المخارج الفقهية لأزمة الإسكان
فتوى إيجاب الرسوم على العقار
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
الرسوم هي نوع من الضريبة، وإن كان يغلب في الاستعمال إطلاق الرسوم على مقابل الخدمات، وإطلاق الخراج لما يوضع على رقاب الأرض من حقوق تؤدى عنها، وإطلاق المكوس على ما يؤخذ على السلع ظلماً.
والواقع أن اعتبار ما يؤخذ على العقار “رسوم” فيه شيء من التجوز الاصطلاحي، لأن الرسوم تكون على الخدمات، وتكون المنفعة فيها لدافع الرسم نفسه، ويكون قرار الدفع من عدمه بيد المستفيد، بخلاف الضريبة، وتوجد مثل هذه الإشارة إلى التفريق الفني بين الضرائب (Taxes) والرسوم (Fees) بشكل تقليدي في كتب علم الضرائب والمالية العامة، انظر على سبيل المثال هذا التمييز الاصطلاحي بين الضريبة والرسم فيما يتعلق بالواقع السعودي في: المحاسبة الضريبية للمنيف وزملائه (ص 17) ، و نظام الزكاة وضريبة الدخل لفرهود وزميله (ص 9) ، ونظام الزكاة والضرائب للبنا (ص 15) ، وغيرها.
غني عن القول طبعاً أن هذه قضية اصطلاحية فنية غير مؤثرة، ودعنا نفحص الآن الحكم الفقهي لفرض الرسوم أو الضريبة على العقار:
هذه الضرائب والرسوم التي توضع على التجار يسميها الفقهاء الكلف السلطانية، أو الوظائف السلطانية، أو النوائب، والحقيقة أن هذه الضرائب أو الرسوم لم تكن معروفة في صدر الإسلام، فلم يكن يؤخذ من الناس إلا الفروض المالية الشرعية فقط، ولم تكن الدولة المسلمة تأخذ من أموال الناس قدراً إضافياً، حتى أن أبا عبيد (ت 224 هـ) في كتابه الأموال حين روى الأخبار في أول من وضع العشور في الإسلام، بين بالأسانيد أنه حتى هذه العشور لم تكن على المسلمين أصلاً، بل كانت على سبيل المقابلة بالمثل مع تجار الدول غير المسلمة، ثم قال ابو عبيد (إذا زاد في الأخذ على أصل الزكاة فقد أخذها بغير حقها) [الأموال:2/ 201] .
ثم في أواخر الدولة العباسية وضعت الوظائف المالية على أصحاب الأموال، وهي رسوم متفاوتة في السلع والعقار وغيرها، وكان ذلك بفتاوى من بعض الفقهاء، وأول من عرف أنه قام بالتنظير الفقهي لمشروعية الوظائف (الضرائب) هو الجويني رحمه الله في الغياثي، وكان الهدف منها في البداية تمويل مصالح المسلمين كالجهاد في المقام الأول، ثم توسع فيها السلاطين وأساؤوا استعمالها وجعلوها لمصالحهم الشخصية، وقد شرح الإمام ابن تيمية هذا المشهد التاريخي في رسالة له اسمها (الأموال السلطانية) وهي ليست موجودة في مجموع الفتاوى، بل وجدت لاحقاً يقول ابن تيمية في تلخيص هذه الصورة التاريخية، وأعتذر مسبقاً عن نقل النص بطوله لكن لنفاسته التاريخية:
(ولم أعلم أن في الدولة الأموية وصدر الدولة العباسية وظفوا على الناس وظائف تؤخذ منهم غير الوظائف التي هي مشروعة في الأصل .. ، ثم إنه بعد ذلك حدثت دولة بني بويه الأعاجم، وغلبوا على الخلافة، وازداد الأمر عما كان عليه، وبقوا قريبا من مئة عام إلى بعد المئة الرابعة بنحو من ثلاثين سنة أو نحوها حدثت دولة السلاجقة الأتراك، وغلبوا على الخلافة أيضا … ، وكانت سيرة الملوك تختلف .. ، وهكذا هم في وضع الوظائف، فمن الملوك والوزراء من يسرف فيها وضعاً وجبايةً؛ ومنهم من يستن بما فعل قبله، ويجري على العادة، ومنهم من يقصد اتباع الشريعة وإسقاط ما يخالفها، كما فعل نور الدين لما أسقط الكلف السلطانية المخالفة للشريعة التي كانت توجد بالشام ومصر والجزيرة، وكانت أموالاً عظيمة جداً، وزاد الله البركات، وفتح البلاد وقمع العدو بسبب عدله وإحسانه، ثم هذه الوظائف السلطانية التي ليس لها أصل في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسنة خلفائه الراشدين، ولا ذكرها أهل العلم المصنفون للشريعة في كتب الفقه من الحديث والرأي؛ هي حرام عند المسلمين، حتى ذكر ابن حزم إجماع المسلمين على ذلك، ومع هذا فبعض من وضع بعضها وضعه بتأويل واجتهاد علمي ديني، واتفق على ذلك الفتوى والرأي من بعض علماء ذلك الوقت ووزرائه، وإنه لما قامت دولة السلاجقة ونصروا الخلافة العباسية .. وصنف أبو المعالي الجويني كتابا للنظام سماه “غياث الأمم في التياث الظلم” ، وذكر فيه قاعدة في وضع الوظائف عند الحاجة إليها للجهاد، فإن الجهاد بالنفوس والأموال واجب، ولا يمكن حصول الجهاد إلا بأموال تقام بها الجيوش، إذ أكثر الناس لو تركوا باختيارهم لما جاهدوا لا بأنفسهم ولا بأموالهم، وإن ترك جمع الأموال وتحصيلها حتى يحدث فتق عظيم من عدو أو خارجي كان تفريطا وتضييعا، فالرأي أن تجمع الأموال ويرصد للحاجة، وطريق ذلك أن توظف وظائف راتبة لا يحصل بها ضرر، ويحصل بها المصلحة المطلوبة من إقامة الجهاد، والوظائف الراتبة لابد أن تكون على الأمور العادية، فتارة وظفوها على المعاوضات والأملاك، مثل أن يضعوا على البائع والمشتري في الدواب والحبوب والثمار وسائر الأطعمة والثياب مقدارا، إما على مقدار المبيع، وإما على مقدار الثمن .. ، ويضعوا على العقار من جنس الخراج الشرعي، وكان ما وضعوه تارة يشبه الزكاة المشروعة من كونه يوجد في العام على مقدار؛ وتارة يشبه الخراج الشرعي، وتارة يشبه ما يؤخذ من تجار أهل الذمة والحرب .. ، وحقيقة الأمر في ذلك أن هذا من القسم الثالث-وهو ما كان اجتهاداً لكن صدر بعدوان من المجتهد- أو القسم الرابع -وهو ما كان معصية محضة لا شبهة فيه-، فإن هذا إذا صدر باجتهاد فهو في الأصل مشوب بهوى ومقرون بتقصير أو عدوان .. ، كما أنه صادر من كثير من الولاة أو أكثرهم بما يقبضونه من الأموال بغير حق، ويصرفونه في غير مصرفه .. ، فجمع هذه الأموال وصرفها هي من مسائل الفتن، مثل الحروب الواقعة بين الأمراء بآراء وأهواء، وهي مشتملة على طاعات ومعاصي، وحسنات وسيئات، وأمور مجتهد فيها تارة بهوى، وتارة بغير هوى، اجتهادا اعتقاديا أو عمليا) [الأموال السلطانية: 33 - 42، تحقيق بن الأمير] وأشار الإمام ابن تيمية إلى هذا السياق التاريخي لتطور فكرة الضريبة في تاريخ الإسلام في مواضع أخرى من كتبه، لكن ما ذكره في رسالة (الأموال السلطانية) هو أتم سياق وأطول استعراض رأيته، وقد أشار في مواضع أخرى إلى اجتهادية المسألة كقوله:
(أما الفقهاء الأئمة الذين يفتى بقولهم فلم يذكر أحد منهم جواز ذلك؛ ولكن في أوائل الدولة السلجوقية أفتى طائفة من الحنفية والشافعية بجواز ذلك، وحكى أبو محمد بن حزم في كتابه إجماع العلماء على تحريم ذلك، وقد كان نور الدين محمود الشهيد التركي قد أبطل جميع الوظائف المحدثة بالشام والجزيرة ومصر والحجاز .. ، ومن فعل ما يعتقد حكمه متأولا تأويلا سائغاً، لا سيما مع حاجته؛ لم يجعل فاسقا بمجرد ذلك) [الفتاوى:32/ 60] .
وأكّد الإمام ابن تيمية على اجتهادية المسألة أيضاً فقال:
(فإن طائفة من الفقهاء أفتوا طائفة من الملوك بجواز وضع أصل هذه الوظائف، كما فعل ذلك أبو المعالي الجويني في كتابه “غياث الأمم” ، وكما ذكر بعض الحنفية، وما قبض بتأويل فإنه يسوغ للمسلم أن يشتريه ممن قبضه، وإن كان يعتقد المشتري أن ذلك العقد محرم) [الفتاوى:29/ 265] .
ونستخلص من هذا الاستعراض التاريخي الذي طرحه ابن تيمية معطيين أساسيين: أولهما أن الجويني هو أول من تبنى التنظير الفقهي للوظائف المالية (الضرائب والرسوم) . وثانيهما أن مسألة الوظائف المالية هي عند ابن تيمية من مسائل المشتبهات، واعتبرها عنده حرام لكنها مسألة اجتهادية يسوغ فيها التأويل، وإن كان قد يقع العدوان في تطبيقها.
فأما كون الجويني (ت 478 هـ) هو أول من طرح المسوغات الفقهية للوظائف (الضرائب) فهو أمر أقر به الجويني نفسه، حيث يقول في الغياثي: (فإن قيل: قد ذكرت تسويغ وظائف لم يحم عليها طائف) [الغياثي:287] وقال في نفس المبحث (لست أحاذر إثبات حكم لم يدونه الفقهاء، ولم يتعرض له العلماء) [الغياثي:266] .
وقد تابع الجويني (ت 478 هـ) على هذا الرأي تلميذه الغزالي (ت 505 هـ) حيث يقول، الغزالي (فإن قيل: فتوظيف الخراج من المصالح فهل إليه سبيل أم لا؟ قلنا: لا سبيل إليه مع كثرة الأموال في أيدي الجنود، أما إذا خلت الأيدي من الأموال، ولم يكن من مال المصالح ما يفي بخراجات العسكر، ولو تفرق العسكر واشتغلوا بالكسب لخيف دخول الكفار بلاد الإسلام؛ فيجوز للإمام أن يوظف على الأغنياء مقدار كفاية الجند) [المستصفى:177] .
ثم انتشر هذا القول بسبب عالمية الغزالي وتأثيره في المذاهب الأربعة كلها، فهو أكثر شخصية فقهية أثرت خارج مذهبها في العصر الوسيط، وممن قرر ذلك تأثراً بالغزالي الإمام الشاطبي (ت 790 هـ) ، حيث كانت عبارته قريبة من عبارة الغزالي، فإن الشاطبي لما تعرض للمصالح المرسلة ضرب لها عشرة أمثلة، وكان المثال الخامس فيها عنده هو مسألة “التوظيف على التجار” ، لكن المفيد في معالجة الشاطبي أنه طرح في نفس الموضع تفسيراً لسبب غياب هذا القول في التاريخ الفقهي فقال (وإنما لم ينقل مثل هذا عن الأولين؛ لاتساع مال بيت المال في زمانهم بخلاف زماننا، فإن القضية فيه أحرى، ووجه المصلحة هنا ظاهر، فإنه لو لم يفعل الإمام ذلك النظام بطلت شوكة الإمام، وصارت ديارنا عرضة لاستيلاء الكفار) [الاعتصام:619] .
ومسألة تأثير الغزالي في المذاهب الإسلامية في عصره سبق أن وضحت وجهة نظري فيها في مقالة سابقة بعنوان (استمداد المذاهب من خارج أهلها) وهي منشورة على الشبكة لمن كان يهمه الأمر.
المهم هاهنا أن هذا القول، وهو مشروعية التوظيف على التجار (الضرائب) لأجل المصالح؛ انتشر عند بعض المتأخرين بعد أن نظره الجويني وأشاعه الغزالي.
وأما المعاصرين فقد رأيت تردداً عند بعض أهل العلم في هذه المسألة، أعني أصل مسألة الرسوم والضرائب، ومن ذلك مثلاً الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- فله في المسألة قولان بحسب ما رأيت، فمرةً رأى الشيخ تحريمها، حيث جاء في السؤال وجوابه (الرسوم التي تؤخذ لتجديد الاستمارة أو الرخصة هل تعتبر من الضرائب؟ الجواب: نعم، كل شيء يؤخذ بلا حق فهو من الضرائب؛ وهو محرم، ولا يحل للإنسان أن يأخذ مال أخيه بغير حق) [الباب مفتوح: ص 3/ 416، ت الطيار] .
وفي موضع آخر أجازها الشيخ ابن عثيمين، حيث جاء في السؤال وجوابه: (السؤال: ما حكم العمل في بعض الجهات التي تتحصل على الضرائب والرسوم من المواطنين؛ مثل رسوم تجديد الرخص، والاستمارات، وتسمى في بعض البلدان “الدمغة” ؟ فأجاب: لا بأس في ذلك، فإن الباذل لهذه الرسوم يبذلها باختياره، ولو شاء لم يفعل، لأنها ليست من الضرورات) [ثمرات التدوين: س 421] .
والحقيقة أن فتوى التحريم كانت في شهر صفر 1415 هـ، وفتوى الإباحة كانت في شهر جمادى الأولى 1420 هـ، والله أعلم بحقيقة الحال.
وأما اللجنة الدائمة برئاسة ابن باز فلهم فتوى مشهورة في تحريم الرسوم الجمركية (فتاوى اللجنة الدائمة، مج 1، ص 23/ 490) ولكن موضوع الرسوم والضريبة أعم من الرسوم الجمركية، فلا يمكن تعميم الفتوى على كامل مفهوم الضريبة والرسوم، ولذلك فلا أعرف بالضبط تحرير قاعدتهم في فروع هذا الباب، وخصوصاً رسوم الخدمات.
والذي يظهر لي -والله تعالى أعلم بالصواب- أنه لا يمكن تحرير حكم الضريبة والرسوم إلا بالرجوع لقاعدة الباب واستحضار الأصول الكلية الناظمة له، فمسألة الضرائب والرسوم هي من باب (السياسة الشرعية) ، والسياسة الشرعية مدارها على المصلحة، طبقاً للقاعدة الفقهية المتفق عليها بين المذاهب الأربعة (التصرف على الرعية منوط بالمصلحة) [الأشباه والنظائر للسيوطي:121] . وإناطتها بالمصلحة ليست توسيعاً وترخصاً لولي الأمر، كما يتوهم بعض المعاصرين، بل هو حصر بالمصلحة، بمعنى أنه لا يكون التصرف بالتشهي والهوى والمزاج الشخصي، بل يجب على ولي الأمر أن يتغيا المصلحة التي تنفع الناس، وقد سبق أن شرحت هذا المعنى في فقرة بعنوان (المصلحة تقييد لا تخيير) في بحث (مغلوطات المال العام) وهو منشور على الشبكة لمن كان يهمه الأمر.
حسناً .. إذا كان باب السياسة الشرعية مبناه على الاجتهاد في البحث عن المصلحة التي تنفع الناس باتفاق الفقهاء، فإن هذا يعني أن الضرائب والرسوم تكون على مرتبتين: (الضرائب المصلحية) و (الضرائب المُكسية) ، فأما الضرائب والرسوم المصلحية فهي التي يتغيا بها مصلحة المجتمع المسلم ومنفعته، لا بالتشهي والهوى والغرض الشخصي، فهذه نوع من السياسة الشرعية المندرجة في قاعدة (التصرف على الرعية منوط بالمصلحة) .
وأما (الضرائب المُكسية) فهي الضرائب والرسوم التي تؤخذ ظلماً وتدخل في نصوص الوعيد على المكوس، ومنها قول الله (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) [البقرة:188] . وقول الله (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ) [الشورى:42] . وفي الصحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال عن المرأة المحصنة المرجومة في الزنا (فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مُكس لغفر له) [مسلم:1695] . فضرب النبي -صلى الله عليه وسلم- المثال لشدة المعصية بصاحب المكوس! إشارةً لشناعة فعله، وقد جمع أهل العلم نصوص تحريم المكوس في كتب الكبائر، كالكبائر للذهبي والزواجر للهيتمي لمن أراد التوسع في نصوصها.
وهذا يوافق أصول ابن تيمية رحمه الله في التسعير، وفي الاشتراك في تحمل الضرر، بل تحدث الإمام ابن تيمية عن مشروعية إلزام ولي الأمر للناس في مسألة الإسكان، حيث يقول ابن تيمية رحمه الله:
(والأصل أن إعانة الناس بعضهم لبعض على الطعام، واللباس، والسكنى؛ أمر واجب، وللإمام أن يلزم بذلك ويجبر عليه؛ ولا يكون ذلك ظلماً) [الفتاوى:29/ 194] .
وأما الإجماع الذي أشار ابن تيمية إلى أن ابن حزم نقله، وهو قول ابن حزم:
(واتفقوا أن المراصد الموضوعة للمغارم على الطرق، وعند أبواب المدن، وما يؤخذ في الأسواق من المكوس على السلع المجلوبة من المارة والتجار؛ ظلم عظيم وحرام وفسق، حاشا ما أخذ على حكم الزكاة، وحاشا ما يؤخذ من أهل الحرب وأهل الذمة مما يتجرون به من عشر أو نصف عشر) [مراتب الإجماع:121] .
فيبدو أن ابن حزم يقصد الضرائب الظالمة، لا الضرائب التي تكون للمصلحة الراجحة، وهو ما يدل عليه سياق كلامه، ويؤكد هذا أن ابن حزم نفسه أجاز أحوالاً يؤخذ فيها قدر زائد عن الزكاة كقوله (مسألة: قال أبو محمد: وفرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم، ويجبرهم السلطان على ذلك، إن لم تقم الزكوات بهم) [المحلى:4/ 281] .
وليس في قلبي أدنى شك أن الموقف السلبي من الضرائب والرسوم في التراث الإسلامي ارتبط أساساً بالتطبيق السيء الذي وقع فيه كثير من الولاة الظلمة، الذين حولوا هذه الرسوم إلى مصالحهم ولهوهم الشخصي، وليس إلى مصالح الأمة، ومما يؤكد ذلك أن الفقهاء في مسائل الجهاد والجدب والقحط والغلاء أفتوا بجواز إلزام الناس بأمور تقوم فعلاً على مراعاة المصلحة الشرعية.
ومن أفتى بجواز الضرائب والرسوم مطلقاً فقد خلط بين الضرائب التي تؤخذ بعدل وحق، والضرائب التي تؤخذ بظلم وجور، كما أن من حمل نصوص المكوس على كل أنواع الضرائب والرسوم فقد ألغى قدراً من السياسة الشرعية المنوطة بالمصلحة.
والذي يبدوا لي -والله أعلم- أن تردد الشيخ ابن عثيمين في مسألة الرسوم لم يكن لاختلاف الأصل الكلي عنده، وإنما هو اختلاف تطبيق، فالتردد عنده في (الواقعة) لا في (القاعدة) فلم يتحرر له هل هذه الرسوم المأخوذة هي من الرسوم العادلة أم من الرسوم الظالمة؟ وهذا التردد شأنٌ طبيعي يعرض لكل أحد والله أعلم.
والأصل في الدولة المسلمة أن تقدم خدماتها للأفراد من بيت مال المسلمين، فليست الدولة تاجراً ومستثمراً بل أجيراً ونائباً في التكييف الفقهي، ولا تلجأ للضرائب والرسوم إلا إذا احتاجت لذلك لمصلحة المسلمين، والواقع يشهد أن أكثر الضرائب والرسوم المفروضة ليست مدروسة على أساس المصلحة والحاجة، بل كثيراً ما ترى الميزانيات تفيض والرسوم تزداد!
حسناً .. فلنأتِ الآن لتطبيق هذا التأصيل على مسألة (رسوم الأراضي البيضاء) ؟ فهل هي من الضرائب المصلحية أم من الضرائب المكسية؟
الجواب: أن الذي يحدد ذلك ليس المختصون في الفقه الإسلامي، بل يحدد ذلك الخبراء في هذا المجال، وهم خبراء العقار، والمطلوب من الفقهاء في الأصل أن يوضحوا القاعدة الشرعية للناس، ويشاركوهم في تطبيقها على الواقع، وأما ما يحتاج لتقرير أهل الخبرة، فالمرجع فيه أهل الخبرة، فالشريعة أسست مرجعية الخبراء كما أشار لذلك قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: 59] وقوله تعالى: ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:14] .
ولذلك لو اختلف الفقيه والاقتصادي مثلاً في تعيين كمية الجهالة في عقدٍ معين، فالعبرة بقول الاقتصادي لأنه صاحب الخبرة، كما قال ابن تيمية:
(وكون “المبيع معلوماً أو غير معلوم” لا يؤخذ عن الفقهاء بخصوصهم، بل يؤخذ عن أهل الخبرة بذلك الشيء، وإنما المأخوذ عنهم ما انفردوا به من معرفة الأحكام بأدلتها، فإذا قال أهل الخبرة أنهم يعلمون ذلك كان المرجع إليهم في ذلك، دون من لم يشاركهم في ذلك، وإن كان أعلم بالدين منهم، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم في تأبير النخل: “أنتم أعلم بدنياكم فما كان من أمر دينكم فإلي”، ثم يترتب الحكم الشرعي على ما تعلمه أهل الخبرة) [الفتاوى، 29/ 493] .
وقال ابن القيم مؤكداً تقديم رأي أهل الخبرة على الفقهاء فيما اختص به أهل الخبرة:
(وقول القائل “إن هذا غرر ومجهول” فهذا ليس حظ الفقيه، ولا هو من شأنه، وإنما هذا من شأن أهل الخبرة بذلك، فإن عدُّوه قماراً أو غرراً فهم أعلم بذلك، وإنما حظ الفقيه يحل كذا لأن الله أباحه، ويحرم كذا لأن الله حرمه، وقال الله وقال رسوله وقال الصحابة، وأما أن يرى هذا خطراً وقماراً أو غرراً فليس من شأنه، بل أربابه أخبر بهذا منه، والمرجع إليهم فيه، كما يرجع إليهم في كون هذا الوصف عيباً أم لا؟ وكون هذا البيع مربحاً أم لا؟ وكون هذه السلعة نافقة في وقت كذا وبلد كذا؟ ونحو ذلك من الأوصاف الحسية والأمور العرفية، فالفقهاء بالنسبة إليهم فيها مثلهم بالنسبة إلى ما في الأحكام الشرعية) [إعلام الموقعين، 4/ 5] .
بما يعني أن المهم هاهنا أن نقرر أن (الرسوم على الأراضي) إن قرر أهل الخبرة أن فيها مصلحة شرعية، فهي مشروعة، وإن قرر أهل الخبرة أن فيها مفسدة راجحة، أو أن مصلحتها ومفسدتها متكافئة؛ فلا يجوز في هذه الحالة فرض الرسوم، وهذا غاية ما يستطيع أن يقوله الباحث الفقهي والله أعلم.
وأما رأي أهل الخبرة فالحقيقة أنني سألت وناقشت عدداً من المختصين ذوي اتجاهات مختلفة، فرأيت بينهم تضارباً، ولم أستطع أن أصل لنتيجة “حاسمة” في مدى جدوى فرض الرسوم على الأراضي البيضاء.
فمثلاً عدد من المختصين يرى أن فرض الرسوم على الأراضي البيضاء داخل النطاق العمراني سيدفع كبار الملاك للتخلص من عقاراتهم التي لا يضطرون لها، تحاشياً لدفع الرسوم، فلا يتمسك بالأرض إلا من له غرض مباشر فيها، كمسكن أو مستغلات أو استراحة أو غيرها، وبالتالي سيزداد العرض في سوق العقار، وإذا ازداد العرض تقلصت الفجوة بينه وبين الطلب وانخفضت الأسعار إلى معدلات طبيعية، وأمكن للفرد أن يجد الأرض المناسبة ليبني مسكنه.
هذا هو الرأي الأول وهو رأي منتشر، ويتبناه الأكثر، وهم الأعلى صوتاً. أما الرأي الثاني فيرى أن فرض الرسوم عملية غير مجدية، ولن تحل أزمة الإسكان، ويعزز هؤلاء رأيهم بعدة اعتبارات، وقد تأملت كلاهم وناقشت بعضهم، وتوصلت إلى أن الاعتبارات التي يدعمون بها رأيهم هي سبع اعتبارات، وهي كالتالي:
1 - رجحان الربح على الرسم: أن كثيراً من المضاربين يحصل أرباحاً سنوية على العقارات تصل إلى (15%) وأكثر، بينما النسبة المقترحة للرسوم (2,5%) قيمة زهيدة نسبة لما يحصله المضارب من أرباح سنوية، وبالتالي فلن يفرط المضارب في عقاره.
2 - تحويل عبء الرسم على المشتري: هذه النسبة قد تدفع البائع إلى الرغبة في تعويضها عن طريق تحميلها على ظهر المشتري، فإذا دفع المالك في السنة الأولى رسماً قدره (2,5%) فقد يتمسك بأن لا يبيع إلا بجبر ما دفعه فيها، وبالمقابل لا يستطيع المشتري الشراء، فيستمر نقص العرض وتلتهب الأسعار مجدداً، وخصوصاً أن الناس يميلون للاحتفاظ بما خسروا عليه أكثر من ميلهم للاحتفاظ بما لم يخسروا عليه شيئاً.
3 - ثقافة التهرب من الرسوم: أن فرض الرسوم على الأراضي البيضاء قد يدفع القطاع العقاري لأن يترعرع فيه “ثقافة التهرب من الرسوم” مثل: تسوير الأراضي والإيهام بأنها للأغراض الشخصية أو التأجيرية كالمستودعات والاستراحات وإسكان العمال الخ ومن وسائل التهرب عقود “التأجير الصوري” وهي عقود وهمية تتم بتواطؤ بين مؤجر ومستأجر يوحي ظاهرها أن العقار مستغل، وهو غير مستغل حقيقةً، وإنما للتهرب من الرسوم. ونحو هذه الوسائل.
وإذا تشكلت ثقافة التهرب من الرسوم تشكل معها في قنوات موازية أسواق تحتية غير رسمية (السوق السوداء) لتداول العقار بعيداً عن أعين الرقابة.
4 - غياب المعلوماتية العقارية: ومما يعيق تطبيق فكرة الرسوم غياب النظام المعلوماتي الذي يضبط الملكيات ويحدد هوية العقار، فالأراضي في السعودية لا يوجد جهة تستطيع الوصول إليها لتخبرك بمن يملك هذا العقار، وخصوصاً الصكوك القديمة التي لم تدخل في النظام الشامل لكتابات العدل، فحتى الدولة نفسها لا تستطيع أن تعرف من يملك الأرض التي بجوارك! وكل ما يوجد الآن هو طرق بدائية في سؤال مكاتب العقار المجاورة والجيران وكأنها ضالة إبل تبحث عنها! فكيف يمكن في ظل هذا الغموض العقاري فرض الرسوم بطريقة عادلة وشفافة ومنظمة؟
5 - احتمالات ضعف عدالة التطبيق: نحن لسنا في بيئة مثالية، والجميع بات يعرف جيداً أن كبار الملاك العقاريين إما نافذون، أو هم مجرد غطاء وواجهة لنافذين يُطلّون من الخلف، وبالتالي فالإلزام بالرسوم قد يفتح المجال للمظالم في التطبيق، فيتنصل النافذون من دفع الرسوم عبر علاقاتهم الخاصة، وتصبح الرسوم عبئاً على الأفراد ذوي الاستثمارات الصغيرة.
6 - غموض كمية الأراضي المحتكرة: الأراضي البيضاء المحتكرة هي الأراضي الكبيرة التي لا ينوي أصحابها استغلالها، فيخرج منها أراضي المرافق الحكومية، وأراضي الأفراد الذين ينتظرون فرصة البناء أو الاستغلال.
والحقيقة أنه لا يوجد أي إحصائية دقيقة، ولا حتى شبه دقيقة؛ حول حجم الأراضي البيضاء المحتكرة التي يملكها إقطاعيون كبار (مستبعداً منها أراضي المرافق والأفراد) ، فالأرقام المطروحة كلها تخمينات متأثرة بحجم الاندفاع تجاه أحد الحلول، وهذا لاحظته فعلاً، فالمندفعون لفكرة الرسوم يبالغون في تصوير كمية الأراضي البيضاء المحتكرة لدرجة تشعرك أنك تعيش في الربع الخالي وليس في الرياض المكتظة، والرافضون لفكرة الرسوم يبالغون في تصوير محدودية الأراضي البيضاء المحتكرة بدرجة مقابلة. وكلا الطرفين بصراحة لا يملك معلومات دقيقة أبداً، وقد تتبعت كلام الطرفين ولم أجد “معلومة” يمكن الاستناد إليها.
ومما يزيد تعقيد الموضوع تنامي وجود مشروعات (التطوير الفردي) وهم الأفراد الذين يجتمعون بشكل محدود ويشترون الأراضي لتطويرها، فهؤلاء يشكلون رقماً كبيراً في عملية التطوير اليوم، بما يفوق حجم (التطوير المؤسسي) ، وهؤلاء طبعاً يشاركون في التملك لهذه الأراضي، وفرض الرسوم عليهم إضرار جوهري باستثماراتهم التي تخدم الإسكان، فإذا استبعدنا أيضاً هذه الشريحة ضاقت جداً معايير تحديد الأراضي محل الرسوم!
ومما يضاعف المشكلة -أيضاً- أننا لو سايرنا أكبر التوقعات حول حجم الأراضي البيضاء المحتكرة داخل النطاق العمراني فإن حجم الطلب المذهل في مدينة الرياض مثلاً يفوقها أضعافاً مضاعفة! فسيبقى في كل الأحوال الطلب أعظم من العرض، ولن تحل فكرة الرسوم الغلاء الفاحش.
7 - الرسوم حلٌ لا يلاقي جوهر المشكلة: يرى أصحاب هذا الاتجاه أن التركيز المكثف على فكرة الرسوم نقل الأذهان بعيداً عن أساس المشكلة، فالبداية الصحيحة في حل أي مشكلة هو التعرف على سبب المشكلة، فسبب غلاء الأراضي الأساسي هو (المضاربة) وليس (الاحتكار) ، فمثلاً التاجر موسى يبيع المتر بـ (1000) ، فيشتريها منه التاجر سعيد بـ (1200) ، ثم يبيعها بدوره على التاجر خالد بـ (1400) وهكذا، فالسبب الأساس ليس هو الاحتكار، وإنما هو المضاربات، فثمة في سوق العقار عمليات بيع لكنها تزداد معها الأسعار ولا تنخفض، بل تسمع عن عمليات بيع لا تتوازى بتاتاً مع عمليات إنشاءات! بما يعني أن غرض المبايعات هنا هو المضاربة لا الإنشاءات، وبما يعني أن جوهر المشكلة ليس في هيمنة الاحتكار، وإنما في هيمنة المضاربة.
ولكن ما السبب في سيطرة المضاربة على سوق العقار؟ السبب متعلق بالمنظومة الاستثمارية المحلية، فثمة رؤوس أموال ضخمة محلياً تبحث عن فرص آمنة لتحقيق الربح السريع، فهبطت هذه الرساميل المحلقة في مطار العقار، واشتعلت المضاربات، بحيث أصبح سوق العقار (بورصة كبيرة) وبالتالي فإن فرض السوم في هذه البورصة قد يزيدها اشتعالاً بدلاً من أن يطفئها! لأن الحل الحقيقي يجري في مسارين رئيسيين: فتح وتعزيز وتنويع قنوات الاستثمار بحيث يتم تصريف رؤوس الأموال في عدد من السلات المحلية المتنوعة، والثاني دعم التطوير العقاري الذي هو حلقة الوصل بين الفرد والمسكن، لاسترداد المطورين الذين هربوا من التطوير إلى المضاربة بعد أن صارت أكثر جدوى لهم، ودعم التطوير يكون بحل المشكلات التي تعترض التطوير العقاري القانونية والتمويلية.
على أية حال .. هذه هي الاعتبارات السبع التي ينطلق منها الفريق الذي يرى عدم جدوى الرسوم، وأنا شخصياً ليس لي وجهة نظر في هذا الموضوع، فهذه قضية خارج حقل تخصصي، ولست من أهل الخبرة العقارية، وإنما أنا باحث فقهي وظيفتي هاهنا دراسة اتجاهات أهل الخبرة واستخلاص اعتباراتهم.
والبحث الفقهي في هذه المسألة يقف عند حد الحكم في مدى مشروعية فرض الرسوم والضرائب على العقار، وخلاصة حكمها أنه إن كان هناك مصلحة شرعية راجحة فيجوز فرضها، وإن لم يكن هناك مصلحة راجحة فلا يجوز فرضها ويجب احترام أموال الناس فقد قال الله (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) [البقرة:188] وقام النبي خطيباً في الحجة التي ودّع الناس فيها وقال (فإن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، بينكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا) [البخاري:67] . فأموال الناس مصونة لها حرمتها عند الله ورسوله، والناس مسلطون على أموالهم، ولا يجوز فرض هللة واحدة على الناس إلا بمسوغ شرعي راجح، وليست أموال الناس حقلاً للتجارب، والباحث الموضوعي العلمي لا تحركه النقمة من ثراء فلان أو علان، وإنما ينطلق من المنطلقات الشرعية.
والمسوغ الشرعي لفرض الرسوم على العقارات هو قرار (أهل الخبرة العقارية) فإذا قرر أهل الخبرة رجحان المصلحة أفتى المفتي بموجب قرار أهل الخبرة، ومعرفة مصلحة الرسوم ومفسدتها ليس من تخصص الفقهاء كما قال ابن تيمية (وإنما المأخوذ عن الفقهاء ما انفردوا به من معرفة الأحكام بأدلتها، فإذا قال أهل الخبرة أنهم يعلمون ذلك كان المرجع إليهم في ذلك، دون من لم يشاركهم في ذلك، وإن كان أعلم بالدين منهم) [الفتاوى: 29/ 493] .
-خطورة المحاباة في الرسوم:
من أعوص المشكلات التي تعترض فكرة الضريبة أو الرسوم، هي احتمالات المحاباة وتهرب النافذين منها، وهذا بصراحة من أكثر ما يخيف من يفكر في هذه المسألة، وهذا منكر شرعي، فحتى لو كانت الضريبة محرمة، وحتى لو كانت الرسوم على الأراضي ظلم محض؛ فيجب العدل فيها بين الناس، يجب شرعاً العدل في توزيع المظالم، وهذه المسألة هي التي ألف من أجلها شيخ الإسلام رسالة (المظالم المشتركة) وهذه الرسالة من عيون الفقه الإسلامي، وفيها من فسلفة الفقه ما يشجي الواصفين، وقد قال فيها الإمام ابن تيمية:
(وإن كان أصل الطلب ظلماً فعليه أن يعدل في هذا الظلم، ولا يظلم فيه ظلماً ثانياً، فيبقى ظلماً مكرراً، فإن الواحد منهم إذا كان قسطه مائة فطولب بمائتين كان قد ظلم ظلماً مكرراً، بخلاف ما إذا أخذ من كلٍ قسطه، ولأن النفوس ترضى بالعدل بينها في الحرمان، وفيما يؤخذ منها ظلماً، ولا ترضى بأن يخص بعضها بالعطاء أو الإعفاء .. ، وكذلك في عطية الأولاد: هو مأمور أن يسوي بينهم في العطاء أو الحرمان، ولا يخص بعضهم بالإعطاء من غير سبب يوجب ذلك) [الفتاوى: 30/ 340] .
وقد أكدت هذه المسألة هنا لأنها مؤلمة فعلاً، وهي من أكثر ما يجعل المرء يتمهل في دعم فكرة الرسوم على العقار.
-الفرق بين الرسوم والزكاة:
سمعت وقرأت لبعض المناقشين في المخارج الفقهية لأزمة الإسكان من يقول: (وما فائدة أن تنكروا الزكاة وتوافقون على الرسوم؟! هذا اختلاف شكلي!) ، بل بعضهم يكتب الرسوم ويلحقها بين قوسين بكلمة (الزكاة) ، باعتبار أنها أشبه بالمرادف! ورأيت الكثيرين في الصحافة يكتب عن الموضوع ويورد الزكاة في محل الرسوم، والرسوم في محل الزكاة، باعتبار أن الفرق مجرد خلاف “لفظي” !
والحقيقة أن هذا خلل جوهري، فالفرق بين الزكاة والرسوم فرق معنوي ولفظي، اسماً ومسمى، وخلاصة الفرق بين الرسوم والزكاة كالتالي:
-
القيمة: أن الزكاة محسومة في قيمتها (2,5% في عروض التجارة) ، بينما الرسوم الأمر فيها مرن فيمكن التحكم في قيمتها زيادةً ونقصاً.
-
الزمن: أن الزكاة محسومة في زمنها (الحول السنوي القمري) ، بينما الرسوم زمنها مرن، فيمكن أن تكون في فترات زمنية أقل أم أطول من السنة، ويمكن أن لا تربط أصلاً بالزمن، بل تكون مربوطة بعمليات البيع والشراء بالشكل الذي يدفع المالك لتحريك أصوله.
-
مدى التطبيق: تطبيق زكاة العقار لا يجوز إلا أن يكون على عقار التجارة فقط، الذي نوى به صاحبه التجارة وحال عليه الحول، ويحرم شرعاً إيجاب الزكاة على من نوى بعقاره القنية، بينما الرسوم لا يشترط التدقيق في نية المالك، بل يجوز أخذها من العقار التجاري والعقار الشخصي إذا كانت المصلحة راجحة كما يقررها أهل الخبرة.
-
الشروط: للزكاة شروط دقيقة واختلافات فقهية من حيث ابتداء واستدامة نية القنية، ومن حيث مصدر الملك هل البيع وقبول الوصية ونحوها أم الإرث، وهذه الأمور إن تم إهدارها فقد نكون ضيقنا على الناس في عباداتهم وخياراتهم الفقهية في المسائل الاجتهادية، وإن تم اعتبارها دخلنا في صعوبات التطبيق، وأما الرسوم فليس فيها هذه الشروط الدقيقة.
-
الأساس الفقهي: الزكاة أساسها الفقهي (توقيفي) باعتبارها عبادة بل الركن الثالث في الإسلام، أما الرسوم فأساسها الفقهي (السياسة الشرعية) والسياسة الشرعية إمكانية الحركة فيها أوسع باعتبارها مربوطة بالمصلحة، فالتصرف على الرعية منوط بالمصلحة.
-
حرمة الأسماء الشرعية: من يتوهم أن خلاف الأسماء لا قيمة له، وسواء سميناها زكاة أو رسوم وأنه لا فرق؛ فهو واهم، فالأسماء الشرعية لها منزلة في دين الله، وقد أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بحفظ الألفاظ الشرعية، كما روى البخاري ومسلم وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء، فإنها في كتاب الله العشاء، وإنهم يسمونها العتمة لأنهم يعتمون بحلاب الإبل) وفي البخاري وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( “لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب” قال: والأعراب تقول هي العشاء) وتلاحظ في هذه الأحاديث حرص النبي -صلى الله عليه وسلم- الظاهر على حفظ الألفاظ الشرعية الواردة في القرآن، كما قال “فإنها في كتاب الله العشاء” كالمنبّه لهم على سر هذه المحافظة على اللفظ! ولذلك قال الإمام ابن تيمية (الألفاظ الشرعية لها حرمة) [الفتاوى:12/ 114] .
وأما من يستعمل لفظ الزكاة وهو يريد به الرسوم! فهذا أخشى أن يكون من الاستهانة باللفظ الشرعي، وقد قال الإمام ابن تيمية في موضع مشابه (فإن كان من الألفاظ الشرعية فالتكلم به بدون معناه؛ استهزاء بآيات الله سبحانه، وتلاعب بحدوده) [الكبرى:6/ 276] .
هذا طبعاً في حفظ اللفظ الشرعي، أما النصوص التي جاء فيها تدقيق الشارع في الألفاظ والعناية بها فكثيرة، كآية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا) [البقرة:104] وهذه الآية أصل في بيان منزلة الألفاظ في الشريعة، ومثلها حديث النهي عن تسمية العنب كرماً، ونهيه عن قول عبدي وأمتي وقال ليقل فتاي وفتاتي، ونحوها. وأوعب من تتبعها -فيما أعلم- العلامة المتفنن بكر ابوزيد في المناهي اللفظية.
والخلاصة أن هناك فروق بنيوية بين مفهوم الزكاة (التوقيفي الضيق) وبين مفهوم الضريبة والرسوم (المبني على السياسة الشرعية المصلحية) ولا يسوغ استعمال أحد اللفظين محل الآخر، ولا التهاون في التفريق بينهما، وحتى لو سلمنا -على سبيل الفرض الجدلي- بأنه ليس الفرق إلا لفظياً فيجب مراعاة حرمة الألفاظ الشرعية.