رقائق القرآن
ذهول الحقائق
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
في يوم الأربعاء الثاني من شهر الله المحرم، لعام ثلاثة وثلاثين وأربعمائة وألف؛ قدِم إلى الرياض أحد أقاربي يكنى بأبي عبدالكريم، وهو في منتصف الأربعينات من عمره، وكانت بيني وبينه مودة حميمية خاصة، وإلى هذه الساعة ما رأيت مثله في سلامة القلب للناس والإحسان للمستضعفين كالعمال والجاليات والأطفال ونحوهم، وله علي خصوصاً فضل خاص لا أنساه ما حييت ..
وما إن وصل لمنزلي إلا وكانت آثار الإرهاق بادية عليه، فطلب فراشاً ونام في المجلس ساعةً .. ولما حان موعد الغداء أيقظته وتناولنا الغداء سوياً، ثم جلسنا نتجاذب أطراف الحديث فأثار مسألة (صلاة الجماعة للمسافر)، وطلب مني كتباً عن هذا الموضوع .. فصعدت لمكتبتي وأتيت بجزء الصلاة من فتاوى ابن باز التي فرِّغت من نور على الدرب، وفتاوى ابن عثيمين التي جمعها الشيخ فهد السليمان .. قرأنا المسألة التي أرادها، ثم استأذن وغادر ..
هذا كان يوم الأربعاء، وفي يوم الجمعة الذي يليه اتصلت بي والدتي تقدم لي خبراً على التدريج، فقالت لي: أبو عبدالكريم، يا وليدي، الحمدلله على قدره، جاءه حادث. ثم سكتت. سألتها: وفي أي مستشفى هو الآن؟ فقالت لي: توفي، الله يرحمه .. صمتُّ برهةً، وودعت الوالدة وأغلقت الهاتف، كل الذي دار في خلدي تلك الساعة أن الوالدة أتاها الخبر بشكل خاطئ، وأن أبا عبد الكريم قطعاً لم يمت. مكثت قليلاً ثم عاودت الاتصال، وسألت والدتي: أنت متأكدة من الخبر؟
قالت: هاهم أهله يبكون يا وليدي، الله يرحمه. ودّعت الوالدة مرةً أخرى، وأغلقت الهاتف، وبقيت في مكاني لا أعرف ماذا أصنع .. ثم اتصلت بشقيقه، فلما رد علي وسمعت صوته المتهدج، دب إلي اليقين. وسألته: أبو عبدالكريم .. ؟ فقاطعني وقال بصوت ممزوج بعبرات متكسرة: أبو عبد الكريم يطلبك الحل. أدرت محرك سيارتي متوجهاً لمنزله خارج الرياض، وذهبت في نفر من أهله إلى مغسلة الموتى التي سيغسل فيها.
انتظرنا سويعةً، وحين فرغ المغسل أذن لنا بالدخول، وكشف لنا عن وجهه، فسلمت عليه، وقبلت بين عينيه، ودعوت له، ولم أملك نفسي حينها أن قلت: ما أطيبك حياً وميتاً يا أبا عبد الكريم ..
جلسنا في منزله وقدم بعض الناس يعزون، وأنا لا زلت غير قادر على الإفاقة من صدمة المواجهة.
عدت للرياض، ومكثت ليالي وصورته لا تفارق ناظري، وأعيد تذكّر كل كلمة قالها حين كان في ضيافتي يوم الأربعاء الذي سبق وفاته. بل وكنت أدخل مجلس منزلي، وأشاهد الزاوية التي افترشها ونام فيها، وأشكو بثي وحزني إلى الله، وأكظم أزيزاً في داخلي ما استطعت.
مررت بحوادث ووفيات كثيرة، لكن لأول مرة يهجم علي الإحساس بقرب الموت ودنو الأجل بمثل هذه الصورة ..
لما كنت في منزل ذويه والمعزّون يقدمون عليهم كنت أطالع وجوه الناس، وأنظر لنفسي بينهم وأقول: كلنا قدمنا للعزاء، وغالبنا يظن أن المصيبة مصيبة غيره، وننسى أن هناك ساعة سجلت لكل واحد منا سيغادر فيها هذه الحياة، وسيغسّل، ويوضع في كفنه، ويوسد لحده، وتصف اللبنات فوقه، ويهال عليه التراب، وينصرف الناس عنه.
من الناس من سيموت في هذا الشهر، ومنا من سيموت قبيل رمضان هذا العام ولن يدركه، ومنا من سيدرك سنةً أو سنتين أو ما زاد على ذلك، ولكنها النهاية المحتومة .. ساعةٌ مكتوبةٌ قريبةٌ منا سنغادر فيها هذه الحياة ..
هذه الساعة التي تم تحديدها قبل أن تخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ثم كتبها الملائكة الكرام في التقدير العمري حين كان الإنسان جنيناً عمره أربعة أشهر، نحن نسير إليها الآن بالعدّ التناقصي ..
فإذا كان العام الماضي يفصلنا عنها ثلاث سنين، فاليوم يفصلنا عنها سنتان، وهكذا نحن نقترب كل دقيقة من هذه اللحظة الحاسمة للانتقال للدار الآخرة والمسكن الأبدي .. هذه الحقيقة الكبرى كيف غفلتُ عنها طوال هذه السنوات؟ وكيف يغفل كثير من الناس عنها؟ الكثير من الناس يعرف هذه الحقيقة معرفة نظرية عقلية بحتة، لكنه لم يعشها يقيناً قلبياً غامراً يستحوذ على تفكيره ..
ومن أعاجيب النفوس، وما يمور فيها من الأحاسيس؛ أن بعض الناس يكره ذكر الموت، ويدور في مشاعره الخفية أنه حين يتحاشى ذكره فإنه يبتعد عنه، وحين يذكره يكون قريباً منه، ويتكلف الأسباب المشروعة وغير المشروعة في مدافعة الموت؛ يظن أنه سيؤجل يومه المكتوب، وهذا (الفرار النفسي) من الموت صوره القرآن تصويراً تبكيتياً حين قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ 1.
وهَبْ أنك فررت، وافترض أن خطراً من الأخطار سلمت منه؛ فحتى ما ستعيشه بعد ذلك سيظل فترة زمنية محدودة، يقول تعالى: … ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلا قَلِيلا﴾ 2.
فحتى لو سلمت من خطر معين، فسيظل المتاع قليلاً، وسيأتي خطر لن تفر منه .. وصوّر القرآن معنى آخر قريباً من الفرار، وهو «التحايد» ..
ذلك أن «الفرار» ابتعاد عن موضع الخطر، وأما «التحايد» فهو أشبه بمحاولة التحاشي عن سهام الموت، يقول تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ 3.
فلن ينفع الفرار، ولن ينفع التحايد، وستأتي قريباً ساعة الانتقال للدار الأبدية.
بل تأمل ما هو أعجب من ذلك، وهو أن الإنسان يسير بقدميه إلى الموضع الذي كتب الله وفاته فيه، وهو لا يعلم القدر المخبوء، حيث يقول تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ 4.
بل قد تجد كثيراً من الناس يمر بطريق، أو غرفة، أو مستشفى، أو غيرها، سنوات عديدة من عمره، ولا يخطر بباله أن هذا الموضع الذي يمر به يحتمل أن يكون هو الذي كتب الله وفاته فيه بعد كذا وكذا من الساعات والدقائق ..
والمراد أن هذه اللحظة القادمة التي تنتظرني وتنتظرك يا أخي الكريم؛ لحظةٌ لا تقبل التأجيل ولا التقديم، ساعة قررها الجبار جل جلاله، كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ 5.
ومن جملة التعلق بالأسباب المادية أن كثيراً من الساسة والأثرياء يتوهمون أنهم في قصورهم المشيدة أبعد عن مخاطر الموت من سكان الشقق والصفيح والأحياء العشوائية، والقرآن يكشف هذا الشعور المزيف، حيث يقول تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ 6.
ولذلك فإن فريقاً من الناس يكره فريضة (الجهاد) لأنه يظن أنها تقربه للموت! وينسى أن الموت قُرِّرت له ساعة معينة قبل أن يخلق، وقد شرح القرآن شيئاً من هذا التصور كما يقول تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ 7. ولذلك يعرف الناس قصصاً كثيرة لمقاتلين تمرغوا فوق جبهات الشظايا وتحت قصف الطائرات، ومع ذلك عادوا لبلدانهم وعمروا سنين عددا.
ويعرف الناس بالمقابل أصحاء أشداء داهمهم الموت فجأة فوق أسرَّتهم الأنيقة .. لماذا؟ لأن هذه الآجال محسومة قبل أن يخلق الناس، لا ينفع فيها فرار ولا تحايد، ولا محاولة تجاهل وتناسٍ للحظة فراق الدنيا ..
بل إن بعض الجهلة إذا ذُكِر له أن رجلاً من الناس مات في سبيل الله يقع في قلبه أن سلامته هو من هذا الموت نعمة من الله! وهذا نظير تفكير عبدالله بن أُبيّ حين حكى الله تصرفه ومقالته: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ 8.
لقد وقفت بعد هذه الجنازة المهيبة، وأخذت أتذكر قوائم من الأصدقاء والأقرباء وغيرهم ممن حانت ساعة رحيلهم المكتوبة وودعونا في السنوات السابقة .. تذكرت أصدقاء درسوا معنا في المرحلة الثانوية، وأصدقاء درسوا معنا في الجامعة، وأقرباء كانوا يخالطوننا بشكل دوري .. وتذكرت علماء كانوا سمع الدنيا وبصرها، حين كنا نتداول أخبارهم، تذكرت ابن باز، وابن عثيمين، وابن جبرين، وابن غديان وغيرهم.
بل تذكرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي مشى في طرقات المدينة، وقرأ بالناس إماماً في مسجده النبوي، وجلس مع أصحابه بعد صلاة الفجر .. ذهبوا كلهم بين أطباق الثرى، فكيف يا ترى يأمن الإنسان ويغفل وهو يرى الناس حوله يتناقصون؟! هذا والله سر من أسرار النفس البشرية .. حين يتمعن الإنسان في هذه الحقيقة الكبرى، حقيقة الموت؛ تسري به سلسلة التساؤلات إلى هذه المفارقة التي نعيشها يومياً، أعني التناقض بين العقيدة والسلوك ..
إذا كنا نؤمن فعلاً بأن لحظة توديع الدنيا قريبة منا، قريبة منا جداً، إنها لحظة بالأبواب، إنها على طرف الثمام، وقد أخذت أعداداً ممن ساكنونا وآكلونا وناقشونا وزاملونا ودرّسونا؛ فكيف يا ترى نغفل ونحن نرى أخبار الموتى لا تتوقف؟!
وقد أشار القرآن إلى هذه المفارقة بين قرب الأجل في مقابل استمرار الغفلة، فقال تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ 9.
وأخذت مرةً أتأمل أسباب هذه الإشكالية في كتاب الله، وأحاول البحث عن موقف القرآن من هذه العلاقة، فوجدت ثلاثة مشاهد صوّر القرآن تفاصيلها تكشف سراً من أسرار المشكلة، ألا وهي مشكلة «التأجيل».
فهذه الخطايا التي لازلنا نواقعها لا تجدنا غالباً مخططين للاستمرار عليها، وإنما نقول في أنفسنا إنها مجرد فترة يسيرة وسنصحح أوضاعنا جذرياً، لكن الزمان يتفارط، وينسلّ الوقت من بين أيدينا ونحن لا نشعر؛ حتى نتفاجأ بملك الموت واقف ليأخذ أرواحنا في الساعة المقدرة ..
أرأيت؟ إنه الذهول عن الحقائق الكبرى تحت غمامة «التأجيل» ..
أخبرنا كتاب الله عن فئام من الناس حين يحضرهم الموت يسألون الله أن يرجعهم، ويعاهدونه أن يعملوا الأعمال الصالحة التي أجّلوها، ولكن هيهات، لقد فات الأوان، يقول تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ 10.
أمامنا اليوم فرصة للعمل الصالح قبل أن تأتي هذه الساعة القريبة المفاجئة التي لن تنفع فيها التوسلات بالعودة لزمان العمل ..
وأخبرنا كتاب الله عن فئام من الناس حين يحضرهم الموت يسألون الله فسحةً زمنيةً يسيرةً ليتصدقوا، ولكن بعد ماذا؟ بعد أن فات الأوان؟! يقول تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَاتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ 11.
وها نحن الآن في زمن إمكانية التصدق، فهل سنتردد في قرار النفقة حتى تأتي تلك الساعة التي نبدي فيها الاستعداد للتصدق، ولكن بعد فوات الأوان؟!
وأخبرنا كتاب الله عن فئام من الناس حين يحضرهم الموت يعلنون التوبة ويستغفرون الله، ولكن هل هذا هو وقت التوبة والاستغفار؟ يقول تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ 12.
لازلنا الآن في الساعات الأخيرة التي تسبق إغلاق باب التوبة، والتوبة إلى الله تحتاج قراراً فورياً عاجلاً، قراراً لا يحتمل التأجيل ثانية واحدة، قراراً يجب أن يدشن الآن، قبل أن تفوت الفرصة ..
هذه المشاهد الثلاثة التي ذكرها القرآن عن أحوال المحتضرين، وأمنياتهم، من أشد المشاهد زلزلة لمشاعر المؤمن الموقن بلحظة الموت وقربها، وخصوصاً إذا وضع نفسه في هذه المشاهد، فتخيل كيف لو كان هو نفسه يسأل
الله عند الاحتضار أن يعود للدنيا ليعمل صالحاً! أو يسأل الله أن يعود للدنيا ليتصدق ويكون من الصالحين! أو يسأل الله عند الاحتضار أن يتوب عليه ويغفر له! وفي كل هذه الأمنيات يواجه بالرفض، لأنها دعوات تجاوزت الموعد النهائي للقبول! وقد كان يمكنه ذلك لو بادر قبل هذه اللحظة ..
والواقع المشاهد اليوم أن من أكثر ما ينسج حول العيون حجابَ الغفلة التنافسُ الاجتماعي على الدنيا، فالمرء منذ أن يُستجر إلى «دوامة المباهاة» فإنه لا يكاد يفيق منها إلا على أعتاب القبر.
والناس اليوم كأفراس رهان على المناصب، والمساكن، والسيارات، والملابس، لا يكاد أحدنا يلتقط أنفاسه من هذه المنافسات الاجتماعية على حطام الدنيا .. وقد نبه القرآن على هذا المعنى الواسع بأوجز عبارة وأبلغ صياغة، بالله عليك تأمل قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ 13.
أرأيت أين تنتهي حفلة التكاثر هذه؟ تنتهي عند أول ليلة في القبر، وحينها يكتشف أحدنا أنه ضيع حياته المستقبلية الحقيقية، ولكن بعد ماذا؟ بعد فوات الزمن المحدد من الله جل وعلا.
وهذا التكاثر الذي تحدثت عنه (سورة التكاثر) جاء في آية أخرى في سورة الحديد، حيث يقول تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ، وَلَهْوٌ، وَزِينَةٌ، وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ، وَتَكَاثُرٌ فِي الأموَالِ وَالأَوْلاد﴾ 14.
وإذا وفق الله الإنسان أن ينخلع من ملاحظة ما يكتسبه الخلق، ويتزاحمون عليه، والتحرق على المنافسة فيه، من مناصب، ومساكن، وسيارات، وعقارات، وأرصدة، ونحوها، وأقبل على ما هو أعظم من ذلك، وهو صناعة المستقبل الأبدي، وعمارة النفس بالله؛ فإنه سيكتشف للحياة معنى آخر، معنى أسمى من الحطام الصغير المؤقت ..
كلما رأيت نفسي في غفلة، وكلما رأيت نفسي وقد ذهلت عن الحقائق الكبرى، أخذت أردد: فتش عن (دوامة التكاثر)! وبكل صراحة فإنني لا أعرف مفهوماً عقلياً لا يكاد المرء حين يتأمله أن يطيق آثاره الإيمانية مثل المقارنة بين (أبدية الحياة الآخرة) و (تأقيت الحياة الدنيا) .. مقارنة التأقيت بالأبدية تجعل الدنيا رقماً مهملاً لا يستحق الذكر أصلاً، الأبدية ليست مئة سنة، ولا ألف سنة، ولا مليون، ولا مليار، ولكنه أبد الآبدين بلا نهاية .. !
من يستطيع أن يتصور؟! ثم قارن تلك الحياة الأبدية بالدنيا التي لا تتجاوز سُنَيات معدودة .. ! مجرد التأمل في مفهوم (الأبدية) يكاد أن يصل بالنفس إلى أعظم مراتب العزم. تأمل معي هذا المثال! لو قيل لشخص من الناس: إنك ستجلس في هذا البلد الذي أنت فيه خمس سنين، ثم سننقلك إلى بلد مجاور وستعيش فيه مئة سنة، فماذا ترى هذا الرجل صانعاً؟ لا شك أنه سيحول كل ممتلكاته وأمواله وأرصدته إلى البلد الثاني الذي سيعيش فيه الزمن الأطول،
وسيقتصد في الصرف في بلده الأول قدر الطاقة، ويتبلغ بالكفاف، لأنه ينتظر الحياة المستقرة في البلد الثاني الذي سينتقل إليه. إذا كان هذا في المقارنة بين منزلين أحدهما خمس سنين، والآخر مائة سنة، فكيف بالله عليك سيكون التصرف حين المقارنة بين منزل مؤقت ومنزل مؤبد لا ينتهي أصلاً؟!
ثم ليس الأمر «مؤبداً» فقط، بل قد يكون مؤبداً بأعلى درجات السعادة في قصور الجنة ونعيمها، أو مؤبداً في أحط درجات الآلام الجسدية والنفسية في أودية النار ولهيبها، كل ذلك أبد الآبدين .. !
وماذا بعد مفهوم (الأبدية) من واعظ؟! وكنت ألاحظ في كثير من كتب الفكر المعاصر أنها تكاد تخلو من ذكر الموت والدار الآخرة وصناعة المستقبل الأبدي، ويعدون ذلك شأناً غير رفيع! فذكرت هذه الملاحظة لأحد الشباب الذين يقرؤون في هذه الكتب، فقال لي: إن هذا تصرف له ما يبرره. فقلت له: وما الذي يبرره؟
فقال لي: (إن استحضار الموت واليوم الآخر يصرف الإنسان عن بناء الحضارة والنهضة، فيجب أن نؤمن بالموت واليوم الآخر، ثم نحيّده حتى نستطيع أن نبني الحضارة والنهضة بعيداً عن الضغط النفسي لفكرة الموت واليوم الآخر)! هذا ملخص كلامه، بعضه بعبارته وبعضه بمعناه.
والحقيقة أن هذا فهم مغلوط كلياً، ولا يقول هذا الكلام رجل قرأ كتاب الله وأيقن صدقاً بمعانيه، فإن استحضار الموت واليوم الآخر هو الذي يدفع فعلاً للعمل الصالح النافع المثمر طبقاً لمراد الله ..
فإن الله تعالى لما ذكر الصلاة، وهي رأس العبادات، ذكر أنه لا يطيقها إلا من يوقن بالموت ولقاء الله، قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ 15.
فانظر كيف كانت الصلاة هينة ميسرة لمن امتلأ قلبه باليقين بلقاء الله ..
ولما ذكر الله تخاذل جنود طالوت، بين أنه لم يقف ويثبت معه إلا من امتلأت قلوبهم باليقين بلقاء الله، كما قال تعالى: ﴿فلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ، قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ 16.
فانظر كيف لم يصبر في مقام الجهاد، إلا من عمرت نفوسهم بحقيقة الموت واليوم الآخر ..
وترى أمثال هؤلاء المفكرين التغريبيين - أو من أصابتهم بعض شُعب التغريب - يتندرون بمن يكثر من ذكر الموت، بل ويسميها بعضهم (عقيدة انتظار الموت) على سبيل الاستهانة والانتقاص، بالرغم من أن انتظار الموت شعبة من شعب الإيمان في كتاب الله، كما قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ، وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا﴾ 17.
وامتلاء القلب باليقين بقرب الأجل والحساب نبه عليه القرآن في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ 18.
وأعاد ذات المعنى في مطلع سورة الأنبياء فقال تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ 19.
وقد كان أئمة الأولياء في هذه الأمة يستحضرون دوماً قرب الأجل ودنو الموت، فهذا رأس أولياء هذه الأمة أبوبكر الصديق - رضوان الله عليه - يستحضر هذا المعنى كثيراً، فقد روى البخاري في صحيحه قصة مؤثرة عن أبي بكر، حيث جاء في البخاري: «لما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة وُعِك أبو بكر وبلال» فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:
كل امرئ مصبح في أهله … والموت أدنى من شراك نعله 20 والمراد أنه ليست الإشكالية في أن يستحوذ على القلب والعقل اليقين بقرب الأجل والحساب، فهذه شعبة إيمانية قرآنية عظيمة، وإنما الخلل هو تعطيل العمل والفتور عن الدعوة والإصلاح .. وقد أوضح كتاب الله أن اليقين بلقاء الله يدفع للمزيد من العمل ويمنح المؤمن القوة والصبر، لا العكس كما يتوهم كثير من التغريبيين، أو من أصابتهم بعض شُعب التغريب ..
والحقيقة أن استحضار الحقائق الكبرى كالموت ولقاء الله، وتمزيق ضباب الذهول الذي يلفها؛ يثمر للمرء تصحيحاً هائلاً في مسيرته العلمية والدعوية والاجتماعية، ويغير جذرياً من نظرته لكثير من الأمور، فيصبح يقرأ الأشياء على ضوء سؤال: هل تقرب من الله وتنفع في اليوم الآخر أم لا؟
وهذا السؤال القلق المشفق منذ أن يسيطر على التفكير تنقلب شخصية المرء رأساً على عقب، ويصبح نظره أبعد من مظاهر الأمور، ومسافاتها القصيرة،
ولا يزال هذا السؤال القلق يقوده ويسيّره حتى تأتي لحظة لقاء الله فيحمد العاقبة: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ 21.
ومن أعظم آثار هذا السؤال: القلق والانزعاج حول طبيعة قضاء الوقت والعمر، فالإنسان الغافل عن ذكر الموت تمر أوقاته وساعاته دون أن يتنبه ويتساءل حول جدوى ما يصنع ..
لكن المؤمن الذي يهجم عليه ذكر الموت ودنو الأجل، وقرب لقاء الله، فإنك تجده يزهد في اللقاءات والاجتماعات في استراحات الضياع التي تذهب فيها الأوقات سدى، وتتعالى فيها القهقهات، ويجوب الناس فيها أحاديث لا تقرب من الله إن لم تكن تبعد عنه، حتى وإن كان ظاهر الجالسين الصلاح أو طلب العلم، فالعبرة بالحقائق، وما أكثر ما تكون المجالس في غير ما يقرب من الله ..
المؤمن المستحضر لحقيقة الموت، ودنو الأجل؛ يبخل بوقته أن يذهب في روايات تلو روايات، وأفلام سينمائية تتلاحق أضواؤها، وتتبع لتعليقات وترهات على صفحات المواقع الاجتماعية كالفيسبوك وتويتر، أو منتديات الإنترنت ..
طالب العلم الجاد الذي تشبع بحقيقة الموت تختلف نظرته للمؤلفات والكتب، ويدب إليه الزهد في الترف النظري، ويصبح مقصوده في الكتب (معرفة الهدى بدليله) ويضمر شغفه بمُلح العلم ونكته ولطائفه الجانبية، وتصبح في مرتبة تبعية غير مقصودة بالأصالة، وإنما مقصوده الأصلي معرفة (معاني كلام الله ورسوله) والانفعال والتخلُّق بها، وبثها في الناس ..
والمجاهد الذي يجاهد التيارات البدعية والفكرية المنحرفة إذا تشبع قلبه بحقيقة الموت وقرب الحساب؛ صار يقتصد في ذكر الناس إلا بقدر ما يبين الحق ويظهره، وما أحسن العبارة المنقولة عن الإمام الحافظ عبدالله بن عون شيخ شعبة وابن المبارك، أنه قال: «ذكر الناس داء، وذكر الله دواء» 22.
والمؤمن الذي امتلأ قلبه باليقين بلحظة القبر، يتحرق على أوقات الانتظار، والمسير، والجلوس العابر؛ أن تذهب في غير ذكر الله، وأي جمال وبهاء لحالة الذاكر لله واقفاً وجالساً ومضطجعاً والتي يصفها كتاب الله في قوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ 23.
بل تأمل ما هو أعجب من ذلك! وهو أن الله يأمر بالصلاة التي كلها أذكار، ثم بعد الصلاة يأمر باستمرار الذكر على هذه الأحوال، فيقول تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ 24.
بالله عليك خذ هذا المثال العابر: تأمل هذه الساعات التي فاتت من ظهر اليوم، أو من عصر اليوم، أو السهرة التي قضيتها البارحة، هذه الساعات التي فاتت، ذهبت علي وعليك، هذه الساعات سلخت من أعمارنا ولن تعود أبداً، فإن كنا عمرناها بتسبيح أو تحميد أو تكبير أو سجدة أو مدارسة علم نافع، أو مصلحة للمسلمين؛ فإنها ستكون شاهدة غداً في صحائفنا، تبيض وجوهنا وتسرنا
في اليوم العصيب. وإن ذهبت هذه الساعات من نهار اليوم وليله سدى، فيا حسرتنا ويا غبننا في فرصة أعطيت لنا ثم سحبت ولم نستغلها!! ساعات كانت لنا ثم ذهبت، نعم ذهبت ولن تعود، انتهت الفرصة .. ! كلما تأملت في هذا المعنى تغشاني الذهول من برودنا أمام دقات الساعة التي لا تتوقف.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَاتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ 25.
Footnotes
-
سورة الجمعة، الآية: 8. ↩
-
سورة الأحزاب، الآية: 16. ↩
-
سورة ق، الآية: 19. ↩
-
سورة آل عمران، الآية: 154. ↩
-
سورة النحل، الآية: 61. ↩
-
سورة النساء، الآية: 78. ↩
-
سورة النساء، الآية: 77. ↩
-
سورة النساء، الآية: 72. ↩
-
سورة الأنبياء، الآية: 1. ↩
-
سورة المؤمنون، الآيتان: 99،100. ↩
-
سورة المنافقون، الآيتان: 11،10. ↩
-
سورة النساء، الآية: 18. ↩
-
سورة التكاثر، الآيتان: 2،1. ↩
-
سورة الحديد، الآية: 20. ↩
-
سورة البقرة، الآيتان: 46،45. ↩
-
سورة البقرة، الآية: 249. ↩
-
سورة الأحزاب، الآية: 23. ↩
-
سورة الأعراف، الآية: 185. ↩
-
سورة الأنبياء، الآية: 1. ↩
-
صحيح البخاري، (1889) . ↩
-
سورة الطور، الآيتان: 27،26. ↩
-
سير أعلام النبلاء، 11/ 448. ↩
-
سورة آل عمران، الآية: 191. ↩
-
سورة النساء، الآية: 103. ↩
-
سورة الزمر، الآيتان: 56،55. ↩
شروحات وبرامج عن «رقائق القرآن»
شروحات أخرى للكتاب9
سلسلة: شرح كتاب رقائق القرآن — الشيخ أمجد سمير8 حلقاتعرض الحلقاتإخفاء الحلقات
- أهم كتاب يحتاجه البشر !! ملخص كتاب : رقائق القرآنReadTube - جيل يقرأ