تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة أبو عمر

رقائق القرآن

فضل الصخور على القلوب

نُسخت من مصدر نصيالصفحات 54-66 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 8 دقائق

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابرقائق القرآن

نعرف جيداً من خلال تجاربنا اليومية أن إيماننا في قلوبنا يمر بحالات متفاوتة، بل شديدة التفاوت.

تارةً نشعر بدفء الإيمان في قلوبنا يتصاعد، فيرقُّ القلب ويلين ويخفّ ويرفرف، فتنيب النفوس وتذعن، حتى نجد في نفوسنا اندفاعاً لافتاً للعمل الصالح، ونفوراً من المعصية. وتاراتٍ أخرى نشعر بالإيمان في نفوسنا يتبلد، ويفتر، حتى نجد من استثقال الطاعات والتكاسل عنها ما يشعرك أنك مكبل، كأنك تمشي في قيود، تستوعر الخطى.

هذه أحاسيس لا يكاد يخلو أحدنا منها، لكن إلى أي مدى يا ترى يقسو القلب ويتجمد الإيمان فيه؟ ما هي أدنى مراحل يبوسة القلب؟

تخيل ما شئت من هذه المراحل والصفات لقسوة القلب، ثم استمع إلى تصوير القرآن لحالة محزنة مخيفة من حالات قسوة القلب، يقول الله جل وعلا: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ 1.

إنه ليس كالحجارة فقط، بل قد يكون كما تصوّر الآية «أشد قسوة»! بالله عليك! هل تتخيل قلباً أقسى من الصخر؟

بل إن الله تعالى ذكر فضل الحجر على بعض القلوب، في صورة يتصبب المؤمن منها حرجاً! حيث تستكمل الآية التصوير: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ 2.

كم هي مقارنة موجعة! الله تعالى يذكر فضل وتميز الصخور على بعض قلوب بني آدم! فيذكر من فضائل الصخور أنها من لينها ومطاوعتها تنشق لينفسح من بين جوانحها الماء المتدفق، أو تهبط وتتردى كأنما خضعت وتذللت ..

حتى إن إمام التفسير في زمانه قتادة بن دعامة السدوسي (ت118 هـ) لاحظ هذه المقارنة القرآنية بين الصخور وبعض قلوب بني آدم، فعلّق تعليقاً بديعاً قال فيه: «عَذَر الله الحجارة، ولم يعذر شقيّ بني آدم»!

ولكن ما الذي يحدث إذا قسا القلب؟ ما الآثار التي تستتبع هجوم قسوة القلب؟ الحقيقة أن القلب إذا قسا خسر القدرة على الاتصال بالله سبحانه وتعالى، ومناجاته، والتشرف بالانطراح بين يديه. وهذه اللحظات التي يتقلب فيها القلب بين يدي الله هي من أرقى وأجمل وألذ لحظات الدنيا ..

بل إن الله تعالى يقدّر على العباد كوارث كونية يريد منهم أن تدفعهم للتعلق بالله ومناجاته والتضرع له، ولكن من ابتلي بقسوة القلب يفلس في الوصول إلى هذه اللحظات الراقية المشرقة، كما يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَاسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَاسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ 3.

أي شؤم لقسوة القلب إذ يتسبب في مضادة أمر الله!

الله يقدّر المرض والمجاعة والحروب والفقر، يريد من العبد أن يرتفع ويتشرف باللجوء إلى الله، والتضرع له، والتمرغ فوق تراب العبودية، وتعفير الوجه بذل الإخبات، ولكن قسوة القلب تكبل العبد فلا يصعد لهذه المنزلة العظيمة.

تأمل مرةً أخرى الآية الكريمة: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَاسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. وهل يقف أمر (قسوة القلب) عند الحرمان من مقامات الإيمان الرفيعة كالتضرع لله؟

لا، طبعاً، بل هناك ما هو أفظع من ذلك، وهو أن المرء إذا قسا قلبه فقصّر في طاعة الله، بدأ يلتمس لنفسه المخارج بتأويل النصوص لتوافق هواه، فتراه يدس رأسه في مسائل الخلاف يبحث عن القول الذي يوافق تقصيره، ويحني رماح النصوص كي لا تصيبه، أو يلوي أعناقها لتعزز مساره، كما قال الله تعالى في وصف تأثير قسوة القلب على تحريف النصوص: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ 4.

ولذلك فإن الله بحكمته البديعة جعل النصوص مواضع مشتبهة، ومكّن الشيطان من الإغواء كوناً وقدراً، فيلقي الشيطان أمام قلوب الناس لذائذ الشبهات، وكلاليب الحيل والمكايد، فلا يصبر ويسلّم للنصوص ويترك مواضع الاشتباه إلا من رقت قلوبهم بالإيمان، ولا يطيش عقله أمام هذه النصوص فيتخذها تُكأة لتقصيره إلا من قسا قلبه، كما قال الله تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ 5.

وقد يتصور كثيرٌ من الناس أن (قسوة القلب) مجرد سبب للمعصية، ويغفل الكثيرون عن أن (قسوة القلب) قد تكون نتيجة وعقوبة من الله على المعصية ذاتها، فيعاقب الله العبد إذا عصاه بأن يسلط عليه قسوة القلب، كما قال الله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ 6.

وكون الله سبحانه يعاقب على الذنب بالذنب، وينكّل بالخطيئة على الخطيئة، هذا معنى له نظائر في كتاب الله كقول الله تعالى: … ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ … حَلِيمٌ﴾ 7.

وقول الله سبحانه: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ 8. وقول الله عز وجل: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ … مَرَضًا﴾ 9.

فانظر كيف ينتقم الله من الزيغ بالزيغ، ويعذب على مرض القلب بزيادته، ويجازي على الذنب بضعف العبد في حالات الشدة؟! وهكذا فإن الله يعاقب على قسوة القلب إذا لم يداوها المرء بمزيد من قسوة القلب، كما قال الله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ 10.

ربما لا يختلف مسلمان في بشاعة قسوة القلب، ولكن السؤال الذي يسبق ذلك: كيف تقع (قسوة القلب)؟ كيف ينزف القلب إيمانه حتى يتيبس ويتدهور في هذه الحالة المرضيّة؟ الحقيقة أن قسوة القلب هي نتيجة طبيعية للمعاصي والخطايا بشكل عام، ولكن ثمة عامل له خصوصية في إنتاج قسوة القلب، وهو بكل اختصار: (بُعْدُ العهد عن ذكر الله) ..

لا أعرف سبباً يجفف القلب ويقسيه مثل الغفلة عن ذكر الله، ولا أعرف سبباً يحيي القلب وينيره فوراً مثل ذكر الله، وقد جاءت الإشارة في كتاب الله إلى هذه العلاقة بين بعد العهد عن الذكر وقسوة القلب.

يقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَانِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ 11.

فانظر كيف أن طول الأمد، وبعد العهد عن كتاب الله، أورثهم قسوة قلوبهم، وتنبيه القرآن لهذه الظاهرة التي وقعت في الأمم السابقة ليس للمتعة والتسلية التاريخية، وإنما لكي نتحاشاها ونستفيد من الدرس ..

ولاحظ هذه العلاقة -أيضاً- بين بعد العهد عن الذكر وقسوة القلب في قول الله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ 12.

والمعنى كما رجحه شيخ المفسرين ابن جرير الطبري - رحمه الله - أن قلوبهم قست ببعدهم عن ذكر الله، كما يقول ابن جرير: «يقول الله تعالى ذكره: فويل للذين جفت قلوبهم ونأت عن ذكر الله وأعرضت» 13.

حسناً، دعنا الآن نحاول أن نستجمع عناصر الصورة التي رسمها القرآن عن ظاهرة (قسوة القلب): أخبرنا الله أن بعض القلوب أشد قسوة من الحجارة: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ 14.

وأن قسوة القلب عقوبة ونكالٌ يرسله الله على من عصاه: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ 15. وأن قسوة القلب تحرم المرء من التضرع لله: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَاسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ 16. وأن القلوب القاسية هشة تنهار أمام الفتن: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ 17.

وأن قسوة القلب تنتج بسبب بعد العهد بالذكر: ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. ثم يختم المشهد بالتهديد الإلهي المروع لمن قسا قلبه عن ذكر الله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ 18.

إذا تمعن الباحث في هذا المشهد الذي شكّله القرآن حول ظاهرة (قسوة القلب) أدرك فوراً أن (قسوة القلب) يجب أن لا تكون شيئاً هامشياً في حياتنا، لقد منح القرآن اهتماماً واضحاً لهذه الظاهرة، فوصفها وشرح آثارها وأسبابها، وهدد صراحة من وقع فيها.

هل من اللائق أن يكون القرآن كثف الحديث عن (قسوة القلب) وآثاره المدمرة ثم تكون قسوة القلب مجرد حدث عابر في حياتنا، أو حالات عرضية لا نأبه لوقوعها وارتفاعها؟!

ما أكثر ما مررنا بحالات من (قسوة القلب)! وبكل صراحة: ماذا لو توفانا الله - لا سمح الله - على هذه الحالة؟ ماذا لو لقينا خالق السماوات والأرض ونحن في حالة (قسوة القلب) التي قال عنها: … ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ 19.

كم ستكون لحظة فاجعة!

لا خيار لنا في اتخاذ القرار العاجل والمبادرة بمداواة قلوبنا من هذه القسوة التي تداهمها. وقد أثبتت التجارب أن أنفذ الأدوية وأسرعها في معالجة قسوة القلب هو تلاوة وتدبر كلام الله سبحانه وتعالى .. كما في الآية الكريمة: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ 20.

وأخبرنا عن الأنبياء كيف يتأثرون بكلام الله، وتسيل عبراتهم: … ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ 21.

وأخبرنا الله عن بعض الصالحين من أهل الكتاب كيف تغرورق محاجرهم بالدموع إذا تلي عليهم القرآن: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ 22.

فإذا رأى متدبر القرآن كيف يصف الله القرآن بأنه تقشعر منه جلود المؤمنين، وتلين قلوبهم له، وكيف وصف الله سلسلة الأنبياء، وصالحي أهل الكتاب إذا استعبروا وذرفت مآقيهم الدموع خشيةً لكلام الله، أدرك أن هذا القرآن أنجع وسيلة تهز القلوب وتطير بها عن منحدرات القسوة وكهوف الرين ..

Footnotes

  1. سورة البقرة، الآية: 74. ↩

  2. سورة البقرة، الآية: 74. ↩

  3. سورة الأنعام، الآيتان: 43،42. ↩

  4. سورة المائدة، الآية: 13. ↩

  5. سورة الحج، الآية: 53. ↩

  6. سورة المائدة، الآية: 13. ↩

  7. سورة آل عمران، الآية: 155. ↩

  8. سورة الصف، الآية: 5. ↩

  9. سورة البقرة، الآية: 10. ↩

  10. سورة المائدة، الآية: 13. ↩

  11. سورة الحديد، الآية: 16. ↩

  12. سورة الزمر، الآية: 22. ↩

  13. تفسير الطبري: 20/ 190. ↩

  14. سورة البقرة، الآية: 74. ↩

  15. سورة المائدة، الآية: 13. ↩

  16. سورة الأنعام، الآية: 43. ↩

  17. سورة الحج، الآية: 53. ↩

  18. سورة الزمر، الآية: 22. ↩

  19. سورة الزمر، الآية: 22. ↩

  20. سورة الزمر، الآية: 23. ↩

  21. سورة مريم، الآية: 58. ↩

  22. سورة المائدة، الآية: 83. ↩

شروحات وبرامج عن «رقائق القرآن»

شروحات أخرى للكتاب9

بطاقة الاقتباس

حد البطاقة 340 حرفًا، بما فيها المسافات. يُختصر التحديد تلقائيًا عند فتح المعاينة.

حرفًا

المعاينة ستظهر هنا

أبلغ عن خطأ