المخارج الفقهية لأزمة الإسكان
الفتوى الأولى: إيجاب الزكاة على العقار
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
نُشِرت في الصحف، وبكثافة؛ دعوات مختلفة إلى إيجاب الزكاة شرعاً على العقارات، وهذه الدعوات مختلفة متفاوتة في ضبط ذلك، فبعضهم يطلق ويدعو لكون العقار برأسه وعاءً زكوياً، وبعضهم يقيد الزكاة بالعقارات الشاسعة، وبعضهم يقيد زكاة العقار بما هو داخل النطاق العمراني، وبعضهم يقيد زكاة العقار بما غلب على الظن اتخاذه للتجارة، وغير ذلك من القيود، وهي متفاوتة أشد التفاوت، ولا يسوغ رصُّها فوق رف واحد.
وفي تقديري أن هذا الرأي فيه إشكالات كبيرة، وخصوصاً الرأي الذي يطلق كون العقار محلاً للزكاة، وهو رأي منتشر في الصحف، ومن أهم هذه الإشكالات:
أنه لا يوجد أي قول في الفقه الإسلامي كله، ولا في أي مذهب من المذاهب، لا المشهورة ولا المندثرة، جعل العقار برأسه من الأموال الزكوية، وإنما الأوعية الزكوية -في حصيلة أوسع المذاهب- هي: الحيوانات الزكوية (بهيمة الأنعام، وفي الخيل خلاف) ، والأثمان، وعروض التجارة، والخارج من الأرض (ويدخل فيه الزروع والثمار على خلاف في علتها، والمعادن، والركاز) ، والمستغلات، والعسل، والخارج من البحر عند أبي يوسف. هذه تقريباً الأوعية الزكوية في حصيلة أوسع المذاهب، ولم يدر بخلد فقيه واحد طوال خمسة عشر قرناً أن يكون “العقار” برأسه وعاءً زكوياً؟!
وسأذكر هاهنا نماذج فقهية لتنصيص الفقهاء على أن العقار ليس وعاءً زكوياً بذاته:
قال البابرتي الحنفي (الأموال التي لا تجب في جنسها الزكاة كالعقار) [العناية:7/ 135] .
وقال القرافي المالكي (ويدل على اعتباره إسقاط الزكاة عن العقار) [الذخيرة:3/ 40] .
وقال النووي الشافعي (مما لا زكاة فيه كالعقار) [الروضة:2/ 198] .
وقال ابن قدامة الحنبلي (ما لا تجب فيه الزكاة كالعقار) [الشرح الكبير: 7/ 213] .
فكما يرى القارئ إطباق المذاهب الأربعة لأهل السنة على أن العقار ليس مالاً زكوياً بذاته، وليس وعاءً زكوياً بأصل الوضع الشرعي، وهذه مجرد نماذج وأمثلة فقط، والشواهد كثيرة جداً، وسبب غزارة الشواهد في هذا الموضوع أن الفقهاء يكثرون من الإشارة إلى كون العقار ليس مالاً زكوياً في ثنايا معالجاتهم لمسائل الزكاة، مثل مسألة النماء فيمثلون لغير النامي الذي لا زكاة فيه بالعقار، ومسألة الغنى المانع للزكاة فيناقشون مالو ملك مالاً غير زكوي كالعقار، ونحو هذه المسائل، وكثرة إحالة الفقهاء لـ (عدم زكوية العقار) والتمثيل به والقياس عليه يعطي مؤشراً حاسماً على استقرار هذه المسألة عندهم حتى غدت كالأصل المتفق عليه الذي يحال إليه لثبوته، وهذا أعمق دلالةً من مجرد النص عليها في آحاد المسائل، إذ يتعزز اليقين بالمسألة بتوارد التأكيد عليها، كتعزز الخبر بتوارد طرقه، فهذه في الدلالة كهذا في الثبوت. ولذلك تلاحظ أن غالب القواعد الفقهية إنما استمدت من كثرة تعليلات الفروع بها، فالتعليلات ينبوع القواعد، وكلما كثر التعليل بمفهوم معين انتقل بحسب الكثرة من كونه ضابطاً إلى قاعدة عامة إلى قاعدة كبرى من القواعد الخمس، والمراد أن كثرة الإحالة دليل الاستقرار.
فمن زعم أن “العقار” برأسه محلٌ للزكاة، ووعاء زكوي بذاته؛ فهذا قول في غاية الشذوذ والنكارة، مخالف للنصوص والفقه الإسلامي بجميع مذاهبه وأقواله، وهذه أخبار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن أحكام الزكاة قد جمعتها دوواين الأحكام المتخصصة كالبيهقي والمنتقى والتقريب والمحرر والبلوغ وغيرها، فمن وجد نصاً صحيحاً أو فيه ضعف، يجعل العقار برأسه محلاً للزكاة فليسعفنا به، وهذه كتب الفقه المقارن والمذهبي فمن وجد قولاً فقهياً، مشهوراً أو مندثراً، يجعل العقار برأسه مالاً زكوياً فليفدنا به مشكوراً.
والمراد أنه لم يأتِ بجعل العقار مالاً زكوياً: نص، ولا أثر، ولا قول فقهي، فيما أعلم، فكيف يتحدث بعضهم بإطلاق عن جواز أخذ الزكاة من العقار؟ وهل صارت الزكاة ركن الإسلام الثالث تؤخذ أحكامها بالاستحسانات الذوقية المحضة؟ وهل صارت العبادات التوقيفية يخوض فيها الخائضون هكذا بالآراء المرسلة؟ أهكذا منزلة دين الله في النفوس؟! كيف ينسب هذا الحكم لدين الله وليس في دين الله بينة على ذلك؟ والله يقول (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ) [الزمر:60] . بل قال الله جل وعلا لنبيه أشرف الخلق وأصدقهم وأعظمهم أداءً لأمانة البلاغ (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ) [الحاقة:46] ولم يخاطب الله نبيه بهذه اللغة إلا لخطورة المقام ولبيان هيبته.
وأما الصحيح في المسألة فهو التمييز والتقسيم الذي هو محصل كلام الفقهاء، وهو الذي لا إشكال فيه عندهم، وهو التمييز بين (عقار القنية) و (عقار التجارة) ، فعقار القنية الذي يستعمله الإنسان لمصلحته الشخصية عاجلةً أو آجلة فهذا لا زكاة فيه بإجماع أهل الإسلام لا يعرف فيهم مخالف فيما أعلم، وأما عقار التجارة الذي هو كما جاء في حديث سمرة في السنن (مما نعده للبيع) ، أي الذي ينوي به صاحبه التجارة وتربص الأسعار وتقليبه للبيع؛ فهذا لا إشكال في وجوب الزكاة فيه عند جماهير الفقهاء، سواء كان العقار متراً أم مدينةً كاملة، على خلاف في بعض تفاصيل العروض كزمن النية ومصدر الملكية، وعلى خلاف مع الظاهرية في أصل زكاة العروض وغيرها، وليس هذا محل تفصيلها، المهم أن المشهور المعروف بين الفقهاء هو وجوب إخراج الزكاة في عقار التجارة.
ومن أطلق القول في وجوب زكاة العقار فقد أدخل (عقار القنية) في الزكاة، فخالف إجماع الفقهاء، واختلق من عند نفسه وعاءً زكوياً لم تأت به النصوص صحيحها وضعيفها، وخاض في ركن من أركان الإسلام الخمسة بغير علم، وتقول على الله سبحانه وتعالى في باب تعبدي توقيفي عظيم.
وأما من قيد القول بأنه الواجب هو إخراج الزكاة من (عقار التجارة) فقط؛ فهذا لا جديد فيه أصلاً، وهو الذي عليه جماهير الفقهاء، بل هو المفتى به عندنا في بلدنا، فكيف يطالب البعض بإصدار فتوى فيه، فإصدار فتوى بوجوب الزكاة في عقار التجارة من تحصيل الحاصل.
وسأنقل نماذج فقهية على تقرير المذاهب الأربعة لكون عقار التجارة تجب فيه الزكاة:
قال السمرقندي الحنفي (كل ما كان من أموال التجارة، كائنا ما كان من العروض والعقار وغيرها؛ تجب فيه الزكاة) [تحفة الفقهاء:1/ 271] .
وقال المنوفي المالكي (العروض المراد بها في هذا الباب الرقيق والعقار والرباع والثياب .. ، وهي إما للقنية ولا زكاة فيها اتفاقا، وإما للتجارة ففيها الزكاة اتفاقا) [كفاية الطالب: 1/ 482] وقال ابن قدامة الحنبلي (العروض جمع عرض، وهو غير الاثمان من المال على اختلاف أنواعه؛ من الحيوان والعقار والثياب وسائر المال، والزكاة واجبة فيها في قول أكثر أهل العلم، قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن في العروض التي يراد بها التجارة الزكاة) [الشرح الكبير:7/ 51] .
وهكذا فمن المقرر في المذاهب الأربعة أن العقار إذا نوى به صاحبه التجارة وجبت فيه الزكاة، لا باعتباره عقاراً، بل باعتباره عرض تجارة، ولذلك تجب الزكاة فيه عندهم في قيمته لا في عينه، كما يقرره الفقهاء كثيراً، ولهذا آثار ليس هذا محل عرضها.
والتمييز بين (عقار القنية) و (عقار التجارة) من التمييزات الأساسية في فقه الزكاة، وهي من التصورات التي يستعملها العلم نصاً أو معنى، ومن ذلك قول العيني (وأراد بالمال مال التجارة، كالنقدين، وعروض التجارة، وعقار التجارة، وغيرها من أموال التجارة،) [البناية:3/ 366] . وقال الحجاوي (أو كان لعقار التجارة وعبيدها أجرة) [الإقناع:1/ 277] . وقال الخرشي (غالب ما يراد له العقار القنية) [الشرح الكبير:5/ 87] . وقال المنوفي عن العروض (وهي إما للقنية ولا زكاة فيها اتفاقا، وإما للتجارة ففيها الزكاة اتفاقا) [كفاية الطالب: 1/ 482] .
وهذا يؤكد أن فكرة (العقارات التجارية) لم تكن غائبة عن الفقهاء الأوائل، حتى أنهم اختلفوا خلافاً مشهوراً في الأرض العشرية التي اجتمع فيها حقان الخارج من الأرض والتجارة، وليس هذا موضع تفصيل خلافهم.
وما قرره الفقهاء من التمييز بين عقار القنية المعد للانتفاع الشخصي، العاجل أو الآجل، الكثير أو القليل، وعقار التجارة، الذي أعد للبيع بالنية، وأن عقار التجارة فيه الزكاة، وعقار القنية لا زكاة فيه، هو عين ما قررته اللجنة الدائمة في فتاوى كثيرة، وسأنقل منها هذه المقتطفات:
أفتت اللجنة الدائمة بأنه (إذا تملك الشخص العقار بنية التجارة، سواء كان العقار مشتركاً مشاعاً، أو مملوكا له بكامله؛ فإن حكمه حكم عروض التجارة، تجب الزكاة في قيمته) [اللجنة الدائمة برئاسة ابن باز، مج 1، ص 9/ 325] .
كما أفتت اللجنة الدائمة بقولها (ما كان من العقارات معروض للبيع فإنها تجب الزكاة فيه، ولو لم يكن لدى المكاتب العقارية) [اللجنة الدائمة برئاسة ابن باز: مج 2، ص 8/ 128] .
بينما أخرجت اللجنة عقار القنية من ذلك فأفتت بقولها (وأما العقار فلا زكاة فيه إذا كان لغير التجارة) [اللجنة الدائمة برئاسة ابن باز، مج 1، ص 9/ 305] .
فها أنت ترى أن اللجنة الدائمة برئاسة ابن باز قررت صراحة، وفي مواضع كثيرة؛ بأن عقار التجارة فيه الزكاة، فلا أدري لماذا يطالب البعض بإصدار فتوى في وجوب الزكاة في العقار؟! إن كان يقصد عقار التجارة فالفتوى موجودة وقديمة ومتكررة فالمطالبة بها تحصيل حاصل! وأما إن كان يريد المطالب زيادة على ما قرره الفقهاء بأن تكون الزكاة لا صلة لها بنية التجارة، فتفرض الزكاة على عقار القنية فهذا في غاية الشذوذ والمصادمة للنصوص الشرعية والفقه الإسلامي.
وللشيخ المتفنن بكر ابو زيد -تغمده الله بواسع رحمته- رسالة معروفة مطبوعة مفردة اسمها (فتوى جامعة في زكاة العقار) قرر فيها هذين النوعين، وزيادة فروع كثيرة، ومنها قوله (القسم الأول: عقار تجب فيه الزكاة: وهو نوع واحد: وهو العقار المعد للبيع) [فتوى جامعة:7] . ثم ذكر النوع الآخر بقوله (العقار المعد للقنية، كأرض أو دار للسكن، أو للفلاحة، أو مستراحاً؛ فلا زكاة فيه) [فتوى جامعة:25] وفي الرسالة فروع ومسائل لطيفة جداً في صور العقار، مثل مسائل المخططات المتعثرة، وغيرها.
ويظن بعض الناس أن موضوع الزكاة يقاس بالكثرة والقلة، وهذا خطأ، الزكاة عبادة توقيفية أموالها منصوصة، وبقية الأموال غير المنصوصة فيها الصدقة والهدية والهبة وغيرها، ولا يجوز لأحد كائناً من كان أن يوجب الزكاة فيها من عند نفسه بلا موجب شرعي.
وإذا تأمل طالب العلم مسائل الزكاة أدرك أنه كثيراً من مسائلها لا علاقة لها بالكثرة والقلة، وسأضرب لذلك أمثلةً: فمن ذلك أن الذهب والفضة تجب فيهما الزكاة، حتى لو كانت كميتهما يسيرة إذا بلغتا النصاب، بينما الجواهر الثمينة كالألماس واللؤلؤ والزمرد والمرجان الخ، لا تجب فيها الزكاة بعينها حتى لو كانت بالملايين! وحتى لو كانت قيمتها أعلى من الذهب والفضة فلا زكاة فيها بالاتفاق.
وكذلك لو كان لدى شخص ثري عشرون سيارةً فارهةً أعدها للاستعمال الشخصي فلا زكاة فيها، ولو كان لدى جاره مستور الحال دراجة نارية أعدها للتجارة فعليه الزكاة فيها. وهذا باتفاق الفقهاء، فليست العبرة بالكثرة والقلة، بل العبرة بالنصوص الشرعية في موضوع الزكاة لأنها عبادة توقيفية.
وقد نبه الجويني في عبارة بديعة على انفكاك العلاقة بين (كثرة العقار) و (الزكاة) ، وأن الزكاة محددة في (أموال معينة) وليست بحسب الكثرة والقلة، حيث يقول الجويني:
(ونشترط في الزكاة أموالاً مخصوصة، حتى لو ملك الرجل من العقار أموالاً لها مقدارٌ في النفوس، فلا تستوجب الزكاة) [نهاية المطلب:16/ 517] .
وتزداد نكارة وشذوذ فكرة تعميم الزكاة في العقار إذا استحضر طالب العلم ضيق عروض التجارة عند جماهير الفقهاء، حيث هي مقيدة عندهم بقيدين حاصرين: (زمن النية) و (مصدر الملكية) ، حيث أن جمهور الفقهاء في المذاهب الأربعة اشترطوا ابتداء واستدامة نية التجارة! بمعنى أنه إذا اشترى العرض كالعقار مثلاً للقنية، ثم نواه للتجارة، فلا يصبح عرضاً عندهم، وقد خالف في ذلك الأقل، والراجح هو أنه يكون عرضاً وهو اختيار ابن عثيمين، لكنني أردت فقط بيان ضيق العروض عند جماهير الفقهاء.
وكذلك ضيقوه بمصدر الملكية، فاشترط جمهور الفقهاء في المذاهب الأربعة أن يتملك العرض بفعله، كالبيع، أما إذا آل إليه بالإرث مثلاً فلا زكاة فيه عندهم ولا يكون عروض تجارة. وهذا أيضاً مرجوح والصحيح أنه عروض بالنية بقطع النظر عن مصدر الملك، والمقصود فقط هو بيان ضيق العروض عند الفقهاء وخصوصاً إذا انضاف إلى ذلك استحضار رأي الظاهرية ومن تبعهم من أهل الحديث المعاصرين في سقوط زكوية العروض من أساسها لضعف حديث سمرة عندهم.
فإذا كانت عروض التجارة أصلاً وعاء زكوي ضيق عند جمهور الفقهاء، فكيف توجب الزكاة في العقار مطلقاً، سواء كان عقار تجارة أم عقار قنية دون تمييز؟!
ما سبق طبعاً هو مناقشة لخطورة القول الذي يطلق (زكاة العقار) في الإعلام المحلي دون انتباه إلى مصادمة هذا الإطلاق للنصوص وإجماعات فقهاء الإسلام.
وأما من يقيد زكاة العقار بالنطاق العمراني، فيجعل كل ما هو داخل النطاق العمراني تجب الزكاة فيه دون ما هو خارجه؛ فهذا أيضاً قول محدث في ركن من أركان الإسلام، ولا يعرف في الفقه الإسلامي قول بمثل هذا التفصيل في عبادة توقيفية!
وأما من يقيد زكاة العقار بحجم المساحة فهذا أيضاً قول محدث شاذ نص الفقهاء على بطلانه، كما ذكر الجويني حين قال (ونشترط في الزكاة أموالاً مخصوصة، حتى لو ملك الرجل من العقار أموالاً لها مقدارٌ في النفوس، فلا تستوجب الزكاة) [نهاية المطلب:16/ 517] . فلا يجوز الإحداث في عبادة شرعية عظيمة بتفصيلات تمليها الاحتياجات الإدارية! ومن زعم أن الله ورسوله أوجبا الزكاة على العقار إذا كان كبيراً فقد نسب لدين الله أمراً أعانه الله على السؤال عنه.
ويذكر بعضهم أن المساحة الشاسعة دليل أو قرينة ظاهرة على إرادة صاحبها التجارة في العقار، وهذا فيه نظر شديد، فإن أغراض الناس من امتلاك العقار الواسع لا ينحصر، فمن ذلك: أن بعضهم يشتري عقارات يريدها كضمانة لأبنائه وأحفاده، وهذا مرّ علي نماذج له.
وبعضهم يشتري عقارات كـ (وسيلة ادخار) بمعنى أنه يريدها أن تحفظ ماله من أن يبذره، وهذا غرض صحيح ليس من أغراض التجارة، وقد جاء في رسالة (ثمرات التدوين من مسائل ابن عثيمين) وهي الأسئلة التي وجهها الشيخ د. أحمد القاضي إلى فضيلة الإمام ابن عثيمين السؤال التالي وجوابه: (مسألة: سألت شيخنا رحمه الله: عمّن جعل ماله في أرض لا يريد بها تجارة، ولا إقامة بناء عليها أو زراعة، وإنما قال: تحفظ مالي، وإن احتجت إليها بعتها، فهل فيها زكاة؟ فأجاب: لا زكاة فيها) [ثمرات التدوين، م 220] .
وقد ذكر الشيخ ابن عثيمين صوراً من صور أغراض الناس في شراء العقارات والتي لا تدخل في قصد البيع، وذكر منها مقصد “شراء العقار لحفظ المال” ، فقال رحمه الله (الإنسان الذي عنده أرض نسأله أولاً: ماذا تريد بهذه الأرض؟ هل تريد أن تبقيها لتبني عليها مسكناً، أو تبني عليها مبنى للتأجير، أو تريد أن تحفظها وتقول: إن احتجت بعتها وإلا أبقيتها، أو تقول: اشتريت الأرض لأحفظ دراهمي، لأنني رجل أخرق لو بقيت الدراهم في يدي لضاعت، ولكني أحفظ دراهمي بهذه الأرض، ولا أقصد الفرار من الزكاة، فإذا كان يريد هذه الأمور: فالأرض لا زكاة فيها) [مجموع فتاواه:18/ 229] وأصل ذلك أن زكاة عقار التجارة هي زكاة عروض، وزكاة العروض لا تجب إلا فيما كان “معداً للبيع” كما جاء عند أبي داود (كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأمرنا أن نخرج الزكاة مما نعده للبيع) ومقصد شراء الأرض لحفظ المال هذا ليس نية بيع وتكسب، بل هو من جنس الوديعة، ولذلك لو أن إنساناً اشترى أقمشة للتجارة لكان عليه فيها زكاة، لكنه لو وضعها عند رجل آخر وديعة ليحفظها له، لم يكن عليه فيها زكاة، وهكذا شراء الأرض بقصد حفظ المال فإنه من جنس الوديعة والاستئمان، وليس من جنس الإعداد للبيع والتكسب.
ومن قيّد زكاة العقار بما يغلب على الظن أن يكون صاحبه يعده للتجارة فهذا ضابط أيسر مما سبق، وأقرب للفقه، لأنه ربطه بنية التجارة، وإنما الاجتهاد في معرفة نية مالك العقار، ولكن هذا القول سيواجه إشكاليات عملية كبيرة في التطبيق، وستكون السلطة التقديرية فيه مجالاً لضمور العدالة والإنصاف، فربما تهرب بعض كبار ملاك العقار من النافذين والموسرين، وتحمل الزكاة المغلوبون على أمرهم لوحدهم! فتضاعفت المشكلة وزاد الاحتكار.
والمراد أن معالجة أزمة الإسكان من خلال باب الزكاة مدخل خاطئ بشكل قاتل، لأنه دخل من أضيق الأبواب الفقهية، وهي العبادات التوقيفية، بل هي الركن الثالث من أركان الإسلام الخمسة، ولذلك فإنه حتى لو سلمنا جدلاً بصحة هذا المدخل أساساً، فإنه يصعب الحراك داخل هذا الحل، لأن النسبة مقررة سلفاً في قيمتها (ربع العشر) ولا يمكن التصرف فيها زيادةً ونقصاً بحسب موقع الأرض مثلاً! ومقررة سلفاً في زمنها فلا يمكن التحكم في وقتها، بل يجب أن تكون حولاً سنوياً بالشهور القمرية، فمدخل الزكاة في أزمة الإسكان هو أسوأ مدخل طرُح، وأقبح فكرة رأيتها في هذه المشكلة العويصة، وترتب عليه الخوض في أحكام عبادة عظيمة بالجهل والرأي والاستحسان الذوقي المحض.
وإذا استمرأنا هذا المبدأ وهو معالجة أزمات التنمية من خلال التصرف ببلادة حس بأركان الإسلام وعباداته الكبرى التوقيفية، فيمكن للمرء أيضاً أن يقول على نفس هذا النسق:
نحن نعاني من أزمة مياه، فيجب إصدار فتاوى ريادية بتقليص مرات الوضوء، وإلغاء بعض حالات الغسل في الشريعة!
ويقال أيضاً: نحن نعاني من أزمة مرور واكتظاظ الطرق، فنحتاج لفتاوى مبدعة تعدل بعض مواقيت الصلاة لتتناسب مع مواعيد الدراسة والعمل!
ويقال أيضاً: الدوائر الحكومية يتعثر أداؤها في شهر رمضان، فنحتاج فتاوى تقدمية تجيز تناول بعض المرطبات مثلاً لتعزيز أداء الموظف!
ويقال أيضاً: المسلمون الذين يريدون الحج كثيرون وتزدحم بهم فجاج مكة ومشاعرها، فنحتاج لفتوى سابقة لعصرها تعدل مواعيد وأماكن المناسك وتوزعها بشكل هندسي جديد!
وهكذا إذا دخل المرء في أحكام العبادات التوقيفية ليحل أزمات التنمية انفتح باب العبث بالشريعة وتبديل الأحكام.
حسناً .. ما سبق كان مناقشة لفكرة الفتوى الأولى وهي إيجاب الزكاة على العقار، سننتقل الآن إلى الفتاوى الثلاث الأخرى (الرسوم، التسعير، حظر الاحتكار) ومن المهم التنبيه إلى أن هناك فارق جوهري بين مسألة الزكاة، ومسائل (الرسوم، التسعير، حظر الاحتكار) ، فالزكاة تنتمي إلى باب (التوقيفيات) ، وأما المسائل الثلاث الأخرى فتنتمي إلى باب (السياسة الشرعية) ، وباب التوقيفيات باب محسوم بالنصوص، بخلاف باب السياسة الشرعية المبني على المصلحة.