمر على محمل الجد، وتم تعيين حراسة أمنية على منزله (1).

ومع ذلك فقد كان قلقًا على الموسوعة من أن ينجح الصهاينة في ضربها بالسطو مرة أخرى أو أي عمل مشابه، لذلك قام بعمل ثلاث نسخ من مشروع الموسوعة بأقراص مدمجة، وأرسلها لثلاثة أصدقاء في ثلاث دول، في المغرب والأردن ولندن، وسجّل رسالة صوتية في المجيب الآلي في هاتفه تقول أنه «وضع عدة نسخ من الموسوعة في عدة أماكن في العالم» (2).

ومن القرارات المغامرة -أيضًا- أنه مرّت به ظروف مادية صعبة، ومع ذلك ولتعلقه الشديد بمشروع الموسوعة فقد صمم على الاستقالة من العمل الرسمي في الجامعة، فتلاطمت عليه مصروفات المنزل ومصروفات الموسوعة (3).

وذكر الدكتور أنه بلغت المصروفات على مشروع الموسوعة (نصف مليون دولار)، تكبد هو وزوجته جزءًا كبيرًا منها في البداية، ثم موّلها لاحقًا رجال أعمال بواسطة علاقات شخصية (1).

وحين انتهت الموسوعة وطبعت في ثمانية أجزاء، كان الدكتور المسيري يتصور أن المؤسسات الرسمية ستشتريها لتدعم العمل وتغطي كلفته، لكن الأمر الذي أدهشه وأدهش الناشر، أن الموسوعة برغم ارتفاع ثمنها نفدت في وقت قصير واقتناها الأفراد (2)، ثم تتابع الدوي الإعلامي عن الموسوعة، وعُقدت مؤتمرات عنها، وظهر في فترة وجيزة أكثر من (170) مقالة تتحدث عنها (3)، وصارت مرجعًا رئيسًا، وأصبح د. المسيري ضيفًا إعلاميًا متكررًا.

ومن المهم الإشارة إلى أن هذه الموسوعة ليست موسوعة بالمعنى الفني المتداول، فالمواد ليست معلومات خام مرتبة بطريقة مباشرة للمستخدم العام، بل هي معلومات موزعة داخل منظور تفسيري، ولذلك قد يتعسر أحيانًا الفصل بين المعلومة والتحليل الخاص، فهي ليست مرجع تاريخي معلوماتي وصفي محض عن اليهود بقدر ما هي أفق مفاهيمي تفسيري مسنود بالمعلومات، وهذا أمر مقصود وقد أشار الدكتور إليه مرارًا، وذكر عن نفسه أنه «تجاوز النموذج المعلوماتي العقيم»(1).

وبسبب هذا المنهج في التأليف قلّت المعلومات في الموسوعة لحساب المقولات والمنظورات القرائية، حتى أن المسيري ذكر أنه لو كانت الموسوعة «معلوماتية» لأنجزت في نصف زمنها وسيبلغ حجمها ضعف حجمها الحالي، وما يزال من المتخصصين من يرى أن دمج المعلومات في التفسير وغموض الحدود الفاصلة أحيانًا قلل من مدى الاستفادة منها، وأنه لو فصلت المعلومة عن التفسير لكان أكثر فائدة، بينما يرى آخرون أن الموسوعة بهذه الهيكلة عمل خلاق ومبدع، وتظل هذه كلها وجهات نظر فنية.

وقد تُرجمت بعض دراسات الدكتور المسيري إلى عدد من اللغات الحية، ف«موسوعة تاريخ الصهيونية» تُرجمت إلى اللغة الإيرانية، وتُرجِم إلى اللغة البرتغالية كتاب «إسرائيل وجنوب أفريقيا»، وتُرجِم إلى اللغة التركية دراسة «نحو نموذج أكثر شمولية وتركيبية للعلمانية»، وتُرجِم إلى اللغة المالاوية والفرنسية أعمال أخرى.

محطة الماركسية الدمنهورية

ما سبق كان جولة خفيفة حول بعض منجزات الدكتور المسيري الفكرية، وخصوصاً عمله الرئيس في الموسوعة، ونحن ها هنا نواجه سؤالاً له عدة اعتبارات تفرضه: بات من المتداول أن للمسيري معجماً أدواتياً خاصاً غير مألوف في النسق الثقافي العربي، فكيف تشكلت منظومة أدوات المسيري بهذا الشكل يا ترى؟ وما هي روافده ومنابعه التي اغتذى منها؟

والحقيقة أن كيفية تكوّن عدسات القراءة ومنظومة الأدوات لدى المسيري تبتدئ من النشأة الدمنهورية الريفية بمصر التي غرست في القاع النفسي لدى المسيري القيم التكافلية الحميمة التي استمر يشير لاحقاً لأثرها عليه بلسان متوجّد يكاد يُجهش بالحنين، ويقارنها بكل تطورات الحداثة الغربية المادية البائسة.

ثم انضم وهو في المرحلة الثانوية لجماعة الإخوان المسلمين مدة وجيزة وصار يقرأ القرآن وقتاً طويلاً بالليل ثم ترك الجماعة، وفي السنة النهائية من الثانوية درس الفلسفة عبر الكتاب المقرر في المدرسة، فاجتاحته أسئلة الشك والحيرة وخصوصاً مسألة «مشكلة الشر» المعروفة، وقادته لسلسلة حوارات ومجادلات عائلية ومدرسية، وبسبب ذلك مال إلى التوجه للتخصص في الجامعة في قسم «الفلسفة»، لكن صديقه الذي كان له تأثير عليه (سعيد البسيوني) أشار عليه بخلاف ذلك، كما يقول المسيري «هو الذي نصحني بأن أدرس الأدب الإنجليزي بدلاً من الفلسفة، لأن اللغة الإنجليزية كما قال لي ستكون نافذة أطل منها لا على الفلسفة وحسب وإنما على العالم ككل»، وفعلاً توجه المسيري لكلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية، وواصل حتى تخصص في الدراسات العليا في «الأدب الإنجليزي» ودرس الأدب الرومانسي الإنجليزي، وفي كلية الآداب-قسم اللغة الإنجليزية في الإسكندرية تعرّف المسيري على لفيف من الأجانب الإيطاليين واليونانيين، وزاد طرح هذه الأسئلة في أصل الإيمان حتى بلغ الأمر به كما يقول عن نفسه «إلى أن أصبح الشك مكوّنًا أساسيًا في رؤيتي»، وبسبب هذا الفراغ العقدي والفكري توجّه للماركسية، وزوّده صديقه سعيد البسيوني بالكتب الماركسية، وفُتحت المكتبات السوفيتية بمصر تبيع الكتب الماركسية بأسعار مخفّضة، فأقبل عليها يقرؤها بنهم، إلى أن تم تجنيده في حزب «حدتو» الشيوعي، وترجم كتاب «ماوتسي تونج» عن التناقض، وانخرط في النشاط الماركسي الطلابي في الجامعة، واعتُقل لمدة وجيزة على خلفية بعض الأنشطة، ثم صُدم المسيري بالسلوكيات الأخلاقية لأعضاء الحزب ولاحظ أنها تتناقض كليًا مع المثل التي يتحدثون عنها، فقدّم استقالته، وطلب أن يكون «صديقًا للحزب، لا عضوا فيه»، واستمر في قراءاته الأكاديمية والثقافية(1).

هذه هي المحطة الأولى في تشكّل فكر المسيري، ويمكننا أن نقول أن جوهرها ثلاثة عناصر: الأول هو النشأة الريفية الحميمية بقيمها التكافلية، والعنصر الثاني التكوين الماركسي ومناهضته للامبريالية الغربية والبورجوازية والطبقية، والعنصر الثالث دراسة «الحركة الرومانسية» وهي حركة أدبية في التاريخ الأوروبي كانت في أساسها ثورة على أدبيات التنوير وقيد العقل ورد فعل على نتائج الثورة الصناعية، وقد أشار المسيري إلى أثر دراسة الرومانسية عليه فقال مرةً (تأثرت كثيراً بدراستي للشعر الرومانتيكي الإنجليزي، تخصصي الأكاديمي، الذي يعد أول احتجاج أدبي على الفلسفات المادية النفعية التي صاحبته ظهور المجتمع الصناعي الحديث في الغرب)3، ووصف الفكر الرومانسي في موسوعته بأنه يمثل «حركة العداء للاستنارة».

المحطة الفرانكفورتية

ثم انتقل المسيري إلى ما يمكن تسميته (المحطة الفرانكفورتية)، أعني استثمار المفاهيم التي طرحتها مدرسة فرانكفورت، والمتأثرون بها مثل زيجمونت باومان بشكل خاص، وبصورة عامة اتجاهات نقد الحداثة، لكن كيف وصل المسيري إلى هذه المحطة الفرانكفورتية؟

سافر المسيري للولايات المتحدة مرتين، في الستينات والسبعينات، ومجموع مكثه فيها (١١) سنة(١)، وبسبب خلفيته الماركسية تعرّف المسيري على الحركات الماركسية التجديدية، وحقبة الستينات/السبعينات في الولايات المتحدة هي مرحلة ظهور حركة «اليسار الجديد» (New Left)، والتي كان مُنظّرها الأساس هربرت ماركوز (ت ١٩٧٩م)، بل كان يُسمّى «أبو اليسار الجديد»، وماركوز هو أحد أقطاب «مدرسة فرانكفورت»(٢)، وقد انضم المسيري فعليًا إلى حركة اليسار الجديد هذه، كما يقول عن نفسه حين وصوله لأمريكا (كانت هناك حركة اليسار الجديد التي انخرطت في صفوفها)4، وتحدث المسيري في موسوعته عن منزلة ماركوز بين شباب اليسار الجديد وموقف ماركوز في معاداة إسرائيل وتأييد العرب.

وفي هذه الأجواء تعرّف المسيري على الخطاب الماركسي الجديد، وبدأ يلاحظ اختلافه عن الماركسية التقليدية التي تكوّن من خلالها، حيث يقول مثلًا عن حركة اليسار الجديد -التي كان مُنضّمًا لها- في كتاب نقدي مبكر له نشر أكثر فصوله مطلع السبعينات ثم أعيد جمعه وطبع في كتاب (١٩٧٩م) وهو كتاب «الفردوس الأرضي: دراسات وانطباعات عن الحضارة الأمريكية»، يقول فيه (وقد تنبه «اليسار الجديد» لخطورة الرأسمالية الأمريكية، فهو في نقده لها لا يركز على استغلاليتها لأنها ليست مُستغلة بالمعنى التقليدي، وإنما ينصب التركيز على استهلاكيتها العمياء، بل إن بعض الجماعات اليسارية لا تستخدم اصطلاح «الرأسمالية» الآن، وتستخدم بدلاً منه اصطلاح «الاستهلاكية»).

وهذه ليست ملاحظة هامشية في الداخل الماركسي، بل المسيري مندهش من تراجع المفهوم المركزي لصالح مفاهيم تبعية، فهو مستغرب تجاه التحول من مناهضة «الرأسمالية» إلى مناهضة «الاستهلاكية».

وتعرف المسيري على كتابات «مدرسة فرانكفورت» التي بدأت بمنطلقات ماركسية لكنها تجاوزتها عبر علم اجتماع ماكس فيبر خصوصًا، ولا سيما الجيل الأول من رموز هذه المدرسة ماكس هوركهايمر (ت١٩٧٣م) وتودور أدورنو (ت١٩٦٩م) وهيربرت ماركوز (ت١٩٧٩م)، وثلاثتهم من الألمان، وكان موقفهم من التنوير والحداثة أقسى نقدًا من موقف وارث تركتهم يورغن هابرماس (و١٩٢٩م)، وخصوصًا في العمل التأسيسي المشهور «ديالكتيك التنوير» (١٩٤٤م) لهوركهايمر وأدورنو، الذي قالا فيه عن عقل التنوير (المفارقة التي وجدنا أنفسنا بمواجهتها هي تدمير العقل التنويري لنفسه)5، وأما الازدهار الاقتصادي فقالا عنه (في ظل الظروف القائمة حاليًا تتحول الخيرات المادية السارة إلى عناصر شقاء)6. وتحدثا عن ما أسمياه «عودة الحضارة المتنورة حاليًا إلى حالة البربرية»، وأن «العقلانية حملت منذ البداية نزعة القضاء على نفسها»(3).

وسبب ظهور مدرسة فرانكفورت في المجال الأنجلوساكسوني الأمريكي هو هروب أقطابها الأوائل من البطش النازي في ألمانيا، وانتشرت منظومة مفاهيم ماكس فيبر لليساريين الأمريكان من خلالهم، وأعجب المسيري بنقد هذه المدرسة الفرانكفورتية للتنوير والحداثة الغربية، وصبّ اهتمامه على مفاهيم خطابهم التي طوروها من الماركسية أو التي استمدوها من فيبر أو التي سبكوها بأنفسهم، من أمثال: العقل الأداتي (Instrumental rationality)، والتشيؤ (Reification)، والتسليع (Commodification)، والتوثين/التصميم (Fetishism)، والإنسان ذي البعد الواحد (One-Dimensional Man)، ونقض فكرة «حياد التكنولوجيا»(4).

وبسبب حضور مفاهيم عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر (ت ١٩٢٠م) لدى «مدرسة فرانكفورت» فقد قاد هذا الأمر المسيري للاهتمام بماكس فيبر، وأعد دراسات عنه، نشر بعضها في كتاب «دراسات معرفية في الحضارة الغربية»(١)، وتبنى المسيري بعض مفاهيم فيبر مثل مفهوم الترشيد/العقلنة (Rationalization)، بل قال المسيري عن فيبر في موسوعته وفي كتابه العلمانية عبارة تفخيمية (ولعل ماكس فيبر هو عالم الاجتماع الغربي الذي اقترب من عملية الربط بين كل المصطلحات والظواهر بطريقة تكاد تكون شاملة من خلال مفهوم «الترشيد»)7.

وتعرّف المسيري من خلال ماكس فيبر على التمييز الرائج لعالم الاجتماع الألماني فرديناند تونيز (ت ١٩٣٦م) بين الجماعة والمجتمع (community and society) لتوصيف التمايز في نمط الروابط الاجتماعية وخصائص كل فئة، والذي اختار المسيري ترجمته إلى المجتمع التعاقدي/المجتمع التراحمي، مع إشارته طبعا إلى مصدرية فرديناند تونيز(٣)، وهو مصطلح شديد الحضور في أدبيات المسيري.

ودرس المسيري -أيضاً- في هذه المرحلة أطروحات عالم الاجتماع البولندي زيجمونت باومان (و١٩٢٥م)، الذي كان بدوره أيضاً قادماً من خلفية ماركسية/جرامشية، إلا أنه تجاوزها، وبرغم أنه لم ينسب نفسه البتة لمدرسة فرانكفورت ونظريتهم النقدية إلا أنه صار يُنظر إليه باعتباره أحد المفكرين ضمن هذا الخط، وعلى أية حال فإن باومان يستحضرهم كثيراً كأفق تفكير سواء وافقهم أم خالفهم(١)، وكتب باومان أطروحات في نقد الحداثة، منها تعميقه لأطروحة أن الإبادة النازية ليست بدعة ناشزة عن الحداثة بل كانت جزءاً طبيعياً منها لم تقم به عصابة غوغائية بل قامت به مؤسسات رسمية تسير وفق القانون، وسبك باومان التقابل المفهومي بين الحداثة الصلبة/الحداثة السائلة، وكتب كثيراً عن «الاستهلاكية»، وتُرجِم لباومان مؤخراً عدة كتب للغة العربية(٢).

ومما هو وثيق الصلة -أيضاً- بمدرسة فرانكفورت اطلاع المسيري على أطروحة عالم الاجتماع والمؤرخ جيفري هيرف (١٩٤٧م)، الذي صاغ مفهوم «الحداثة الرجعية» (Reactionary modernism) في كتاب بهذا العنوان عام (١٩٨٤م)، وتحدث فيه هيرف عن الانفصال بين التقنية الحديثة وقيم الاستنارة، وهيرف يصرّح بأنه انطلق من المنظورات والأسئلة التي طرحها ثلاثي مدرسة فرانكفورت: هوركهايمر وأدورنو وماركوز8.

وبشكل عام طالع المسيري بشكل أوسع اتجاهات نقد الحداثة التي راجت في الفكر الغربي في تلك الحقبة، واستثمر اهتمام هذه الاتجاهات بدراسة قطاع الدعاية والإعلان والتسويق، واستكشافهم الرسائل الفكرية المضمرة فيها لتعزيز نقدهم للحداثة، ودراساتهم أيضاً للدلالات الضمنية في أنماط الوجبات والأزياء ونحوها.

وأثر هذه المحطة الفرانكفورتية على المسيري في غاية الغزارة، فقد أصبح خطاب المسيري معلقاً بعائلة مفاهيمية وجهاز مصطلحي يحمله معه في كل كتاب جديد له، ولا يكل من إعادة شرحه، ومن هذه المفاهيم: النموذج التفسيري، والمقدرة التفسيرية، والخريطة الإدراكية، والتبعية الإدراكية وإمبريالية المقولات، والموضوعية المتلقية، والعلمانية الجزئية والشاملة، والحلولية، والواحدية، والمجتمع التعاقدي والتراحمي، والجماعات الوظيفية، وتسليع الإنسان، والحداثة المنفصلة عن القيمة، والحداثة الصلبة والسائلة، والاستنارة المظلمة، والتمركز حول الأثنى، والأيقنة، والتسليع، التشيؤ، والكوكلة (نسبة لكوكاكولا)، والمكدلة (نسبة لماكدونالدز)، ورمزية «الجينز والتشبير والبرجر»، إلخ.

ومن وجهة نظري أن أكثر لحظة يظهر فيها المسيري وهو على تخوم الانتقال يحزم حقائبه لبدء الرحيل من الماركسية التقليدية إلى مدرسة فرانكفورت؛ هو كتابه «الفردوس الأرضي: دراسات وانطباعات عن الحضارة الأمريكية»، الذي نشر جزءًا من دراساته مطلع السبعينات ثم أعيد ضم أجزائه وطبع في كتاب (١٩٧٩م)، ويطرح فيه المسيري نقدًا للحضارة الأمريكية من خلال مشاهدات ذاتية، لكن الغالب عليه هو التحليل من خلال منظورات الماركسية التقليدية، ولذلك إذا قرأ المؤرخ هذا الكتاب «الفردوس الأرضي»

(١٩٧٩م)، وقارنه مثلًا بكتاب العلمانية الجزئية والشاملة (٢٠٠٢م)؛ سيتفاجأ بحجم التحول القاموسي الجذري لدى المسيري في اللغة والمفاهيم والنماذج التفسيرية والمنظورات المستخدمة في قراءة الواقع الغربي.

حسنًا .. هل كان المسيري يخفي استثماره وتوظيفه للنتاج النقدي لدى مدرسة فرانكفورت؟ وهل كان يكتم استثماره لأطروحات زيجمونت باومان؟

الجواب: لا، بل كان المسيري صريحًا شفافًا في إعلانه استثمار وتطوير الأدبيات الفرانكفورتية في نقد الحداثة، حيث يقول المسيري مثلًا (استفدت كثيرًا من النقد الغربي للحداثة الغربية، خاصةً أعمال مفكري مدرسة فرانكفورت، الذين تأثروا بدورهم بعالم الاجتماع ماكس فيبر، وتأثرت كثيراً بأعماله)9.

ويقول المسيري في الموسوعة في سياق أحد تحليلاته (ومعظم المصطلحات التي نحتها أو روّج لها كثير من دعاة الماركسية الإنسانية ومفكري مدرسة فرانكفورت مثل: الاغتراب، التشيؤ، التسلع، الإنسان ذو البعد الواحد (…). والاغتراب والتشيؤ والتسلع والبعد الواحد كلها من النماذج التفسيرية الرئيسة لدى المسيري، ومع ذلك يصرح بمصدرها من مدرسة فرانكفورت سبكاً أو تطويراً.

وقال المسيري مرة في بيان القوة النقدية لمدرسة فرانكفورت ضد الحداثة الغربية (ثم تحدثنا عن «مدرسة فرانكفورت» وأخبرته بأنها في تصوري خير نقد للعلمانية الشاملة والنسبية من داخل المنظومة)10، وتحدث المسيري في الموسوعة أيضاً عن شمول النقد الفرانكفورتية فقال: (وظهرت مدارس فلسفية توجه سهام نقدها للحداثة العقلانية المادية الغربية وفكر الاستنارة ككل، مدرسة فرانكفورت، وتهاجم فكرة التقدم). وهكذا استمر المسيري في عامة كتبه يكرر الإحالة صراحة إلى مدرسة فرانكفورت، وأقطابها الثلاثة الأوائل، هوركهايمر وأدورنو وماركوز11.

بل وأشار المسيري للخيط الذي قاده للتعرف على هذه المدرسة الألمانية (مدرسة فرانكفورت ثم ماكس فيبر) وهو خلفيته الماركسية التقليدية، حيث لما تعرض لتجربته الماركسية التقليدية قال (تعرفت على كثير من مقولات الفلسفة الألمانية من خلالها)12.

وأما زيجمونت باومان الذي كرس كتاباً خاصاً لتعميق وشحذ أطروحة تجذر الإبادة النازية في بنية الحداثة، وصاغ التقابل بين الحداثة الصلبة والسائلة، وكثف الاهتمام بالاستهلاكية، فقد قال المسيري بكل وضوح (وكانت دراسات باومان، خصوصاً كتاب «الحداثة والهولوكوست»، من أهم الدراسات التي استفدنا منها، والتي ساعدتنا في تطوير نموذجنا التفسيري)13.

ويؤكد المسيري هذا أيضاً في موسوعته فيقول (وقد ساهمت كتابات أبراهام ماير مؤلف كتاب المرآة والمصباح، وزيجمونت باومان عالم الاجتماع، في تشكيل كثير من أفكاري ومقولاتي التحليلية). وينقل المسيري عن باومان فكرة صارت رئيسية في أطروحات المسيري، وهي قول المسيري: (منذ منتصف الثمانينيات، مع بداية اهتزاز ثقة الإنسان الغربي بمشروعه التحديثي، ظهرت العديد من الدراسات التي ترى الظاهرة النازية باعتبارها تعبيراً متبلوراً عن هذه النقائص، ففي كتابه «الحداثة والهولوكوست» يذهب زيجمونت باومان إلى أنه لا يوجد أي تناقض بين الحداثة والإبادة، فالإبادة في رأيه هي تحقق لإحدى الإمكانيات الجوهرية الكامنة في الحداثة: «لقد نبعت الإبادة من كل ما نعرفه عن حضارتنا الحديثة»(١).

وهذه الفكرة نقلها المسيري -أيضاً- عن أدورنو في موسوعته ونقل عنه أنه يرى أن (ما جرى في معسكرات الإبادة النازية لا يعد انحرافاً عن مسيرة التاريخ والمجتمع، وإنما هو جزء عضوي من تقدمها نحو الجحيم).

ونقل المسيري عن زيجمونت باومان أيضاً في كتاب العلمانية بعض الرؤى النقدية حول تطورات تغول الدولة في الواقع الغربي(٢).

وهذه الفكرة في كون الإبادة النازية جزء من الحداثة وليست شذوذاً عنها؛ استحوذت على كتابات المسيري لاحقاً وصار يوظفها كثيراً(٣).

كما صرّح المسيري باستفادته من كتاب جيفري هيرف «الحداثة الرجعية» في موسوعته وفي غيرها من كتبه(٤).

وربما لاحظ قارئ هذه السطور أن المسيري في تكوينه لم يكن منغمساً في تفاصيل الفلسفة الغربية كما يظن بعض القراء، وإنما تكوينه يتراوح بين تاريخ الآداب الغربية وعلم الاجتماع الماركسي والفرانكفورتي، بل المسيري نفسه نص على عدم عنايته بالفلسفة كما يقول عن نفسه (لست مهتماً بالفلسفة، وإنما مهتم بتاريخ الأفكار)14.

وأما المصادر الرئيسية للمسيري في جمع المعلومات عن تاريخ اليهود فهما موسوعة جودايكا (٢٦ مجلد)، وكتاب «تاريخ اليهود الاجتماعي والديني» (A Social and Religious History of the Jews) للمؤرخ الأمريكي «سالو بارون» (ت ١٩٨٩م)، ويقع في (١٨ مجلد). ولكن -ومع كل ذلك- يجب أن نؤكد بصورة واضحة أن المسيري لم يكن ينقل نقلاً محضاً مجرداً، بل كانت له لمساته المشهودة في تطوير النماذج التفسيرية، إما بتنقيح وإغناء محدداتها النظرية، أو بتخصيبها بتطبيقات جديدة.

هذه هي المعالم الرئيسة في المحطة الثانية، التي يمكن تسميتها المحطة الفرانكفورتية، ونتنقل الآن إلى المحطة الثالثة.

محطة الخط الإسلامي

انتقل المسيري كما هو معروف إلى محطة الخط الإسلامي، ولهذه النقلة ثلاثة أسباب: الشعور بأزمة الحداثة الغربية، واكتشافه عجز النماذج التفسيرية السابقة كلها عن تفسير ظاهرة الإنسان المركبة، واستمرار بحثه عن المطلق والمركز.

يقول المسيري عن نفسه شارحاً أثر إحساسه بأزمة الحضارة الغربية (بدأت اقترابي من الإسلام في المرحلة ذاتها التي بدأ جارودي فيها الاقتراب التدريجي من الإسلام، وأفسّر هذا أنه في السبعينات بدأت أزمة الحداثة الغربية تتضح، وإن كثيراً من أمثالي ممن عادوا إلى الإسلام قد فعلوا ذلك نتيجة لإحساسهم بأن منظومة الحداثة الغربية الداروينية لم تُعد قادرة على إدارة المجتمعات الإنسانية، وأنها حولت العالم إلى حلبة صراع بين الحضارات والمجتمعات، وأنها ستودي بنا جميعاً)15.

وتحدث المسيري أيضاً عن مكثه وتحولاته في البحث عن المطلق والمركز، ثم أوبته إلى الإسلام بفضل الله ومنته وحده، وعودته للإيمان هي أيضاً متصلة بمركزية «التفسيرية» في فكر المسيري، فلما رأى كل النماذج التفسيرية المادية التي عرفها عاجزة عن تفسير ظاهرة الإنسان المركبة والمفعمة بالأسرار والتنوع، أيقن أنه لا يمكن تفسيرها إلا بنموذج غير مادي، فعاد للإيمان، يقول المسيري: (وقد حاولت في مرحلة الترفيع أن أبقى داخل النموذج المادي في بحثي عن المركز والمطلق، فتارةً كنت أراه في العنصر الاقتصادي، ثم في التاريخ ومكاره وحتمياته، ثم في القضية الفلسطينية …، وعندما وصلت إلى أن النموذج المادي عاجز عن تفسير ظاهرة الإنسان، وأنه لا يمكن تفسير هذه الظاهرة إلا باللجوء لنماذج غير مادية؛ عدت إلى الرؤية الإيمانية(1).

وبداية عودة المسيري للإسلام هي عودة للإسلام كموقف ثقافي، أو ما يسمى أحيانًا «الإسلام الثقافي» لدى كثير ممن كان يكتب في الإسلاميات في القرن الماضي، أكثر من كونه استيعابًا للتفاصيل الشرعية للرؤية الإسلامية، وتبنّيًا لمنظومتها العقدية والفقهية، وقد سماه هو أيضًا «الإسلام الفكري/الحضاري/الثقافي»(2).

وبعد أن كان المسيري يدير حديثه عن «النزعة الإنسانية» و«الماركسية الإنسانية» ونحوها، دخل في معجم المسيري وشبكته المفاهيمية مفاهيم معيارية جديدة تعكس تأثيرات دخول التصور الإسلامي عليه، ومن هذه المفاهيم التي تعكس القفزة الفكرية لدى المسيري مصطلح «الإنسان الرباني» الذي صار المسيري يستعمله، كقوله مرة في الموسوعة: (في إطار المرجعية الكامنة في الطبيعة والإنسان، يظهر الإنسان الطبيعي/المادي، الذي يرد إلى الطبيعة/المادة، وهو كائن يتسم بالبساطة العضوية أو الآلية البالغة، أما في إطار المرجعية المتجاوزة، يظهر «الإنسان الرباني» حاويًا داخله «القبس الإلهي»(1).

ويتحدث المسيري عن معيارية هذا العنصر الرباني في الموسوعة أيضًا فيقول (هذا العنصر الرباني الذي فطره الله فينا، ودعمه بما أرسله لنا من رسل ورسالات، تشكل معيارًا وبعدًا نهائيًا وكليًا).

ومن يعرف التفكير الماركسي أو سبق له التعامل مع بعض تحليلاته يُدرك الدلالات الحادة لهذا النص والنمط من التعبير لدى المسيري، وإذا كان بعض ما سبق في حياته هو انعطافات مفيدة فهذا ارتقاء شاهق، وبسبب ذلك فقد بدأت تدخل بعض المصطلحات العقدية في لغة المسيري وكان الماركسيون يرون التعبير بها غاية العيب والنقيصة وبدائية التفكير، كقول المسيري مثلًا (إن المشروع المعرفي الغربي كافر بالمعنى العميق للكلمة، فهو ليس كافرًا بالإله وحسب، وإنما هو كافر بالإنسان أيضًا)16.

فهذا النص تقرؤه الاتجاهات العلمانية العربية باعتباره «تكفير الثقافة الغربية»، ويملؤون الدنيا زعيقًا وتشنيعًا على مثل هذا النمط من التفكير.

الموقف الملتبس من العلمانية الجزئية

أية مناقشة لمشروع المسيري وتكوينه وتشكّلاته لا يمكن أن تتجاوز إشكالية موقفه الملتبس تجاه «العلمانية الجزئية» الذي أشكل على كثير من الناظرين، فموقف المسيري من العلمانية الشاملة هو موقف نقدي حاسم، فالعلمانية الشاملة في نظر المسيري هي رؤية شاملة للكون تفصل كل القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية عن الحياة العامة والخاصة حتى يتحول الإنسان في النهاية إلى «مادة استعمالية»، والمسيري يكرر أن هذا هو واقع الحداثة الغربية، وأنها نهاية كارثية، وأما العلمانية الجزئية فيعرفها بالتعريف المشهور بأنها «فصل الدين عن الدولة»، فما هو موقف المسيري من هذه العلمانية الجزئية؟

الحقيقة أن المسيري له خمسة مواقف تجاهها قد يبدو فيها بعض التعارض، دعنا نستعرضها الآن ونحللها سويًا، فالموقف الأول يعلن فيه المسيري بضع مرات بأنه «باعتباره مفكرًا مسلمًا فإنه لا يرى مانعًا من قبول العلمانية الجزئية» وهذا الموقف أعلنه في عدة مواضع من كتاباته وحواراته17، وهو الذي أثار الإشكال.

لكن يتعارض مع هذا التصريح مواقف ومفاهيم أخرى يتبناها المسيري، منها طرحه لمفهوم (متتالية العلمانية) وهو مفهوم يشير له كثيرًا ووضعه عنوانًا لبعض فقرات كتبه، كما يقول في الموسوعة مثلاً (والفرق بين ما نسميه «العلمانية الجزئية» وما نسميه «العلمانية الشاملة»: هو في واقع الأمر الفرق بين مراحل تاريخية لنفس النموذج، حلقات في نفس المتتالية). وبالتالي فالعلمانية الجزئية تتطور تاريخياً إلى علمانية شاملة، فمن يتبنى هذا المفهوم فهذا يشكل على كونه لا يرى مانعاً في العلمانية الجزئية، فهذا هو المفهوم الأول وهو «متتالية العلمانية».

وأما المفهوم الثاني فهو ما يسميه المسيري في كتبه (العلمنة البنوية الكامنة) وهو مفهوم يقصد به أن كثيراً من المنتجات والسلوكيات الحضارية التي نمارسها اليوم هي آليات للعلمانية الشاملة! كقوله مثلاً (المنتجات الحضارية المألوفة البريئة: من أهم آليات العلمنة الشاملة البنوية الكامنة، ولنضرب مثلاً بالتي شيرت «T-Shirt»

الذي يرتديه أي طفل أو رجل وقد كُتب عليه مثلاً «اشرب كوكاكولا» ..

وهي عملية تُفقد المرء هويته وتحيده، بحيث يصبح مُنتجاً بائعاً، الصدر كمساحة، ومستهلكاً للكوكاكولا ..)18.

ثم يواصل المسيري ضرب الأمثلة ويذكر منها: المنازل مسبقة الصنع، والهامبرجر، والكارتون توم وجيري، والإعلانات التلفزيونية، وأفلام هوليود، ويختم ذلك كله بقوله أن هؤلاء الذين يمارسون هذه السلوكيات والمنتجات (يجدون أنفسهم يسلكون سلوكاً ذا توجه علماني شامل، ويستبطنون عن غير وعي مجموعة من الأحلام والأوهام هي في جوهرها علمانية شاملة، وربما كان بعضهم لا يزال يقيم الصلاة في مواقيتها ويؤدي الزكاة)19.

فرجل يبلغ به التحسس من التيشيرت والبرجر وتوم وجيري إلى هذا المبلغ، ويراها نماذج لآليات العلمانية الشاملة التي هي في غاية الفظاعة عنده، فكيف يمكن أن يقبل العلمانية الجزئية بمعنى رفض الأحكام الشرعية في السياسة؟! فلا شك أن مفهوم «العلمنة البنوية الكامنة» يتعارض بشكل واضح مع الفهم الأولي لمعنى قبول المسيري بالعلمانية الجزئية.

وأما المفهوم الثالث فهو كثرة ذم المسيري لمفهوم العلمانية وأنه مفهوم ملتبس ومضلل، وأنه لا يرتاح لهذا المصطلح من أصله، ومنها قوله مثلا (إن مصطلح «علمانية» مبهم ومختلط وخلافي لأقصى درجة، ولو كان الأمر بيدنا لاستغنينا تماما عنه)20.

حسنا، كون المسيري يتبنى مفهوم «متتالية العلمانية» وأن العلمانية الجزئية أفضت إلى العلمانية الشاملة في التطور التاريخي، وأن العلمنة الشاملة «بنية كامنة» في المنتجات الحضارية كالتيشيرت والبرجر والكوكاكولا والبيوت مسبقة الصنع الخ التي يعدها الناس مجرد وجبات وأزياء وعمارة عادية جدا، وكونه يتمنى الخلاص من مصطلح علمانية، كل ذلك يجعل معنى قوله بقبول «العلمانية الجزئية» مشكلا، وأنه لا يمكن أن يكون مقصوده موافقا للفهم الأولي لهذه العبارة، أعني رفض سلطة الأحكام الشرعية في باب السياسة، فما مقصوده إذن يا ترى؟

الحقيقة أن المسيري ذكر في مواضع متعددة من كتبه كلمات يفسر بها «العلمانية الجزئية» تكشف أنه قد أسيء فهم عبارته بقبول العلمانية الجزئية، وأنه قد ذُهِب بها إلى أبعد من مداها، فقد فسّر المسيري «العلمانية الجزئية» لا بمعنى رفض هيمنة الأحكام الشرعية على باب السياسة، وإنما بمعنى أن «المسائل الإجرائية والفنية تحال إلى أهل الخبرة لا إلى الفقهاء، بشرط أن لا تعارض المرجعية الشرعية»، كما يقول المسيري مثلاً: «الدولة» هنا تعني بعض الإجراءات السياسية والاقتصادية ذات الطابع الفني، مثل الجوانب البيروقراطية في إدارة الدولة، أو شراء نوع معين من الأسلحة، أو مناقشة أمور فنية تتصل بالميزانية العامة، وهي أمور لا يعرفها سوى الفنيين، ولذا فليس بإمكان رجال الدين أن يُفتوا فيها(1).

ويقول المسيري أيضاً: (أنا بصفتي مفكراً إسلامياً لا أرى غضاضة في قبول ما أسميه «العلمانية الجزئية» إن كان يعني بعض الإجراءات السياسية والاقتصادية ذات الطابع الفني، والتي لا تمس من قريب أو من بعيد المرجعية النهائية)21.

وذكر هذا التمييز أيضاً في مواضع أخرى، وهو أن مقصوده بالعلمانية الجزئية إحالة الأمور الفنية لأهل الخبرة بشرط أن لا تعارض المرجعية الشرعية(3).

وهذا التفسير والمضمون الذي يذكره المسيري لا إشكال فيه شرعًا، بل هو معنى يقرره أهل العلم، ويذكرون فيه أصلين شرعيين، الأصل الأول هو مرجعية أهل الخبرة، والأصل الثاني التمييز بين دائرة الاجتهاد البشري ودائرة الأحكام التوقيفية.

فأما مرجعية أهل الخبرة فأهل العلم يستشهدون لها بمثل قول الله ﴿فَسْـَٔلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]، ويقول الإمام ابن تيمية في التمييز بين دائرة مرجعية الخبير ودائرة مرجعية الفقيه: (وكون «المبيع معلومًا أو غير معلوم» لا يؤخذ عن الفقهاء بخصوصهم، بل يؤخذ عن أهل الخبرة بذلك الشيء، وإنما المأخوذ عنهم ما انفردوا به من معرفة الأحكام بأدلتها، فإذا قال أهل الخبرة أنهم يعلمون ذلك كان المرجع إليهم في ذلك، دون من لم يشاركهم في ذلك، وإن كان أعلم بالدين منهم، كما قال النبي ﷺ لهم في تأثير النخل: «أنتم أعلم بدنياكم فما كان من أمر دينكم فإلي»، ثم يترتب الحكم الشرعي على ما تعلمه أهل الخبرة)22.

ويقول ابن القيم في إعلام الموقعين: (وقول القائل «إن هذا غرر ومجهول» فهذا ليس حظ الفقيه، ولا هو من شأنه، وإنما هذا من شأن أهل الخبرة بذلك، فإن عدوه قمارًا أو غررًا فهم أعلم بذلك، وإنما حظ الفقيه يحل كذا لأن الله أباحه، ويحرم كذا لأن الله حرمه (١).

وقد شرحت هذا الأصل «مرجعية أهل الخبرة» في دراسة سابقة، فيمكن للمستزيد مراجعتها (٢).

ونحن وإن كنا نرفض مصطلح العلمانية كله بقضه وقضيضه، إلا أن مقصود المسيري وتفسيره يبين أن هفوته لفظية إن شاء الله، وأن من نشر عن المسيري أنه يقبل بالعلمانية الجزئية على التفسير الشائع عند العلمانيين فالذي يظهر لي أنه قد غلط عليه، وأضاف له ما يتعارض مع مراده، ومورد غلط الإضافة الاشتراك المصطلحي.

وأنا شخصياً أميل للاعتذار للمسيري بسبب حداثة عهده بالخط الإسلامي، وقد عرفه على كبر، ولم يتهيأ له فرصة كافية لدراسة النماذج التفسيرية المركبة والعميقة في العلوم الشرعية والتي تزوده بمقدرة تفسيرية منضبطة في فهم علاقات الشريعة بالسياسة والحضارة والحداثة والعقل ونحوها، إضافة إلى أنه أحسن الظن ببعض المنتسبين للفكر الإسلامي ممن طرأت لهم تحولات باتجاه لبرلة الإسلام، فصار مصدره الشرعي هشاً، فما بالك بصائر منزوف أوردته الكهولة على بئر غاض ماؤه ..

وهذا المحاولة في تفسير كلام المسيري هي -إن شاء الله- تفريع على أصل أهل السنة وقاعدتهم المنهجية في «حمل كلام المسلم على أحسن محامله» كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﷺ (ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك منه ما يغلبك، ولا تظن بكلمة خرجت من امرئ مسلم شرًا وأنت تجد لها في الخير محملا)23، وقد استشهد أبو العباس ابن تيمية بهذه الآثار وقال عن نفسه (ونحن لا نحمل كلام رجل على ما لا يسوغ إذا وجدنا له مساغًا)24، ورفعها الإمام ابن تيمية من مستوى التنبيه الأدبي إلى مستوى القاعدة المنهجية فقال ﷺ في موضع آخر (ومن أعظم التقصير نسبة الغلط إلى المتكلم مع إمكان تصحيح كلامه)25.

والحقيقة أنه مع شكرنا وتقديرنا لمجهود المسيري الكبير في نقد الحداثة والعلمانية والتنوير الغربي، واستثماره لأدوات مدرسة فرانكفورت وتطويرها وتخصيبها، وقدرته البارعة على استدماج كتلة مصطلحات ومفاهيم نقدية كثيرة في اللسان الفكري العربي المعاصر، وإغنائه بها، إلا أننا مع ذلك يجب أن نكون في غاية الوضوح في أن نقد المسيري للمشروع الثقافي الغربي هو «نقد جزئي تبعي»، وليس «نقدًا شاملًا أصليًا»، فنقد المسيري يدور حول محورين: مشكلات سيطرة الاستهلاكية المادية على الواقع الغربي، وهذا بعد اقتصادي في النقد، والمحور الثاني نقد ضعف القيم الإنسانية العامة كالتراحم والحب ونحوها، وهذا جزء من النظام الأخلاقي، وهذا كله نقد تبعي صحيح ومطلوب، ولكنه يجب أن لا يعرض باعتباره يمثل النقد الإسلامي الشامل المنطلق من المحكمات القرآنية.

فالأصول القرآنية هي الأسس التي يُقرأ ويُقيّم المشروع الثقافي الغربي من خلالها، ورأس هذه الأسس «غائية الخلق للعبادة» وإفراد الله بالتأله والحب والذل والتشريع وغيرها، كما قال الله ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ وقال الله عن نوح ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ﴾ وقال سبحانه عن هود ﴿وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ﴾ وقال سبحانه عن صالح ﴿وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ﴾ وقال سبحانه عن شعيب ﴿وَإِلَىٰ مَدِينَتَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ﴾ وقال سبحانه عن إبراهيم الخليل ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ﴾ وقال سبحانه عن كل الأمم والرسل ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، فهذا أصل الرؤية القرآنية التي ننظر للأمم من خلالها. ورأس الخلل في المشروع الثقافي الغربي هو شروده وتيهه وغيّه عن أصل «غائية الخلق للعبادة»، وسقوطه في ضد ذلك وهو وحل الشرك، كما قال الله عن جنس ذلك ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُۥ﴾ وقال سبحانه ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُۥٓ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾، وبقية المسائل الاقتصادية والسياسية والأخلاقية جزء من مفهوم العبادة الشامل، وقد شرحت هذه الأسس القرآنية في تقييم الثقافات والحضارات في دراسة سابقة26، ولعله لو تهيأ للمسيري الوصول لمحطة الخط الإسلامي مبكرًا لربما استطاع أن يشتق نماذج نقدية تفسيرية للمشروع الثقافي الغربي من القرآن نفسه فيكون قدّم إضافة نوعية جذرية للثقافة العربية.

على أية حال، ها قد تعرّفنا على الخطوط العامة للمنجزات الفكرية لمشروع المسيري، وهي منجزات بحثية استغرقت كثيرًا من الزمن والجهد ومواصلة العطاء، وفرغنا من جواب السؤال عن كيفية تشكّل منظومة أدوات المسيري، ولعل هذا الوقت المناسب للتعرف على نموذجه في العلاقة مع الماجريات السياسية.

القسم الثاني: مكونات النموذج

الانفصال المؤقت

يرى المسيري أن مشروعه الفكري هو «مشروع معرفي»، ويرى أن هذا البعد المعرفي يتطلب الاجتهاد في التمعن والتأمل المنظم للوصول إلى الكليات والبنى والمنظورات، ويرى أن متابعة الأحداث والماجريات اليومية عبر الإعلام يجره إلى دوامة الحدية والوقائعية، فيشل قدرته على الإنتاج ويحوّله إلى «كاتب حدّثي»، وبسبب قناعته هذه فقد قرر أن تكون متابعته للأحداث السياسية واليومية ثانوية، بل قرر المسيري أيضاً تحاشي الكتابة عن الماجريات السياسية لذات الغرض، وطرح المسيري عدة مفاهيم يلخص فيها أسلوبه هذا، منها: مفهوم «الانفصال المؤقت عن الواقع»، ومفهوم «العزلة النسبية»، ومفهوم «الانغلاق النسبي».

عقد المسيري فصلاً للحديث عن رحلته في مشروع «الموسوعة»، لكنه قبل ذلك اهتم بشرح مسلكه في التعامل مع الأحداث السياسية والوقائع اليومية، لأنه يرى أن هذا المسلك له دور كبير في إنجاز مشروعه المعرفي، حيث يقول المسيري: (وقبل أن أنتقل للحديث عن أهم أعمالي قاطبة، أي «الموسوعة»، لابد من توضيح نقطة مهمة وهي أن اهتمامي بالسياسة كان بالدرجة الأولى اهتماماً معرفياً فلسفياً، وأن اهتمامي بالأحداث السياسية اليومية ظل اهتمامًا ثانويًا وهامشيًا، متجاهلًا الصحف اليومية) ثم يضرب الدكتور لذلك مثالًا فيقول (فعلى سبيل المثال كنت في الولايات المتحدة عام ١٩٦٧م حينما وقعت النكسة، وقد احتفل الإعلام الأمريكي احتفالًا هستيريًا بالانتصار الإسرائيلي، ومع هذا فقد بدأت رسالتي للدكتوراه بعد الحرب مباشرةً، متجاهلًا الصحف اليومية والتلفزيون والهستريا الإعلامية، ثم نشبت حرب سنة ١٩٧٣م وكنت مشغولًا بكتابة موسوعة ١٩٧٥م، والتصقّت زوجتي مثل معظم المصريين بالتلفزيون، واستمررت أنا في عملي ولم أتوقف ..)27.

فبرغم ضخامة الحدثين، حرب ٦٧، وحرب ٧٣، وانشغال الناس كلهم حينها بالمتابعة التفصيلية للإعلام، إلا أنه استمر في جعل علاقته بعالم الماجريات السياسية علاقة مجملة ثانوية وأن لا ينهمك فيها عن إنجاز مشروعه المعرفي.

والمسيري يكرر الإشارة إلى أن مسلكه هذا هو الذي ساعده على الإنتاج العلمي، وقد أطلق عليه مصطلح «الانفصال المؤقت»، كما يقول المسيري في موضع آخر: (ولعل هذه المقدرة على «الانفصال المؤقت عن الواقع» هي التي مكّنتني من كتابة «الموسوعة»، فيما يزيد على ربع قرن، كان الصراع العربي الإسرائيلي في أثنائها يأخذ أشكالًا كثيرة)28.

وهذا القيد التأقيتي الذي وضعه المسيري على كلمة «الانفصال» بحيث أخرجها من الإطلاق وجعلها «الانفصال المؤقت»، من الواضح أنه يريد به المسيري الإشارة إلى قضية التوازن، وأن هذا الانفصال ليس انفصالاً كلياً ولا مستديماً زمنياً، وإنما انفصال إجرائي مؤقت لغرض علمي.

الانغلاق النسبي والعزلة النسبية

وبالإضافة إلى ما سبق فإن المسيري لا يكف أيضاً عن التنبيه على ضرورة «التوازن» في هذا الأمر، بحيث لا يتحول إلى انسحاب تام عن الماجريات الواقعية وفهمها والتأثير فيها، حيث يقول: (وبرغم «انغلاقي النسبي» على ذاتي، وهو أمر أرى أنه ضروري أحياناً ليحمي الإنسان نفسه مما هو شائع ومألوف، وليقي نفسه شر التفاصيل والتفاهات ولغو الحديث والأحداث اليومية؛ فإني لم أتوقع قط، بل ظللت منفتحاً على ما هو أمامي، وعلى من هم حولي)29.

فالمسيري يؤكد هنا على أن جزءاً من أسلوبه في الإنتاج العلمي هو اعتماد «الانغلاق النسبي» لكن إلى مستوى لا يصل إلى حد التقوقع.

ومما ذكره -أيضاً- في التنبيه على توازنه هو أن انفصاله وعزلته لم تجعله بعيداً عن العلاقات العلمية والفكرية والأدبية، كما يقول (ويبدو أنني قررت أن مشروعي المعرفي أمر مهم بالنسبة لي، فنظّمت وقتي بقبضة حديدية … ولكن رغم «عزلتي النسبية» هذه؛ تعرّفت على بعض الأدباء والمفكرين ..)30.

وهاهنا يؤكد المسيري مجددًا على أن أحد أسس برنامجه الآليفي هو «العزلة النسبية» لكنه ينبه إلى أن ذلك لا يصل لمستوى الانقطاع على التعرف على أهل الرأي والفكر.

الكتابة الحدثية

هذا الابتعاد عن الماجّريات السياسية والأحداث اليومية لم يجعله المسيري مختصًا بالمتابعة فقط، بل فرض على نفسه الابتعاد عن الكتابة في اليوميات والحدّثيات، لأنه يرى أنها تؤثر على انكبابه وتسلبه مشوشاتها التفطن للكليات الكامنة، كما يروي عن نفسه تجربة «الكتابة الصحفية الدورية» فيقول: (وفي الرياض تفرّغت تمامًا للموسوعة …، وكنت أحرر بابًا أسبوعيًا بعنوان «إسرائيليات معاصرة» في جريدة الرياض، ولكني لاحظت أن انشغالي بالحدث اليومي بدأ يقوّض من رؤيتي البانورامية الموسوعية، التي تركز على الثوابت، والتي تتطلب إيقاعًا بطيئًا، واهتمامًا بموضوعات تاريخية وفلسفية وجوانب استراتيجية ربما لا تكون لها علاقة مباشرة بالحدث اليومي، ولذا توقفت عن تحرير هذا الباب)31.

والحقيقة أن المسيري ينهنا هنا على أمر أدق من قضية أن الاشتغال بالأنباء والماجريات اليومية يلتهم الوقت، فهناك أمر آخر خلاف الوقت، وهو تشويش التفكير الحدثي على التفكير الكلي.

وهل هذا يعني أنه يستحيل الجمع بين الكتابة الحدّثية الدورية والكتابة المعرفية الكلية؟

لا طبعا، فهذا تعميم غير علمي، وإنما المسيري يتحدث عن تجربة شخصية له مع الكتابة الحدّثية الدورية، وقد يشاركه في هذا غيره، وهذه العلاقة يمكن أن نفهمها أكثر بمقارنتها بعلاقة أخرى من حقل مشابه، حيث نجد أفرادًا من العلماء لديهم دروس يومية مكثفة، ومع ذلك لديهم أيضًا مؤلفات بحثية عميقة ومطولة، وفيها استخلاصات كلية، صحيح أن هذا موجود لكنه الأقل، وإنما الغالب على العلماء أنك تجد في سيرهم كثيرًا الاعتذار عن التأليف العلمي المحقق والمطول بسبب انهماكهم وانشغالهم بالتعليم اليومي المكثف، فهذا هو الشائع في القدرات والطاقات البشرية.

وفي أثناء حرب أكتوبر ١٩٧٣م كتب المسيري مقالًا أعرض فيه عن تفاصيل الحرب ووقائعها ويومياتها، وتحدث فيه عن تعطيل مفهوم الزمان في نظرية الأمن الإسرائيلية، فأعجب الكاتب السياسي المعروف محمد حسنين هيكل بمقاله، وسأله: كيف نجحت فيما أخفق فيه الجورنالجية؟ يقول المسيري (فضحكت، وقلت: لأنني لا أقرأ الصحف اليومية)32.

وهذا البعد الكتابي الذي يهتم بالبنى المعرفية دون الأحداث اليومية سبق أن كشف المسيري عن نافذة الضوء التي تفطن من خلالها إليه حتى قاده ذلك لتقليص الاهتمام بالماجريات السياسية، كما يقول: (وقد ساعدني على الانتقال من السياسي إلى المعرفي، ومن الاهتمام بالأحداث السياسية المباشرة إلى الاهتمام بالثوابت المعرفية والاستراتيجية؛ قراءة أعمال الدكتور إسماعيل الفاروقي في أوائل السبعينات)33.

بل إن هذا المسلك لدى المسيري تطور من تقليص متابعة السياسة الحدّثية والكتابة الحدّثية، إلى درجة الاعتذار عن الاستضافات الإعلامية حين رآها بدأت تشل طاقته عن التفكير والإنتاج العلمي وتنهش انكبابه وتركيزه، حيث يقول: (ثم صدرت «الموسوعة»، وقد فاق التلقي الإعلامي كل توقعاتي، كنت أتصور أنها ستُعرف كأداة بحثية خلال عامين أو ثلاثة، ولكن ما حدث أنني خلال شهر واحد وجدت نفسي محط اهتمام الإعلام، فدعاني: تليفزيون الجزيرة «قطر»، وأبو ظبي ودبي والشارقة «الإمارات»، والمستقبل والمنار «لبنان»، وANN وMBC «لندن»، للحديث عنها …، ونُشرت حوارات معي بشأنها في أهم الصحف العربية، وهذا الاهتمام الإعلامي لم يكن أمرًا مألوفًا لدي، فأكسحني تمامًا، وتوقفت لأول مرة في حياتي عن التفكير والتأمل والقراءة والكتابة، لأن الجهد الذي كنت أبدله في الإجابة عن الأسئلة والظهور في البرامج كان يستنفد كل طاقتي، ووجدت أن الاهتمام الإعلامي أصبح يتهدد حياتي الفكرية بالخطر، ولذا فكّرت في شعار طريف أطرحه على الإعلاميين حين قررت الاختفاء والعودة إلى عالمي الهادئ: «أنا أفكر إذن أنا غير موجود»(1).

حسنًا، الدرس الأساس الذي فهمناه عن المسيري هو أن الإنتاج العلمي الذي يعتني بالكليات والبنى المعرفية قد يحتاج إلى استقلال نسبي عن الانهماك في متابعة الماجريات السياسية والأحداث اليومية، وأنه -بحسب المسيري- يكفي الاطلاع على مجملات هذه الأحداث، وأن الإنتاج في مثل هذه الحقول ليس بعيدًا عن الإصلاح في واقع الأمة وتحدياتها الكبرى، بل هو في قلب عملية الإصلاح، سواءً في مواجهة المشروع الصهيوني الذي يحتل مقدسات المسلمين، أو المشروع الحداثي الغربي الذي يحتل قيم المسلمين.

وحين أعيد استحضار ما يذكره المسيري من الحاجة إلى الانكباب العلمي ووضع المسافة الفاصلة المتوازنة بين المثقف والمفكر وبين الماجريات اليومية، ليتمكن من التفكير العلمي المنظم والإنتاج الكلي الفاعل، ثم أقارن ذلك بطوائف كثيرة من الشباب المسلم في أثمن لحظات التحصيل العلمي وقد استسلموا لخطام الماجريات تسوقهم بين ضجيج الجدليات والمهاترات؛ فإني أسترسل مع التساؤلات: هل يمكن يا ترى أن يصل هؤلاء الشباب إلى تحصيل علمي وإنتاج معرفي عميق وهم بهذه الحالة الماجريانية؟!

وإذا وازنّا بين نموذج المسيري والنماذج السابقة فيمكن لنا القول بأن البشير الإبراهيمي ناقش الماجرياتيين السياسيين من خلال آلية «إعادة التعريف»، وهي آلية معروفة في المنهج العلمي، أعني «إعادة تعريف السياسة» ذاتها بتقسيمها إلى لباب وقشور، وأن العلم والتربية وبناء الأمة هو لباب السياسة، بينما الاستغراق في الماجريات السياسية هو قشور السياسة، وأما مالك بن نبي فقد ناقش الماجرياتيين السياسيين في مستوى «التأصيل الفكري» لهذا الاشتغال الماجرياتي وكشف أن من توهم أن النهضة والحضارة والتقدم تكون بالاشتغال الماجرياتي السياسي والمطالبة الحقوقية المجردة فهو يعيش «دروشة سياسية»، وإنما تنمو النهضة والحضارة بمنطق العمل والإنتاج في الواقع والمجتمع، بينما رأينا الندوي يناقش ذات الموضوع على مستوى «التأصيل الشرعي» وخطأ رفع الاهتمام الماجرياتي السياسي إلى درجة جعل غاية الأنبياء ومقصود الشرائع هو المشروع السياسي، وأما المسيري فقد عالج الموضوع من زاوية مختلفة فهو يتحدث في تجربته الثقافية أن الانهماك الماجرياتي والانخراط في دوامة الآحاد والأعيان والأحداث اليومية يشوش التفكير الكلي ويُقلّص القدرة على إبداع المفاهيم والمنظورات والتقعيدات والتأصيلات العمومية فضلاً عن أنه يختلس الوقت.

والمُبهج في كل هذه التجارب الأربع أن أصحابها أكّدوا في صيغ متنوعة أن مقصودهم «التوازن» وليس قطع العلاقة المباشرة مع الواقع والشأن العام.

هذه موازنة ومقارنة إجمالية بين النماذج الأربع في الموقف من الماجريات السياسية والتي سبق لنا تحليلها وقراءتها، ولنتقل الآن إلى أكثر من عالج هذه الإشكالية ونشر أوسع ما كُتب عنها.

Footnotes

  1. د. عبد الوهاب المسيري، رحلتي الفكرية: في البذور والجذور والثمار، دار الشروق، الطبعة الأولى، ١٤٢٦هـ-٢٠٠٥م، (ص: ٥٤٢). ↩

  2. المسيري، رحلتي الفكرية، مصدر سابق، (ص: ٥٦١). ↩

  3. المسيري، الثقافة والمنهج، حوارات مع المسيري، تحرير سوزان حرفي، مصدر سابق، (ص: ٤٦/١). ↩

  4. المسيري، الثقافة والمنهج، حوارات مع المسيري، تحرير سوزان حرفي، مصدر سابق، (ص: ١/٧٠). ↩

  5. هوركهايمر وأدورنو، جدل التنوير: شذرات فلسفية، ترجمة جورج كتورة، دار الكتاب الجديد، الطبعة الأولى، 2006م، (ص: 15). ↩

  6. المصدر السابق، (ص: 18). ↩

  7. انظر الفصل الثالث بعنوان (ماكس فيبر والحداثة) من كتاب: المسيري، دراسات معرفية في الحداثة الغربية، مكتبة الشروق الدولية، الطبعة الأولى، ١٤٢٧هـ-٢٠٠٦م، (ص: ١٣٥). ↩

  8. J. Herf, Reactionary Modernism: Technology, Culture, and Politics in Weimar and the Third Reich, Cambridge University Press, 1984, p. x ↩

  9. المسيري، العلمانية والحداثة والعولمة، حوارات مع المسيري، تحرير سوزان حرفي، دار الفكر، الطبعة الرابعة، ١٤٣٤هـ-٢٠١٣م، (ص: ٢/٤٥). ↩

  10. المسيري، رحلتي الفكرية، مصدر سابق، (ص: ٤٧٠). ↩

  11. انظر على سبيل المثال: المسيري، العلمانية الجزئية والشاملة، مصدر سابق، (ص: ١/١٣٥، ١٣٦، ١٤٤، ١٤٦، ١٨٩، ١٩٠)؛ المسيري، دراسات معرفية في الحداثة الغربية، مصدر سابق، (ص: ٢٩، ١٩٩). ↩

  12. المسيري، رحلتي الفكرية، مصدر سابق، (ص: ١٣٦). ↩

  13. المسيري، الصهيونية والنازية ونهاية التاريخ، دار الشروق، الطبعة الثالثة، ١٤٢١هـ - ٢٠٠١م، (ص: ٢٩٩). ↩

  14. المسيري، الثقافة والمنهج، مصدر سابق، (ص: ٦٠/١). ↩

  15. المسيري، الثقافة والمنهج، مصدر سابق، (ص: ١/٥١). ↩

  16. وانظر أيضًا تفصيلاً لمفهوم «الإنسان الرباني» عنده في: المسيري، دراسات معرفية في الحداثة الغربية، مصدر سابق، (ص: 22). ↩

  17. انظر مثلاً: المسيري، العلمانية والحداثة والعولمة، مصدر سابق، (ص: ٢/١٣٣)؛ المسيري، رحلتي الفكرية، مصدر سابق، (ص: ٣٨٩). ↩

  18. المسيري، العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، مصدر سابق، (ص: 1/26). ↩

  19. المسيري، العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، مصدر سابق، (ص: 1/29). ↩

  20. المسيري، العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، مصدر سابق، (ص: 1/50). ↩

  21. المسيري، العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، مصدر سابق، (ص: 1/18). ↩

  22. ابن تيمية، مجموع الفتاوى، (٢٩/٤٩٣). ↩

  23. أبو داود، الزهد، (ح 83)؛ البيهقي، شعب الإيمان، (ح 7992)؛ ابن الجوزي، مناقب عمر، دار ابن خلدون، (ص: 170). ↩

  24. ابن تيمية، الرد على الشاذلي، تحقيق علي العمران، طبعة المجمع، (ص: 190). ↩

  25. ابن تيمية، مجموع الفتاوى، (ص: 31/114). ↩

  26. انظر: مآلات الخطاب المدني، مركز الفكر المعاصر، 1435هـ، (ص: 49-95). ↩

  27. المسيري، رحلتي الفكرية، مصدر سابق، (ص: ٤٥٧). ↩

  28. المسيري، رحلتي الفكرية، مصدر سابق، (ص: ١٢٢). ↩

  29. المسيري، رحلتي الفكرية، مصدر سابق، (ص: ٧١٣). ↩

  30. المسيري، رحلتي الفكرية، مصدر سابق، (ص: 665-666). ↩

  31. المسيري، رحلتي الفكرية، مصدر سابق، (ص: 539). ↩

  32. المسيري، رحلتي الفكرية، مصدر سابق، (ص: 501). ↩

  33. المسيري، رحلتي الفكرية، مصدر سابق، (ص: 488). ↩

شروحات وبرامج عن «الماجريات»

شروحات أخرى للكتاب1

بطاقة الاقتباس

حد البطاقة 340 حرفًا، بما فيها المسافات. يُختصر التحديد تلقائيًا عند فتح المعاينة.

حرفًا

المعاينة ستظهر هنا

أبلغ عن خطأ