تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة أبو عمر

الماجريات

نموذج د. فريد الأنصاري (التضخم السياسي)

حُوّلت من نسخة مصورةالصفحات 224-311 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 87 دقيقة

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابالماجريات

(التضخم السياسي)

القسم الأول: محيط النموذج: لا بد من التنويه ابتداءً إلى أنني لم أجد -بحسب اطلاعي- في سياق العلماء والدعاة البعيدين عن اشتباهات العلمنة والسلطنة شخصية دعوية عُنيت بإشكالية «منزلة السياسة في الخطاب الدعوي» وما يتفرع عنها من الاشتغال بالماجريات السياسية؛ كما وجدت هذا لدى د. فريد الأنصاري، فهو أغزر من رأيت في الإنتاج حول هذه الإشكالية والعناية بتحليلها ودراستها والتأصيل حولها، وطالما أن هذه الشخصية العلمية/الدعوية هي أكثر شخصية أنتجت في دائرة موضوع دراستنا هذه، فهذا يستدعي منهجياً أن تُفسح المجال لمزيد التحليل والتمعن في محيط ومكونات هذا النموذج.

المحور العلمي الأكاديمي: مرّ الشيخ الأصولي القرآني د. فريد الأنصاري (١٣٨٠-١٤٣٠هـ)، (١٩٦٠-٢٠٠٩م)، تغمده الله بواسع فضله، بتجربة غزيرة وثرية اختلف النُّقاد كثيرًا في تقييمها، ويمكن القول -لأغراض هذه الدراسة- أن نشاط الشيخ د. فريد الأنصاري يدور حول عدة مستويات منها هذه المحاور الأربعة: المحور العلمي الأكاديمي، ومحور الكتابة التزكوية، ومحور تجربة العمل الإسلامي الدعوي- الحركي، ومحور الكتابة النقدية والتأصيلية في «الفكر الدعوي».

فأما النشاط العلمي الأكاديمي، فقد تخصص الشيخ في علم «أصول الفقه»، وأما التخصص الدقيق فيمكن القول أنه في «أصول الشاطبي»، فقد أنجز في البدء دراسة أكاديمية في الأصول بعامة، وهي «الأصول والأصوليون المغاربة: بحث ببليوغرافي»

(١٩٨٦م)، ثم اتجه للشاطبي وبدأ يوسع دراساته عنه بتوسيع نطاق البحث تدريجيًا، فبدأ يبحث مخصص لمادة «قصد» عند الشاطبي بعنوان «مصطلحات أصولية في كتاب الموافقات للشاطبي: مادة قصد نموذجًا» (١٩٨٧م)، ثم أنجز دراسة جديدة وسّع فيها نطاق البحث وجعله عن كل المصطلحات الأصولية في كتاب الموافقات، وهي بعنوان «مصطلحات أصولية في كتاب الموافقات» (١٩٩٠م)، أما أطروحة الدكتوراه فقد جعلها عن المصطلح الأصولي في كل كتب الشاطبي ذات الصلة وليس الموافقات فقط (الموافقات، الاعتصام، مجموع فتاواه، الإفادات والإنشادات)، وجعلها بعنوان «المصطلح الأصولي عند الشاطبي»، ونوقشت بتاريخ (١٤٢٠هـ-١٩٩٩م) وطبعت بعد مناقشتها بأربع سنوات، حيث نشرها المعهد العالمي للفكر الإسلامي.

ويلاحظ القارئ من خلال مسيرة الدراسات الأكاديمية السابقة تسليط عدسة البحث على «البعد المصطلحي»، وهو عمل مفهومي كلي تجريدي أدق من بحث آحاد المسائل، حتى أن د. فريد استغرق سنتين يقرأ في كتب المناهج العلمية بالعربية والفرنسية لاستخلاص منهج الدراسة المصطلحية ومنها طبعا العلوم اللسانية والسيميولوجية الحديثة، وقد قادت هذه القراءات إلى نتائج إضافية بديعة، فبسبب هذه القراءات الغزيرة في مناهج البحث العلمي تجمّعت لدى د. فريد مادة هي أوسع مما يحتاجه من أصول الدراسة المصطلحية، ولاحظ أيضا أن غالب ما كُتب في هذا الباب يتضمن ثغرات، كما لاحظ حاجة طلاب العلوم الشرعية لتأصيل مناهج البحث الحديثة(1)، فلذلك صاغ حصيلة قراءاته وما توصل إليه وإضافاته الخاصة للموضوع في كتاب مستقل بعنوان (أبجديات البحث في العلوم الشرعية: محاولة في التأصيل المنهجي) وطبع عن منشورات دار الفرقان (1417هـ-1997م)، وهذه ليست حالة ناشر، بل ما أكثر ما رأينا الباحثين يضطرهم البحث لحرث حقل مساند؛ فيتشكل منه كتاب مستقل في الحقل المساند نفسه، ما كان المنهجي، دار الفرقان، 1417هـ-1997م، (ص: 9)؛ د. فريد الأنصاري، المصطلح الأصولي عند الشاطبي، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، الطبعة الأولى، 1424هـ- 2004م، (ص: 27).

هدفهم ابتداء، بل ما كانوا يتصورون أن يتطور بهم الأمر إلى ذلك، وهي من أحلى المآلات في ذكريات البحث العلمي.

ولن يفوت القارئ أيضًا ملاحظة طول عشرة د. فريد لنصوص الشاطبي، إذ مكث بصحبتها أكثر من عشر سنوات يواصل التمعن والمضاهاة والاستخلاص وإنجاز الدراسات عنها، ولذلك كان للشيخ لفتات كلية جيدة عن خطاب الشاطبي، كقوله مثلا (كتاب الاعتصام يعتبر المفتاح الرئيس لكثير من مغلقات الموافقات ومبهماته)1، والحق أنني تفاجأت بهذه النتيجة لأنني أتذكر أنني كنت قبل ست سنوات مرّت بي مسألة فاحتجت فيها لبعض نصوص الشاطبي في كتاب «الموافقات»، فلما اقتبستها وصادف عرضًا مراجعة ذات الموضوع في كتاب «الاعتصام» فوجئت بنص الاعتصام أكثر سلاسة ووضوحًا، بل كشف لي مرامي ومغزى نص الموافقات الذي احتجت لاقتباسه، وكنت أظنها مجرد مسألة اتفق عرضًا أن نصًا في كتاب لذات المؤلف هو أوضح من النص الآخر، ولكن نبهني د. فريد إلى أن هذا أعم، وهو تنبيه كلي من متخصص وافق حادثة فردية مررت بها، ومن أجل اللذائذ العلمية وقع الكلي على من عايش الجزئي، وإضاءة مصباح المفهوم على الساري في حنادس الماصدقات.

ومن المواضع التي راقت لي في الكتاب أن د. فريد الأنصاري يُنظر له عادة باعتباره من الداعين لموقف إيجابي من التصوف واستثمار صواب الموروث الصوفي، إلا أن هذا لم يؤثر على موضوعيته العلمية فيما رأيت من البحث، فقد عرض د. فريد مناقشة نقد فيها الفيلسوف الصوفي المعاصر د. طه عبد الرحمن، وقال في ضمنها (ولقد أغرب الدكتور طه عبد الرحمن حينما أرجع مصطلح الإرادة إلى المجال الصوفي …، ولقد تعسف في شرح المصطلحات المقاصدية لدى الشاطبي لإثبات دعوى تأثر المقاصد بالتصوف)2، برغم أن هذا الموضوع عند من يُحامي عن التصوف فرصة لتسجيل مكتسب لرصيد التصوف بافتراض أبويته لعلم شرعي يتبارى المعاصرون في تفخيمه، وما أكثر ما تقع الأثرة على الموضوعية في مثل هذه المواضع تحت ضغط الأغراض. والحق أن هذه الرسالة حول مصطلحية الشاطبي فيها أسئلة وزوايا للنظر والمعالجة غير معهودة -بحسب اطلاعي- في الدراسات الشرعية المعاصرة، وهي تنتمي لنمط الاهتمام بالمفاهيم ومكوناتها وعلاقتها.

ولا يمكن مغادرة هذا المحور دون الإشارة إلى الشخصية العلمية الحاضرة التي تأثر بها د. فريد في هذا المجال البحثي، وهي شخصية لها -أيضاً- صلة عضوية وثيقة بتجربة د. فريد في العمل الدعوي الجماعي كما سيأتي الإشارة لذلك، وهو أستاذه الشيخ «د. الشاهد البوشيخي» (و١٩٤٥م)، فالشاهد البوشيخي كان مدار اهتمامه العلمي هو القضية المصطلحية، بل هو ولوع بها لدرجة تثير الانتباه فعلاً، وله فيها مؤلفات ومقالات وأعمال إدارية ودوريات، منها دراسته الموسعة عن «المصطلح النقدي عند العرب»، و«مصطلحات نقدية وبلاغية في البيان والتبيين»، ورئاسته لـ«معهد الدراسات المصطلحية» في فاس، بل إن مجلة (دراسات مصطلحية) التي يرأس تحريرها البوشيخي -أيضاً- افتتح العدد الأول منها بقوله: «الإشكال المصطلحي إشكال عظيم، لا يقدر قدره إلا الراسخون في العلم، وقد كان هم النبوات منذ آدم تسمية الأشياء بأسمائها …، والدين، مذ كان، تعريف وتثبيت لمفاهيم المصطلحات الأساسية التي يقوم عليها التصور الصحيح …» (١).

ود. الشاهد البوشيخي هو أستاذ د. فريد الأنصاري الذي أشرف على عدة بحوث أكاديمية له، وهو الذي وجّه د. فريد للعناية بالبعد المصطلحي، كما يقول د. فريد عن أستاذه البوشيخي (الأستاذ حفظه الله أيقظ في ذهني الحاسة المصطلحية) (٢)، بل إن د. فريد في بحثه عن المصطلحات الأصولية في موافقات الشاطبي (١٩٩٠م) إنما كان يطبق المنهج الوصفي طبقاً للمحددات التي صاغها البوشيخي في بحوثه المصطلحية، كما يقول د. فريد عن بحثه هذا (طبقت فيها المنهج الوصفي في الدراسة كما وضع أصوله فضيلة المشرف في «مصطلحات نقدية وبلاغية في البيان والتبيين»)3.

وأما أطروحة د. فريد للدكتوراه فقد استثمر فيها البحث اللاحق الذي ظهر للبوشيخي عن المصطلح النقدي حتى قال د. فريد عن أثر كتاب البوشيخي على عمله (فهو رغم خصوص موضوعه مشيرٌ إلى قضايا منهجية دقيقة، وطرائق في التعامل مع المصطلح التراثي جملة؛ مما كان له أثر بارز على هذا العمل)4، ولذلك لما طبع كتاب د. فريد هذا كانت مقدمة الكتاب بقلم أستاذه د. الشاهد البوشيخي.

محور الكتابة التزكوية

وأما المحور الثاني للشيخ فريد، أعني الكتابة التزكوية، فهي البريد الذي عرف القارئ العربي المسلم اليوم شخصية الأنصاري من خلاله، إذ ظهر بلغة تجديدية وجدانية خلابة في عرض الإيمان وتحريك القلوب لباريها وإذكاء جذوة التدين في النفوس وإعادة معايشة الشعائر بكسر الممارسة النمطية المألوفة، وكتاباته الإيمانية هذه تستبطن عنصرين: الأول استحضار البعد الجمالي والثاني مركزية الفطرة والقرآن، وقد كُتب لمؤلفاته هذه قبول عجيب، وهي رسائل نابهة الذكر هرولت بها الآفاق.

ومن هذه الرسائل المطبوعة: «جمالية الدين» وأصله مقالات نُشر بعضها في مجلة البيان وغيرها، وبعد دراسته لمفهوم الجمال في الفكر الغربي والنص الشرعي توصل إلى أن «أسس الجمالية في الإسلام تقوم على أركان ثلاثة: المتعة والحكمة والعبادة» وطبق هذا على جمالية التوحيد والإيمان باليوم الآخر وبعض الشعائر والأعمال القلبية.

ومنها رسالته «قناديل الصلاة»، والعنوان الفرعي لهذه الرسالة يعيد التأكيد على استحضار البعد الجمالي أيضًا، فعنوانها الفرعي (مشاهدات في منازل الجمال)، وكنت حين قرأت هذه الرسالة ظهر لي أن فيها شيئًا ملموسًا من التأثير بلغة النجوى الرمزية/الإشارية لدى بديع الزمان النورسي، ثم وجدت د. فريد يلمح لذلك في رسالة لاحقة له ألفها قبل وفاته بسنة، حيث يقول عن أسلوب رسالته قناديل الصلاة أنه (امتطى الكلمة المُجَنَّحة لبلوغ غايته، وغالب الذين يتفاعلون مع هذا الخطاب إنما هم الذين يتعاطون الأدب، بينما هذه الرسالة مبنية في عرض مادتها على الأسلوب التقريبي المباشر)5، والحقيقة أن ما سماه د. فريد هنا «الكلمة المُجَنَّحة» هو في الواقع أسلوب مناجاة القارئ بالترميزات والتضمينات القرآنية الذي كان يستعمله بكثافة بديع الزمان النورسي، وتأثر د. فريد به كما سيأتي.

الرابعة، 1432هـ-2011م، (ص: 7-8).

ومنها رسالته «بلاغ الرسالة القرآنية» وأساسها أنه لما فرغ من تأصيل مفهومه للدعوة في كتابه «البيان الدعوي» بدأ في إلقاء دروس ومجالس قرآنية بمكناسة تطبيقًا لهذا التأصيل فكان حصيلة تلك الدروس هذه الرسالة.

ومنها رسالته «ميثاق العهد في مسالك التعرف إلى الله»، وجوهر هذه الرسالة أن الشيخ يرى أن التدين وتبليغ الدين هو «عهد» و«ميثاق» مع الله، وأن الله يذكّر عباده بميثاقه وعهده ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ﴾ ويحذرهم من نقضه فيقول ﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ ويقول ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَهُمْ﴾، فهذا العهد والميثاق يحتاج لأمور يستعان بها عليه، فمما يستعان به على التدين الذكر والقرآن وقيام الليل، وأما ما يعين على تبليغ الدين فهو مجالس القرآن ورباط الصلوات بعمران المساجد وانتظار الصلوات بسكينة وصيام النوافل، وهو يعرض ذلك بأسلوب جديد ومداخل غير مألوفة عبر أفق جمالي وجداني، وينظر الشيخ لرسالته هذه باعتبارها «آلة إجرائية»(1) لما سبق أن انتهى من كتابته عن معاني التدين وتبليغ الدين تأصيلًا وتطبيقًا.

ومنها رسالته «كاشف الأحزان ومسالح الأمان» وهي أدعية وابتهالات جمعها أولًا لنفسه من القرآن والسنة وغيرهما، وكانت الورقات تدور في حدود بيته وأهله، ثم بعض أصحابه، ثم من يستفتيه(1)، وأخيرًا رأى طباعتها ونشرها.

وللشيخ -أيضًا- رسائل أخرى كلها لا تخلو من إضافات ولمسات ذكية، مثل رسالته «مفهوم العالمية: من الكتاب إلى الربانية» من خلال الاستناد إلى وصية الإمام أبي الوليد الباجي (ت ٤٧٤هـ) «النصيحة الولدية»، والذي حوّلها من مجرد نص سلوكي مغمور في ثنايا التراث إلى «نموذج» مفهومي حي لمكونات العالم.

ومنها رسالته «سيماء المرأة» وهي توسيع وإضافة للرسالة الرائدة المبكرة والمبدعة للطبيب التونسي د. أحمد الأبيض «فلسفة الزي الإسلامي» (١٩٩٠م) والذي وافق أن اعتقل د. الأبيض بُعيد رسالته هذه لمدة (١٦) سنة.

وللشيخ د. فريد أيضًا سلسلته المعروفة في مجالس القرآن، وغيرها.

وفي السياق المتأخر من حياته لا يخفي د. فريد تنويهه المستمر بالحركة الصوفية النورسية/الكولنية التركية، وأنها تمثل المدرسة التربوية القرآنية العميقة(٢)، وقد كتب د. فريد عن الأول ١٤٣٠هـ-٢٠٠٩م، (ص: ١٥).

الأولى، ١٤٣٠هـ-٢٠٠٩م، (ص: ٥٥).

«بديع الزمان النورسي» رسالة خاصة بعنوان «مفاتيح النور في مفاهيم رسائل النور» وهي أيضًا تستلهم المسار المصطلحي في الدراسة والذي أشرنا إلى تشكّل التفكير العلمي للشيخ من خلاله، وقد أشار الشيخ لذلك في رسالته هذه وذكر أن «الدراسة المصطلحية علم قائم بذاته» وأعاد نقل بعض نصوص أستاذه البوشيخي في ذلك، ثم ذكر أن هذه الرسالة هي «دراسة مصطلحية لفكر بديع الزمان النورسي».

وله رسالة أخرى مرتبطة بالنورسي أيضًا اسمها «مشاهدات بديع الزمان النورسي: ديوان شعر» هي نصوص صوفية شعرية شديدة النزعة المجازية، وهي حصيلة تفاعل مع بعض كلمات رسائل النور للنورسي، وقد كتبها في أوقات متفاوتة، يبدأ كل مشاهدة منها بإهداء ثم نص للنورسي ثم يتبعها بنصه التباريحي الشعري، وبلغت (١٤) مشاهدة، وجمعها في هذه الرسالة(١).

واهتمام د. فريد الأنصاري بالنورسي له صلة نفسية حارّة ببعض التحولات التي عاشها د. فريد في تجربته في العمل الدعوي-الحركي وشعوره بالتناظر والتضاهي مع النورسي، وسنشير لذلك، والحقيقة أنه -كما سبق الإلماح له- بدأ يظهر في لغة د. فريد في بعض أعماله شيء من التأثير بالأساليب الرمزية/ الإشارية النورسية، وقد صرّح د. فريد أن توجهه ومسلكه في مسار ١٤٢٥هـ-٢٠٠٤م.

«التماس الأسرار الدعوية في القرآن» إنما تأثر فيه باثنين: أستاذه د. الشاهد البوشيخي، ورسائل بديع الزمان النورسي (1).

وأما فتح الله كولن (و1941م) فقد أولع د. فريد جدًا بتجربته، وتحدث عنه مرارًا في عدة كلمات ومحاضرات، وأشار له في كتبه، ثم كتب عنه رواية سِيرِيَّة بعنوان «عودة الفرسان: سيرة محمد فتح الله كولن، رائد الفرسان القادمين من وراء الغيب»، شرع في كتابتها حين كان مسافرًا لتركيا طريح فراش المرض في مستشفى «سماء» بمدينة اسطنبول 2008م تغمده الله بمغفرته، وكان أصل مادته واعتماده على حوارات صحفية موسعة أجريت مع كولن باللغة التركية ومواد أخرى مشابهة وقد ترجمها له بعض الأتراك ذوي الصلة بجماعة كولن (2)، وانتهى من تحريرها قبل شهر ونصف من وفاته تغمده الله برحمته.

ود. فريد لم يلتق بكولن شخصيًا البتة، وإنما كان بينهما مراسلات، كما ذكر ذلك كولن وهو يرثي الأنصاري بعد وفاته بكلمة انهمرت بالدموع، حيث قال كولن في كلمته المسجلة (للأسف لم يحصل بيننا تلاقٍ، ولكني رأيته على الشاشة فقط، ورأيت صوره، وقرأت رسائله التي أرسلها إلي)، ثم أخذ كولن يستعبر ويدافع الطبعة الأولى، 1430هـ-2009م، (ص: 20).

الثانية، 1432هـ-2011م، (ص: 7).

غصص النحيب، ولم يتيسر لي قراءة هذه الرواية، والقدر الذي قرأته وسمعته من محاضرات د. فريد عن تجربة كولن هو حديث مناقبي إطرائي محض، بينما حركة «الخدمة» التي أسسها كولن تحتاج إلى قراءة وتقييم علمي موضوعي، فللنقاد اختلاف كبير حولها، وخصوصًا في حدود تصوفها، وصيغة علاقتها بالقوى الغربية، وعلاقتها بالحركة الإسلامية السياسية في تركيا، وليس لي اطلاع دقيق حول هذه التجربة الكولنية، والله أعلم بحقيقة الحال.

كما أن للشيخ فريد أيضًا رواية أخرى بعنوان «كشف المحجوب»(1) ذكر بعض النقاد أن فيها شيئًا من تجربته وهمومه الروحانية، وللأسف فإني لم أقرأها أيضًا، فالله أعلم بمحتواها، وأعتذر للقارئ بأن منشأ هذا يعود لعجز قديم عندي عن قراءة الروايات لم أتمكن من مداواته، برغم أنني أحتاج أحيانًا للاطلاع على روايات معينة لفهم تشكلات المخزون الفكري في سياق أدبي معين، ولكن يسيطر علي أثناء قراءة الرواية أن كل ما أمامي إنما هي أحداث اصطنعها خيال المؤلف ذات مساء عليل فتشل قدرتي وتخور قواي عن مواصلة القراءة، وهذا بخلاف كتب التراجم والسير الذاتية والتاريخ فإني أرى فيها مادة يتلهف الباحث لاستثمارها كمعطيات للتحليل والاستنتاج والنمذجة.

محور العمل الدعوي الحركي

وأما المحور الثالث لنشاط د. فريد الأنصاري، فهو تجربته في العمل الإسلامي الدعوي-الحركي، وفي نظري أن هذه التجربة هي المفتاح الرئيس لفهم مغزى ومرامي رسائل د. فريد الفكرية والتزكوية، بل الذي يبدو لي أن من لم تُتَح له فرصة الاطلاع على خطوب ومخاشنات هذه التجربة فستعسر عليه استيعاب وإدراك أغراض المعالجات الجزئية في تلك الرسائل، فإن عامة هذه الرسائل هي «إجابات» على إشكاليات عاشها الشيخ بعقله وقلبه في أجواء وعلائق التجربة الدعوية-الحركية، وخصوصًا مخاضات الانفصال ومتولّداتها، ومن لم يتصور سياق الإشكال الذي تتحرك فيه الإجابات احتجبت عنه بواطن المعاني وحدود المرادات، بل ربما حمل الدلالات على مقتضى المخزون الذاتي من خبرات وإشكاليات القارئ نفسه فظن المراد هو المعنى القريب الذي ألِفَه، وعزبت عنه الدلالة المقصودة، فالأفق الإشكالي لأي كتاب هو مجهر القراءة لمغزى الإجابات.

وهذا أمر عام في العلوم والمعارف، بل يقع أحيانًا أن يظن القارئ أن كتابًا معينًا هو كتاب فلسفي غامض، وواقع الحال أن المؤلف يناقش إشكاليات عاشها لكنه لا يتعنى شرح الإشكال وإنما يوجز الجواب ويكتفي بالإشارة لبراهينه وحججه فقط، باعتبار شدة وضوح وحضور الإشكال للمحيط التاريخي الذي يخاطب فيه المؤلف قراءه حينها، فيأتي قوم بعد انسلاخ العصور وتبدل الإشكاليات، أو قراء من أمة أخرى عاشت مناخاً ثقافياً مختلفاً؛ فيغمض عليهم المقصود ويتحيرون في حدود المراد، ثم ربما حملوا غموض النص على العمق وبعد الغور، والأمر أقرب من ذلك كله، وإنما هو نقص التصور لإشكاليات المحيط الذي تتحرك فيه إجابات الكتاب، وهذا لا يعني أنه لا يوجد أحياناً في بعض النصوص ما يسمى «الغموض العمدي» والذي يستهدف به المؤلف ابتزاز إذعان القارئ بنفث الرهبة في روعه، وخصوصاً في مثل نصوص الفلسفة الألمانية(1)، وإنما المراد إيضاح عامل استيعاب المحيط في تصور مرامي النصوص.

وفي خصوص العمل الإسلامي الدعوي-الحركي في المغرب فإنه يمكن القول بصورة عامة أن هناك منهجين لتأريخ الظواهر الفكرية، منهج «تطلب المؤسس الوحيد»، ومنهج «القنوات المتضافرة»، وللأسف فإن عامة الباحثين ممن قرأت لهم قد ابتلعوا كلياً منهج تطلب المؤسس الوحيد، ففي تأريخهم للاتجاهات الإسلامية في الأقطار الإسلامية يبحثون دوماً عن شخصية واحدة أو جماعة واحدة، يردون إليها كل التجليات الإسلامية اللاحقة، وهذا الخلل في التفكير التاريخي، أعني إشكالية «تطلب المؤسس الوحيد»، يدفع الباحث أحياناً للتعامي عن المعلومات غير الملائمة بغرض الوصول للاختزال في المؤسس الوحيد.

والواقع أن معظم ظواهر اليقظة الدينية في الأقطار الإسلامية المعاصرة لم يقم بها شخص ولا جماعة بعينها، بل هي حصيلة تضافر قنوات ومغذيات ومشارب من جهود العلماء والمصلحين والدعاة إلى الله والمفكرين الإسلاميين من أصقاع متفاوتة ومن طبقات زمنية متفاوتة تتراكم حتى تظهر آثارها الملموسة على السطح في صيغة تيارات أو مؤسسات أو نتاج علمي الخ.

إرهاصات العمل الإسلامي بالمغرب

وهكذا فإن الظاهرة الإسلامية المعاصرة في المغرب ليست استثناءً، وبالتالي فليس منشؤها حركة الشبيبة الإسلامية كما اعتاد بعض المؤرخين على البدء بذلك، بل هذا التفسير الشبيبي للحركة الإسلامية المغربية ينطوي على اختزال كبير للظروف التاريخية والمشارب المتضافرة التي شكلت هذه الحركة ورفدت هذه الظاهرة. ومن هذه القنوات والإرهاصات في المغرب العربي رواد الحركة السلفية المقاومة وعلماءها ومجاهدوها مثل الشيخ العلامة الحافظ المحدث أبي شعيب الدكالي (ت ١٩٣٧م) وقد نقل عنه مترجموه حافظة علمية خارقة وجهوداً تعليمية مؤثرة وتلاقحاً مع دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وعدّوه رائد مدرسة6.

وهذه طبعا ليست بداية الصلة المغربية المعاصرة بالدعوة إلى مذهب السلف، بل الأمر سبق ذلك بشكل مبكر جدا، بقرابة قرن ونصف! فقد نقل المؤرخون عن السلطان العالم محمد الثالث (ت ١٢٠٤هـ-١٧٩٠م) عقله ورزانته لما بلغته الدعوة إلى التوحيد وذم الشركيات والبدع، واشتغل بقراءة كتب الحديث وعقد المجالس لها، حتى نقل مؤرخ المغرب المشهور أبو العباس الناصري عنه قال (كان السلطان سيدي محمد بن عبد الله ينهى عن قراءة كتب التوحيد المؤسسة على القواعد الكلامية المحررة على مذهب الأشعرية، وكان يحض الناس على مذهب السلف …، وكان يقول عن نفسه أنه «مالكي مذهبا حنبلي اعتقادا»7.

ومنهم الشيخ العالم المصلح محمد بن العربي العلوي (ت ١٩٦٤م) وقد كان على طريقة صوفية ثم تأثر بالشيخ أبي شعيب الدكالي وصار للشيخ جهود علمية ونضالية واسعة، وكان من أهم أعماله بث روح الإصلاح في جامع القرويين فصار له تلاميذ فاعلون حتى اعتبره بعض المؤرخين المؤسس الفعلي للاتجاه السلفي في المغرب (1)، وهو أيضًا تقييم غير دقيق.

ثم الجيل الذي تلا هؤلاء وتتلمذ عليهم وعلى رأسهم الشيخ علال الفاسي (ت ١٩٧٤م) وهو صاحب الكتاب المشهور «مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها»، وله كتاب صدر عام ١٩٦٦م بعنوان «دفاع عن الشريعة» وغرض تأليفه مواجهة بدء الانحراف التشريعي في المغرب، حيث تفاجأ أن تدوين الفقه، الذي كان هو من ضمن لجنته، تم قصر عملهم على الأحوال الشخصية فقط (2).

وقد نبّه علال الفاسي في كتابه المعروف «الحركات الاستقلالية» إلى الدور الكبير لأبي شعيب الدكالي ومحمد بن العربي العلوي، وأنه «لم يكن لمن سبق من الأثر مثل ما أحدثه رجوع الشيخ أبي شعيب الدكالي»، وذكر عن الدكالي أنه «التف حوله جماعة من الشباب النابغ يوزعون الكتب التي يطبعها المناضل ضد الجهل والاستعمار، مجلة دعوة الحق - المغرب، العدد ٣٦١، ٢٠٠١م، (ص: ١٣٨-١٤٩)؛ محمد براص، الشيخ ماء العينين وفكره الإصلاحي في علاقة مع الشيخ محمد بن العربي العلوي، أعمال ندوة السمارة - المغرب، ١٩٩٩م، (ص: ١٩٧-٢٠٥).

الكتاب المصري، ٢٠١١م، (ص: ٥).

السلفيون بمصر، ويطوفون معه لقطع الأشجار المتبرك بها، والأحجار المعتقد فيها».

ثم قال علال الفاسي عن محمد بن العربي العلوي في كتابه أنف الذكر أن ماسبق «لم يكن إلا مقدمة أولى للحركة السلفية التي دعا إليها وبثها وخرّج رجالها أستاذنا العلامة المصلح محمد بن العربي العلوي».

وقال الشيخ علال الفاسي أيضًا في محاضرته التي ألقاها بجامعة الأزهر حين كان منفيًا هناك منذ عام ١٩٤٧م، يقول فيها: (وقد حمل مشعل الإصلاح السلفي كل من الشيخ أبي شعيب الدكالي، وشيخنا محمد بن العربي العلوي، وقد أقام الأول في الرباط، بينما أقام الثاني في فاس، وأثر كل منهما في أكبر عدد ممكن من التلاميذ، وسُرعان ما تكونت حولهما نخبة من المتنورين، الذين نقلوا الفكرة إلى ميدان التطبيق، فأخذوا يطوفون البلاد ناشرين الدعوة)8.

ومن أهم هؤلاء الأعلام -أيضًا- الذين أثروا في البيئة العلمية والدعوية المغربية العلامة تقي الدين الهلالي، وهو عالم داعية مثقف موهوب، وقد كان يتقن الألمانية والإنجليزية وذكر عن نفسه أنه بدأ في تعلم الأسبانية في ألمانيا، وهو الذي ترجم صحيح البخاري إلى اللغة الإنجليزية، وعمل محاضرًا في جامعة بون ١٩٨٢م، (ص: ١٣٠-١٣١).

الألمانية سنة واحدة، وصاحب رحلات علمية واسعة اتصل فيها بكثير من الرموز والزعماء العلميين والسياسيين، ودرّس في المسجد النبوي.

وقد كان الهلالي حاضراً في الأربعينات في المغرب، وأنشأ عام ١٩٤٦م في المغرب مجلة إسلامية بعنوان «لسان الدين»، ثم رحل للعراق عام ١٩٤٧م، وقفل للمغرب عام ١٩٦٠م، وعاد يزاول أنشطته العلمية والدعوية، ثم سافر للسعودية عام ١٩٦٨م أستاذاً منتدباً في الجامعة الإسلامية بالمدينة بدعوة من العلامة محي السنة عبد العزيز بن باز رحمه الله، ثم رجع للمغرب عام ١٩٧٤م واستقر وتفرغ للتعليم والدعوة(١).

فالعلامة الهلالي بقي مؤثراً في الأربعينات والستينات والسبعينات والثمانينات المغربية حتى توفي رحمه الله عام ١٩٨٧م، وقد كان أبناء وطلاب الجماعات الإسلامية حينها ينهلون من دروسه وتوجيهاته، والشيخ الهلالي حسنة من حسنات الشيخ المصلح محمد بن العربي العلوي السابق ذكره، فقد نشأ الهلالي على طريقة صوفية تيجانية، ثم ناقشه الشيخ محمد بن العربي العلوي في ثمانية مجالس، كل مجلس من بعد المغرب إلى بعد العشاء بكثير (1).

وكان الهلالي يعيش عراكًا نفسيًا وجرت له خطوب وأهوال، حتى فتح الله قلبه لمذهب السلف، ثم لما التقى الهلالي بمحي السنة عبد العزيز بن باز -رحمهما الله- روى له تجربته مع الطريقة التيجانية والأحداث التي جرت له فدُهِش الشيخ ابن باز كثيرًا، وطلب منه أن يسجل تجربته هذه (2)، فدونها الهلالي في كتاب سماه «الهدية الهادية إلى الطائفة التجانية»، وأعقب القصة بمناقشة لأصول التيجانية، وفرغ منه عام 1390هـ، ثم لما انتهى طبع منه محي السنة عبد العزيز بن باز عشرة آلاف نسخة كما أخبر الهلالي بذلك في كتابه الذي كرّسه لسيرته الدعوية (3).

والحقيقة أن كل ما قرأته عن الطريقة في كتب العقائد شيء، وهذه القصة التي رواها الهلالي عن تجربته التيجانية في رسالته المذكورة شيء آخر، فما خطر ببالي أن تكون الأمور في الداخل الصوفي تصل إلى هذه المستويات.

وقد سجّل الشيخ الهلالي جزءًا من تجاربه في الإصلاح في كتاب عذب بديع اسمه (الدعوة إلى الله في أقطار مختلفة)، وهو أشبه بالسيرة الذاتية، أو بشكل أدق «السيرة الدعوية»، وفيه من الأيام والمشاهدات المليحة والخبرات الدعوية المشرقة الشيء الكثير، ومنها أيامه مع محدث الطريقة الدرقاوية بطنجة أبي الفيض أحمد الصديق الغماري (ت ١٩٦٠م)، ومنها خبره الطريف بتطوان حين ألف حاشية على رسالة «كشف الشبهات» للشيخ محمد بن عبد الوهاب، ولكن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وقع عليه تشويه جماهيري فظيع، فأصبح العامة يردون الحق لمجرد الاسم، فاستعمل الشيخ الهلالي كما يقول عن نفسه «تدليس الشيوخ» في مصطلح الحديث، وذكر أنه يجوز للإصلاح لا للتزيد، فسمى الشيخ محمد بن عبد الوهاب على واجهة الرسالة «محمد بن سليمان الدرعي»، فنسبه لجده سليمان وبلده الدرعية، فوقعت نتائج طريفة كما يرويها الشيخ: (فنجحت فيما قصدته من ترويج الكتاب، فقد طبعت ألف نسخة فبيعت في وقت قصير، ولم يتفطن أحد لذلك، حتى الشيخ أحمد بن الصديق، مع سعة اطلاعه وعلو همته في البحث وكثرة ما في خزائنه من الكتب بقي في حيرة، لأنه بحث في تاريخ المنسوبين إلى درعة فلم يجد أحدا منهم يُسمى بذلك …، فبعث إلي يسألني عن هذا المؤلف من هو؟

فأخبرته بالحقيقة، ولما اطلع العالم الأجل مفتي المملكة العربية السعودية وشيخ شيوخها الشيخ محمد بن إبراهيم على هذا العمل استحسنه كل الاستحسان)9.

(ص: ٤٧).

وصنع الشيخ تقي الدين الهلالي مثل ذلك مع رسالة زيارة القبور لشيخ الإسلام ابن تيمية، فوضع عليها حواشي يسيرة وسمى المؤلف على طُرّة الكتاب «أحمد بن عبد الحليم الحرّاني»(1)، وذكر أيضًا أن الكتاب راج وانتشر وبعث بنسخة من الكتاب للشيخ محمد بن إبراهيم فاستحسن أيضًا هذه الحكمة وبعد النظر في الدعوة والبداءة بالمعاني والأحكام الشرعية ونشر الهدى والحق قبل الصراع حول الأسماء والشخصيات، وفي الكتاب عجائب تاريخية مدهشة.

وللعلامة الهلالي كتب ورسائل، ومقالات كثيرة متناثرة في المجلات العلمية السيارة آنذاك، وإذا خطر بذهني اسم العلامة الهلالي فلا شيء يحزنني مثل أن أعمال هذا العالم المتفنن المصلح المثقف ما تزال -بحسب علمي- مبددة، ولم تجمع للقارئ والباحث في صيغة «الأعمال الكاملة»، فلا يتعرف عليها المتشوف لها إلا الحين بعد الحين، وكل مرة يكتشف له عملاً أو مقالة لم يعرفها من قبل، فجمع الأعمال الكاملة للعلامة الهلالي دين في أعناق طلاب العلم عامة وأهل المغرب خاصة عجل الله بسداده.

والذي أعلمه أن أكثر دعاة مذهب السلف في المغرب الذين خرّجوا تلاميذ صاروا علماء ودعاة فاعلين هو العلامة الهلالي، ومن تلاميذه الشيخ المحدّث أبو أويس محمد الأمين بو خبزة (و١٩٣٢م) وقد جاز الثمانين الآن حفظه الله، وغيره.

والمراد من هذه الإشارة المجملة إبراز دور العلماء الدعاة لمذهب السلف في إنشاء وإغناء العمل الإسلامي الدعوي بالمغرب، وقد أشار لذلك كثير من أهل الخبرة بهذا الواقع ومن ذلك مثلاً أن الشخصية القيادية البارزة في حزب العدالة والتنمية د. سعد الدين العثماني، أكد دور وأثر هؤلاء العلماء المصلحين الحاملين لمنهج السلف في إلهام العمل الإسلامي اللاحق وتغذيته، حيث يقول د. العثماني: (استمرت تأثيرات الحركة السلفية تشحذ الهمم للإصلاح الداخلي ولمواجهة العدو الخارجي، ولعبت دورًا كبيرًا في نشأة الحركة الوطنية، لقد كان أكثر قادة الحركة الوطنية من خريجي جامعة القرويين وغيرها، وكثير منهم من تلامذة الشيخين أبي شعيب الدكالي ومحمد بن العربي العلوي، وكانوا مشبعين بمبادئ الإصلاح الإسلامي)10.

وكذلك الشيخ د. فريد الأنصاري أشار لهذا التأثير فقال (لقد كان انطلاق الحركة الإسلامية بالمغرب متداخلا بالفكر السلفي ومتلبسًا به، وذلك منذ أواخر الستينات وبداية السبعينات من القرن الميلادي الماضي، حيث كانت التنظيمات الإسلامية الناشئة آثرت تستفيد من التأطير العلمي لرموز الحركة السلفية بالمغرب، من أمثال الدكتور مجلة الفرقان، العدد ٤١، ١٤١٩هـ-١٩٩٨م، (ص: ٣).

تقي الدين الهلالي، والعلامة محمد الزمزمي وغيرهما)11.

وأشار لهذا أيضًا كثير من الباحثين والدارسين(2).

وهذه نماذج وأمثلة مُنتخبة فقط من العلماء والدعوات الإصلاحية في المغرب قبل السبعينات الميلادية، ويتعذر علينا استقصاؤها هنا، وقد ذكر الدارسون لتاريخ الدعوة الإسلامية في المغرب نماذج كثيرة لهؤلاء العلماء والدعاة المصلحين الذين يعدون حلقة في سلسلة زمانية ممتدة عبر تاريخ الأمة، وتلاقحوا وتفاعلوا مع بقية إخوانهم من العلماء والمصلحين في أصقاع العالم الإسلامي، وكل ذلك قبل الستينات الميلادية، أو متوازيًا معها(3)، ولذلك فمن الخطأ تصوير العمل الإسلامي المغربي دون إيضاح الجهود العلمية والدعوية العظيمة التي وطأت له.

وذكر د. فريد الأنصاري أن مجموعة من العلماء والدعاة كانوا يزورون المغرب في السبعينات ويلقون الدروس العلمية الفرقان - المغرب، العدد 41، 1419هـ-1998م، (ص: 18).

القرن العشرين، مجلة أمل-المغرب، العدد 25-26، 2002م، (ص: 39-51)؛ د. عبد السلام طويل، الإصلاحية الإسلامية بالمغرب وأهم قضايا التجديد، أعمال ندوة الاجتهاد والتجديد-المغرب، 2013م، (ص: 217)؛ عبد الحكيم أبو اللوز، الحركات السلفية بالمغرب: النشأة والامتداد الجغرافي، مجلة الديمقراطية، العدد 29، 2008م، (ص: 123-130).

السلفية وذكر منهم: الشيخ أبا بكر الجزائري، والشيخ حماد الأنصاري، والشيخ عبد المحسن العباد، والشيخ الألباني، وغيرهم، وهذه الأسماء ذكرها د. فريد نصاً12.

ولم يكن د. فريد الأنصاري بعيداً عن هذه الأجواء العقدية، بل لقد تأثر بها تكوينه العلمي بشكل عميق، وقد حكى عن نفسه نماذج كثيرة لذلك، بل لقد روى عن نفسه أنه في بدايات شبابه ربما قاده الحماس لنصرة التوحيد ومناهضة الشركيات والبدع لتفويت بعض الحكمة في المعاملة، يقول مرة عن نفسه: (فمثلاً هذا كتاب «فتح المجيد شرح كتاب التوحيد» للشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، وهو خلاصة للعقيدة السلفية، قد خضت به معارك ضد أهلي وعشيرتي زمنًا، وأنا أقرب إلى المراهقة يومئذ مني إلى الشباب، ولقد ظلت أحارب به البدع والضلالات والمنكرات في الاعتقاد والعبادات، اقتداء بشيخ شيوخنا العلامة الدكتور محمد تقي الدين الهلالي ﷺ …، إني لا أتهم الكتاب المذكور، ولكني أتهم نفسي ومنهجي في القراءة والاستعمال، لقد كانت العقيدة السلفية عندي عصا من خشب صماء بكماء أضرب بها غيري، ولم أدرك أنما هي تربية ورحمة للعالمين، وإني لأعجب كيف لم أنظر إلى هذا المعنى من قبل في الكتاب المذكور)13.

ثم بيّن أن كتاب «فتح المجيد» نفسه يتضمن هذه المعاني الإيمانية الرسالية التي لم ينتبه لها من قبل.

نشأة الجمعيات الإسلامية

ثم في مطلع الستينات يذكر بعض الباحثين أن الشيخ يوسف الكاندهلوي قدم إلى المغرب واجتمع بالشيخ محمد الحمداوي (ت ١٩٨٧م)، فأنشأ الحمداوي فرعاً لجماعة التبليغ واختير الحمداوي نفسه مرشداً لها إلى وفاته ﷺ، وتاريخ إنشاء هذه الجماعة في المغرب كان في عام ١٩٦٢م14، بينما يذكر آخرون أنه عام ١٩٦٤م15.

وكانت ألاحظ في عامة ما طالعت من تواريخ الاتجاهات الإسلامية الميل غالباً لتجاوز جماعة التبليغ، باعتبارها مجرد حركة وعظية لا صلة لها بالفكر والسياسة، والذي يبدو لي أن هذا الحكم غير دقيق لعنتين: الأولى أنه صحيح أن جماعة التبليغ تركز على قضايا الإيمان والذكر والترغيب والتوكل على الله والمحبة وتتألف بأتباعها عن مسائل الخلاف ونحوها، لكن هذه المخرجات لها فاعلية وتأثير اجتماعي عميق، والتغير الاجتماعي يفرض تأثيراً «غير مباشر» على الخريطة السياسية، لأن الحراك السياسي لا يتمدد الاجتماعي، دار السلام، الطبعة الثانية، ١٤٣٢هـ-٢٠١١م، (ص: ٧).

المغربية لعلم الاجتماع السياسي، الطبعة الثالثة، ١٩٩٢م، (ص: ٢١٠).

إلا ضمن شروط اجتماعية، وتغيير الشروط الاجتماعية يحكم بالتالي خيارات وممكنات التمدد السياسي. والعلة الثانية أن الوعي البسيط خطوة مفضية كثيراً إلى الوعي المركب، وكنموذج صادم لذلك فإن الشيخ د. أحمد الريسوني وهو شخصية علمية مشهورة في علم المقاصد ومن قيادات العمل السياسي الإسلامي المغربي، يقول عن نفسه (أنا شخصياً دخلت إلى الحركة الإسلامية من باب جماعة التبليغ)16.

ومن المهم هاهنا قبل أن نواصل عرض بداية تشكلات التنظيمات الإسلامية في السبعينات المغربية، أن نستحضر الحالة الدينية العامة في المغرب في هذه الحقبة، ويقدم لنا د. أحمد الريسوني شهادة حية لرجل عاش تلك الحقبة، حيث يقول عن نفسه: (التحقت بالجامعة سنة ١٩٧٢م-١٩٧٣م، فوجدت أن الجامعة دينها الرسمي الوحيد هو الماركسية والإلحاد، غير مسموح بتاتاً أن يعلن أحد ديناً أو أفكاراً خارج إطار الماركسية والإلحاد، وكان الإفطار العلني في رمضان، والتدخين في نهار رمضان . . .، والجامعة المغربية كان فيها طالبة واحدة محجبة، وكانت تلقى المضايقات في كل مكان، من الطلبة والإدارة وفي المطعم وفي القسم . . .)17.

والحقيقة أن مثل هذه التصوير ليس استثنائيًا، بل قرأت لعدد آخر من شهود تلك الحقبة ينقلون قريبًا من محددات هذا المشهد، يقول د. فريد الأنصاري مثلًا: (ولقد وصلت شخصيا إلى مرحلة الطلب بالجامعة المغربية سنة ١٩٨١م، وهي في أوج إلحاديها، والإسلاميون حينئذ قلةٌ قليلةٌ جدًا يخافون أن يتخطفهم الناس، كان التحدي الماركسي مستفزًا وصارخًا! فكثير من الطلبة «الرفاق» يجهرون بالإفطار عمدًا نهار رمضان، على مرأى جميع الطلبة بالأحياء الجامعية! وكذلك كان حال بعض الأساتذة الجامعيين مع الأسف! …، وعندما غامر مجموعة من الطلبة الإسلاميين في أواخر السبعينات بإعلان الأذان بالحرم الجامعي بمدينة فاس المغربية؛ صارت قنينات الخمر وأعقاب السجائر تتساقط على المؤذن من الطوابق العليا للحي الجامعي!) (١).

هل يمكن أن يتخيل المرء صورة قاتمة للحالة الدينية أكثر من هذه؟! بصراحة حين قرأت شهادة الدكتور الريسوني ثم شهادة الدكتور فريد عن السبعينات المغربية؛ قلت في نفسي: كم هي أجور أولئك العلماء والمصلحين الذين استعملهم الله في نشر الخير والهدى وإصلاح هذا الواقع البعيد عن الله، بينما كان الملايين من الناس في زمانهم مشغولين بشؤونهم الشخصية. حسنًا، هكذا إذن كانت الصورة في السبعينات كما تنقلها لنا شخصيات علمية شاهدت وعاشت تلك الأوضاع.

وفي عام ١٩٧٠م بدأ الشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي و(١٩٣٥م) نشاطاً إسلامياً جماعياً يستهدف إيقاظ الوعي والتدين، ثم توسع هذا النشاط جداً في مدة وجيزة، وأصبحت جماعة تسمى (حركة الشبيبة الإسلامية)، وقدم مستندات تأسيس جمعيتها الرسمية والقانونية لسلطات الدار البيضاء عام ١٩٧٢م، وتوسعت حتى شملت عامة مدن المغرب، وكانت على ثلاث مستويات، الأساتذة والطلاب والعمال، وتأسس لها أيضاً جناح نسوي، وكان أفرادها يحضرون الدروس العلمية ويستضيفون العلماء والمفكرين الإسلاميين من خارج المغرب، وصارت الحركة تتواصل مع الجماعات والمؤسسات الإسلامية خارج المغرب كالجماعة الإسلامية بباكستان، ورابطة العالم الإسلامي، والندوة العالمية للشباب الإسلامي، والعلامة محي السنة عبد العزيز بن باز رحمه الله، وغيرها18.

ولكن لماذا التهب العمل الإسلامي المغربي في مفتتح السبعينات؟ ما الحدث الجوهري الذي مثل القطرة الأخيرة التي فاض بها الكأس؟ الحقيقة أنه إضافة إلى الإرهاصات الإصلاحية السابقة والأجواء الدينية والدعوية العامة في العالم الإسلامي، فإنني قرأت لعدد من الناشطين في العمل الإسلامي المغربي يتواطؤون على الإشارة إلى أن حادثة إحراق المسجد الأقصى الشهيرة عام ١٩٦٩م كانت حدثًا ارتج له المغرب، ويذكرون أن لهيب السخط الشعبي في المغرب تجاه الحادثة كان استثنائيًا، حتى أنه من آثار هذا الحريق أقيم أول مؤتمر قمة إسلامي في الرباط بالمغرب، ولذلك كانت أنسب لحظة تضافرت فيها المشاعر الدينية العامة وتحققت الشروط التاريخية لولادة الظاهرة.

وتوافق في نفس هذه اللحظة التاريخية، أعني مطلع السبعينات، نشأة عدد من الجمعيات الإسلامية أيضًا، ومنها: مجموعة من الدعاة الأكاديميين في فاس، وقد كان لهم عمل دعوي تربوي منذ مستهل السبعينات، وكان بينهم حوار مع عبد الكريم مطيع (زعيم الشبيبة) لكن الحوار لم ينجح، فأنشأت هذه المجموعة جمعية باسم (جمعية الدعوة الإسلامية) في فاس عام ١٩٧٤م، وبعضهم يقول أنه عام ١٩٧٦م، برئاسة د. عبد السلام الهراس والزعيم المؤثر فيها هو الشيخ د. الشاهد البوشيخي، وكان لها خصائص منها حدودها الأكاديمية، وارتباطها بتركة علماء القرويين، والذي أعلمه أن طابع الجمعية آنذاك هو «العمل الدعوي الجماعي» وليس «الحركي» بمعناه الفني.

وثمة مورد لا يمكن إهداره وهو الصلة الوثيقة للدكتور الفاضل عبد السلام الهراس مؤسس الجمعية بشخص مالك بن نبي وفكره، فقد سكن مالك بن نبي مع د. الهراس بمصر ١٩٥٦م سنة ونصف، والهراس هو الذي سمع أن عبد الصبور شاهين تعلم الفرنسية بنفسه فبحث عنه وعرض عليه ترجمة كتاب الظاهرة القرآنية لمالك بن نبي ورتب بينهما اللقاءات، فالهراس هو مفتاح العلاقة الترجمية بين شاهين ومالك بن نبي التي امتدت لترجمة أكثر كتب مالك، ود. الهراس هو -أيضاً- الذي سعى بنفسه لطباعة كتاب «شروط النهضة» بمصر، بل أطلع محمد الغزالي على الكتاب وهو ما زال ملازم في مرحلة الطباعة(1).

فكون د. عبد السلام الهراس تأثر بمالك بن نبي وأفكاره هذه حقيقة تاريخية رواها د. الهراس بنفسه، لكن ما مدى تأثر جمعية الدعوة بفاس التي أنشأها الهراس بذلك، وهل ذاكرة المؤسس انعكست على الجمعية وتوجهاتها؟ هذا أمر لا أستطيع الجزم به، لكني رأيت بعض الباحثين مال إلى كون جمعية فاس كلها متأثرة بفكر مالك بن نبي في نزعة «السلم والتربية»(2)، والله أعلم بحقيقة الحال.

وحيث كانت مجموعة من المنخرطين في جماعة التبليغ يتطور وعيهم العقدي والفكري والدعوي مع قراءة الكتب السلفية العقدية والفكرية الإسلامية التي بدأت تتدفق، أصبح بينهم وبين جماعة التبليغ لون من الحساسية، ففضل الطرفان الاستقلال، وأنشأ هؤلاء (الجمعية الإسلامية) في مدينة القصر الكبير برئاسة الشيخ أحمد والدراسات - الجزائر، العدد الأول، محرم 1425هـ - مارس 2004م، (ص: 27).

الريسوني، في منتصف السبعينات، عام ١٩٧٦م.

وربما يقرأ الباحث هذه المعطيات التاريخية الجسام فيتصور أن هؤلاء المؤسسين كانوا كهولاً أو على عتبات الهرم، والواقع مثلاً أن الشيخ د. الشاهد البوشيخي، وهو الزعيم الفعلي، كان في لحظات تأسيس جمعية الدعوة بفاس عمره (٢٨) عاماً، والأكثر إدهاشاً من هذا أن الجمعية الثانية وهي الجمعية الإسلامية بالقصر الكبير كان رئيسها د. أحمد الريسوني لحظة التأسيس المذكورة عمره (٢٣) عاماً!

وكان هناك -أيضاً- مجموعة من الأساتذة في وجدة، أصبحوا يسمون «مجموعة وجدة»، ومنهم الدكتور الأديب حسن الإمراني، رئيس تحرير مجلة المشكاة المعنية بالأدب الإسلامي، وهو صاحب كتاب «المتنبي في دراسات المستشرقين الفرنسيين»، وهذه المجموعة دخلت مع الجمعيتين السابقتين عام ١٩٧٩م.

ومن المهم أن يوضع في الاعتبار ملاحظة أن نشأة هاتين الجمعيتين نشأة «مستقلة» عن حركة الشبيبة الإسلامية، فالأولى قادمة من الطوق الأكاديمي وتركة القرويين، والثانية مهاجرة من مقاعد التبليغ، وثمة أيضاً مجاميع ودروس وكتابات وأدبيات دعوية بدأت تنتشر، ولسنا هنا في موضع استقصائها.

المنعطف الجولوني

ثم في ديسمبر ١٩٧٥م وقعت أخطر حادثة في تاريخ العمل الإسلامي المغربي كله، وهي حادثة اغتيال عضو المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي عمر بن جلون19، وهي حادثة ما تزال إلى اليوم مهمة الفاعلين، لكن تم توجيه الاتهام إلى حركة الشبيبة الإسلامية ووقعت أعظم غارة اعتقال لأتباعها، وحظر التنظيم، وسجن نائب رئيس حركة الشبيبة «إبراهيم كمال»، فسافر عبد الكريم مطيع فوراً إلى السعودية ومكث بها خمس سنوات، ثم استمر في التنقل بين دول العالم، والذي أعلمه الآن أنه مقيم ببريطانيا والله أعلم، وقضت المحكمة المغربية ببراءة كمال وأدانت مطيع وحكمت عليه بالمؤبد والإعدام ١٩٨٠م.

وفور وقوع هذه الحادثة المركزية وما تبعه من صدام مع السلطة وحملة اعتقالات وهروب رئيسها خارج البلاد؛ بدأت حركة الشبيبة الإسلامية حلقات الخلخلة التي انتهت بالتمزق والتفكك في مسلسل مستمر، وفي عام ١٩٧٩م احتدمت الانحلالات، وأصبح أكثرها مجاميع مستقلة في نواحٍ متفرقة من المغرب تسمي نفسها باسم جديد خاص، والعلاقة بينها وبين الأستاذ عبد الكريم مطيع في غاية التوتر والملاحاة، وكل هذه المجاميع كانت لاحقاً تحاول النأي بنفسها عن أي صلة بالشبيبة الإسلامية تفادياً لأي تبعات جنائية أو ربط ذهني اجتماعي بعد الوقعة الجلوية، وتطور فكر عامة هذه الجماعات باتجاه إعلان الرفض الصريح الحاسم للعنف ونبذ فكرة العمل السري، وقدح شرارة التحولات والمراجعات عبد الإله بنكيران ومجموعته.

كان أكبر هذه الجماعات التي انفصلت عن الشبيبة مجموعة سمّت نفسها (الجماعة الإسلامية) ١٩٨٥م، ثم غيرت اسمها لاحقًا إلى (حركة الإصلاح والتجديد) ١٩٩٢م، ورمزها «حاتم»، ورئيسها الأول عبد الإله بنكيران، وتطورت أفكارها إلى العمل العلني وتكريس إعلان رفض العنف.

ولما نشبت داخل حركة الشبيبة حالة اتهامات حادة متبادلة بين مجموعة الأستاذ مطيع وما يسمى مجموعة الستة، وكانت لحظة استقطاب حاد، آثرت طائفة من الدعاة النأي بنفسها تحت شعار الآية ﴿فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ فسميت هذه المجموعة «مجموعة التبيّن» لهذا السبب ١٩٧٧م، ثم سمت نفسها لاحقًا «جمعية الشروق»، وكان رئيسها عبد الرزاق المروري.

ومنها مجموعة الحقوقي «المصطفى الرميد»، وقد كان انضم إلى حركة الشبيبة عام ١٩٧٣م، ثم غادرها عام ١٩٧٩م بعد خلاف مع الأستاذ مطيع حول رسالة أرسلها الرميد له -بحسب روايته- بعد الأزمة مع مجموعة الستة أيضًا، وقد واجه الرميد بعض الضغوط أثناء دراسته، فاستفتى الشيخ تقي الدين الهلالي في جواز العمل في المحاماة، فأفتاه بأن العمل منوط بحسب ما تؤدي إليه، فانخرط في سلك المحاماة، وذكر عن نفسه أنه ركّز جهوده في الإعلام الصحفي الإسلامي آنذاك، وبالمناسبة فالرميد صار لاحقاً وزير العدل في حكومة بنكيران «العدالة والتنمية» ٢٠١٢م.

ومنها «مجموعة توحيد الصف الإسلامي» في الدار البيضاء وكان رئيسها عبد السلام بلاجي، وهدفها الحقيقي كما هو من اسمها ليس إنشاء جماعة مستقلة، وإنما كان هدفاً نبيلًا، وهو ترميم التصدّعات وجمع الكلمة بين الجماعات الإسلامية العاملة تلك المرحلة.

وهناك مجموعات أخرى صغيرة أيضاً، منها: مجموعة سيدي مؤمن، مجموعة عين السبع، ومجموعة درب السلطان، ومجموعة الحي المحمدي، وهناك في هذه الحقبة أيضاً: حركة نشأت بعد الثورة الإيرانية عام ١٩٨١م باسم جند الإسلام وتأثرت بالثورة الإيرانية فكرياً وبالأدبيات اليسارية تنظيمياً، ثم تسمت باسم (الاختيار الإسلامي)، ثم انفصلت عنها «الحركة من أجل الأمة»، وهم أصحاب حزب «البديل الحضاري»، وهذه كلها ليست موضع اهتمامنا هنا لعدم صلتها المباشرة بتجربة د. فريد الأنصاري الدعوية الحركية.

وفي مسار آخر حاول الشيخ عبد السلام ياسين أن يندمج مع بعض المجموعات القائمة في السبعينات، لكن بسبب الاختلاف المنهجي العميق لم يتم ذلك، فأسس عام ١٩٨١م نواة جماعته واسمها «أسرة الجماعة»، ومر اسمها بعدة تنقلات وصولاً إلى الاسم الأخير لها «العدل والإحسان»، ويرى بعض مؤرخي المغرب أنها اليوم أكبر جماعة إسلامية مغربية، والله أعلم بحقيقة الحال. ومرشد هذه الجماعة وأبوها الروحي والتنظيري والإداري طوال عمرها هو الشيخ عبد السلام ياسين الذي توفي قريباً عفا الله عنا وعنه، وعاش ٨٤ عاماً (١٩٢٨-٢٠١٢م)، وله رسائل كثيرة مطبوعة، وهو من المكثرين من التأليف، ورسائله معتمدة في جماعته يتخرجون بها، وقد نشأ مرشدها ياسين على الطريقة الصوفية البودشيشية المعروفة في المغرب مع الحاج العباس ثم ابنه حمزة(١)، ثم غادرها ليجمع بين التصوف والسياسة، وبرز هذا في رسائله المبكرة مطلع السبعينات «الإسلام بين الدعوة والدولة» (١٩٧٢م) و«الإسلام غداً» (١٩٧٣).

ولهذه الجماعة خاصة غير شائعة ولا مألوفة عادة وهي أنها تجمع بين المكون الصوفي والمعارضة السياسية المباشرة، وهذا دافع اختيار ياسين لهذا الاسم «العدل والإحسان»، لأنه جاء في القرآن بهذا الاقتران ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ فأراد هو أن يستثمره ويوظفه ليرمز به لمكونات منهجه، فمرتبة الإحسان عنده تكون بالتصوف، ومرتبة العدل تكون بالنضال السياسي لإقامة دولة العدل، وقد استمر هذا الاستحضار لمدلولات الشعار حتى أنه أشار لذلك في وصية موته أيضًا، وحيث كان إنشاء جماعته عام ١٩٨١م فقد زرع هذا إعجابًا سياسيًا حارًا لدى ياسين بالنموذج الإيراني/الخميني باعتباره نموذج «جهاد التنفيذ»(١)، وكالعادة طبعًا فإن كثيرًا من المكونات المنهجية تبدأ بإعجاب سياسي لا يلبث أن يتسلل منه عبر النوافذ الوجدانية آثار فكرية تدريجية.

ويعدون رسالته التي نشرها -ويلاحظ أنها قبل الثورة الإيرانية- موجهة للملك الحسن الثاني بعنوان «الإسلام أو الطوفان: رسالة مفتوحة إلى ملك المغرب» (١٩٧٤م) منعطفًا فارقًا في مسيرة ياسين، ولغة الرسالة بصراحة لغة جريئة، ومن البسالة مخاطبة مثل الجلاد الحسن الثاني بها، وفكرتها استثمار قلق الحسن الثاني من بأس المعارضة اليسارية ودعوته للعودة للشريعة، واعتقل على إثرها ثلاث سنوات ونصف، أمضى كثر من نصفها في مستشفى الأمراض العقلية، وللجماعة تفاصيل في موقفها من المشاركة السياسية ليس هذا موضع عرضها(٢)، وفي نهاية التسعينات بدأ ياسين يخاطب الغرب بلغته ويقدم نفسه بقالب صوفي متصالح مع الغرب، ولكنه يعيد التركيز على أطروحات نقد الحداثة وإثارة موضوع البديل، في كتابه «أسلمة الحداثة» (١٩٩٨م)

المكتوب بالفرنسية، وقد أقيم احتفال دعيت جهات أجنبية لحضوره لتدشين الكتاب (١).

حقبة الاندماجات

ثم بدأت موجة الاندماجات والتوحدات، حيث رأى عدد من الدعاة والمصلحين والأساتذة الأكاديميين في الجمعيات الإسلامية مغبة هذا التفرق والتشرذم، وخصوصًا بعد تمزق وانحلال الشبيبة الإسلامية وتشتت المجموعات الدعوية، فاجتمعت عدة مجموعات مما سبق بيانه وهي: جمعية الدعوة الإسلامية بفاس (الهراس والبوشيخي)، والجمعية الإسلامية بالقصر الكبير (الريسوني)، ومجموعة وجدة، وجمعية الشروق «التبيّن» (عبد الرزاق المروري)، ومجموعة التوحيد (عبد السلام بلاجي).

واتفقت هذه المجموعات المذكورة على توحيد العمل الإسلامي والاندماج، وبدؤوا في التأسيس منذ عام ١٩٨٨م، وانتهوا منه عام ١٩٩٤م، وأُعلن عنها رسميًا باسم «رابطة المستقبل الإسلامي» التي تضم كل هذه المكونات، وشاركهم أيضًا المغرب، العدد ٢، ١٩٩٨م، (ص: ١٠١).

المصطفى الرميد في العمل الإعلامي الصحفي الإسلامي، وكان من الفاعلين في مشروعات التوحّد والاندماج، وأصدرت الرابطة جريدة السبيل فأوقفت، ثم جريدة الصحوة، وكان للثانية نجاح ملحوظ، وأدارها المصطفى الرميد وشاركه في الكتابة فيها د. فريد الأنصاري، وشطر من رسائل الأنصاري المطبوعة إنما كانت مقالات في هذه الجريدة.

وقد سعت هذه المجموعات للتوحّد والاندماج أيضًا مع حركة «الاختيار الإسلامي» ذات التأثير الشيعي الفكري/اليساري التنظيمي، في راية جديدة تسمى «الجبهة الإسلامية بالمغرب»، لكن بسبب المسافة الشاسعة والتنائي المنهجي تعذر على كل من الطرفين تقبّل الآخر، وللخلاف أيضًا تفاصيل ليس هذا موضع عرضها، تتعلق بالموقف من جماعتي «الإصلاح والتجديد» و«العدل والإحسان».

ثم جاءت لحظة التوحّد المحوري في تاريخ هذه المجموعات كلها، وهو توحّد «رابطة المستقبل الإسلامي» بمكوناتها السابقة، مع حركة «الإصلاح والتجديد» (حاتم) التي كان رئيسها الأول بنكيران، وكلها سبق إيضاح تطوراتها، وفعلاً تم الاندماج في حركة جديدة باسم «حركة التوحيد والإصلاح» (١٩٩٦م) وكان أول رئيس لها هو د. أحمد الريسوني، وهو صاحب كتاب نظرية المقاصد عند الشاطبي.

وكانت حركة الإصلاح والتجديد (حاتم) سبق أن تعذّر عليها تأسيس حزب سياسي إسلامي بصفة قانونية، وكان للدكتور عبد الكريم الخطيب حزب قديم مرخص لكنه معطل وهو «حزب العدالة والتنمية»، فاتفقوا على إحيائه والعمل من خلاله على مكتسبات للطرفين، وفعلاً بدأ العمل من خلاله، فلما تم التوحد بين الرابطة وحاتم أصبح «حزب العدالة والتنمية» هو الذراع السياسي لـ «حركة التوحيد والإصلاح»، حتى كان بعضهم يسميه «التأسيس الثاني للحزب»، وحركة التوحيد والإصلاح هي حصيلة الاندماجات السابقة كلها التي عرضنا شيئاً من تاريخها آنفاً.

وفي العام ٢٠١١م حصد حزب العدالة والتنمية المرتبة الأولى، وشكّل الحكومة، ورئيس الحكومة هو عبد الإله بنكيران.

هذه ملامح عامة وأفقية لتطور الحركة الإسلامية المغربية استخلصتها من مشاهدات أصحابها ومن دراسات أخرى (١).

وقد عاش د. فريد في جدلياتها ولججها، وتطورت رؤيته تخلقه حتى صاغ نظريته في «التضخم السياسي»، التي لا يمكن استيعابها إلا بتصور التحولات الإجمالية للعمل الإسلامي الدعوي الحركي بالمغرب، فلنتنقل الآن إلى قراءة مواقف د. فريد داخل هذه التجربة وتحليل نموذجه من خلال ذلك.

= ١٤٢٧هـ، ٢٠٠٦م، (ص: ٥٢)؛ الطيب بونزوي، الحركة الإسلامية في المغرب: حركة الإصلاح والتجديد نموذجًا، مجلة الفرقان- المغرب، العدد ٤١، ١٤١٩هـ- ١٩٩٨م، (ص: ٤٠)؛ مصطفى الخلفي، السلوك السياسي للحركة الإسلامية بالمغرب: العدل والإحسان - حركة التوحيد والإصلاح، مجلة الفرقان- المغرب، العدد ٤١، ١٤١٩هـ-١٩٩٨م، (ص: ٥١)؛ عبد الناصر فتاح الله، تجربة الحركة الإسلامية في المغرب، مجلة دراسات شرق أوسطية- الأردن، العدد ٧، ١٩٩٩م، (ص: ٤٣)؛ سمير حسن، التنظيمات السياسية الإسلامية في المغرب وعلاقتها بالمؤسسة الملكية، مجلة النهضة-مصر، المجلد ١٢، العدد ١، ٢٠١١م، (ص: ١٠٩)؛ زين العابدين حمزاوي، الأحزاب السياسية وأزمة الانتقال الديمقراطي بالمغرب، مجلة فكر ونقد- المغرب، العدد ٩١، ٢٠٠٧م، (ص: ٥)؛ نور الدين علوش، التوحيد والإصلاح: قراءة في المسار، دار ناشري، ٢٠١٠م؛ ومنها فصل بعنوان (استصنام العقلية المطبعية وإفشال الوحدة التاريخية للحركة الإسلامية) من كتاب د. فريد الأنصاري «الأخطاء الستة للحركة الإسلامية» فقد قدم في هذا الفصل معلومات تاريخية عن الحركة الإسلامية في المغرب؛ وأهم هذه المصادر على الإطلاق هي الحوارات المنشورة مع بعض رموز العمل الإسلامي المغربي مثل أحمد الريسوني ومصطفى الرميد وأحمد العماري وعبد الإله بنكيران ومحمد الحمداوي وعبد الكريم مطيع وغيرهم، ففيها شهادات حية على الحقب الدعوية التي مازجوها، كل من وجهة نظره.

القسم الثاني: مكونات النموذج

مشروع الفكر الدعوي

كما سبق أن أشرنا فإنني لا أعلم في العلماء والدعاة المعاصرين شخصية أنتجت كتبًا ورسائل وأطروحات لبحث «علاقة السياسة بالمشروع الدعوي» كما فعل الدكتور فريد الأنصاري، وهذا بكل وضوح يستدعي أن نمنح نموذجه، محيطًا ومكونات، العناية الأكبر من حيث الدراسة والتحليل.

ونموذج «التضخم السياسي» الذي شحذه الشيخ د. فريد ﷺ، ليس مفهومًا استخلصه الباحثون من نصوصه، بل هو بنفسه صاغ المصطلح، ووضع له رسالة مستقلة بنفس العنوان شرح فيها اعتباراته، ولكن قد يظن بعض القراء أن هذه الرسالة المعنونة بـ «التضخم السياسي» هي التي تعرض مكونات هذا النموذج، والواقع خلاف ذلك، فالدكتور فريد كتب خمس رسائل في النقد والتأصيل لحقل «الفكر الدعوي»، وهذه الخماسية هي منظومة تنظيرية دعوية متلاحمة، والخيط الرئيس الذي يستبطنها كلها هو سؤال «علاقة الدعوة بالحركة» ثم «علاقة الدعوة بالسياسة»، وقد ابتدأ مشروعه في «الفكر الدعوي» بالتصحيح الجزئي لآلية الحركة وانتهى بالنقد الجذري لها، وهذه الرسائل الخمس هي: التوحيد والوساطة في التربية الدعوية (١٩٩٥م)، الفجور السياسي والحركة الإسلامية بالمغرب (٢٠٠٠م)، البيان الدعوي وظاهرة التضخم السياسي (٢٠٠٣م)، الأخطاء الستة للحركة الإسلامية بالمغرب (٢٠٠٧م)، الفطرية: بعثة التجديد المقبلة (٢٠٠٩م).

حسنًا، هذه هي الكتب الخمسة التي تمثل أضلاع نقديات وتأصيلات ما يمكن تسميته «الفكر الدعوي» للشيخ د. فريد الأنصاري، وكما أكدنا مرارًا أن التنظيرات الفكرية لا تولد في الفراغ ولا يستنطرها الذهن المحض، بل هي حصيلة سؤالات التجربة ومكابدات المزاولة في سياق أجواء وظروف تاريخية معينة، وأن هذا عام في العلوم والمعارف، فالإنسان كائن مجيب، ومن استوعب هذا المدخل فقد وضع بيده أدق المفاتيح لدلق بوابات الأطاريح، فكيف تطور هذا النموذج من خلال المحطات الدعوية الحركية التي مرّ بها د. فريد ﷺ؟

لا شك أن القارئ الآن يتذكر المغذيات العلمية المبكرة التي أفعمت الأجواء المغربية بإحياء أصول أهل السنة ومذهب السلف والدعوة للتوحيد والتشنيع على الشركيات والمحدثات والبدع، وتحقيق الأحاديث النبوية، وكيف استفاد د. فريد منها.

ولعل القارئ -أيضًا- يتذكر نشأة جمعية الدعوة الإسلامية بفاس، وزعيمها الفاعل د. الشاهد البوشيخي، ويتذكر القارئ أن د. الشاهد البوشيخي هو الذي أشرف على عدة بحوث أكاديمية للشيخ فريد الأنصاري ووجهه للدراسة المصطلحية، وكانت أول صلة د. فريد الأنصاري بالعمل الإسلامي الدعوي بطبيعته الجماعية البسيطة هي انخراطه ضمن «جمعية الدعوة الإسلامية» في فاس، التي يشرف عليها مجموعة من الأساتذة الأكاديميين ويميلون للتركيز على العلم والتربية ويتعدون عن الاستغراق في السياسة، ولذلك كان د. فريد شديد الإعجاب بتوجّه أساتذة هذه الجمعية، ونعيد التذكير بأن هذه الجمعية نشأت مستقلة عن تنظيم الشبيبة الإسلامية كما سبقت الإشارة.

ثم عاش د. فريد لحظة تجربة التوحد بين الجمعية الإسلامية بفاس وبقية الجمعيات والمجموعات تحت منظمة «رابطة المستقبل الإسلامي» (١٩٩٤م)، وكان الشيخ -أيضاً- يثني على هذه التجربة كثيراً، باعتبار تناغم مكونات هذه الرابطة فيما يخص مركزية التربية الدعوية العلمية والإيمانية، ثم وقعت تطورات أخرى نتناولها في الفقرات القادمة.

التوحيد والوساطة

وفي هذه المرحلة، أعني مرحلة النصف الأول من التسعينات، كان د. فريد يحتك بالحركات الإسلامية ويلاحظ مسيرتها وسلوكياتها، سواء الحركات ذات النزعة التنظيمية العميقة، أو الحركات ذات الميول الصوفية المتجاوزة.

ولاحظ د. فريد -بحسب رأيه طبعا- أن الجماعات الحركية ذات النزعة التنظيمية العميقة أصبحت تبالغ في التشبث والتعصب لهياكلها وبرامجها ومتونها الحركية، وأن الحركات ذات الميول الصوفية، تبالغ في الروح المريدية تجاه مؤسسها، والدكتور فريد في رسائله اللاحقة يسمّي أعيان وآحاد هذه الحركات التي كان له موقف نقدي منها، لكننا آثرنا تحاشي ذلك، لأن هذا يجرنا من التحليل المفهومي الذي يعيننا هنا، إلى الدخول في حالة محاكمة تستدعي ذكر وجهة نظر الطرفين.

وفكّر د. فريد في القدر الجامع لهذه المشكلة، ورأى -بحسب وجهة نظره- أن هذا بسبب الإفراط في التعلق بالوسائل كالهياكل التنظيمية والنصوص الفكرية والقدوات العبادية، أكثر من الأهداف الكبرى وهي نصوص الكتاب والسنة، ويرى أن الواجب الشرعي هو أن يستفيد الداعية من الكتب والشخصيات والأطر الحركية؛ لكن لا تتجاوز قدرها، بحيث يكون الأصل هو نصوص الوحي، وتربية الناس من خلالها وعليها وإليها.

وحاول د. فريد أن يتجاوز ملاحظة الإشكالية وشرحها إلى اشتقاق مفهوم كلي جامع يصب الفكرة فيه، فتوصل إلى تمييز مفهومي بين (التوحيد) و(الوساطة)، فاستمرار حيوية مركزية «المنهج النبوي في الدعوة» مع الاستفادة من الوسائل هو حالة «توحيد»، وسماها «تربية توحيدية»، وأما تجاوز الوسائل لحدودها والتعصب لها والتشبث بها، سواء كانت أشخاصاً أم حركات أم كتباً، فهذه حالة «وساطة» بين العبد وربه، وسماها «تربية وساطية».

يقول د. فريد في الإلماح لموضع النقد من كتابه هذا (الاتجاه الوساطي يجمع كل المذاهب التربوية القائمة على أساس وجود «الوسيط»

التربوي، الذي قد يكون «شيخ» مدرسة سلوكية صوفية، أو «شيخ» مدرسة فكرية عقلية(1). ومن سبق له الاطلاع على علائق د. فريد بالحركات القائمة حينذاك يدرك إلام يومئ الدكتور بهذين الشيخين.

وأظن -والله أعلم- أن هذا التمييز المفهومي استمده د. فريد من مخزونه العقدي، ذلك أن الناقض الثاني من نواقض التوحيد (من جعل بينه وبين الله «وسائط»)، فهذا التقابل بين «التوحيد»

و«الوسائط» نقله د. فريد من حقله العقدي بمعناه الخاص، إلى الحقل المنهجي وألقى عليه معنى عامًا واسعًا، وأنا لا أجزم بهذا الاستمداد وإنما على سبيل التخمين والحدس، وخصوصًا أن هذا الناقض الثاني موجود في كتاب «فتح المجيد»(2) الذي كان د. فريد معنيًا به في شبابه كما روى عن نفسه.

ثم قام د. فريد بتحويل هذا التحليل إلى كتاب تأصيلي سماه «التوحيد والوساطة في التربية الدعوية» (1995م)، وهو أول كتاب في مشروع النقد والتأصيل للفكر الدعوي عنده، وبهدف تأصيل المفهوم استخلص من التراث الإسلامي نماذج لما يراه تربية وساطية، وما يراه تربية توحيدية، فاعتبر أن منهج النبي ﷺ وأئمة وزارة الشؤون الإسلامية بقطر، 1416هـ-1995م، (ص: 1/34)

آل فريان، دار الصميعي، (ص: 304، 784) وغيرها.

السلف هو نموذج للتربية التوحيدية، وأن التربية الوساطية ظهرت بعد القرون الثلاثة في ثلاثة مستويات: «الوساطة العقدية» عبر علم الكلام المعتزلي والأشعري، و«الوساطة الفقهية» عبر شيوخ التقليد المذهبي الفروعي، و«الوساطة الروحية» عبر التصوف حيث صار السلوك يُتلقى عبر وسائط الشيوخ، ويحيل الأنصاري انتشار الوساطة الروحية لتبني تلك الحقبة لكتب أبي حامد الغزالي20، وقد عقد د. فريد في كتابه هذا فصولاً في النقد الصارم لأبي حامد الغزالي وأضرار إعلانه من شأن التصوف، بل قال في أحد المواضع (عجباً، يا ليت شعري، أين كان عقل الغزالي وهو يروي هذا الكلام؟)21

ويذكر د. فريد أن هذه الحالة المنحرفة لم تكن في القرون الثلاثة الأولى وإنما شاعت منذ القرن الرابع، كما يقول (وكان القرن الرابع الهجري وما بعده، حتى بداية القرن السابع، مرحلة ازدهار المنهج التربوي الوساطي)22. ثم اعتبر د. فريد الأنصاري أن القرن الثامن هو أهم القرون في التأصيل للتربية التوحيدية، ومحاربة التدين الوساطي، وأن أئمته هم «ابن تيمية وابن القيم والشاطبي»23. كما وزارة الشؤون الإسلامية بقطر، ١٤١٦هـ-١٩٩٥م، (ص: ٣١/٢) وما بعدها.

اعتبر أنه منذ القرن الثامن لم يقم مجدد ينهض بالتدين التوحيدي ويحارب التدين الوساطي إلا في القرن الثاني عشر وهو الشيخ محمد بن عبد الوهاب، حيث يقول د. فريد (لم ينهض للإصلاح التربوي الشامل، والتجديد الديني العام، أحد في مستوى مجددي القرن الثامن وما قبله أو يقاربهم؛ إلا بعد دخول القرن الثاني عشر الهجري، حيث ظهر المصلح التوحيدي الشهير الإمام محمد بن عبد الوهاب ﷺ). (١)

ثم وصل د. فريد إلى هدفه النهائي وهو عرض صور التربية الوساطية المنحرفة في الحركة الإسلامية وذكر منها: «الأدبيات التي تمجد التنظيم بما يؤدي للحزبية والتعصب حتى يكون التآخي بين شباب الصحوة مبنيًا على الأصرة التنظيمية لا العقدية الصافية» (٢)، كما ذكر منها «التقديس اللاشعوري لأفكار وكتب بعض رموز الحركة» (٣)، واستمر يعرض بعض الصور، وكلها تدور حول ما يسمى أحيانًا «الأمراض الحركية» التي تُبتلى بها الحركات أيًا كانت طبيعتها.

إن أول ملاحظة نسجلها هنا هو أنه إذا كان من المتفق عليه أن الشيخ د. فريد الأنصاري مرّ بتحولات ومنعطفات فكرية ومنهجية، فإن مرحلة كتاب «التوحيد والوساطة في التربية الدعوية» (١٩٩٥م) تُجسّد ساعة الذروة في الالتزام بمذهب السلف ونصرته وتعظيم أئمته ودعاته.

كما نسجل أيضًا أن وجهة نظر د. فريد في نقد بعض الحركات الإسلامية وطرائق التربية فيها ليست متأخرة، بل بدأت مبكرة، فقد طبع هذا الكتاب قبل مناقشة رسالته للدكتوراه بأربع سنين، وعمره حين طباعة هذا الكتاب (٣٥) عامًا، وفي هذا الكتاب كان يؤكد على أن مدرسة الموضوعات التربوية من خلال نصوص الكتاب والسنة أحسن من مدارستها من خلال الكتب الفكرية الدعوية المعاصرة، وهذه قضية استمرت معه، حتى تطورت لفكرة التربية القرآنية في دراساته اللاحقة.

كما أنه في هذا الكتاب المبكر (١٩٩٥م) أطلق على صور التعصب الحركي ألقاب التوثين والتصميم، كقوله مثلًا: «الوثنية التنظيمية»(١)، «من عبادة الله إلى عبادة التنظيم»(٢)، «عبادة أوثان نظرية»(٣)، ونحوها، ود. فريد لما استعمل هذا المستوى من التوصيف في دراسات لاحقة (٢٠٠٧م)، ظن بعض نقاده من الفضلاء أن هذا تحول خطير، والأمر غير دقيق، بل ها نحن رأينا د. فريد يستعملها بشكل مبكر، بغض النظر عن صحة رأيه أو أنه شابه شيء من التضخيم والمبالغة في التعبير كما يرى مخالفوه.

والأهم من هذا كله، أنه طوال هذا النقد المبكر لم يكن يرمي -لا صراحة ولا ضمناً- إلى إلغاء مفهوم الحركة الإسلامية، بل كان يدعو فقط إلى التصحيح الجزئي لبعض الممارسات، مع انتماء واضح لبنية الحركة الإسلامية بشكل عام.

تجربة التوحد المحورية

ثم بعد صدور كتابه هذا بسنة، أعني عام ١٩٩٦م، وقعت الحادثة المفصلية في التجربة الدعوية-الحركية للشيخ فريد الأنصاري، وهي واقعة التوحد والاندماج بين «رابطة المستقبل الإسلامي» و«حركة الإصلاح والتجديد» (حاتم) التي تركّبت في وعاء جديد هو «حركة التوحيد والإصلاح» (١٩٩٦م) بقيادة الشيخ د. أحمد الريسوني.

وهذا الكيان الجديد يختلف عن روح جمعية الدعوة الإسلامية بفاس، حيث يمكن القول أن جمعية الدعوة بفاس كانت عملاً دعوياً «جماعياً»، بينما «التوحيد والإصلاح» كانت تجربة دعوية «حركية».

وكان د. فريد الأنصاري يرى -ومجموعة من قيادة جمعية الدعوة بفاس أيضاً- أن بعض المنتسبين لهذا الكيان الحركي ما يزال يحمل رواسب الروح السياسية المفرطة، والاستغراق في الماجريات السياسية، وضعف منزلة التربية الإيمانية العلمية بحسب وجهة نظرهم، أو بشكل أدق ما يسمونه الأساليب اليسارية السياسية وفق توصيف د. فريد، ولذلك كانت مجموعة فاس في غاية التردد من هذا الاندماج كما يروي د. فريد، ولكن مشروع الوحدة قد تم فعلاً، بين رابطة المستقبل وحاتم.

وحين تابع الشيخ نشاطه في الإشراف على النشاط الطلابي داخل الكيان الجديد «حركة التوحيد والإصلاح»، بدأ يلاحظ -بحسب وجهة نظره- أن ما كان ينتقده من الأساليب الحركية الموغلة في الماجريات السياسية هي الروح السارية في الكيان الجديد، وأن رؤيته هو ومجموعة فاس في المنهج الدعوي غير مرحب بها.

وروى الدكتور فريد لاحقاً مشاعره المُرّة، كقوله عن موقعهم داخل حركة التوحيد والإصلاح (عشنا نحن أبناء رابطة المستقبل كفكر وتوجه كالأضياف غير المرغوب فيهم!) ويقول د. فريد أيضاً (عشنا غربة روحية ونفسية داخل الحركة «الموحدة»!) ولم نستطع التكيف مع رموز المناورة، فالمقرات مقراتهم، والولاء ولاؤهم، والأتباع جنودهم، ولا شيء يكون إلا بإذنهم!) وأما المنهج الدعوي للشيخ فريد الذي يركز على التربية الإيمانية القرآنية وتقليل الانهماك في الماجريات السياسية فقد قيل له كما يروي (إن الأنصاري يريد أن يُدخل علينا منهج الدعوة؛ إذا أراد هذا فليذهب إلى جماعة التبليغ!)24، ورأى مخالفوه أن هذا التوصيف لواقع الاندماج الجديد غير دقيق.

ثم بدأت بعض رموز وقيادات جمعية الدعوة بفاس تغادر هذه الحركة «التوحيد والإصلاح»، ومنها مغادرة القيادي «محمد أمناس» عام ١٩٩٨م، وتبعه كثيرون، لكن د. فريد ما زال فيها باقياً في ذلك التاريخ.

ثم في العام ٢٠٠٠م قرر د. فريد انسحابه من «حركة التوحيد والإصلاح»، لأسباب ذكرها، منها بحسب رأيه وتوصيفه ووجهة نظره: شيوع ذهنية المناورات والمراوغات والتحالفات داخل الكيان الحركي بما يؤدي للميكافيلية التيارية لصالح جناح داخل الحركة، وهيمنة الشخصيات الوصولية والانتهازية على الحركة، ولأن «حزب العدالة والتنمية» بدلاً من أن يكون ذراعاً سياسياً «منفصلاً» فإنه لم يتم الوصل فقط، بل صارت الحركة هي التبع والحزب هو الأصل النافذ، والنتيجة بحسب عبارته أنه «صارت الدعوة خادمة للسياسة» وانجفل شباب الحركة في الاستغراق في الماجريات السياسية على حساب التزكية الإيمانية تبعاً لذلك.

وبسبب تورم الماجريات السياسية وضمور التغذية الإيمانية يرى د. فريد أن هذا أدى لضعف دين بعض العاملين في الصف الإسلامي، بالإضافة لجزئيات أخرى ذكرها، ولسنا بحاجة طبعاً لتكرار التأكيد أن هذه تقييمات خاصة بالدكتور فريد ﷺ، ولسنا هنا في وارد الحكم بين الناس تعديلاً وتجريحاً، وإنما نريد فهم السياق التاريخي الذي عاشه د. فريد ومواقفه مما حوله خلال تجربته لنفهم بالضبط نموذجه الذي طرحه، ولذلك فقد حذفت عامة التعيينات التي سماها في نقده، واكتفيت بالوصف المفهومي العام قدر الإمكان.

وهذه السنوات الأربع منذ توحيد الرابطة وحاتم (١٩٩٦م)

إلى استقالة د. فريد (٢٠٠٠م) يظهر لي أنها هي المفتاح الرئيس لفهم آراء واجتهادات د. فريد اللاحقة في موضوع الفكر الدعوي والعلاقة بين الدعوة والحركة، فمعظم الاستياء الذي حمله الشيخ فريد تجاه النزعة الحركية يعود لتجربته الأليمة في هذه السنوات الأربع.

الفجور السياسي

وفي نفس هذه السنة ٢٠٠٠م، التي استقال فيها د. فريد من حركة «التوحيد والإصلاح»، كان قد انتهى في مطلعها من تحرير الرسالة الثانية في مشروع الفكر الدعوي، وهي بعنوان (الفجور السياسي والحركة الإسلامية بالمغرب: دراسة في التدافع الاجتماعي).

تقوم هذه الرسالة على محورين: المحور الأول هو مفهوم مبتكر ومبدع في غاية الثراء، وهو مفهوم «الفجور السياسي»، ولا أعلم أحدًا سبق د. فريد في ابتكار وسبك هذا المفهوم، نعم، سبق أن طُرح اللفظ نفسه في وصف ممارسات بعض الدول باعتبار أنها لا تحمل مبادئ سياسية، لكن هذا أمر بعيد عن مقصود د. فريد، فصياغة هذا المفهوم في هذا الميدان وبهذه المحددات صياغة مبدعة وجديدة.

خلاصة هذا المفهوم أن مظاهر الفسق والمعاصي الأخلاقية لم تعد خطايا ذاتية تلقائية يقوم بها أفراد داخل المجتمع، بل أصبح الفجور أيديولوجية توظف في المعترك السياسي لخنق حاسة النقد في الضمير الاجتماعي بما يخدم استمرار الوضع السياسي الفاسد القائم، ويفرق د. فريد بينهما بأن الفجور الطبيعي مجرد استجابة ذاتية للرغبة الحيوانية، أما الفجور السياسي فهو ترسيخ الانحلال في المجتمع عبر التمكين للفساد الخلقي والدعاية له لمحاصرة حركة التدين باعتبارها ذات بعد سياسي25.

ويذكر د. فريد بعض مظاهر هذا التدهور الأخلاقي المدعوم والمُعزِّز إدارياً مثل الأغنية المصورة الراقصة والفنون الهابطة والأدب العاري وعرض الأزياء والموضة الخ، فهي ليس حالة فسق بل قرار تفسيق، حتى بلغ الحال مشهداً تتفطر له الأكباد حيث يقول د. فريد (السلطات المغربية مُصِرَّةً أيما إصرار على مواصلة مشاريع الخمر، صناعة وتوزيعاً وتوسيعاً، بل إن رخصةً لفتح خمارنة لهي أسهل من حيث الإجراءات القانونية من رخصة لبناء مسجد)26.

ولذلك فقد كان من الطريف حقاً أن يذكر د. فريد أن الحزب الأكبر اليوم ليس هو الأحزاب السياسية التاريخية المألوفة، ولكنه «حزب الفجور السياسي»، وأن جمهور هذا الحزب يتضاعف أضعاف عدد المنخرطين في الاتجاه الإسلامي، وللدكتور تفاصيل حول هذا المفهوم الأخّاذ ليس هذا موضع عرضها.

وأما المحور الثاني لهذه الرسالة فهو نقد للحركة الإسلامية في مقاومة هذا الحزب الذي سماه «حزب الفجور السياسي»، وهو يقسم الحركة الإسلامية في المغرب إلى قسمين: حركة المواجهة الاحتجاجية، وحركة المشاركة السياسية، ويرى أن كليهما قد استُدرجا خارج حلبة الصراع، بسبب أن حزب الفجور السياسي قائم على زعزعة البنية الخلقية للمجتمع، فبؤرة الصراع هي «تدين المجتمع»، بينما هذين الاتجاهين تضخمت لديهما دوائر الاهتمام بالماجريات السياسية ورهاناتها ودخلوا في موسمياتها، وأهملوا بناء تدين المجتمع27.

ونسجل هاهنا ملاحظة عابرة، وهي أن د. فريد تحدث في هذه الرسالة ولأول مرة عن مفهوم «التضخم السياسي» في الحركة الإسلامية، لكن من دون تعميق وتركيز واستقلال لطرح هذه الفكرة، كما أننا نلاحظ أن نقده السابق قبل خمس سنوات من هذه الرسالة وهو (التوحيد والوساطة) كان مُسلطاً على التعصب والتحزب للجماعات والأشخاص والكتب، بينما هذا النقد الذي وقع بعد تجربة الوحدة بين الرابطة وحاتم تحول إلى التركيز على إشكالية الانهماك السياسي والغفلة عن تدين المجتمع.

وبكل صراحة فهذه الرسالة للشيخ فريد «الفجور السياسي» لها منزلة أثيرة في نفسي، فمن استوعب مفهوم «الفجور السياسي» أدرك أن دور الوعظ والتزكية والتذكير بلقاء الله واليوم الآخر أعمق أثراً في الرقي بالمجتمعات والأمم وتحقيق مشروع النهضة والتقدم والحضارة من كثير من الكتب الفكرية والسياسية التي يظن أنها هي نموذج الوعي وبعد الغور! فبالله عليك ماذا تصنع عشرات الكتب النظرية الفكرية الباردة عن مسؤولية الفرد والتزاماته إذا اصطكت الأضلاع أمام قول الله ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وقوله سبحانه ﴿وَقُومُوا إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ وقوله سبحانه ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ ونظائرها من الآيات العظيمة التي ينفلق لها قميص القلب.

التضخم السياسي

ثم في العام (٢٠٠٣م) أصدر د. فريد الأنصاري رسالته الثالثة في مشروع النقد والتأصيل للفكر الدعوي، وهي (البيان الدعوي وظاهرة التضخم السياسي: نحو بيان قرآني للدعوة الإسلامية)، وقد حدد د. فريد في هذه الرسالة الإشكالية والسؤال، حيث ذكر أنها («علاقة السياسي بالدعوي» أو بتعبير أدق: موقع «المسألة السياسية» من مشروع التجديد الإسلامي)28.

ومن التمييزات المهمة التي ذكرها المؤلف التفريق في مسألة الإسلامية، دار السلام، الطبعة الثانية، ١٤٣٣هـ-٢٠١٢م، (ص: ٧).

«موقع السياسة في الشريعة» بين دائرة الخلاف الإسلامي/العلماني وبين الخلاف الإسلامي/الإسلامي في هذه المسألة، فالأول خلاف وجود والثاني خلاف مرتبة، كما يشير المؤلف لمستويات الجدل في هذه المسألة (وهو جدل قائم بين الإسلاميين، فيما بينهم وبين أنفسهم بصيغة؛ وفيما بينهم وبين العلمانيين اللادينيين بصيغة أخرى)29.

والحقيقة أن هذا تمييز مهم يقع فيه الخلط أحيانًا، فبعض الفضلاء ممن ينتقد الزيادة في منزلة السياسة في الخطاب الشرعي يُتَوَهَّم أنه يقصد نفي وجود السياسة فيوضع في مربع العلمانية، وبعض المتعلمين غير المجترئين ممن يتوق إلى إعدام وجود السياسة في الخطاب الشرعي يتظاهر أنه ينتقد الزيادة فقط وهو يقصد إلى ما هو أبعد من ذلك لكنه يداري غيظ المتلقي، وهذا يعني أنه ينبغي الدقة في فهم مقالات الناس في هذه المسألة، والتمييز بين من يخالف في أصل خضوع السياسة للشريعة، وبين من يخالف في كمية حضورها إما نقدًا لتضخمها أو نقدًا لضمورها.

والمؤلف في عدد من كتبه يقسم الحركات الإسلامية التي يدرسها إلى منهجين: المنهج الأول يسميه منهج الصدام والاحتجاج والمواجهة، والثاني يسميه منهج المشاركة السياسية بالعمل الحزبي البرلماني، ويطلق أحيانًا عليهما «المنهج النقضي»

و«المنهج النقدي»(2)، وكلا المنهجين في نظر المؤلف مصابان بإشكالية «التضخم السياسي» والاستغراق في الماجريات السياسية، كما يقول (ظاهرة التضخم السياسي: سواء منها ما له علاقة بنفسية الصدام السياسي، أو ما له علاقة بالانتفاخ السرطاني للعمل السياسي)30.

وقد ساق المؤلف شواهد وصوراً ونماذج لحالة تضخم الاهتمام بالماجريات السياسية، وهي صور محزنة فعلاً، ومنها مثلاً قوله في سياق حديث له (من علق التدين وصلاحه بموقف معين في المسألة السياسية! كأنها أولى الأوليات ورأس الجهاديات!)31.

حسنًا، ندخل هاهنا إلى السؤال المنهجي الهام الذي كان حاضرًا باستمرار في سياق قراءتنا لكل النماذج السابقة للعلماء والدعاة والمفكرين، وهو: ما مدى توازن د. فريد في نموذجه هذا؟ أو بشكل أصرح وأوضح ودون جمجمة: هل د. فريد يقصد إلغاء فكرة العمل المؤسسي الدعوي ونفي فكرة العمل الدعوي الجماعي من أصلها؟

الجواب لا، بل أعلن في هذه الرسالة موقفه بكل وضوح، وجاهر به في مواضع متعددة من رسالته هذه، أنه لا يقصد إلغاء التنظيمية والعمل السياسي الدعوي، ولكن يقصد نقد القدر الزائد في هذه المسألة، فتراه يقول مثلاً في نفس الرسالة: («التنظيم» بمعناه الإداري للعمل الدعوي ضرورة من ضرورات كل عمل يريد أن يشتغل في المجتمع، هذه حقيقة شرعية واجتماعية لا مراء فيها، وسنة من سنن الله في الكون وفي المجتمع)32.

ويؤكد في موضع آخر على منطقة النقد وأنها القدر الزائد التي ترمي البيض كله في سلة الحل السياسي، كما يقول: (وإنما استشكالنا مبني على كونه يعتمد العمل السياسي هدفاً وغاية، حتى صار رهانه، كل رهانه، على «الحل السياسي»)33.

بل إن المؤلف أحياناً يكون في صدد نقد المغالاة والتضخم في الاهتمام بالماجريات السياسية وبيان آثارها ونتائجها السلبية، وقد انتهى من بيان قيوده وضوابطه، ومع ذلك يعيد التأكيد في جمل اعتراضية على أنه يقصد نقد المبالغة السياسية لا أصل العمل السياسي، وهذا يدل على صدق قصده -إن شاء الله- في إيصال المراد، وأنه ليس من قبيل ما يرميه بعضهم في أحد المواضع المتوارية من هوامش الكتاب من نفي أنه يقصد معنى معيناً وهو في الحقيقة لا يقصد نفيه وإنما لدفع التشنيع الذي يتوقعه من القارئ المفترض الذي يكتب وهو يفكر فيه فيريد إغلاق فمه بهذا التنبيه المدفون، فأما تكرار التقيد بصيغ متنوعة خلال الكتاب فهو من أعظم القرائن على صدق إرادة التقيد، ولاحظ مثلاً هذه الجملة الاعتراضية: (إن الاختبار الإسلامي القاصر على الشأن السياسي ممارسة - وأقول «القاصر» بمعنى حصر العمل الإسلامي في الشأن السياسي - يسلب الإنسان التفكير الكلي)34.

إشكالية الاستدلال في النموذج

يستعمل بعض الأئمة التمييز في العلوم بين «المسائل والدلائل» وهو تمييز مفيد جداً، وإذا تمعن الباحث في العلاقة بين المسائل والدلائل ظهر له أنها على أربعة مستويات: الأول: أن المسألة قد تكون صواباً ودليلاً صواباً أيضاً، كقولنا الصيام واجب لقول الله ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، والثاني: أن المسألة قد تكون خطأً ودليلاً خطأً في نفسه أيضاً كقولهم يجوز الاستغاثة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله لحديث «لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه الله به» فالمسألة خطأً والحديث مكذوب، وهذا المستويان ظاهران لا يكثر الإشكال فيهما، وإنما يقع الإشكال كثيراً في المستويين التاليين.

الثالث: أنه قد تكون المسألة خطأً لكن الدليل صحيح في نفسه وإنما لا يدل على المسألة الخاطئة، كقول بعضهم إنه لا يمكن التصديق بحديث البخاري «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم» لأن العقل يردّه، فكيف يقع الإشكال هنا؟ يأتي بعض الفضلاء من حميتهم المشكورة لنصرة حديث رسول الله ﷺ فيدافعون عن الحديث ويردون المسألة الخاطئة لكن يردون الدليل أيضًا فيتحدثون عن أن العقل لا حجة له ولا اعتبار به!

وهاهنا يقع الخطأ، فإن العقل في أصول الفقه وعند أهل العلم هو أحد نوعي الأدلة الشرعية فتراهم يقسمون الأدلة إلى دليل نقلي وعقلي، أو سمعي وعقلي، وهذا كثير، وإنما يردّ على مثل هذا المستوى من المسائل الخاطئة، بيان أن الدليل صحيح في نفسه لكنه لا يدل على المسألة الخاطئة، ويبين مثلاً أن ما يحتج به المخالف ليس هو «العقل» الذي هو حجة، وإنما هو «الذوق الشخصي» أو ضغط «ثقافة الغالب». ولذلك فبسبب مثل هذا الخطأ يأتي المبطل فيعير ويشنع على بعض الفضلاء بردهم الأدلة الصحيحة في نفسها.

وأما المستوى الرابع من علاقة المسائل بالدلائل، وهو الذي يعيننا هنا، فهو أن تكون المسألة صوابًا لكن الدليل خطأ، وهذا المستوى أدق هذه المستويات السابقة، ويدخل من خلاله كثير من الخلل في العلوم والمعارف، وخصوصًا بعد تقدم الزمان، وخصوصًا أيضًا إذا كان الدليل الخاطئ قاعدة عقلية مركبة وهي خاطئة، فإنها تتحول إلى ماكينة إنتاج للمسائل الخاطئة عبر الزمن.

وقد ذكرنا أن هذا التمييز يرد في ثنايا كلام العلماء قديمًا، بل وفي عناوين بعض كتبهم، لكن أول من رأيته وظفه بكثافة هو الإمام ابن تيمية، وكان له غرض ذكي من توظيفه سيأتي الإشارة إليه، فهو يكرر دومًا أن العلم «إما مسائل وإما دلائل»(1)، وأن الغلط يتنوع باعتبار مستويات هذه العلاقة كقوله ﷺ (المعلوم من حيث الجملة أن الفلاسفة والمتكلمين من أعظم بني آدم حشوًا وقولًا للباطل وتكذيبًا للحق في مسائلهم ودلائلهم، لا يكاد -والله أعلم- تخلو لهم مسألة واحدة عن ذلك، وأذكر أني قلت مرة لبعض من كان ينتصر لهم من المشغوفين بهم، وأنا إذ ذاك صغير قريب العهد من الاحتلام: كل ما يقوله هؤلاء ففيه باطل، إما في الدلائل وإما في المسائل، إما أن يقولوا مسألة تكون حقًا لكن يقيمون عليها أدلة ضعيفة، وإما أن تكون المسألة باطلًا(2)، ثم واصل ابن تيمية ذكر حواره مع هذا المشغوف بالفلسفة الإلهية المنحرفة.

حسنًا، أين الإشكال لو كانت المسألة حقًا لكن دليلها باطل؟

ما الذي يضرنا من الدليل الباطل إذا كانت المسألة صوابًا؟ هذا هو عين ما يريد ابن تيمية تكثيف عدسة الضوء عليه، وهو أن الدليل الباطل حتى لو لم يؤثر على المسألة بذاتها؛ فإن التزامه يؤدي لحدوث مضامين باطلة لاحقة في مسائل أخرى، لأن الدليل يتسلسل في إدرار المدلولات، وهذا ما وقع فعلًا عبر تاريخ العلوم المحدثة، وهي التي كان يغفل عنها بعض الأذكياء، وهي التي جعلت ابن تيمية يهتم كثيرًا بهذا التمييز، كما يقول مثلًا عن علم الكلام (ولهذا كان السلف والأئمة يذمون الكلام المبتدع، فإن أصحابه تحقيق رشاد سالم، (1/27-28)؛ مجموع الفتاوى (3/295-296)؛ وغيرها كثير.

يخطؤون، إما في مسائلهم وإما في دلائلهم، فكثيرًا ما يثبتون دين المسلمين على أصول ضعيفة بل فاسدة، ويلتزمون لذلك لوازم يخالفون بها السمع الصحيح والعقل الصريح)35.

وأشهر مثال لهذا المستوى الرابع عند ابن تيمية هو الاستدلال على وجود الله بدليل الأعراض الذي أفضى إلى تعطيل الصفات الاختيارية، وهو يكرر هذه الإشارة في كتبه.

على ضوء ما سبق دعنا الآن نعود إلى نموذج د. فريد الأنصاري، أين موضع الإشكال في النموذج؟ الحقيقة أن نقد د. فريد لظاهرة «التضخم السياسي» والاستغراق في الماجريات السياسية لدى بعض المنتسبين للاتجاه الإسلامي نقد مميز بديع صحيح، بل عامة الإسلاميين لا يخالفون في ذلك ويشيرون دومًا إلى أن هناك طائفة انهمكت في السياسة وبالغت وأفرطت، لكن الحقيقة أن «الدليل» الذي استعمله د. فريد لنقد هذا التضخم كان دليلًا مشكلًا، فرؤية د. فريد هي من جنس المستوى الرابع الذي سبقت الإشارة إليه، وهو أن تكون المسألة صحيحة والدليل خطأ، والدليل الخطأ يجب العناية بتوضيحه، وله نوع صلة بمسألة «التسليم بالمقدمات الخاطئة» وأثرها في العلوم والمعارف وليس هذا موضع عرضها.

فالدكتور فريد -أسبل الله على قبره الرحمات والرضوان- صار في هذه الرسالة يستخدم ثقافته الفقهية لبيان ندرة الأحكام الشرعية في باب السياسة ليقنع الشاب الحركي بترك تضخيم السياسة، وجعل مفهوم «السياسة الشرعية» قريبًا من معنى «القانون الدستوري»، وأن السياسة الشرعية تشمل ما آلت إليه العلوم السياسية وهي المسائل الفنية الإجرائية، وذكر كتاب السياسة الشرعية لابن تيمية ولم يخرجه من هذا الإطار تقريبًا، مع تنبيهه لبعض الفروق بين كتب السياسة الشرعية، ثم صار يؤكد بناءً على هذا التركيب أن أحكام السياسة الشرعية نادرة في الشريعة، وذكر بعض كلام المتصوفة المُلْبِس كقوله ﷺ: (ولدي ههنا نص ثمين يتضمن حكمة بالغة لأحد المجددين المعاصرين، هو الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي ﷺ، يقول «إن نسبة الأخلاق والعبادة وأمور الآخرة والفضيلة في الشريعة هي تسع وتسعون بالمائة، بينما نسبة السياسة لا تتجاوز الواحد بالمائة» قلت: فإن لم تصدّق؛ فبيننا وبينك الاستقراء) (1). فهذا التقزيم للسياسة الشرعية ثم إتباع ذلك بلغة التحدي مُشكِل حقًا.

كما أن الشيخ ﷺ أخذ يحتج بأن الكتابة في «السياسة الشرعية» لم تبدأ إلا بالقرن الرابع، ويحتج بأن تأخر التدوين دليل على الندرة (2)، ومال إلى توفيد علم السياسة الشرعية حيث يقول في هذه المرحلة انتشر استعمال المصطلح السياسي الفارسي، مما يدل على الاقتراض الفكري الذي آل إليه الشأن السياسي الإسلام، ونكرر القول: لو كان ثمة تشريع نصي في هذا المجال مهما قل لما لجأ الفقهاء إلى هذا الاقتراض المصطلحي (1).

والذي يظهر لي -والله أعلم- أن هذا المدخل الذي سلكه د. فريد في نقد التضخم السياسي خطأ علمي، كما أنه غير مثمر عملياً أصلاً في إقناع الشريحة المستهدفة، وسأوضح هذين الأمرين: أما كونه خطأ علمياً فإن علم «السياسة الشرعية» ليس هو المسائل الإجرائية والفنية في إدارة الدولة المفوضة للخبرة البشرية، فالسياسة الشرعية ليست هي فقط مسائل فصل السلطات ومدة الرئاسة والهياكل الإدارية ونحوها، بل هي أوسع من ذلك جداً (2)، ورأس مسائل السياسة الشرعية وأعظمها هو «إقامة الشرع بالولاية»، ولذلك فإن شيخ الإسلام ابن تيمية في أوائل رسالته المخصصة لهذا الفن بين بوضوح غاية ومقصد وغرض الولاية والسياسة الشرعية وقال (فالمقصود الواجب بالولايات: إصلاح دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا خسراناً مبيناً، ولم ينفعهم ما نعُموا به في الدنيا، وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم)١(.

وأما ترتيب وهيكلة رسالته المذكورة وموضوعاتها فقد ذكر الشيخ في مقدمته للكتاب كلمته المشهورة أن (هذه الرسالة مبنية على آية الأمراء في كتاب الله)٢(، يعني قول الله ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾، ولذلك هو تبعاً لآية الأمراء يقيم كتابه كله على أصلين، الأصل الأول «تولية الأصلح» وهو تأدية الأمانة لأهلها أو توسيد الأمر لأهله، والثاني «الحكم بالشرع» وهو الجزء الثاني من الآية، ثم يبين ابن تيمية في كتابه القواعد الشرعية الحاكمة لكل أصل من هذين الأصلين، فهذا هو هيكل كتابه وهذه هي موضوعاته، وهي «قواعد إقامة الشرع بالولايات»، وهذا بعيد عن ما ذكر د. فريد ﷺ عن موضوع علم السياسة الشرعية ورسالة ابن تيمية فيه.

وأما احتجاج د. فريد -نور الله قبره- بتأخر التدوين وتوفيد السياسة الشرعية فهذا من جنس حجج الحداثيين المشهورة التي تلقوها من المستشرقين، ود. فريد ﷺ أنظف وأنقى وأجل وأصدق وأزكى منهم، بل معاذ الله من المقارنة بينهم أصلاً، ولكن المراد بيان أثر «رد الفعل المتجاوز»، المألوفة نتائجه في هذه السياقات. فتأخر التدوين عبارة رائجة لكنها خاطئة في التعبير عن العلوم الإسلامية، وإنما الصحيح تأخر تجريد الفن، أو تأخر التدوين المفرد، ذلك أن كل علوم الشريعة كانت أولاً متمزجة ببعضها، فالعربية مع تفسير كتاب الله مع حديث رسول الله ﷺ مع قواعد الاستنباط مع أيام العرب كلها تدور في مجالس العلم، ثم أصبحت تُدوّن ممزوجة بأكثرها، ثم أصبحت تُجرّد وتفرد علومًا من بعضها.

ولذلك مثلاً فالسلف كانوا ينظرون في النصوص بقواعد للفهم، وكانوا يكتبون بعض هذه القواعد ضمنيًا فيما يدونونه من سؤالات الفقه والفتاوى للأئمة، ثم جاء الشافعي فكان أول من «أفرد» العلم بالتصنيف، وليس أول من تكلم فيه، وإلا لكان الصحابة والتابعون ينظرون في العلم بلا قواعد للفهم والاستنباط!

ولذلك كانت عبارة ابن تيمية دقيقة حين قال (الشافعي هو أول من جرّد الكلام في أصول الفقه)36، فتأمل دقة عبارته يرحمه الله، إذ وصف تدوين الشافعي بالتجريد للعلم لا بالإنشاء للعلم، وهكذا «علم الفرائض» مثلاً لم يؤلف فيه بشكل مفرد مجرد إلا متأخرًا، فهل هو علم غير معروف للسلف؟ أو كانت أحكامه قليلة؟

هذا بالنسبة للخطأ العلمي في هذه الحجة التي سلكها الشيخ د. فريد ﷺ في نقد التضخم السياسي، وأما كون هذه الحجة غير مجدية عمليًا أصلاً في الإقناع، فإن الاتجاه الحركي الذي يعوّل على «مفتاحية العمل السياسي» في الإصلاح، ويبالغ في الانهماك فيه؛ ليس مدخله في التفكير أصلاً أن الشريعة فيها أحكام شرعية ونصوص قرآنية وحديثية كثيرة في مسألة فصل السلطات ومدة رئاسة الرئيس والهياكل الإدارية للدولة، هذا تصور غير دقيق لدوافع هذا الاتجاه.

وإنما هذا الاتجاه يتحمس لمفتاحية العمل السياسي ويبالغ في الانهماك فيه لأنه يرى أن عامة أحكام الشريعة في المعاملات كالبيوع والإجارات والشركات ومنع الربا الخ، وفي أحكام الأسرة كالنكاح والطلاق الخ، وفي أحكام الجنايات كالحدود والقصاص والتعازير، وأحكام القضاء في الدعاوى والبيانات، وأحكام الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في القضاء العام، وجعل التعليم والإعلام موافقًا للشريعة؛ كل هذه الأحكام والمصالح الشرعية لا يمكن إقامتها من دون «ولاية قائمة بالشرع»، ولذلك يرون أن هذه الوسيلة هي التي تقوم عليها بقية النصوص والمصالح الشرعية، ود. فريد لا تخفى عليه هذه الأهمية للولاية في إقامة الشرع فقد قال في موضع من رسالته (أحكام الدين العامة لا تقوم على المستوى الاجتماعي إلا بالدولة)37.

فقضية هذا الاتجاه الذي يرى مفتاحية العمل السياسي ليس كمية الأحكام الشرعية في القانون الدستوري، وإجراءات وفنيات العلوم السياسية، وإنما مركزية الولاية في إقامة الدين والعدل والحقوق، ولذلك فمناقشة هذا الاتجاه بمسألة كمية الأحكام الشرعية في باب القانون الدستوري مدخل خاطئ أصلاً لعقل وتفكير هذا الاتجاه، فضلاً عن كونه سيجرنا لأخطاء علمية في تقديم باب السياسة الشرعية.

ولإيضاح هذا المدخل الخاطئ في مناقشة أصحاب الاتجاه الموغل في مفتاحية العمل السياسي؛ فإنه لو جاءنا داعية وقال المجتمعات لا تنهض إلا بالكفاءات في العلوم المعاصرة، يجب توجيه كافة شباب الدعوة إلى دراسة الطب والهندسة، نحن مجتمعات تعاني من التدهور الصحي والتخلف التقني، الخ، فهذا الشخص جزء من موقفه صحيح وهو بيان أهمية العلوم المعاصرة كالطب والهندسة، ولكن وقع في خطأ أنه بالغ حتى بغى على بقية أبواب العلوم والمعارف التي يحتاجها المجتمع، الشرعية والإنسانية.

فمناقشة مثل هذا الشخص لا تكون بذكر أن النصوص الشرعية في المسائل الطبية قليلة جداً ولم ترد إلا في العسل والكي والحبة السوداء والتلبينة الخ، فهذا مدخل خاطئ علمياً وعملياً، فمن حيث الخطأ العلمي فإن أهمية الطب لا تعلم بكمية النصوص فقط، فإن الدلالة كمية وكيفية، وأما عملياً فهذا الداعية المخطئ لم يكن مدخله في التفكير كمية النصوص في علم الطب والهندسة؛ وإنما فعالية هذه الوسيلة في الرقي بالمجتمع.

وهكذا أيضاً لو جاءنا خبيرٌ وقال يجب على الدولة المسلمة أن تبذل أقصى الجهود في دراسة العلوم العسكرية والاستراتيجيات القتالية وأنواع الأسلحة والذخائر والطيران الحربي الخ، وأن هذه وسيلة ضرورية لحماية البلد المسلم، فلا يمكن مناقشته بالقول بأن النصوص الشرعية التي وردت في أنواع الأسلحة والذخائر وخطط الحروب نصوص قليلة محدودة، لأن مدخله في التفكير ليس كمية النصوص عن هذه الوسيلة، وإنما «شدة فعالية» هذه الوسيلة في حماية البلد المسلم.

وبالتالي فإن هذه المبالغة في تخفيض حجم السياسة الشرعية ومنزلتها خطأً علمي، وغير مثمر عملياً أصلاً في مناقشة الاتجاه الذي وقع في الخطأ، لكونه جواباً غير ملاقي للمستوى الذي نشأت فيه الإشكالية.

وفي خضم هذه المناقشة للتضخم السياسي التي شابها شيء من الإشكال الاستدلالي؛ فإن الدكتور فريد ﷺ استشهد ببعض العبارات الصوفية الملتبسة التي قد يفهم منها معانٍ باطلة بما يزيد المعالجة اعتياضاً، كتعظيمه لعبارة الصوفي ابن عطاء الله السكندري -تجاوز الله عنا وعنه- المتضمنة معنى «إسقاط التدبير» التي سبقت الإشارة إليه في فصول سابقة، وتوحي بنوع من الاستسلام السياسي للواقع وروح الجبرية السياسية، كقوله ﷺ (ورحم الله ابن عطاء الله السكندري لما نطق به من الحكمة، إذ قال «ما ترك من الجهل شيئاً من أراد أن يُحدث في الوقت؛ غير ما أظهره الله فيه!»

فتأمل! (1). بل الجواب أن يقال لابن عطاء الله: ما ترك من الجهل شيئًا من ظن أن الله لا يُحدث في الوقت بالعمل خلاف ما ظهر.

وقد سبق أن نقلنا عبارة ابن عطاء الله وأنها جزء من سلسلة مفاهيمية جبرية خاطئة في الموروث الصوفي المتأخر.

الاستصنام السياسي

ثم في العام (٢٠٠٧م) نشر د. فريد الأنصاري رسالته الجدلية ذائعة الصيت «الأخطاء الستة للحركة الإسلامية في المغرب: انحراف استصنامي في الفكر والممارسة»، ووضع على زاوية الكتاب اليسرى إعلانًا فرعيًا قال فيه (حقائق تاريخية ومقولات نقدية تنشر لأول مرة) وهذه الرسالة أشبه بتفصيل ساخن وغاضب لواقع التضخم السياسي وتفاصيله في العمل الإسلامي في المغرب.

يتذكر القارئ التجربة التي مر بها د. فريد في «حركة التوحيد والإصلاح» وذراعها السياسي «العدالة والتنمية»، واستغرق فيها أربع سنوات ثم استقال (١٩٩٦-٢٠٠٠م)، والتي يراها د. فريد تجربة جارحة مريرة، ولعل القارئ يستحضر أيضًا أن د. فريد في رسالته المبكرة «التوحيد والوساطة» (١٩٩٥م) تحدث عن ما سماه آنذاك «الوثنية التنظيمية» (2) لكن بإلماحة خاطفة دون تركيز، وها هو يعود الآن بعد اثنتي عشرة سنة (٢٠٠٧م) ليتحدث عن التوثين نفسه، ويعتبر جزءاً من العاملين في الحركة الإسلامية وقعوا في خمسة استصنامات سياسية، وبعض المنتسبين للسلفية وقعوا في استصنام مذهبي، وجمع الجميع في هذه الرسالة، وقسم فصول الرسالة على هذه الاستصنامات الستة.

ولا يمكن أن يغيب عن القارئ حالة الحنين والتوجد على أيام الدعوة الأولى التي عاشها د. فريد في أواخر السبعينات والثمانينات وحديثه الذي ينتزع دمعات القارئ والشيخ يستذكر البرامج و«المخيمات» وهي معمورة بالنسائم الوجدانية ولوعات الأخوة الحميمة بين ثكنات ماركسية إلحادية كالحجة، كان يتذكر كتبهم التربوية التي كانوا يتدارسونها ومجالسهم الإيمانية وتهجد الأسحار وتراتيل الإخوان حتى تكاد تتوقف عن القراءة من حشرجات تُلجِمك ..

ثم يقارن د. فريد هذه الذكريات الدعوية المضطربة بحالة البرود الإيماني التي خلقتها ظاهرة الاستغراق في الماجريات السياسية والانهماك في الصراع الحزبي ويقول في ختام هذه المقارنة (وانسحبت التربية الإيمانية الدافئة من مجالس الإخوان، لصالح التربية السياسية القارسة ..).

وهذه الاستصنامات الخمسة في الحركة الإسلامية هي بحسب رأي د. فريد (استصنام الخيار الحزبي، استصنام الخيار النقابي، استصنام الشخصية المزاجية، استصنام التنظيم الميكانيكي، استصنام العقلية المطبعية).

ويصرّح د. فريد بأن أكبر خطأ وقعت فيه الحركة الإسلامية هو إنشاء حزب سياسي لها، وأما في التجربة التركية فيرى أن الحزب غير إسلامي بل هو علماني يقوده أناس متدينون، والحركة الإسلامية منفصلة عنه تصنع التدين العام، ويرى أن هذا سبب نجاحه، وأن سبب إخفاق الأربكانية من قبله أنهم دخلوا بأحزاب إسلامية الراية، والحقيقة أن هذا التفسير والقراءة يثير إشكالات أكثر من كونه إجابة متسقة مع الرؤية الشرعية، حيث يثير إشكالية الموقف من العلمانية.

ويذكر د. فريد أن الحزب السياسي جعل «أبناء العمل الإسلامي منشغلين بهموم الناس الدنيوية فقط» فأفضى ذلك إلى «بناء خطاب مادي بالدرجة الأولى»، وأن الانهماك في الماجريات السياسية زاد حتى «صرت تسمع اتهام الداعية بأنه صاحب خطاب وعظي أو أنه غارق في الفقهيات»، وأن العمل الحزبي يخلق بيئة لبروز «الانتهازيين» والباحثين عن المناصب، حتى «صار البعض يناور ضد إخوانه وينشئ أحلافًا ليكون على رأس الترشيحات البلدية أو البرلمانية».

في كل مناقشات د. فريد لمشكلة التضخم السياسي كان يتحدث عن أثر ذلك على العلماء والدعاة والشباب الخ، ولم أره -بحسب اطلاعي- تحدث عن أثر ذلك على الفتيات، إلا في هذه الرسالة حيث يقول -بحسب رؤيته- واصفًا التغير الأخلاقي في صفوف الفتيات العاملات في الأحزاب السياسية الإسلامية وكيف نقص الحياء، ويصوّر الأمر طبقًا لوجهة نظره فيقول: كانت الفتاة المؤمنة في المرحلة التربوية للحركة الإسلامية لا تكاد ترفع بصرها إلى الشاب حتى يخفضه حياؤها الصادق ويرده إلى الأرض … ثم إنها ترى الرجل على الرصيف فتنحرف عنه إلى الرصيف الآخر تحاشيًا لفتنة قد تقع منها أو عليها، لله درها! كيف كانت تمشي بوقار متعبدة بلباسها الساتر، منتزهة عن الألوان الصارخة والأشكال الفاضحة، لا تنغن في صوتها ولا تصنع … أما اليوم فقد نبت جيل مشوه من هذا المسمى بـ «الأخوات»، محجبات تبرجن بحجابهن أشد من تبرج السافرات … وإذا خاطبن الشباب سمرن فيهم أعينهن! وتصنعن في أصواتهن أنغامًا زائدة وحروفًا باردة … تقترب منك إحداهن لحاجة فتكاد تدهسك بصدرها! يا ويلها! (1).

وهذا توصيف د. فريد لواقع معين من وجهة نظره، ونحن لا يهمنا البحث في دقة تصوير هذا الواقع المعين بأشخاصه وأعيانه، هذا مستوى من البحث نحن سويًا في غاية الحماس لتحاشي وضع أقدامنا فيه، وإنما الذي يعيننا علاقة التضخم السياسي بالفتاة المتدينة، وبشكل آخر: ما أثر دخول الفتاة المتدينة في الأحزاب السياسية وانهماكها في العمل السياسي على حياتها واحتشامها؟

وقد حذفت منه بعض الإضافات والنعوت.

وأما ما سمّاه «استصنام الشخصية المزاجية» فيقصد بها غياب العالم الرباني عن القيادة وبروز الزعامات السياسية ذات الخلفية الثقافية أو التكنوقراطية ويداخلهم الغرور والذاتية والأنا الفردية. وأما «استصنام التنظيم الميكانيكي» فيقصد به «الأسلوب الإداري الهرمي بحيث لا يتحرك الأدنى إلا بحركة الأعلى»، ويطرح بديلاً عنه شرحه بإسهاب في رسالته الخامسة في الفكر الدعوي التي ستتعرض لها لاحقاً.

وأما ما يسميه «استصنام العقلية المطبعية» فيعني به عقلية المناورات والمراوغة والخداع والحيل الذي صار -بحسب رأيه- يستخدمه الإسلاميون المنخرطون في الأحزاب السياسية داخل أحزابهم ذاتها، وفي هذا الفصل شرح د. فريد تجربته تفصيلاً عن المرحلة السياسية (١٩٩٦-٢٠٠٠م) التي يعتبرها مرحلة جارحة مريرة، وذكر أسماء الشخصيات والحركات والمواقف وذكر أحكامه عليهم.

وأما مصدر هذا المصطلح «العقلية المطبعية» فقد أطلق د. فريد هذا اللقب نسبة لشخصية يخالفها وهو الشيخ «عبد الكريم مطيع الحمداوي» الذي سبقت الإشارة إليه وهو زعيم تنظيم الشبيبة الإسلامية، وهذه وجهة نظر د. فريد، وتقتضي الموضوعية والإنصاف أن نشير لرأي الشيخ مطيع وجماعة الشبيبة وهو الرفض المستنكر لهذا اللقب والتوصيف، ولفهم رواية مطيع للأحداث والتطورات من وجهة نظره يمكن مراجعة المذكرات المنشورة في سلسلة بعنوان (من ذاكرة العمل الإسلامي التأسيسي في المغرب: مذكرات الشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي)، وكذلك أيضًا مراجعاته المسجلة المنشورة، ومقالات بعض أصحابه (1).

ونعيد التأكيد مجددًا أننا غير معنيين هنا البتة بالعلاقات المتوترة بين هذه الشخصيات العلمية والدعوية، وإنما يعنينا النماذج والمفاهيم والنظريات، كما أننا نقارب التاريخ بقدر ما يزودنا بالضوء الكافي لرؤية منعرجات الطريق فقط، وليس بعد رؤية الطريق إلا عزم المسير.

ونشير هنا إلى الاتصال المحتمل بين فكرة «الوثنية السياسية» عند مالك بن نبي في نقده للاستغراق السياسي، التي سبقت دراستها حيث عقد لها مالك بن نبي فصلًا في كتابه «شروط النهضة» وسماه «دور الوثنية»، ثم علاقة د. عبد السلام الهراس بمالك بن نبي -كما سبقت الإشارة- حين سكنا سويًا في مصر عام ١٩٥٦م واجتهد الهراس في توصيل مالك بالمُترجمين وطباعة بعض أعماله وكان حفيًا به وكتب عنه، ثم قيام د. عبد السلام الهراس بإنشاء جمعية الدعوة بفاس عام ١٩٧٤م، ثم اتصال فريد الأنصاري وانخراطه في جمعية الدعوة بفاس، ثم استخدام د. فريد لنفس مصطلح مالك بن نبي حيث مكث الأنصاري يردد مفاهيم التوثين والاستصنام في نقد التضخم السياسي، كما أن فكرة مالك بن نبي أن تطهير أنفسنا من القابلية للاستعمار له الأولوية على مواجهة الاستعمار بنفسه مباشرة، لأن الأول هو سبب الثاني، وهذا يشبه جدًا الفكرة التي ذكرها الأنصاري لاحقًا وهي أن تطهير أنفسنا من الفساد له الأولوية على مواجهة فساد النظام السياسي مباشرة لأن الأول هو سبب الثاني.

فهل هذا يعني أن ثمة اتصالًا استمداديًا محتملًا بين مالك بن نبي ود. فريد الأنصاري؟ لا أستطيع الجزم بشيء، لكن القرائن قائمة في أن المشرب الفاسي/الهراسي كان واسطة نقل الروح العامة لأفكار مالك بن نبي في أولويات الإصلاح إلى د. فريد الأنصاري، وإن كانت تطورت بصورة مختلفة، أو باتجاه النورسية بصورة أدق.

الاستصنام المذهبي

وأما الاستصنام السادس والأخير «استصنام الحنبلية في التيار السلفي» فلا صلة له بموضوعنا هنا وهو «التضخم السياسي»، وخلاصته أن د. فريد يُشيد ويُمجّد علماء أهل السنة الكبار المعاصرين الملتزمين بمنهج السلف والذين حرصوا على بثه، وخصوصًا ابن عثيمين والألباني، كما يقول د. فريد مثلًا: (ويشهد الله أن من أحب حنابلة العصر إلى قلبي اثنين: الشيخ العثيمين، والشيخ الألباني، فأما الأول فقد رأيته في مكة بالمسجد الحرام وهو يُدرّس، وقد كان شيخًا فقيها حقًا، ربانيًا مربيًا، محبوبًا لدى العامة والخاصة، لطيف المعشر رقيق القلب حكيمًا. وأما الشيخ العلامة محمد ناصر الدين الألباني فقد كان رجلاً في أمة، وأمة في رجل، بل «أمير المؤمنين» في الحديث! فقد أنجز من التحقيقات والدراسات الحديثية ما ينوء به جيل من العلماء، قد بارك الله له في علمه وفي وقته وفي عمره).

وقال أيضًا عن الشيخ الألباني (تميزت مدرسة العلامة محمد ناصر الدين الألباني بتوازن واعتدال في الغالب)، وشرح أسباب ذلك، وذكر محاسن العلماء والدعاة الذي بثوا مذهب السلف ودروهم في مواجهة الشركيات والمحدثات والبدع والدجل الصوفي الطرقي ونشر التوحيد والتمسك بالسنة وتحقيق الأحاديث واستبعاد الضعيف والموضوع، ولكنه ينتقد بعض المنتسبين لمذهب السلف في المغرب الذين يصفهم بعدة ألقاب ذكرها في رسالته.

وجوهر نقد د. فريد على هؤلاء المنتسبين لمذهب السلف يدور حول أربعة محاور: الأول مراعاة المعطيات المحلية للمغرب، والثاني حسن معاملة المخالف، والثالث عدم التوسع في التدقيقات العقدية، والرابع ترك تضخيم بعض مسائل الفروع، وقد فصل هذه المسائل وذكر مشاهدات له من زاوية نظره وتوصيفه.

وأما مسألة مراعاة المعطيات المحلية للمغرب فيقصد بها المذهب الفروعي المالكي والزي المغربي والبحث عن علماء يمثلون مذهب السلف من تاريخ المغرب نفسه ونحو ذلك، وقد رأيت د. فريد يعول على ذلك في عدة من كتبه، كقوله مرة (لن يكون للخطاب الديني أثره الفعال المستمر إلا إذا كان «مغربيًا»)38، والذي يظهر لي -والله أعلم- أن د. فريد بالغ في هذه المسألة جدًا، وتحولت من مصلحة دعوية تراعى بقدرها، إلى تكريس للمحلية وترسيخ للمعايير الإقليمية في الخطاب الشرعي.

وهذا المنزع خلاف تاريخ الإسلام كله، فما زال المسلمون في كل صقع يستفيدون من غيرهم من علماء الأقاليم الأخرى، فمنطقة نجد مثلًا تكرع من بغداد ابن حنبل، ودمشق ابن تيمية، ومصر ابن حجر، وأندلس ابن عبد البر، ويمن عبد الرزاق، الخ، هذا من حيث التراث، ومن حيث المعاصرين فأي مهابة في نفوس أهل الجزيرة تضارع شاكر مصر، ومعلمي اليمن، وشنقيطي موريتانيا؟! وغيرهم من علماء الإسلام.

بل الذي ينبغي على الداعية الحكيم أن يربي مجتمعه على تجاوز المعايير السايكسبيكوية في تقييم العلماء والدعاة وتحديد المشارب العلمية، لا غرس المزيد من عروق القطرية في الأرض، والذي استغربته أن د. فريد ﷺ ينتقد الاستمداد من فقهاء الحنابلة الذين منبعهم الشام ومصر، بينما هو مهموم في أخريات حياته بنشر وبث خطاب الصوفيين النورسي الكردي وكولن التركي في المغرب، والواقع أن النورسي وكولن أبعد من فقهاء الحنابلة عن المغرب، جغرافيًا وإثنيًا ولغويًا ومنهجيًا.

وأما قضية حسن معاملة المخالف فيقصد بها ضرورة مراعاة سلوكيات الذوق واللباقة والحكمة في دعوة المتلبسين بالبدع الصوفية ومعاملة المخالفين من الحركات الإسلامية ونحو ذلك.

دوي الأخطاء الستة

هذه الرسالة «الأخطاء الستة» اختلفت ردود الأفعال حولها بشكل حاد جدًا بين مُشيد ومندد، بل بلغ الأمر بشيوع روايات حول موقف المؤلف نفسه من رسالته هذه، ومن يقول أنه تراجع عنها، ومن يقول أنه أوصى بأن لا تعاد طباعتها، وقد سئل د. فريد نفسه في محاضرة مسجلة بأنك ندمت على الكتاب؟ فنفي ذلك، والله أعلم بحقيقة الحال.

وهذه الرسالة بكل وضوح رسالة غير منسجمة مع الخط التأليفي للدكتور فريد ﷺ، أو على الأقل بالنسبة لي، بدءًا من لغة وأسلوب الكتاب وانتهاء بإخراجه الفني، فهذه الرسالة أكثر فيها الدكتور فريد من تعيين أسماء الدعاة والحركات الإسلامية والحكم عليهم تعديلاً وتجريحًا، مع توسع في ألفاظ التجريح، وهذا غير معهود في مؤلفاته السابقة بل كان سابقًا يميل للإجمال والتلميح وعدم التعيين، والتلطف والمداراة، حتى أنه بسبب هذا المكون الجديد احتاج أن يشير في مقدمة رسالته إلى «الشروط الشرعية لتجريح الأشخاص والأعيان»، حيث لم يكن محتاجًا له قبل ذلك إذ لم يكن يقاربه، وأظن أنه بسبب كونه في هذه الرسالة كشف أكثر ما بخاطره عن الأعيان والأشخاص والحركات قال في مطلع كتابه هذا «راجين أن يكون هذا الكتاب هو آخر ورقاتنا النقدية للعمل الإسلامي بالمغرب خاصة».

وهذه اللغة الصاعقة في الرسالة ليست عفوية بل ذكر د. فريد أنها مقصودة من جهته، وقال أن الحركة الإسلامية «لا خلاص لها إلا بصدمة توقظها من التعلق بأوثانها المعنوية» واستشهد بقصة بلقيس وأن صدمة الصرح أيقظتها من أوثانها المادية.

وأما إخراج الكتاب فقد تحدث كثير من المعلقين في المغرب متسائلين لماذا استعمل الدكتور لغة العقارب، فوضع على غلاف الكتاب صورة «عقرب خضراء» كبيرة أضخم من عنوان الكتاب، ثم أخذ في الكتاب يتحدث عن العقارب ويقول «لكشف خطورة العقارب الخضراء في العمل الإسلامي»، ويقول في موضع آخر «وكانت سببًا في تفريخ العقارب الخضراء داخل الصف الإسلامي»، ويقول «وانتشرت العقارب الخضراء في كل جهة وقطاع».

هذا بالنسبة لما يسميه العقارب في الحركة الإسلامية، ولما جاء لنقده لبعض المنتسبين للسلفية قال «أنتج في مرحلة انحرافه عقارب أشد خضرة من عقارب الحركة الإسلامية»، وقال «فكانت عقارب السلفيين بذلك أشد وأنكى»، حتى قال د. الريسوني في مناقشته للكتاب «العقرب الخضراء هو العنوان الأكبر والأظهر على الغلاف».

وهذه اللغة الداهمة التعيينية غير اعتيادية ومغايرة للنسق النفسي في التأليف لدى د. فريد في مؤلفاته السابقة كلها، واللاحقة أيضًا لهذه الرسالة.

إلى التنظيم الفطري

في عام (٢٠٠٩م) طُبع للدكتور فريد كتابه الذي اعتبره الكتاب الخامس والأخير في نقد وتأصيل مشروع الفكر الدعوي المعاصر، وهو كتاب (الفطرية: بعثة التجديد المقبلة، من الحركة الإسلامية إلى دعوة الإسلام).

بكل صراحة ووضوح يجسد هذا الكتاب لحظة خيبة الأمل الأخير من إصلاح «التضخم السياسي» في الحركة الإسلامية، إصلاحاً من الداخل، ولذلك طرح د. فريد في هذا الكتاب تأصيلاً وحضاً لخلع رداء الحركة الإسلامية والانتقال إلى نطاق الدعوة العامة، وأطلق في بداية كتابه هذا الاستنهاض الواضح (من ذا يبادر للإسهام في تسجيل خطوة الانتقال التاريخي الكبير .. من «الحركة الإسلامية» إلى «دعوة الإسلام»؟)39.

واعتبر الدكتور فريد في هذه الرسالة أن مصطلح «الحركة» أصلاً مصطلح غربي سياسي دخيل (movement)، وأنه يحمل خلفيات غير إسلامية، وأن القضية ليست لفظية، بل هذا المصطلح يحمل معه جهازاً مفاهيمياً كاملاً ونظاماً تصويرياً شاملاً، وأنه مع ذلك كله «فالحركة الإسلامية استنفدت أغراضها»، وأننا اليوم في بيئة العولمة والنظام العالمي الجديد فإن أي دخول عبر هذه الصيغ الحركية يعني الانخراط في فلك هذا النظام، وأنه لتنظيف الفكر الدعوي من هذه الحمولة يجب العودة للمصطلح الشرعي «الدعوة»(١).

حسنًا، فما هو المفهوم المفتاحي في الدعوة إذن؟ يرى د. فريد أن «كل ضروب الانحراف البشري المعاصر في التصورات والسلوكيات راجع إلى انحراف الفطرة»، ولذلك فإن القرآن يأمرنا بالعودة إلى الفطرة ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾، وبالتالي فإن «قضية الفطرة إذن هي قضية الدين في هذا العصر»(٢).

إذا كان د. فريد يدعو في هذا الكتاب لإقفال المقرات الحركية والحزبية والتحليق في فضاء الدعوة العامة، فهل هو يقصد تطليق أصل التنظيم والترتيب في الدعوة إلى الله؟ الجواب لا، ولكن د. فريد يرى الانتقال من «التنظيم الحركي/الميكانيكي» كما يسميه إلى ما سبك له مصطلح «التنظيم الفطري»، بما يعني أن النظام في الدعوة يؤخذ من الفطرة الدينية نفسها، فالشعائر وأصول الدعوة في القرآن والسنة تحمل في باطنها محتوى تنظيميًا وهي التي رسمت أصول التنظيم الدعوي، فالصلوات الخمس وصلاة الجمعة والأعياد ونحوها كلها تنظيم لحياة المسلم، وأما البرنامج الدعوي فهو يقوم على ركنين تنظيميين كلاهما فطريان في أصل الدين، الأول هو العلماء الربانيون، والثاني مجالس القرآن، وكلاهما منصوصان، وأهم فرق بينهما عنده كما يقول (التنظيم الفطري دين بذاته …، وأما التنظيم الميكانيكي فالدعوة به مغامرة)40.

وبناءً على ذلك راح د. فريد يستخلص لهذه الفطرة أركانًا ومسالك للوصول ومحظورات تعارضها، بل بلغ الأمر مبلغًا غريبًا، حيث حدد أورادًا وأذكارًا معينة لمنهج الفطرية، تبتدئ بآية الفطرة «فطرت الله التي فطر الناس عليها» ثم بعض الأذكار النبوية، ثم أدعية خاصة، بأعداد معينة، وقال (يجوز للمؤمن أن يختار آية من كتاب الله أو سورة يلتزم قراءتها يوميًا أو كثيرًا، إذا وجد فيها مناسبة لحاله أو علاجًا لدائه ولعصره …، ونحن نرى في آيات الفطرة المذكورة علاجًا مهمًا وترياقًا عظيمًا لداء الانحراف المنهاجي عن الفطرة الإيمانية في هذا العصر، فيحسن لذلك الإكثار من تلاوتها)41.

والحقيقة أن التخصيص والمداومة من أعظم بوابات المحدثات، قال الإمام ابن تيمية (المداومة على خلاف ما داوم عليه رسول الله ﷺ في العبادات بدعة باتفاق الأئمة)42، وقال ﷺ (ليس كل ما يشرع فعله أحيانًا تشرع المداومة عليه)43، وقال ﷺ (التفريق بين السنة والبدعة في «المداومة» أمر عظيم ينبغي التفطن له)44.

ولما كان «العالم الرباني» هو الركن الأول في التنظيم الفطري؛ فقد ختم كتابه هذا بما يشبه المتن لتأهيل الجانب التربوي في «العالم الرباني»، ويتضمن هذا المتن (٢٤) باباً كل باب معنون بخصلة تربوية من خصال الربانية، ثم خلاصة مركزة، ثم عدد من النصوص التي تدل على الترجمة، وأول باب منها هو عن الإخلاص، وآخر باب في الأذكار، مروراً بباب عن (فتنة العجب التنظيمي) وباب عن (فتنة الزعامات) ونحوها(١).

وقد سبق أن أشرنا أن انتقال د. فريد من تجربة العمل الحركي مستاءً من كمية السياسة إلى الدعوة العامة بالتركيز على الإيمان والقرآن هي من أسباب ميله إلى الداعية المتصوف بديع الزمان النورسي، حيث كان د. فريد يشعر بنوع من التناظر بين تجربته وتجربة النورسي، في محطة الإقلاع ومحطة الوصول، ولعلنا هنا ننقل أحد هذه المشاعر التي يصوّرها د. فريد حيث يقول في رسالته «مفاتح النور في مفاهيم رسائل النور»: «ميز النورسي في رسائله بين شخصيتين من ذاته: الأولى شخصية «سعيد القديم» الذي اختار الانخراط في العمل السياسي، وكان قبل الأربعين من عمره، أما «سعيد الجديد» فهو الرجل القرآني الذي تفرغ لبناء المنهج القرآني في المجتمع، مردّداً عبارته المشهورة «أعوذ بالله من الشيطان ومن السياسة»).

لا نستطيع أن نكتفي بالشعور بأن هذا مجرد رسم ريشة خارجية لانعطافات طريق النورسي، بل إن ميول الأنصاري ونزوعاته ملموسة على حدود هذا المشهد، ومن الواضح جداً أن الأنصاري يكتب وهو يشعر بنفسه، ويحس بكمية المشترك بينه وبين النورسي، وقدر التماثل الكبير في الانتقال من التجربة السياسية إلى الدعوة العامة بالتركيز على القرآن، حتى أننا نستطيع أن نقول لعل الأنصاري نفسه كان يفكر وهو يكتب هذا النص بشخصيتين، شخصية «فريد القديم» الذي اختار الانخراط في العمل السياسي، وشخصية «فريد الجديد» الرجل القرآني الذي تفرغ لبناء المنهج القرآني في المجتمع ..

هذه هي تجربة الشيخ د. فريد الأنصاري، وهذه هي نماذجه فيما يخص العلاقة بين الدعوة والسياسة، بدأها بالتحذير من التعصب للهياكل الحركية والكتب الفكرية المعينة باعتبارها وساطة تربوية لا توحيد كما في كتابه «التوحيد والوساطة»، ثم زاد النقد إلى كشف ظاهرة الفجور السياسي وأن الحركة الإسلامية مشغولة بالعمل السياسي المباشر عن التوجه إلى تدين المجتمع ومعالجته كما في رسالته «الفجور السياسي» وهي في نظري أحسن ما كتب الشيخ د. فريد، ثم زاد الأمر توسيعاً في رسالة «التضخم السياسي» لكنه استدل لذلك بدليل مُشكل وهو ندرة النصوص والأحكام في باب السياسة الشرعية وأنه لم يؤلف فيه إلا بشكل متأخر ودخلته الاصطلاحات الفارسية وقد سبقت مناقشة هذه الأدلة، ووصل ذروة الاستياء في رسالته «الأخطاء الستة» التي وصف فيها الاستصنام السياسي والاستصنام المذهبي، وكان في كل هذه الرسائل الأربع يؤكد بصيغ متنوعة أنه ليس ضد الجماعات الإسلامية الحركية، ثم في رسالته الخامسة «الفطرية» دعا لتجاوز التنظيمات الحركية كلها إلى ما سماه «التنظيم الفطري» الذي يكون نظامه من نفس النصوص الشرعية كأوقات الشعائر ومرجعية العلماء الربانيين ومجالس القرآن.

Footnotes

  1. د. فريد الأنصاري، المصطلح الأصولي عند الشاطبي، مصدر سابق، (ص: 24). ↩

  2. فريد الأنصاري، المصطلح الأصولي عند الشاطبي، مصدر سابق، (ص: ١٦٧). ↩

  3. فريد الأنصاري، المصطلح الأصولي عند الشاطبي، مصدر سابق، (ص: 22). ↩

  4. فريد الأنصاري، المصطلح الأصولي عند الشاطبي، مصدر سابق، (ص: 26). ↩

  5. فريد الأنصاري، الدين هو الصلاة والسجود لله باب الفرج، دار السلام، الطبعة ↩

  6. انظر: عباس الجراري، أبو شعيب الدكالي: رائد الإصلاح الفكري في المغرب الحديث، مجلة الأكاديمية، العدد ٧، ديسمبر ١٩٩٠م، (ص: ١٥-٢٦)؛ محمد عز الدين الإدريسي، أبو شعيب الدكالي: رائد الدعوة السلفية بالمغرب، أعمال ندوة الحركة العلمية بمراكش، ١٩٩١م، (ص: ١٠٣-١١٥). ↩

  7. الناصري، الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، (ص: ١٢٠/٤). وحول وقت وصول الدعوة الإصلاحية للشيخ محمد بن عبد الوهاب للمغرب انظر المناقشة العلمية حول رسالة الصوفي الطرقي أبي الحسن الوتري (ت ١٣٢٢هـ-١٩٠٤م): أحمد العماري، رسالة الوتري في محاكمة السلفية الوهابية بالمغرب، مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس، عدد خاص دراسات في تاريخ المغرب، ١٩٨٥م، (ص: ٣٥٥-٤٠٢)؛ د. عبد الله العثيمين، تعليق على مقال الأستاذ أحمد العماري عن رسالة الوتري، مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس، العدد ١١، ١٩٩٠م، (ص: ٢٧٧-٢٨٦). ↩

  8. علال الفاسي، الحركة السلفية في المغرب، أعمال دروس في الحركة السلفية، ↩

  9. تقي الدين الهلالي، الدعوة إلى الله في أقطار مختلفة، دار الطباعة الحديثة، ↩

  10. د. سعد الدين العثماني، جذور الحركة الإسلامية بالمغرب: هوامش وملاحظات، ↩

  11. انظر باب استصنام المذهبية الحنبلية من كتاب «الأخطاء الستة» للشيخ فريد. ↩

  12. انظر باب استصنام المذهبية الحنبلية من كتاب «الأخطاء الستة» للشيخ فريد. ↩

  13. انظر فصل «جمالية التوحيد» في كتاب د. فريد: جمالية الدين. ↩

  14. فريد الأنصاري، الفجور السياسي والحركة الإسلامية بالمغرب: دراسة في التدافع ↩

  15. محمد ضريف، الإسلام السياسي في المغرب: مقارنة وثائقية، منشورات المجلة ↩

  16. د. أحمد الريسوني، الحركة الإسلامية المغربية: صعود أم أفول، دار الكلمة، الطبعة الثانية، ١٤٣٥هـ-٢٠١٤م، (ص: ٤٣). ↩

  17. د. أحمد الريسوني، الحركة الإسلامية المغربية: صعود أم أفول، مصدر سابق، (ص: ٤٥). ↩

  18. محمد ضريف، الإسلام السياسي في المغرب، مصدر سابق، (ص: ٢٢٥)؛ وانظر أيضاً للاطلاع على وجهة نظر أصحاب الحركة أنفسهم: الموقع الرسمي لحركة الشبيبة الإسلامية على شبكة الإنترنت (www.achabibah.com). ↩

  19. حول بعض الأعمال النظرية لهذا الزعيم اليساري انظر: «المذكرة التنظيمية» صياغة الشهيد المناضل عمر بنجلون، مجلة الملتقى - المغرب، العدد ٧-٨، ٢٠٠١م، (ص: ١٨٩). ↩

  20. فريد الأنصاري، التوحيد والوساطة في التربية الدعوية، ضمن سلسلة كتاب الأمة، ↩

  21. فريد الأنصاري، التوحيد والوساطة في التربية الدعوية، مصدر سابق، (ص: ٧٥/٢). ↩

  22. فريد الأنصاري، التوحيد والوساطة في التربية الدعوية، مصدر سابق، (ص: ٣٢/٢). ↩

  23. فريد الأنصاري، التوحيد والوساطة في التربية الدعوية، مصدر سابق، (ص: ١١٣/٢). ↩

  24. انظر مقالة: «قبل الخطأ السابع!» للشيخ فريد الأنصاري، منشورة على الشبكة. ↩

  25. فريد الأنصاري، الفجور السياسي والحركة الإسلامية بالمغرب: دراسة في التدافع الاجتماعي، دار السلام، الطبعة الثانية، ١٤٣٢هـ-٢٠١١م، (ص: ٦٥-٦٩). ↩

  26. فريد الأنصاري، الفجور السياسي، مصدر سابق، (ص: ١٠١). ↩

  27. فريد الأنصاري، الفجور السياسي، مصدر سابق، (ص: ١٠٧) وما بعدها. ↩

  28. د. فريد الأنصاري، البيان الدعوي وظاهرة التضخم السياسي: نحو بيان قرآني للدعوة ↩

  29. الأنصاري، التضخم السياسي، مصدر سابق، (ص: 7). ↩

  30. الأنصاري، التضخم السياسي، مصدر سابق، (ص: ٨). ↩

  31. الأنصاري، التضخم السياسي، مصدر سابق، (ص: ١٠٧). ↩

  32. الأنصاري، التضخم السياسي، مصدر سابق، (ص: 177). ↩

  33. الأنصاري، التضخم السياسي، مصدر سابق، (ص: 133). ↩

  34. الأنصاري، التضخم السياسي، مصدر سابق، (ص: ١٤). ↩

  35. ابن تيمية، شرح الأصبهانية، تحقيق د. محمد السعوي، دار المنهاج، الطبعة الأولى، 1430هـ، (ص: 538). ↩

  36. ابن تيمية، مجموع الفتاوى، (ص: ٧/٨٨). ↩

  37. فريد الأنصاري، التضخم السياسي، مصدر سابق، (ص: 95). ↩

  38. الأنصاري، الفجور السياسي، ممد سابق، (ص: 130). ↩

  39. فريد الأنصاري، الفطرية: بعثة التجديد المقبلة، من الحركة الإسلامية إلى دعوة الإسلام، دار السلام، الطبعة الأولى، ١٤٣٠هـ-٢٠٠٩م، (ص: ٢٤). ↩

  40. فريد الأنصاري، الفطرية، مصدر سابق، (ص: 160-167). ↩

  41. فريد الأنصاري، الفطرية، مصدر سابق، (ص: 125). ↩

  42. ابن تيمية، مجموع الفتاوى، (ص: 22/225). ↩

  43. ابن تيمية، مجموع الفتاوى، (ص: 22/513). ↩

  44. ابن تيمية، الفتاوى الكبرى، (ص: 5/358). ↩

شروحات وبرامج عن «الماجريات»

شروحات أخرى للكتاب1

بطاقة الاقتباس

حد البطاقة 340 حرفًا، بما فيها المسافات. يُختصر التحديد تلقائيًا عند فتح المعاينة.

حرفًا

المعاينة ستظهر هنا

أبلغ عن خطأ