تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة أبو عمر

رقائق القرآن

كأنك تراه

نُسخت من مصدر نصيالصفحات 155-167 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 9 دقائق

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابرقائق القرآن

أخبرنا الله سبحانه أنه «يفصل الآيات» لنا في كتابه المقروء والمشهود لتحقيق غاية في نفوسنا نحن، كما قال الله سبحانه: … ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ 1.

أليس عجيباً أن تكون هذه التفاصيل المهيبة في آيات الله الشرعية والكونية هي من أجلنا نحن؟ بل من أجل أن ترفرف قلوبنا باليقين؟! وأظهر الله لخليله إبراهيم - صلى الله عليه وآله وسلم - من الآيات البديعة في ملكوت الكون حتى يكمل يقين الخليل، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ 2.

ومدح الله سبحانه أحكامه الشرعية بالجمال والحسن، ولكن القرآن ذاته نبه أنه لا يتمتع بكمال الفهم لحسن وجمال أحكام الله إلا من تطهرت قلوبهم باليقين، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ 3، ألا يعني هذا أن من فاته إدراك جمال وحسن أحكام الشريعة إنما كان ذلك بسبب ما فات قلبه من اليقين، وبسبب ما زاحم اليقين في قلبه من الارتيابات والتردد؟!

ألا يعني هذا أن القلب كلما ارتفع في مدارج اليقين زادت قدرته على مشاهدة المعالم الجمالية لمملكة أحكام الشريعة، وكلما تكاثف ضباب الشكوك والحيرة في أجواء قلبه تعسّر عليه رؤية جماليات الأحكام الشرعية؟

وجعل الله في هذا القرآن «رحمة»، لكن الناس يتفاوتون في الانتفاع بهذه الرحمة القرآنية بحسب ما في قلوبهم من اليقين، كما قال الله سبحانه: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ 4.

فانظر .. كيف أنه كلما تعاظم اليقين في قلب العبد، تنزّلت عليه رحمات الله، وانفتحت له رحمات القرآن؟!

وأخبرنا الله أن اليقين هو الطريق إلى أعلى وصف من أوصاف التديّن، وهو وصف (الإمامة في الدين)، كما قال الله سبحانه: … ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ 5.

بل إن القرآن لم يرسم لقارئه درب اليقين فقط، وإنما أضاف طريقة التعامل مع الشريحة التي تعاني من نقص اليقين، فنهانا القرآن أن نتأثر بإرجاف مرضى الحيرة والشكوك، كما قال الله عز وجل: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ 6.

وفي واقعة شهيرة جداً في تاريخ الإسلام رواها البخاري ومسلم، بل غالب كتب السنة، وجمع العلامة ابن حجر العسقلاني روايات هذه الواقعة من كتب السنة، والفروق بينها، في أول كتابه (فتح الباري:1/ 142، طبعة دار الريان)، وفي هذه الواقعة الشهيرة جاء جبرائيل - عليه السلام - إلى مجلسٍ اجتمع فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، وكان جبرائيل قد تمثل بصورة رجل بشري، وكان شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، وفي بعض الروايات: (إذ أقبل رجل أحسن الناس وجهاً، وأطيب الناس ريحاً، كأن ثيابه لم يمسها دنس)، وفي رواية أخرى: (شديد سواد اللحية)، وفي رواية أخرى: (ليس عليه سحناء السفر، وليس من البلد) .

وهذا كان في غاية الغرابة بالنسبة للصحابة، حتى إنه علاهم الوجوم كما جاء في بعض الروايات: (فنظر القوم بعضهم إلى بعض فقالوا: ما نعرف هذا)! إذ إن هذا الرجل ليس من أهل المدينة فهم يعرفون أهلها جيداً، وفي ذات الوقت لا يمكن أن يكون رجلاً مسافراً قدم للمدينة لأن هيئته وملابسه ليست هيئة وملابس المسافر!

وفي مرأى من الناس جاء هذا الرجل - الذي هو جبريل في حقيقة الأمر - يتخطى بين الصحابة، حتى وصل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجلس أمامه، وصارت ركبتا جبريل تلامس ركبتي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وزاد جبريل في الاقتراب فوضع يديه على فخذي النبي - صلى الله عليه وسلم -، والناس لا يعرفون من هذا الرجل!

ثم بدأ جبريل يسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - أسئلة مرتبة هرمياً، تدور حول أصول الإسلام، والصحابة مشدودة أعناقهم إلى هذا المشهد.

فاستفتح جبريل أول سؤال بالاستفسار عن (مفهوم الإسلام)، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يجيب عن السؤال، ويستعرض تعريف مفهوم الإسلام، فيجعل الإسلام هو الأركان الخمسة التي تدور حول التوحيد والشعائر الأربع الكبرى.

ثم ينتقل جبريل ويسأل عن مرتبة أعلى وهي (مفهوم الإيمان)، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يجيب فيستعرض تعريف الإيمان، ويجعله يدور حول التصديق بالغيبيات أساساً ..

ثم ينتقل جبريل ويسأل عن مرتبة أعلى من الإسلام والإيمان، وهي أعلى مراتب الدين، وهي (مفهوم الإحسان)، فيعرفها النبي - صلى الله عليه وسلم - بتعريف في غاية الروعة، إذ يجعل الإحسان هو اليقين المطلق الذي تنهار فيه الفوارق بين الغيب والشهادة، حيث يقول جبريل: «فأخبرني عن الإحسان»؟ فيقول المصطفى - صلى الله عليه وسلم: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».

انظر .. أين وصل اليقين؟! حيث أصبح الأمر الغائب الذي لا تراه كأنه الأمر الحاضر الذي تراه. إنها تلك اللحظة التي يصبح فيها ما يراه بصر رأسك حِساً، بنفس المستوى الذي تراه بصيرة قلبك إيماناً. عيون الموقن في رأسه وقلبه تسيران جنباً إلى جنب في هذه الحياة، ولا يتخلف أحدهما عن الآخر، ويبصران المرئي وغير المرئي بذات الحدة البصرية: «أن تعبد الله كأنك تراه».

ثم كشف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن هذا هو الإحسان الذي هو أعلى مراتب الدين .. ! أعلى مراتب الدين سلوك قلبي محض!

ثم إن هذه الحقيقة الباهرة لم يخبر بها النبي - صلى الله عليه وسلم - خبراً عارضاً، بل تم تنسيق مشهد مهيب يتحاور فيه سيد الملائكة وسيد البشر، جبريل ومحمد، والناس يسمعون، ليتلقوا هذه الحقيقة الكبرى ..

رباه! أي شرف لـ (منزلة اليقين) أعظم من جعل الشارع لها أعظم مراتب الدين، فوق الإسلام والإيمان! وفي جلسة تعليمية مشهودة بين جبرائيل ومحمد - صلى الله عليه وسلم -.

على أية حال! هذه المواضع الكثيرة التي يبدئ فيها القرآن ويكرر ويعيد، في منزلة (اليقين)؟! وهذا المجلس الجبرائيلي/المحمدي العظيم الذي جعل فيه اليقين أعلى مراتب الدين، يثير الانتباه فعلاً حول موقع اليقين في دين الله ..

فما هو هذا «اليقين» يا ترى؟! وما هي حقيقته؟! وما هي موارده؟! وهل نحن موقنون وبلغنا هذه المنزلة، أم نعاني من ضعف في اليقين؟! اليقين في حقيقته هو كمال جزم القلب بخبر الله ورسوله، وفراغه من التردد والارتياب والاحتمالات. اليقين هو أن يصبح (خبر) الله ورسوله كأنه (المعاينة)، فإذا صار الخبر كالمعاينة فقد كشفت سجف اليقين، وارتشفت النبع. خذ بعض الأمثلة من خبر الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، ودعنا نختبر أنفسنا فوق مشرحة اليقين.

أخبرنا الله سبحانه الذي لا أصدق منه حديثاً، ولا أصدق منه قيلاً سبحانه بقوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ 7. فهل نحن حين نمد يدنا بحفنة من دراهم الصدقة ونضعها في يد المسكين يتشبع قلبنا يقيناً بأنها لا تنقص مالنا، بل سيخلفه الله؟! هل نجد في قلوبنا اليقين بهذا الخبر القرآني؟ ويقول الله سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ 8.

فهل نحن إذا رفعنا أكُفّنا ندعو الله ونسأله تمتلئ قلوبنا يقيناً بقرب الله وإجابته، أم نحن ندعو الله باعتباره سلوكاً مطلوباً فقط، لا أنه أعظم الوسائل فعلاً لتحقيق المطلوب؟ بل هناك من يدعو الله على طريقة «إن لم ينفع لم يضر» والعياذ بالله .. وأخبرنا الله أصدق القائلين سبحانه عن أن القرآن رقية وشفاء بقوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ 9.

فهل تفور قلوبنا باليقين بخبر الله هذا، فنفزع للرقية كلما أصابنا بالمرض، ونرقي أنفسنا ونحن موقنون بخبر الله أن هذا القرآن شفاء؟

وأخبرنا الله بخيرية هذه الأمة على سائر الأمم، وأنها أحب الأمم إلى الله، كما في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ 10، ويقول الله عز وجل: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ 11.

فهل المسلم -حين يقارن هذه الأمة ببقية الأمم التي تمتلك إمكانيات مادية- يشمخ قلبه يقيناً بخبر الله بشرف هذه الأمة وخيريتها وعلوها على غيرها، مهما امتلك الآخرون من إمكانيات مادية؟ أم يمور في زوايا القلب شكوك وارتيابات بخبر الله عن خيرية هذه الأمة؟

وشرع الله تأديب الزوجة الناشز بشروط وضوابط وأخلاقيات معروفة في كتب الفقه: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ 12.

فهل يستعلي القلب بخبر الله ويوقن أن تشريع الله هذا يفوق كل النظريات الغربية في هذا المجال؟ أم ترى القلب يتملص حرجاً من هذه الآية أمام الغربيين؟! وأخبرنا الله تفصيلاً عن ترصد الشيطان وأفعاله بالإنسان مثل: النزغ، والهمز، والوسوسة، والتزيين، والوعد، والخطوات، والتسويل، والاستحواذ، والأزّ، إلخ. فهل نعيش حياتنا ونحن موقنون بخبر الله عن حضور الشيطان وترصّده؟

وأخبرنا الله بوعدٍ عظيم أننا إن آمنا وعملنا صالحاً أن يحقق لنا رسالةً عظيمة وهي قول الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ 13.

فهل يفوز القلب يقيناً بخبر الله عن هذه الحقيقة السياسية/القرآنية في طريق النهضة؟ وأن الإيمان والعمل الصالح هو الطريق للاستخلاف والتمكين في هذه الأرض؟ هذه مجرد نماذج لخبر الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ 14، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ 15.

وهذه وعود القرآن التي وعدنا الله إياها: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ 16، ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ 17.

فهل كانت وعود الله لنا سبحانه في القرآن محل جزم وثقة ويقين مطلق في قلوبنا، حاضرة في حياتنا؟ أم هي أشبه بالإيمان البارد الفاتر وهي أشبه بالحاضر الغائب؟

والعلاقة بين (وعد الله) و (عبودية اليقين) ليست مجرد استنباط، بل القرآن ذاته أشار إليها كما قال الله سبحانه: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ 18.

فهل استطعنا أن نصل لعبودية اليقين، التي هي أعظم مراتب الدين فوق الإسلام والإيمان، فنخرج من قلوبنا كل ذرة احتمال أو ارتياب أو تردد؟

ومن المواقف المحزنة التي يمر بها المؤمن في حياته هي حينما يقارن بين تعظيم الوحي لشأن اليقين وجعله أشرف منازل الدين، وبالمقابل يأتيك من يردد: (لا أحد يملك الحقيقة المطلقة)! برغم أن الحقيقة المطلقة في القرآن أصلاً!

المؤمنون يجاهدون أنفسهم ليوقنوا، وهؤلاء المساكين يجاهدون أنفسهم ليشكوا! كلما طالعت تراجم أئمة الدين رأيت تنافسهم في (اليقين)، وإذا رأيت كتابات بعض المتفلسفة رأيت التنافس في الشكوك والارتيابات والحيرة، فشتان بين الفريقين.

Footnotes

  1. سورة الرعد، الآية: 2. ↩

  2. سورة الأنعام، الآية: 75. ↩

  3. سورة المائدة، الآية: 50. ↩

  4. سورة الجاثية، الآية: 20. ↩

  5. سورة السجدة، الآية: 24. ↩

  6. سورة الروم، الآية: 60. ↩

  7. سورة سبأ، الآية: 39. ↩

  8. سورة البقرة، الآية: 186. ↩

  9. سورة الإسراء، الآية: 82. ↩

  10. سورة آل عمران، الآية: 110. ↩

  11. سورة آل عمران، الآية: 139. ↩

  12. سورة النساء، الآية: 34. ↩

  13. سورة النور، الآية: 55. ↩

  14. سورة النساء، الآية: 87. ↩

  15. سورة النساء، الآية: 122. ↩

  16. سورة الروم، الآية: 6. ↩

  17. سورة يونس، الآية: 55. ↩

  18. سورة الروم، الآية: 60. ↩

شروحات وبرامج عن «رقائق القرآن»

شروحات أخرى للكتاب9

بطاقة الاقتباس

حد البطاقة 340 حرفًا، بما فيها المسافات. يُختصر التحديد تلقائيًا عند فتح المعاينة.

حرفًا

المعاينة ستظهر هنا

أبلغ عن خطأ