المخارج الفقهية لأزمة الإسكان
الفتوى الثالثة: فتوى التسعير العقاري
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
التسعير هو أحد الإجراءات داخل حقل السياسة الشرعية، وهو بكل اختصار: تدخل الدولة في التحكم بالأسعار، أو كما قال البهوتي في شرح المنتهى (منع الناس البيع بزيادة على ثمن يقدره) .
والتسعير في الفكر الاقتصادي الحديث (Price controls) له آليتين شهيريتين، أولهما: السقف السعري (Price ceiling) وثانيهما: الأرضية السعرية (Price Floor) ، فأما السقف السعري فهو الذي يحدد السعر القانوني الأعلى للسلعة بحيث يحظر البيع بزيادة عليه، وأما الأرضية السعرية فهي التي تحدد السعر القانوني الأدنى للسلعة بحيث يحظر البيع بسعر أدنى منه، وكلاهما له وظيفة اقتصادية معينة، وكلاهما مرتبطان بسعر التوازن. انظر -مثلاً- حول مفهوم التسعير وأنواعه:
] Gwartney, et al,Economics: Private and Public Choice, p. 85 [
وكلا الآليتان -أيضاً- جاءت الإشارة إليهما في السنة والآثار، وكانتا معروفتان في أسواق المدينة النبوية، فأما السقف السعري ففي السنن (قال الناس يا رسول الله غلا السعر فسعر لنا) [ابوداود:3453] . فطالب الصحابة بوضع سقف أعلى للأسعار.
وأما الأرضية السعرية فقد روى مالك قال (أن عمر بن الخطاب مر بحاطب بن أبي بلتعة وهو يبيع زبيباً له بالسوق، فقال له عمر بن الخطاب: “إما أن تزيد في السعر، وإما أن ترفع من سوقنا” ) [الموطأ:1328] . فوضع عمر حداً أدنى للأسعار لحفظ التوازن.
وهناك فارق جوهري في مسألة التسعير لا يتنبه له كثير من الباحثين، وهو الفرق بين مسألة (الأصل العام في التسعير) ومسألة (التسعير للمصلحة الراجحة) والخلط بينهما أوحى بندرة من يرى مشروعية التسعير، حتى ظن كثير من الباحثين أن القائلين بمشروعية التسعير للمصلحة هم قلة من الفقهاء! ونبه على الفرق بين المرتبتين كثيرٌ من أهل العلم، ومن أوضحها تنبيه الجويني في نهاية المطلب (6/ 63) .
والمراد أن الأصل في الدولة المسلمة أن لا تتدخل في الأسعار، وهذا هو قول المذاهب الأربعة لأهل السنة، وهو قول مشهور معروف، وقد احتجوا بالحديث الصحيح الصريح عن أنس (قال الناس: يا رسول الله غلا السعر فسعِّر لنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال») [ابوداود:3451] . وقد صححه جمع من أهل العلم واعتمدوا عليه.
ومن أعظم وجوه الدلالة في الحديث هو تعليل النبي الامتناع بأنه “ظلم” فهذا دالٌ على أن تدخل الدولة في الأسعار من حيث الأصل ظلم، فإذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يبين أنه ليس له حق التدخل في الأسعار، فكيف بمن دون النبي من ولاة الأمور؟!
وأما المرتبة الثانية فهي (التسعير للمصلحة الراجحة) كأن يكون هناك قحط أو جدب أو ضرر ونحوها، فهذه ذهب كثير من الفقهاء في المذاهب الأربعة إلى جواز التسعير فيها، ومن نماذج الشواهد الفقهية على ذلك:
عند الحنفية (يحرم التسعير إلا إذا تعين دفعا للضرر العام) [التحفة:235] .
وعند المالكية (ومن زاد في سعر أُخرِج من سوق المسلمين إلا أن يلحق بالناس) [التلقين:2/ 152] .
وعند بعض الشافعية (ليس للإمام التسعير في رخاء الأسعار وسكون الأسواق، فأما إذا غلت الأسعار، واضطر الناس، فهل يجوز للإمام أن يسعّر؟ فيه وجهان مشهوران: أحدهما: المنع طرداً للقياس الكلي. والثاني: الجواز نظراً إلى مصلحة العامة) [نهاية المطلب:6/ 63] وعند بعض الحنابلة (ويحرم قوله “بِع كالناس” على الصحيح من المذهب، وفيه وجه: لا يحرم) [الإنصاف:4/ 338] .
وهذا القول بمشروعية التسعير للمصلحة الراجحة اختاره ونصره واحتج له الإمام ابن تيمية، وهو اختيار كثير من مشايخنا المعاصرين.
ولكن الإمام ابن تيمية يفرق تفريقاً دقيقاً يجعله هو الفارق بين التسعير المحرم الذي جاء فيه حديث (إن الله هو المسعر) ، والتسعير المشروع الذي جاء به أثر عمر (إما أن تزيد في السعر، وإما أن ترفع من سوقنا) ، وهذا الفارق عند ابن تيمية هو “سبب الغلاء” نفسه، حيث يقول ابن تيمية:
(فإذا كان الناس يبيعون سلعهم على الوجه المعروف من غير ظلم منهم وقد ارتفع السعر إما لقلة الشيء وإما لكثرة الخلق؛ فهذا إلى الله، فإلزام الخلق أن يبيعوا بقيمة بعينها إكراه بغير حق. وأما الثاني: فمثل أن يمتنع أرباب السلع من بيعها مع ضرورة الناس إليها إلا بزيادة على القيمة المعروفة؛ فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل، ولا معنى للتسعير إلا إلزامهم بقيمة المثل، فيجب أن يلتزموا بما ألزمهم الله به) [الفتاوى:28/ 76] .
وأشار ابن تيمية إلى قياس هام، وهو أن الشريعة منعت الإكراه في البيع، ومع ذلك يجوز الإكراه على البيع بحق، يقول ابن تيمية (وهذا واجب في مواضع كثيرة من الشريعة؛ فإنه كما أن الإكراه على البيع لا يجوز إلا بحق؛ يجوز الإكراه على البيع بحق في مواضع مثل بيع المال لقضاء الدين الواجب، والنفقة الواجبة) [الفتاوى:28/ 77] .
واللافت هاهنا أن ابن تيمية نقل الإجماع على مشروعية بعض صور التسعير، وهي صورة الاضطرار والإلزام بثمن المثل، فقال مرةً (بلا تردد في ذلك عند أحد من العلماء) وقال مرةً (فالتسعير في مثل هذا واجب بلا نزاع) [الفتاوى:28/ 77] .
وذكر الإمام ابن تيمية أن التسعير على نوعين (تسعير في الأعمال) و (تسعير في الأموال) [الفتاوى:28/ 87] . والفرق بينهما هو الفرق بين التسعير في الأجور (الحد الأدنى للأجور) ، والتسعير في السلع.
وأجاب الإمام ابن تيمية على قول من منع التسعير مطلقاً محتجاً بالحديث بقوله (ومن منع التسعير مطلقا محتجا بقول النبي -صلى الله عليه وسلم- “إن الله هو المسعر” ؛ فقد غلط، فإن هذه قضية معينة، ليست لفظاً عاماً، وليس فيها أن أحداً امتنع من بيع يجب عليه، أو عمل يجب عليه، أو طلب في ذلك أكثر من عوض المثل) [الفتاوى:28/ 95] .
وتلاحظ في هذه المعالجة التي يستعرضها ابن تيمية أنه يشير للأحوال التي يجوز فيها التسعير وأنها لم تقع في سبب ورود الحديث، والأحوال عنده: الامتناع من بيع السلعة، أو المطالبة بأكثر من ثمن المثل.
والخلاصة من هذه المعالجات الفقهية أن (التسعير للمصلحة الراجحة) مشروع إذا امتنع الباعة أو طالبوا بأكثر من ثمن المثل، وهو اختيار مشايخنا المعاصرين.
قال الشيخ محمد بن ابراهيم -تغمده الله برحماته- (التسعير جائز بشرطين: أحدهما: أن يكون التسعير فيما حاجته عامة لجميع الناس. والثاني: ألا يكون سبب الغلاء قلة العرض أو كثرة الطلب) [فتاواه:7/ 71] . ومقصود الشيخ بقلة العرض أي قلة المعروض من أصله، لا حالة قلة العرض بسبب امتناع الملاك، كما يوضحه كلامه في نفس الموضع، وناقش الشيخ في نفس الموضع التسعير على أجور العقار بناءً على الشرطين الذين ذكرهما.
وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة برئاسة ابن باز:
(إذا تواطأ الباعة -مثلاً- من تجار ونحوهم، على رفع أسعار ما لديهم أثرةً منهم، فلولي الأمر تحديد سعر عادل للمبيعات مثلا، إقامة للعدل بين البائعين والمشترين، وبناء على القاعدة العامة، قاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد، وإن لم يحصل تواطؤ منهم، وإنما ارتفع السعر بسبب كثرة الطلب وقلة العرض، دون احتيال، فليس لولي الأمر أن يحد السعر، بل يترك الرعية يرزق الله بعضهم من بعض، وعلى هذا فلا يجوز للتجار أن يرفعوا السعر زيادة عن المعتاد) [اللجنة الدائمة، مج 1،ص 13/ 185] .
وقال الشيخ ابن عثيمين:
(التسعير ينقسم إلى قسمين: 1 ـ قسم يلجأ إليه ولاة الأمور لظلم الناس واحتكارهم وهذا لا بأس به لأنه من السياسة الحسنة. 2 ـ أما إذا كان ارتفاع الأسعار ليس ناجماً عن ظلم، بل هو من الله عز وجل، إما لقلة الشيء أو لسبب من الأسباب التي تؤثر في الاقتصاد العام؛ فإن هذا لا يحل التسعير فيه، لأن هذا ليس إزالة ظلم هذا الشخص الذي رفع السعر، فإن الأمور بيد الله عز وجل) [فتاوى إسلامية:2/ 348] .
ومع اختلاف بعض التفصيلات؛ فإن الجمهور على أنه في حالة الضرر يجوز التسعير بثمن المثل، وهو الثمن العادل.
حسناً .. ما مضى هو في تقرير شرعية التسعير للمصلحة الراجحة، فما حكم (التسعير العقاري) ؟ أي التسعير على أمتار الأراضي؟ وهو الجانب التطبيقي للمسألة. الحقيقة أن الفتوى في هذه المسألة مبني على تقرير أهل الخبرة العقارية عن مدى جدوى التسعير العقاري في رفع الضرر الإسكاني عن الناس؟
والواقع أن أهل الخبرة العقارية مختلفون في مدى جدوى التسعير العقاري؛ فبعضهم يرى أن تسعير العقار في النطاق العمراني سيكبح جموح الأسعار، ويوفر الأرض لطالب البناء بسعر معقول.
وبعضهم يرى أن التسعير من أخطر الأدوات التي تضر بالاقتصاد، وأنه قد يدفع إلى تمسك الملاك بعقاراتهم زمناً طويلاً في انتظار زوال حقبة التسعير، أو يدفع للمحاباة، فإذا كان السعر ثابتاً وليس هو المؤثر، فستظهر المؤثرات الثانوية، فيصبح المالك يبيع العقار لقريب أو صديق أو ذي مصلحة، لأن السعر ثابت فدفعه لمن ينتفع بقرابته أو مصلحته أولى، كما يدفع التسعير إلى ظهور أسواق عقارية خفية (سوداء) يتم فيها البيع بأعلى من السعر الرسمي بحيث يصبح للأرض سعر رسمي (اسمي) وسعر فعلي (سوقي) ، فالسعر الفعلي هو الذي يتم التبادل على أساسه في الواقع، والسعر الاسمي على الورق فقط.
والملاحظ فعلاً أن الفكر الاقتصادي الحديث شديد النفور من آلية التسعير، ويدفع باتجاه تقييد تدخل الدولة قدر المستطاع، وهي حساسية مرت بتطورات تاريخية (التجاريين-الكلاسيكيين-الكينزية-ما بعد الكينزية) وليس هذا محل توضيحها، وإنما المهم أن التسعير عملية غير محبذة في الفكر الاقتصادي الحديث، حتى أن النوبلي “ميلتون فريدمان” (ت 2006 م) والذي حاز جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1976 م، يقول في كلمة طريفة متداولة:
(نحن الاقتصاديون لا نعرف الكثير، ولكننا نعرف كيف يمكن خلق العجز، على سبيل المثال: إذا أردت أن تخلق عجزاً في محصول الطماطم، فمرر فقط قانوناً يمنع بائع التجزئة من أن يبيع رطل الطماطم بأكثر من “سِنتين” ، وستجد فوراً عجزاً في محصول الطماطم) [LAT,1977] .
وميلتون فريدمان ليس شخصية عادية في علم الاقتصاد، بل يعتبره بعض مؤرخي الفكر الاقتصادي “الشخصية الأكثر نفوذاً في النصف الثاني من القرن العشرين” (جالبريث: ص 300) .
على أية حال .. ليس لي وجهة نظر شخصية في مسألة جدوى التسعير العقاري لحل أزمة الإسكان، فهذه متروكة لأهل الخبرة العقارية، وغاية ما يمكن أن يصله البحث الفقهي في هذه المسألة هو تقرير مشروعية التسعير العقاري من حيث الأصل، فإذا قرر أهل الخبرة رجحان المصلحة في ذلك ساغ إصدار القرار الرسمي.